ميشال فوكو وسياسة الحياة



- العادل خضر

لعلّ قول الفيلسوف الألماني بيتر سلوترداك Sloterdijk في شأن الأثر الفلسفي الكبير الّذي خلّفه ميشال فوكو يجد اليوم ما يبرّره. فقد ذكر في كتابه “لا الشّمس ولا الموت”، أنّ هذا الأثر “يمثّل قطيعة لم يفهمها إلى اليوم سوى قلّة من النّاس” (1). وإذا استثنينا جاك دريدا Derrida وجيل دلوز Deleuze وميشال دو سرتو De certeau وبول فاين Veyne وهوبار درايفوس Dreyfus وبول رابينوف Rabinow وغيرهم من كبار قرّاء فوكو ومعاصريه أيضًا فإنّ فهم ما أحدثته أعمال فوكو الفلسفيّة من قطيعة يقتضي منّا أن نبحث عن آثار هذه القطيعة في أعمال فلسفيّة أخرى استعانت بـ”صندوق أدوات” فوكو(2)، لتحدث قطائعها الخاصّة، أو لتعمّق فهمها لما خلّفه صاحب “الكلمات والأشياء” من قطائع في كلّ الحقول المعرفيّة الّتي طرقها والمواضيع العجيبة التّنوّع الّتي عالجها. ومن بين هذه “القلّة من النّاس” يمكن أن نعتبر الفيلسوف الإيطاليّ جيورجيو آقمبن Giorgio Agamben من الّذين وجدوا في فرضيّة hypothèse “سياسة الحياة” Bio-politique الّتي صاغها فوكو في الفصل الأخير (حقّ الموت والسّلطان على الحياة) من كتاب “إرادة المعرفة” (3)، ما يؤسّس به أطروحته thèse الّتي تقوم على إعادة التّعريف بلفظي الحياة bio والسّلطان le pouvoir، وإعادة التّفكير في ما يقوم بينهما من علاقات. بيد أنّ موضوع “سياسة الحياة” في أطروحة آقمبن هو “الحياة عارية”، وهي تعني عند الإغريق مجرّد أن نحيا أو نعيش، وهي القاسم المشترك بين كلّ الكائنات، الحيوان والإنسان والآلهة. وهي متميّزة كلّيّا عن “الحياة المخصوصة” (La vie qualifiée bios)، الّتي تعني شكل (أو طريقة في) الحياة الخاصّ بفرد أو مجموعة. ولا يتعلّق موضوع السّيادة عند آقمبن بحياة المواطن المخصوصة المحميّة بشتّى الحقوق وإنّما بالحياة عاريةً وقد اختصرت في صمت اللاّجئين والمعتقلين والمطرودين المبعدين. هي حياة “الإنسان المقدّس Homo sacer” المُهرق دمه (4) الّذي بُذل جسمه البيولوجيّ على نحو سافر، دون أدنى وساطة، لقوّة التّأديب وقسوة العزل وقساوة الموت. ولذلك يضع آقمبن مقابل منوال المدينة الّذي يفترض أنّ السّياسة الغربيّة قد نهضت عليه منذ أمد مديد منوالا آخر يمثّل ناموس الحداثة، هو منوال المعتقل. وهو أنموذج من “تسييس الحياة العارية” «politisation de la vie nue ». بل هو يمثّل أنموذج السّلطان le pouvoir العاديَّ المعهود الجاري به اليوم. فبنية السّياسة الغربيّة عند آقمبن لا تقوم على العبارة وإنّما على العزل والإقصاء وإسقاط الحقوق المدنيّة Le ban.

إنّ هذه التّفرقة بين “الحياة عاريةً” و”الحياة المخصوصة” نجد آثارها عند أرسطو في “كتاب السّياسة”. ورغم أنّ أرسطو قد أقصى من المدينة “الحياة عارية” المرتبطة بالتّناسل وحفظ النّوع فلأنّ “الحياة المخصوصة” إنّما هي مخصوصة سياسيًّا. فالمجتمع البشري يتميّز عن سائر الكائنات بأنّه ينهض على زائد سياسيّ مرتبط باللّغة، وعلى قيم الخير والشّرّ، والعدل والظّلم، لا على اللّذّة والألم فحسب. فلفظ السّياسة عند أرسطو ليس صفة تطلق على كلّ كائن حيّ، وإنّما هو لفظ يدلّ على فارق نوعيّ يتحدّد به النّوع البشريّ.

وإن كان فوكو قد اتّكأ على هذه التّفرقة الأرسطيّة في آخر فصل من كتابه “إرادة المعرفة” فليبيّن أنّ الحياة الطّبيعيّة (أو”الحياة عارية” La vie nue zôé) (بتعبير آقمبن) في عتبة العصر الحديث قد بدأت تندمج في آليات سلطان الدّولة وحساباته، فانقلبت السّياسة إلى “سياسة حياة” Bio-politique. ذلك أنّ “الإنسان قد ظلّ خلال آلاف السّنين على ما كان عليه عند أرسطو حيوانًا حيًّا وقادرًا على الوجود السّياسيّ، أمّا الإنسان الحديث فهو حيوان قد أضحت سياسة حياته بوصفه كائنًا حيّا موضعَ سؤال” (5). وبهذا الانتقال من السّياسة إلى “سياسة حياة” نقف على واحد من أهمّ منعرجات التّفكير السّياسيّ عند فوكو. وهو منعرج يمكن تنزيله عموما ضمن بحوثه المتعلّقة بممارسة السّلطان، ولكنّه منعرج ينهض هذه المرّة على فرضيّة “سلطان الحياة” bio-pouvoir. فمنذ ق18م، أو منتصف هذا القرن على وجه التّحديد، أضحت حياة النّوع البشريّ رهانَ الإستراتيجيّات السّياسيّة. وهو رهان على حياة أجساد الأفراد بوصفهم موضوعا للتّشريح السّياسيّ. ومن ثمّة أصبح السّؤال يخصّ التّطوّرات البيولوجيّة المؤثّرة في السّكّان تأثيرًا قد اقتضى تعديلًا بواسطة سلطان معدّل régularisant هو ما سمّاه فوكو بكلّ بساطة بـ “سياسة الحياة”. وتدشّن هذه التّسمية سلسلة من الأسئلة تتعلّق بفرضيّة “سلطان الحياة” bio-pouvoir بصفة عامّة، وبالكيفيّة الّتي يحدّد بها كلّ لفظ من لفظي “سلطان/الحياة” الآخر بصفة خاصّة. فما هي هذه الحياة المتضمّنة في السّلطان؟ هل هي حياة متعلّقة بالجسد بوصفه موضوعَ اختصاصات ومراقبات؟ أم هي قوّة عمل؟ أم هي حياة بيولوجيّة (حياة المريض أو السّكّان)؟ أم الحياة عارية، تلك الّتي نذرت للموت من غير عقاب (الإنسان المقدّس)؟… وعلى هذا النّحو يمكن أن نرى كيف تحوّرت بنية السّلطان بدخول الحياة في حقله ومجاله ومشاغله. بيد أنّه ينبغي أن نفهم من هذا التّحوير في بنية السّلطان تحويرين آخرين يخصّ الأوّل الطّريقة الّتي يمارس بها السّلطان ويبذل للرّؤية، ويتعلّق الثّاني بالطّريقة الّتي ينبغي أن نفكّر بها فيه. ولأجل ذلك تقتضي فرضيّة “سلطان الحياة” إعادة تعريف السّلطان، ومساءلته (أي السّلطان) بطريقة مختلفة للإحاطة بتكنولوجياته الجديدة. ويدعونا هذا إلى أن نتابع تحليل هذه الفرضيّة في اتّجاهين متكاملين، يعتني الأوّل بإظهار الصّيغة الجديدة في ممارسة السّلطان، ويهتمّ الثّاني بإبراز جدّة المقاربة الّتي اقترحها فوكو في معالجة السّلطان في “عتبة الحداثة البيولوجيّة” للمجتمع.

1 ـ نحتاج هاهنا إلى أن نستعين ببعض دروس فوكو الّتي ألقاها بالكولاج دو فرانس لإظهار هذه الصّيغة الجديدة في ممارسة السّلطان. ففي دروس سنة 1976 الّتي صدرت بعنوان “ينبغي الدّفاع عن المجتمع” (6)، خصّص فوكو الدّرس الأخير من هذه السّنة بتاريخ 17 مارس 1976 للحديث عن فرضيّة “سلطان الحياة”. وقد انطلق من فكرة أنّ شكل الحرب قد تغيّر خلال القرن18، فأصبحت حرب أَعْرَاق. وقد بيّن أنّ مفهوم الحرب قد أقصي من التّحليل التّاريخيّ بواسطة مبدأ الكونيّة الوطنيّة، ولكنّه أبقى من جهة أخرى على موضوع العِرق ليوظّف في تحليل عنصريّة الدّولة. ولتوضيح مولد عنصريّة الدّولة اضطرّ إلى الحديث عن “سلطان الحياة” من خلال اهتمام السّلطان السّياسيّ بالإنسان بما هو كائن حيّ. وهذا الاهتمام هو ضرب من ضروب دولنة البيولوجيّ. ولكن للحديث عن دولنة البيولوجيّ هذه توجّب الحديث عن النّظريّة الكلاسيكيّة في السّيادة La souveraineté . وهي نظريّة تنهض على حقّ الحياة والموت. ويعني هذا الحقّ أنّ الملك يمتلك حقّ الإحياء والإماتة، إذ يستطيع أن يميت ويمنح الحياة بمنع الإماتة. ويسمّى هذا الحقّ بحقّ السّيف Le droit de glaive. وفي الواقع ليس للملك سوى حقّ القتل، إلاّ أنّ سلطانه على الحياة لا يمارس إلّا متى استطاع أن يقتل. فحقّ السّيف هو حقّ الإماتة والإحياء. ولاحظ فوكو أنّه حدث في هذا الحقّ تحوّل كبير يعتبره أحد التّحوّلات الكبرى في الحقل السّياسيّ. ففي القرن 19 تأسّس حقّ جديد هو حقّ الإحياء بعد أن كان حقّ السّيادة يقوم على حقّ السّيف في الإماتة والإحياء. غير أنّ فوكو لم يتابع هذا التّحوّل على صعيد النّظريّة السّياسيّة وإنّما تابعه على مستوى آليات السّلطان وفنونه وتكنولوجيّاته. ففي القرن 17 ظهرت تقنيات السّلطان الجديدة المتمركزة أساسًا على الجسد، والجسد الفرد بصفة أدقّ. وتتمثّل في سلسلة من العمليّات يجري بواسطتها توزيع أجساد الأفراد مكانيًّا لمراقبتهم وتنظيم حقل الرّؤية بشكل شامل. فبهذه التّكنولوجيّات الانضباطيّة يمكن ترويض الأجساد وتقويتها أيضًا. وهي تكنولوجيّات قد درسها فوكو في كتاب “المراقبة والمعاقبة”. ولكن خلال منتصف القرن 18 ظهرت تكنولوجيا سلطان أخرى “ليست انضباطيّة هذه المرّة. تكنولوجيا لا تقصي الأولى، ولا تقصي التّقنية الانضباطيّة، وإنّما تحتويها وتدمجها وتعدّلها جزئيًّا، وبصفة خاصّة، تستعملها…” (7). ويرى فوكو أنّ هذه التّقنية الجديدة للسّلطان غير الانضباطيّة تجرى على حياة النّاس، بخلاف تقنية الانضباط الموجّهة أساسًا إلى الجسد، بل هي لا تتّجه إلى “الإنسان الجسد” وإنّما تتوجّه إلى “الإنسان الحيّ”، وفي أقصى الأحوال هي موجّهة إلى “الإنسان النّوع” (8).

2 ـ إنّ دراسة الآليات الخاصّة بسلطان الحياة لا يمكن أن تجري وفق مقاربة تقليديّة عن السّيادة. فأسئلة من قبيل: هل الحياة بالفعل حقّ من حقوق السّيّد؟ أليست الحياة هي الّتي تؤسّس حقّ السّيّد؟ هل يمكن للسّيّد أن يطالب رعاياه بحقّه في أن يمارس عليهم سلطان الإماتة والإحياء؟ وما سواها من الأسئلة إنّما هي أسئلة يثيرها جدل الفلسفة السّياسيّة، وينبغي أن تطرح جانبا، ولكنّها تدلّ من جانب آخر على أنّ مشكلة الحياة بدأت تطرح على نحو إشكاليّ في حقل التّفكير السّياسيّ ومجال تحليل السّلطان السّياسيّ. ولذلك يقترح فوكو أن يتابع هذا التّحوّل في بنية السّلطان لا في مستوى النّظريّة السّياسيّة وإنّما في مستوى الآليات والتّقنيات والتّكنولوجيّات. وبهذا المعنى يتخلّى فوكو عن نظريّة السّيادة والحقّ لدراسة تكنولوجيّات السّلطان الّذي نجده ماثلا في قوانين الحقوق والسّيادة وإن كانت هذه القوانين تحجب الصّيغ الجديدة في ممارسة السّلطان. فالمطلوب في هذه الحالة هو فهم جديد للسّلطان. وهذا الشّرط قد صاغه فوكو على نحو خاصّ في إرادة المعرفة. وموضوع هذا الكتاب الأساسيّ لا يتعلّق بسلطان الحياة وإنّما بالفرضيّة القمعيّة “هل آلية السّلطان من نسق قمعيّ؟” إنّ السّؤال الّذي يريد فوكو التّخلّص منه هو السّؤال القانونيّ القضائيّ الخطابيّ الّذي يحصر السّلطان في صيغ القمع والمنع وفق شكل سلبيّ. فالسّلطان عند فوكو هو آليّة إيجابيّة لأنّه يرمي إلى تكثير الحياة والزّيادة من كثافتها. يقول: ”إنّنا نظلّ مشدودين إلى صورة مّا عن السّلطان ـ القانون، السّلطان ـ السّيادة، الّذي صاغه منظّرو الحقوق والمؤسّسة المونرشيّة. ومن هذه الصّورة ينبغي أن نتحرّر، أي أن نتحرّر من الامتياز النّظريّ للقانون والسّيادة إن أردنا القيام بتحليل للسّلطان داخل الممارسة الملموسة والتّاريخيّة لطرائقه. ينبغي تشييد تحليليّة une analytique للسّلطان لا تتّخذ البتّة من الحقوق منوالا وقانونا” (9).

وبصفة عامّة يبيّن فوكو الطّابع غير المتطابق للقانون القضائيّ السّياسيّ في الإحاطة على نحو خاصّ بممارسة السّلطان بما أنّ هذا القانون هو ذاته القانون الّذي بواسطته يجري تمثيل السّلطان ويُملي بنفسه كيف نفكّر فيه. يقول فوكو: ” وإن صحّ أنّ القضائيّ le juridique قد أمكن استخدامه ليمثّل دون شكّ تمثيلًا غير شامل سلطانا قد تركّز أساسًا على الأخذ والإماتة فإنّه قد أضحى مغايرا تماما المغايرة لطرائق السّلطان الجديدة الّتي تشتغل بالتّقنية لا بالحقوق، وبالتّنميط لا بالقانون، وبالمراقبة لا بالمعاقبة، وهو يمارس في مستويات وأشكال تتجاوز الدّولة وأجهزتها. لقد انخرطنا الآن منذ قرون في نمط من المجتمع حيث قلّ شيئا فشيئًا إمكان أن يقنّن القضائيُّ السّلطان أو أن يخدمه بأن يكون له جهاز تمثيل” (10). فالبحث عن السّلطان ينبغي أن يجري خارج مجاله التّقليديّ، وبعيدًا عن آلياته المعهودة، تلك الّتي مثّلته أو جرى تمثيله بها.

بيد أنّ تحليل فرضيّة “سلطان الحياة” سيكون مبتورًا لو اقتصرنا على وجه واحد منها ذاك الّذي يتعلّق بتحسين الحياة ومضاعفة حظوظها وإطالة الأعمار واستبعاد الحوادث وتعويض الخسائر والعجز. فقد أظهرت الممارسة مفارقات خاصّة عندما أصبحت الدّولة تستعمل القنبلة الذّرّيّة لقتل مئات الملايين من الأفراد. فالسّلطان الضّامن للحياة لم يعد بمقدوره أن يضمن الحياة الّتي أوكلت إليه منذ القرن 19. يمكن أن نتساءل كيف أصبحت وظيفة “سلطان الحياة” مزدوجة تمارس حقّ القتل ووظيفة القتل في نظام سياسيّ يفترض أن تكون وظيفته الأساسيّة تنمية الحياة وتعهّدها وتوفير حظوظ استمرارها؟ يضرب فوكو لإيضاح هذه المفارقة بعض الأمثلة منها مثال العنصريّة. فبعد أن تعرّض فوكو في بداية الدّرس (بتاريخ 17 مارس 1976) لحرب الأعراق وعنصريّة الدّولة يبيّن في الفقرات الأخيرة أنّ العنصريّة قد زرعت في آليات الدّولة لمّا انبثق “سلطان الحياة”، فأصبحت آلية أساسيّة من آليات السّلطان، بحيث أنّ عمل الدّولة الحديثة لا ينجز إلاّ بالعنصريّة بما هي وسيلة قد أحدثت قطيعة في الحياة ذاتها بين من يحقّ له أن يحيا، ومن ينبغي له أن يموت، وأحدثت كذلك تجزئة في الحقل البيولوجيّ وذلك بتمييز الأعراق بعضها عن بعض (أعراق راقية وأعراق وضيعة)… والمهمّ في العنصريّة أنّها ليست علاقة حربيّة أو عسكريّة وإنّما هي علاقة بيولوجيّة. فهي آلية إذا ما استخدمت صار بمقتضاها العدوّ الّذي ينبغي القضاء عليه لا يمثّل الخصم بالمعنى السّياسيّ التّقليديّ وإنّما هو الخطر الخارجيّ والدّاخليّ الّذي يهدّد حياة السّكّان. فليس الأعداء من هذا المنظور منافسين سياسيّين وإنّما هم أعداء بيولوجيّون. ولا ينبغي أن نرى في موت العدوّ ضمانا لحصانتنا، وإنّما هو إبادة عرق فاسد يجعل موته حياة العرق الباقي أسلم وأنقى. فالعنصريّة في تصوّر فوكو هي شرط ليكون القتل مقبولا في مجتمع معياريّ. فـ”سلطان الحياة” لا يوجد إلاّ في مجتمع معياريّ، يوجد بوجوده، فتغدو العنصريّة الشّرط الّذي يسمح بقتل فرد أو شخص أو إماتة الآخرين. وحينئذ لا يمكن ضمان وظيفة الدّولة القاتلة إلاّ إذا اشتغلت آليات الدّولة على نمط “سلطان الحياة” باستخدام العنصريّة. وبهذا المثال نقف على ما في “سلطان الحياة” من مفارقات في طرائق اشتغالها تقتضي في كلّ الأحوال إعادة التّعريف بآليات السّلطان في الدّولة الحديثة ومقاربتها بطرق مختلفة.

ولعلّ أهمّ ما ينبغي الخروج به من هذا العرض المعتصر لفرضيّة “سياسة الحياة” Bio-politique هو أنّ هذه الفرضيّة لا تمثّل منعرجًا هامّا في تفكير فوكو السّياسيّ فحسب وإنّما هي قد أسّست لأنموذج paradigme جديد في برنامج التّفكير السّياسيّ بدأت الأبحاث في نطاقه تطالعنا يوما بعد يوم. يكفي في هذا السّياق أن نذكّر بأعمال الفيلسوف الإيطاليّ جيورجيو آقمبن Giorgio Agamben الّذي اقترح أن يكمّل مشروع فوكو في مجال “سياسة الحياة” بفتحه على أعمال حنّة أرندت الّتي اشتغلت بعد الحرب العالميّة الثّانية على أنظمة الدّولة الكليانيّة، أو أعمال الفيلسوف الألمانيّ بيتر سلوترداك، خاصّة في مشروعه الفلسفي الكبير في “الكرويّات La sphérologie” الّذي صدر في كتاب يتألّف من ثلاثة مجلّدات بعنوان جامع كرات Sphères. وقد بيّن في مدخل الجزء الثّالث من كرات III بعنوان “زبد cumesÉ” أنّ الإرهاب الجديد قد دمّر التّمييز بين العنف ضدّ الأشخاص وضدّ الأشياء المنتمية إلى المحيط “. فهو عنف ضدّ “الأشياء” الّتي تحيط بالإنسان، ومن دونها لا يمكن للأشخاص أن يبقوا أشخاصا”. هذا العنف له بداية تاريخيّة معلومة، إنّه 22 أفريل 1915 اليوم الّذي استعمل فيه غاز الكلور كوسيلة في الحرب. وهو تاريخ يدشّن نوعا جديدا من الحروب هو القضاء على المحيط الّذي يضمن بقاء العدوّ حيّا لا على العدوّ نفسه. ومن ثمّة شيّد سلوترداك منوال المناخ الإرهابي le modèle atmoterroriste بالاعتماد على حرب الغاز، أي بعد اكتشاف دور عنصر الهواء في تقنيات الدّمار والإبادة الجديدة. ألا يدعونا هذان المثالان إلى إلى الاستعانة بفرضيّة “سياسة الحياة” لإعادة التّفكير الجذريّ في أنظمتنا السّياسيّة وفهم طرائق اشتغال الدّولة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة الّتي مافتئنا نقاربها من زاوية حقوقيّة؟



الهوامش:

1- Sloterdijk, Peter: (2004) Ni le soleil ni la mort. Jeu de piste sous forme de dialogues avec Hans-Jürgen Heinrichs, Hachette, coll Pluriel, p16.

2- كان ميشال فوكو يسمّي كتبه عندما يتحدّث عنها Boîte à outils صندوق الأدوات

3- انظر بصفة خاصّة الصّفحات ص.ص 115-191 من كتاب Foucault, Michel: (1976-1994) Histoire de la sexualité I. La volonté de savoir. Tel Gallimard.

4- انظر كتاب: Agamben, Giorgio: (1997) Homo sacer, le pouvoir souverain et la vie nue. L’ordre philosophique, Seuil الّذي يعرّف “الإنسان المقدّس Homo sacer” بكونه الإنسان الّذي يمكن قتله دون أن نقترف بقتله أيّ جرم ولكنّه أيضا الإنسان الّذي لا يمكن التّضحية بقتله في أيّ شكل من أشكال القتل الطّقوسيّة.

5- انظر: Foucault, Michel: Histoire de la sexualité I. La volonté de savoir, op.cit, p188.

6- انظر: Foucault, Michel: (1976) «Il faut défendre la société». Cours de collège de .France, Hautes Étude, Gallimard-Seuil هذا علما بأنّه توجد ترجمة عربيّة لهذه الدّروس لم نعتمدها لعدم احترامها للأصل في مواطن كثيرة، أخطرها إسقاطها عبارات أو فقرات تامّة من هذه الدّروس.

7- انظر: Foucault, Michel: «Il faut défendre la société»m op.cit, p.p215-216

8- انظر: Foucault, Michel: «Il faut défendre la société»m op.cit, p216

9- انظر: Foucault, Michel: La volonté de savoir, op.cit, p.p118-119.

10- انظر: Foucault, Michel: La volonté de savoir, op.cit, p118.

إبراهيم بن مدان يكتب: فلسفة العداء الاجتماعي!



يكره الناس في غالب الأحيان المتفوقين والأذكياء الذين استطاعوا الوصول لشيء لم يصله العامة؛ لا سواء فكرا أو فلسفة أو أدبًا أو علومًا... ولذلك نجد هذه الأخيرة (العامة) تناصبهم أشد أنواع العداء لا لشيء إلّا لأنهم تخلصوا من القيود والحواجز التي يشترك فيها الجميع. فالإنسان الذي يسبق غيره في شيء ما دائمًا توجّه له أصابع العداء من قبل أشخاص لا تربط بينه وبينهم أي صلة عداوة أو شيء من هذا القبيل، ولكن فقط لأنه متميز بالمقارنة معهم لابدّ أن يناصبوه العداء والبغضاء. لأنه بكل بساطة استطاع أن يتحرر من اللّاشعور الجمعي الذي يحكمهم جميعًا، وكون رؤية مستقلة خاصة به يتميز بها عن غيره، ولذلك توجه له السهام التي لا يعرف سبب قدومها. لأجل ذلك كان الفيلسوف 'نيتشه' يقول دائمًا: "أن نكون الأوائل هو أن نكون ملعونين محتقرين".

فإذا أردنا أن نفهم هذه الظاهرة بشكل جيد وجب علينا العودة للتاريخ، من أجل أن تتضح لنا الرؤيا جليًا، لنجد أنها كانت منذ القدم، بمعنى أن لها جذورًا تاريخية. بحيث عانى منها كل من الأنبياء والمفكرين والفلاسفة والعلماء... فأن يأتي الإنسان بشيء جديد إلى هذا العالم، فتلك جريمة لا تغتفر، وبالتالي فالإنسان الذكي هو الذي لا يهتم بآراء الآخرين حوله ويمضي في طريقه ما دام لا يؤذي أحدًا ولا يحقد على أحد ولا يبغض أحدًا، لا يبحث عن حب الآخرين له لأن حبهم في آخر المطاف لا يسمن ولا يغني من جوع، كما أن بغضهم شيء طبيعي ومتوقع ما دام وصل لأشياء لم يصلها غيره.
الفيلسوف 'سقراط' يوم حكم عليه بالإعدام، وشرع في شرب السم قال قولته المعروفة: "ويل لمن سبق عقله زمانه"، فأن يكون عقلك سابق لزمانك، فهي المعاناة بعينها، لأنك تحس بنوع من الاغتراب داخل المجتمع، ترى الآخرين يمشون في نفس الطريق التي لا تروقك، لأنهم لا يفهمونك ولذلك قد تتهم من قبلهم إما بالجنون أو التكبر أو الغرور أو غيرها من الصفات التي من خلالها يبررون سبب عجزهم وتفوقك، ويجدون فيها العزاء المناسب لتكاسلهم وقعودهم. 
نعود مع الفيلسوف نيتشه الذي بدأنا به حديثنا هذا كان واثقًا أنه ذات يوم سيصير له شأن عظيم في هذا العالم، فكان يقول: "إن بعض الناس يولدون بعد موتهم"، نفس الشيء حصل مع معلمه 'شوبنهاور' الذي اختلف مع أمه ذات يوم فقال لها: "سيذكر العالم أنك كنت أمًّا لشبنهاور". في إشارة منه إلى أن جميع أعمالها الأدبية التي كانت تفتخر بها ستنسى مع الزمن في حين سيبقى هو خالدًا مخلدًا، وذاك ما كان فعلًا. فهنا نستنج أن شخصية بعض الناس تكون مختلفة عن غيرهم، ويعلمون أنهم خلقوا لشيء عظيم ينتظرهم ويسعون إلى تحقيقه، وهم في هذا السعي والتفرد يُجابهون بأقصى أنواع الأحقاد والعداوات والمآسي التي توجه لهم من قبل الآخرين لنقول: "إن مسألة الثقة بالنفس والسعي نحو الأفضل لا علاقة لها بالغرور إطلاقًا كما يُصور لأغلب الناس".

هؤلاء المحتقرين، (فتح القاف) بلغة نيتشه وسعيهم نحو الأفضل يجعل أكبر مطالبهم من الآخرين هي أن يتركونهم وشأنهم، ولسان حالهم يقول: "لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا"، لأن ترك الآخرين إياك وشأنك هي نعمة لا تقدر بثمن. ذات يوم كان الفيلسوف 'ديوجين الكلبي' داخل برميله كالعادة حتى مر بجانبه 'الإسكندر الأكبر'، فشده هذا المنظر واقترب منه ودار بينهما حوار طويل حتى قال له الإسكندر: أتريد شيئًا يا ديوجين؟ فأجابه ديوجين قائلًا: لا أريد شيئا ولكن تنحى فأنت تحجب عني أشعة الشمس. فأحيانًا أفضل ما يمكن للآخرين تقديمه لك هي تركك وشأنك!


عبد الفتاح البشيري يكتب: التّقنية والإنسان



إنّ الحديث عن التّقنية والإبداع هو قول بخاصية يحتكرها الإنسان إلى حدٍّ كبيرٍ، إذ أنّه ومع توالي القرون التي عاش خلالها الإنسان منذُ بداياته الأولى، كانَ دائم السّعي إلى تطوير قُدراته من أجلِ أن يسيطرَ على سيرِ الأمور ويضمن بقاءه بطريقة يقينية، فكون أن الحياة في حالة الطّبيعة كما يصفها "توماس هوبز" كانت صراعًا بين الكلّ ضد الكلّ، وكان الشّعار السّائد حينئدٍ هو البقاء للأقوى والأقدر، سعى كلّ فرد إلى أن يطور من قدراته ويبتكر ما يمكن أن يساعده في أن يتقوى على الآخرين، وعندما نقول آخرين فإننا نقصد بذلك كلّ ما يتجاوز ذات الفرد من أناس أخرين، ومن حيوانات، ومن كلّ كائن قد يُشكل خطرًا عليه وضد كلّ مَن بهِ يضمن الفرد بقاءه.

إن سعي الإنسان هذا لأن يتقوى هو نابع من غريزة البقاء والخلود التي تتجدر في ذات الإنسان كونه يخشى الفناء والإندثار؛ لهذا بحث عن سبل تضمن له الدّوام والبقاء، وعندما أوشك الإنسان أن ينقرض أدرك أنّه لا سبيل له للبقاء إلا باتحاد البشر ضد الطّبيعة، وهُنا بدأت تقنيات بدائية بالظّهور توحد بين الجنس البشري ضد باقي الكائنات التي تهدد استمراره، وضد التي تضمن بقاءه على قيد الحياة والتي ينتفع منها، فابتكرت أدوات الصّيد وأدوات تحميهم من فحيح الشّمس وتقيّهم برودة الشّتاء ولغات وأعراف تواضعوا عليها.. وغيرها. ومع توالي العقود والقرون كان الإنسان دومًا في مسار يُطّور من خلاله تقنياته ويقويها ويرنو بها إلى الزّعامة، وهكذا نقول إن تطوير الإنسان لكلّ تلك التّقنيات كان دومًا وسيلة للتواصل مع الآخرين وربط علاقات معينة معهم سواء علاقات السّيادة أو الصّداقة أو الاحتراس، ولم تكن تلك التّقنيات في بادئ الأمر غاية ولم يكن هناك إنسان يقول بهذا، بل كانت دومًا في نظره وسيلة ترفعه إلى الأفق في مكان آمن، فامتلاك تقنيات مُتطورة كان وسيلة ورمزًا للقوة عبر كلّ العصور، ومع كلّ عصر كانت تبتكر وتُطور تقنيات وأدوات تفوق السّابقة عنها دقة وقيمة وفعالية، إلى أن بلغنا عصرنا هذا الذي تحكمه التّقنيات التّكنولوجية بنسبة عالية.
 ومع هذا التّطور الملحوظ في كلّ أشكال التّكنولوجيا المتطورة، لم تعدْ الغاية هي بناء علاقات مع الطّبيعة بل أصبحت الغاية هي بناء علاقات مع البشر أنفسهم، فأصبحنا نتحدث عن مواقع التّواصل الإجتماعي وعن الهواتف الذّكية والأجهزة التّكنولوجية الحديثة وغيرها، و قد أصبح التفاعل بها ومعها وداخلها أكثر تفاعلًا من الواقع، إلى درجة أن التّكنولوجية والكينونة أصبحتا وجهان لعملة واحدة هي الإنسان. ويمكن أن نقول هنا أن الإنسان في عصرنا هذا أصبح خاضعًا للتقنية بالإكراه وليس بإرادته وأصبحت من الضّروريات بعدما كانت من الكماليات، وأصبحت الإبداعات والإختراعات والتّقنيات الحديثة غاية بعدما كانت مُجرد وسيلة، ففي كلّ مرة يقتني الإنسان شيئًا جديدًا ليس له حاجة براغماتية فيه -بالمعنى الفلسفي- فكأنّما يشنق نفسه بحبلٍ مربوط بذلك الشّيء لا يسعه أن ينفك منه، ويسير إلى أن يصير متلهفًا لكلّ جديد تقني، وقد نقول هنا أن الإنسان أصبح عبدًا للتقنية لأنه لا يستطيع الاستغناء عنها ولا تَصُور العيش من دونها، كأنّها هي التي أصبحت مُتحكمة بالإنسان وليس العكس.
ففي كلّ كرة يجب علينا أن نُسائل أنفسنا.. هل نستطيع العيش من دون الأشياء التي كنا نعيش دونها قبل أن نملكها؟
سيبدو السؤال للوهلة الأولى عاديًا؛ لكن إذا ما تمعنا فيه فسيكون أعمق مما نتخيل، فقبل أن تملك هاتفًا كنتَ تدبر وسيلة للتواصل مع الغير ولكن بعد أن تمتلكه لن تستطيع الاستغناء عنه، وقبل أن تشتري سيارة كنت تجد طريقة لتصل إلى مبتغاك، ولكن بعد أن تملكها قد تبدو لك أقصر المسافات طويلة، وغيرها من الأشياء التي تحوَّلت من كماليات إلى ضروريات، بل إلى درجة أنّها أصبحت أهدافًا يضعها الفرد أمامه لتحقيقها، فامتلاك بيت يحوي أخر التكنولجيات وسيارة فخمة وملابس ماركات عالمية وهواتف ذكية...إلخ، أصبحت هدفًا يضعه الفرد الآن في حياته. وسيبقى الإنسان دومًا خاضعًا لكلّ تطور تقني، ورغبة الإنسان ستبقى دومًا هي رغبة في الامتلاك، والتّملك غريزة مُتجدرة فيه؛ لأنَّ الفرد يعي بدون وعي أنه كائن ضعيف عليه أن يسعى إلى القوة، وكائن ناقص عليه أن يسعى إلى الكمال، و كائن خاضع عليه أن يصبح متحررًا، وكائن فقير عليه أن يغتني، وكأنَّ التّقنية والحالة هذه هو طوق نجاته من براثين كل هذا الذي ينغمس فيه.
 وإذا قيل سابقًا أن امتلاك تقنيات متطورة كان رمزًا للقوة عبر كلّ العصور، فإنّه الآن أصبح رمزًا للتميز والتّرفع عن غيره، فنقول إنّه يعز في نفس المرء أن يمتلك ويتميز في ما يملك عن الأخرين وكأنّ في ذلك تقوي له عليهم؛ لذلك يفكر دومًا في اقتناء الجديد والحديث أيضًا ولو لم تكن له حاجة فيه وكأنّه يقول لا أسعى إلى الاقتناء لأنني أحتاج، وإنّما أنا في حاجة إلى الاقتناء والدّافع دومًا هو حبّ التّملك والتّميز.
إن القضية هذه تضعنا أمام سؤال جوهري يقول: ما الأصل وراء تفشي غريزة التّملك هذه على الذّات الإنسانية؟
إن لهذه الغريزة، أيّ غريزة التّملك أسسًا عميقة في كينونة الإنسان، تدفعه دومًا إلى اقتناء أشياء لا حاجة ولا هدف له من ورائها، يريد أن يمتلك فقط بدون سبب واضح أو غاية نفعية ترجى منه، إن السّبب هو كامن في لا وعي الإنسان في الأنا التي تربت فيه منذ الصّغر والتي لا تكتفي ولا تقنع من احتضان الجديد وفي كلّ مرة تريد المزيد، فمنذ الصبا يسعى الطفل الصّغير إلى الامتلاك والقبض على أشيائه بكل قوة ولا يسلمهم لأحد، وكيف له أن يبكي إذا ما سلبه أحدهم أشيائه! وفي كلّ مراحل حياة الإنسان تتطور رغبته هذه وتتنوع أشكال رغباته وتصبح الأشياء التي يمتلكها في أبعد الحدود جزءًا من هويته، وهكذا يبقى في حيرة دائمة وفي سير نحو امتلاك الجديد وكأنّه والحالة هذه يسقل هويته وكينونته.
فيسير هكذا إلى أن تصبح تلك الأشياء والتقنيات التي يمتلكها هي مقياس حكمه على قيمته أولًا وتقييمه للآخر من خلالها ثانيًا، فيحكم على الأشخاص من خلال ما يملكون من أجهزة وما يرتدون وما يركبون وما يستعملون، فأصبحنا في زمن آخر تتحكم فيه التّقنية وحب الاستحواذ عليها وامتلاكها، وهكذا نجد "هيدغر" يُعرف التّقنية بأنها نمط وجود الكائن الخاضع لسيطرة الفكر التقني، ف"هيدغر" يرى بأننا لا نعيش بالأشياء بل معها، أي أن الإنسان يشترك مع الأدوات في الوجود؛ لذا يتعاطى مع الوجود بها، أي أنّها ليست مجرد وسيلة بل وسيط للوجود، أي أن التقنية والحالة هذه هي التي تضع للإنسان المالك لها حيزًا في الوجود وبها يحقق كينونته، فحتى عندما يموت الإنسان تبقى هي ذكرى عنه، هي امتداد لوجوده لأنّها كانت تشاركه الوجود.
وكأنّ الإنسان بعدما سعى في بادئ الأمر إلى اختراع تقنيات تجعله ضامنًا لبقائه ظنًا منه أنه سيتحكم فيها، أصبح الآن خاضعًا لها وهي الّتي تسيطر عليه بل إنها تضعفه، وسيظل الفرد الإنساني دومًا عبدًا للتقنية وأشيائها، ما لم نفهم العلاقة الأصلية التي تربطنا بها، وإذا ما وعينا بطبيعة هذه العلاقة فحتمًا سنبني أخرى أكثر اتزانًا، وعلينا أن نضاعف الجهد في مراقبة علاقتنا بالتّقنية لأن بها يمكن أن نحدد مواطن الارتباط والعلاقة غير الصّحية بيننا وبين الأشياء، وهذا الوعي سيدفعنا إلى تصحيح العلاقة بيننا نحن والأشياء وإعادتها إلى مكانها الصّحيح كوسيلة لا كغاية وكخادم لا كسيد، وعلينا أن نملك الأشياء بأيدينا لا بقلوبنا، نملكها دون أن تملكنا.

ويمكن القول أن الأساس الذي يجب أن تنبني عليه علاقتنا بالأشياء هي علاقة براغماتية من ناحية فلسفية عميقة ترى قيمة الشيء في المنفعة التي يدرها عليّ أنا كإنسان.

أندريه كونت سبونفيل: “مَفهوم الزَّمان”


- ترجمة: حسن بيقي


“الحاضر وحده الموجود” خريسيبوس

ما الزمان؟ ”إذا لم يسألني أي شخص عنه، فأنا أعرفه، كما ورد في اعترافات القديس أوغسطين، لكن لو قدر لي أن أسأل عن معناه، وأنا راغب في شرحه، فلن أعرف عنه شيئا”. إن الزمان هو بداهة ولغز: كل شخص يختبره، دون أن يتمكن أحد من استيعابه، لأنه لا يكف عن الانفلات. لو شاء الزمان أن يتوقف لحظة، لآلت الأشياء كلها إلى سكون، ولأنعدم الزمان تمامًا، بل لما وجدت الأشياء بالمرة، ولما سرت حركة أصلًا (بما أن الزمان ضروري لحدوث الحركة)، ولما تقرر السكون (بما أن الزمان ضروري من أجل أن يظل ثابتًا). بدون زمان لن يكون هناك وجود للحاضر، وبالتالي سيستحيل قول يوجد: كيف يتأتى لشيء ما أن يوجد؟ الزمان، كما أوضح كانط، هو الشرط القبلي a priori لكل الظواهر، يكفي أن أقول أنه هو الشرط بالنسبة لنا جميعًا.

علاوة على ذلك، كيف يتأتى للزمان أن يتوقف، علمًا أن أي وقف يفترضه؟ “يا زمان! فلتعلق تحليقك! إنها أمنية صبوة شاعر، مثل ألان، ولكنها أمنية يدمرها التناقض لو تساءلنا: كم سيستغرق توقيفُ الزمن لتحليقه؟ هناك فعلا مسلكان: إما أن الزمان لا يتوقف إلّا لبعض الوقت، وهو ما لم يتم حدوثه؛ وإما أنه توقف نهائيًا وبالتالي يفقد مفهومًا التوقف والنهاية معنييهما. لا وجود للتوقف إلّا في ارتباط مع الماقبل، مثلما أن النهائي لا وجود له إلّا في ارتباط مع المابعد. والحال، أن الماقبل والمابعد يفترضان الزمان، على اعتبار أن فكرة توقف الزمان، سواء أكانت مؤقتة أو نهائية، لا يمكن التفكير فيها إلّا داخل الزمان.

إن الزمان، بالنسبة لنا، هو أفق الكائن، وكل كائن. وماذا عن الأبدية؟ لو كانت نقيض الزمان، سيكون من غير الممكن أن نعرف أي شيء، ولا أن نفكر في أي شيء، ولا أن نختبر أي شيء. كان ديدرو يحلو له، وهو في تجواله بين الأطلال، مناجاة ذاته ناشدًا: كل شيء مآله الفناء، والفساد، والذهاب. فما من شيء يبقى خلا العالم، وما من شيء يدوم عدا الزمان”. وما من شيء، بدونه، يستطيع أن يبقى، أن يمضي، أن يدوم، ولا حتى أن يفسد. إن الكينونة Etre معناها أن تكون في الزمان، بما أنه استمرار أو توقف. لكن ما هذا الزمان الذي ما يفتأ في المضي إلا شريطة أن ينشد الإقامة، ولا يقيم إلّا شريطة أن ينساب، والذي لا يوهب نفسه، في النهاية، إلا في ظل تجربة الهروب، حيث بمقتضاها ينفلت من قبضتنا؟ لابد إذن للزمان أن يكون، بما أن لاشيء، بدونه، يستحيل أن يوجد. لكن من يكون؟

فما ندعوه نحن بالزمان هو، قبل كل شيء، تعاقب الماضي، الحاضر، والمستقبل. بيد أن الماضي لا وجود له، بما أنه غير كائن بالمرة. ولا المستقبل، بما أنه لم يحن بعد وجوده. أما الحاضر، فإنه على ما يبدو لا يصير زمانا -لا الأبدية- إلا من حيث أنه لا يكف، لحظة لحظة، عن الانمحاء. فهو غير كائن إلا عند كفه عن أن يكون، بتعبير القديس أوغسطين، وهذا ما ننعته بالحاضر: اختفاء المستقبل في الماضي، وابتلاع ما لم يحن بعد وجوده في ما استنفذ وجوده إلى الأبد. أي يوجد في منزلة بين المنزلتين؟ بله، هو عبور من هذا إلى ذاك، غير أنه عبور يتعذر استيعابه، بل هو عبور غير متناسق، لكن، بلا مدة، بما أن كل مدة، بالنسبة للعقل، مركبة من ماض ومستقبل لا وجود لهما. إنه إفناء (الحاضر) بين نمطين من العدم (المستقبل والماضي)؛ انفلات بين كيفيتين للغياب، وميض بين ليلتين. كيف لهذا الأمر أن يصنع عالمًا؟ وأن يصنع مدة؟

لنعتبر لحظة الحاضر. فأنت في هذه اللحظة بصدد قراءة هذا النص الموجز عن الزمان… فما قمت به آنفا، هو ضرب من الماضي ولا يشكل شيئًا، أو تقريبًا لا شيء، أو لنقل غير كائن بالمرة، لأن هذا الشيء لا يكتسي طابع الوجود إلا إذا وجد من يبعث ذكراه في الحاضر، لكن هذه الذكرى ليست شيئًا من الماضي، ولا يمكن أن تكونه: إن هي إلا أثره أو استحضاره الحالي، واللذان يعدان جزءًا من الحاضر. وبما أن ذكرى المرء عينه أمست في طي الماضي، فلن يتأتى له أبدًا استذكارها: فلن تكون ذكرى بل نسيانا. الماضي لا يوجد بالنسبة لنا إلا في الحاضر أو داخل الحاضر: فهو لا يوجد، وتلك هي مفارقة الذاكرة، إلا من حيث كونه لم يمض.

وعليه، ألا يمكن اعتبار ماض لا يتذكره شخص ما لا شيئا، أو لا شيئًا على الإطلاق؟ ليس الأمر بهذه السهولة. لأنه في نهاية المطاف ما لا يكون أبدًا، يبقى حقيقيًا -حقيقيا على الدوام- أن هذا الأمر سبق أن كان. لنضرب مثالًا عن الفتاة الصغيرة التي ذرفت دموعًا، في معتقلات Auschwitz، من شدة البرد القارص، ومن تضور بطنها جوعا، ومن إحساسها المسكون بالخوف. فقد يحدث لها أن تتعرض، ربما، في لواحق الأيام، لاختناق غازي، لنقل في ديسمبر 1942، دون أن يعلم أحد بتاتا باسمها أو بسحنات وجهها، لكون الحدث وقع منذ سنوات خلت إلى درجة أن كل من كان على علم بأمر واقعة الفتاة، أمسى في عالم الأموات، بل إن جثتها نفسها قد اختفى أثرها تماما، فكيف يتأتى لنا أن نتذكر دموعها؟ نعم. بيد أن هذه الواقعة التي جرت في الماضي تبقى حقيقية، وستبقى كذلك على الدوام، حتى وإن لم يعد حاضرا أي شخص يتذكرها في الوقت الراهن، أو لن يتذكرها في المستقبل. ذلك أن كل دمعة أذرفتها على مقلتيها هي بمثابة حقيقة أبدية كما عبر عن ذلك سبينوزا، ولن تكون الحقيقة على خلاف ذلك. فهل هذا يعني أن الماضي موجود مهما جرت الأمور؟ ليس الأمر كذلك، بما أن هذه الحقيقة حاضرة، هي حاضرة دوما: الأبدية ليس شيئا آخر، بالنسبة للفكر، إلا هذا الحضور- الدائم للحقيقي. بهذا المعنى، ليس الماضي الذي يقيم، وإنما الحقيقة هي التي لا تمضي.

ها أنت على وشك قراءة بعض السطور السابقة. هي لا تشكل إلا لحظة وجيزة من حاضرك، والتي ما تفتأ أن تنساها على حين غرة. فهل من الصواب القول أنك قرأتها؟ بلا ريب، لكن يصح كذلك أن يحدث لك نسيانها.. ومع ذلك فحتى وإن تطلب الأمر تذكرها طيلة حياتك، فإن تلك الدقائق من الوقت التي أسرفتها ليست على الأقل خلفك نهائيا. صحيح أنك تستطيع إعادة قراءة هذه الصفحات في الغد أو بعد عقد من الزمان، غير أنك لن تعتر أبدًا عن تلك اللحظة التي أمست غير موجودة، لحظة القراءة الأولى، لحظة القراءة السابقة. لأن الزمان عينه، لا يكف عن الاستمرار، عن المضي،عن التغير، وهذا هو اللغز الحقيقي: لغز يتجلى في كون الحاضر ما ينفك من الاندثار دوما (في الماضي) دون أن يختفي أبدًا (بما أنه في حالة سريان). إن هذا اللغز هو الزمان، والذي لا يستطيع الماضي أن يحتويه ولا أن يبدده. وعليه، كيف يتأتى للماضي أن يؤول زمانًا بما أنه غير موجود تمامًا؟ كيف يتأتى للزمان أن يصير ماضيًا بما أنه مقيم فيه؟

وما شأن المستقبل؟ بالنسبة إليك كقارئ، فان المستقبل الأقرب إليك، أو الأقرب إلى الصواب هو مثلا أن تقرأ الأسطر التي تسترسل أمام أعينك…إلا أن هذا الأمر ليس مؤكدًا، طالما أن اللحظة لم تتحقق بعد: فقد يحدث أن يزعجك صديق، أو تصاب بالتعب، أو يميل فكرك إلى شيء آخر، أو يضيع منك هذا الكتيب، أو تباغتك، ربما، المنية في لحظة ما.. إذا وجد المستقبل، لن يصير ما هو آت: سيغدو ضربا من الحاضر. أي لن يكون ما هو كائن عليه، وهذه هي مفارقة الانتظار إلا شريطة ألا يكون. فهو ليس من الواقع، وإنما هو ضرب من الممكن، من المفترض، ومن المتخيل. هل ستقرأ هذا الفصل إلى حد إنهائه؟ مرادك هذا، لن يتحقق إلا بعد طي صفحاته تماما: آنذاك لن يعود الأمر متعلقا بالمستقبل، بل بالماضي. وإلى حلول ذلك الوقت، ماذا تبقى؟ لن يتبق لديك إلا أن تستمر أو أن تتوقف، لأن الأمر لا يتوقف على المستقبل بل على الماضي. أهو أمل؟ انتظار؟ خيال؟ تسوية؟ إن هذه المفاهيم هي في حد ذاتها لا توجد إلا في الحاضر: فإما أنها تكون موصولة بالراهن أو لا تكون. هل  ستكون في الغد؟ في السنة المقبلة؟ أو بعد عقد من الزمان؟ فهو لا ينفك يقبل إلا لأنه لا يكون، بل إنه من غير الممكن أن يكون إلا شريطة ألا يصيرا واقعًا. قد يجوز للمرء القفز على صفحات الكتاب، أو يتجه مباشرة إلى خاتمة المؤلف، أو الاسراع دوما في السير، أو ركوب القطارات، والطائرات، والصواريخ… إلا أنه لن يستطيع الخروج عن الحاضر، ولا من الواقع ولا من الزمان. لابد من الانتظار أو التصرف، ولا أحد قادر على ذلك، لا هذا ولا ذاك هنا والآن، كيف يؤول المستقبل زمانا ما دام وجوده لم يحن بعد؟ كيف يؤول الزمان ما هو آت، بما أنه يكون دوما سلفا هنا، وبما أنه سابق عنا، وبما أنه يصاحبنا، وبما أنه يحتوينا؟

الزمان ما ينفك يمضي، لكن دون أن يكون شيئا ماضيا. إنه ما يفتأ يقبل لكن دون أن يكون شيئا آتيا. فلا شيء يمضي، لا شيء يأتي، ولا شيء يقع خلا الحاضر.

زد على ذلك، أن هذا الحاضر لا يأتي، بوصفه حاضرا، إلا في اندثار اللحظة ذاتها: فأن يحاول المرء استيعابه يكون الحاضر قد أمسى ماضيا. لو ظل الحاضر دوما حاضرا، كما لاحظ القديس أوغسطين، دون أن يلتحق بالماضي،”فلن يؤول زمنا، بل سيصير أبدية”. لكن مع ذلك، يستأنف الكلام مؤلف اعترافات، “إذا كان من الضروري أن ينضم الحاضر إلى الماضي، كي يصير زمنا، فكيف يمكن لنا أن نعلن أنه كائن، علما أنه هو ذاته يستحيل أن يكون إلا بالكف عن أن يكون؟” تتخذ النتيجة إذن شكلا مفارقا: “إن ما يأذن لنا على إثبات أن الزمن كائن، هو ميله إلى ألا يكون أبدا”.

المعضلة هي، لربما، أقل انتشارا مما هي عليه ظاهريا. أولًا لأن اعتراض القديس أوغسطين (لو بقي الحاضر حاضرًا، لما صار زمانا، بل أبدية) يفترض أن الزمان والأبدية شيئان متنافران، وهو ما لم يتم البرهنة عليه وخال من الوضوح. ثم أنه لا يوجد ما يثبت أن الحاضر يلتحق بالماضي، ولا حتى أن يكون قابلا لتصوره. أين يمكن الانضمام إليه، بما أن الماضي غير موجود؟ وبأي كيفية، مادام أنه يتعذر الالتحاق بأي شيء إلا في الحاضر؟

وفي الختام، يبدو أن تحليل القديس أوغسطين ينأى عن حقل تجربتنا، سيما وأنه كان حتى ذلك الحين تحليلا نموذجيا. من سبق لأي واحد منا أن شاهد الحاضر يكف تماما؟ هل يسري عليه التغير؟ طبعا! لكن لن يتأتى له ذلك، إلا إذا سكن فيه.

هل ما كان حاضرا لم يعد كذلك بالمرة؟ بلا ريب. بيد أن الحاضر، عينه، مازال حاضرا، هل سبق للمرء أن عاش تماما شيئا آخر؟ فمنذ ولادته،هل سبق له أن عاش ثانية واحدة من الماضي؟ ألف ثانية من المستقبل؟ هل سبق له أن عاش لحظة واحدة لا تمت للحاضر بصلة، أو يوما واحدا ليس يوما موجودا؟ بأي معنى يمكن القول أن الحاضر ”يكف عن أن يكون” بما أن لا شيء يمكنه أن يتوقف إلا شريطة ألا يكف الحاضر نفسه.

أما فيما يخصني، وفي جميع الأحوال، كنت دوما على يقين أنه لم يسبق لي أن رأيت الحاضر يتوارى عن نظري، بل هو دائما في استمرار ودوام وبقاء. فبعد تأمل عميق، تراءى إلي أن الحاضر هو الشيء الوحيد، بالأحرى، الذي لم يسبق له أبدا أن خذلني. ذلك أن في أغلب الأحيان أجد نفسي مفتقرا إلى النقود، وأحيانا يعوزني الحب، أو تخذلني الصحة، أو أفقد شجاعتي. لكن ما لم يخطر على البال هو أن أكون مفتقرا إلى الحاضر. هل فعلا أفتقر إلى الزمان؟ هذا شأن يسري علي مثلما يسري على كافة الناس. لكن الزمان الذي يعوزني دوما هو، تقريبا، المستقبل (هذا ما ننعته بالاستعجال عندما لا يتيسر الوقت الكافي أمام ذواتنا)، وأحيانا الماضي (الذي ندعوه بالحنين: نقص مما سبق أن كان، متروكا خلف الذات) أما الحاضر فلا: هو كان دوما هنا، هو وحده الكائن، والمبتوت في كل شيء! وعليه، كيف يمكن أن يعوزنا ما يتوقف عليه كل عوز؟ كيف يتأتى لنا أن نراه يكف عن الوجود، من بتوقف عليه كل نظرة، كل وقف، وكل كائن؟ الحاضر لا ينفك أبدا عن الكف ولا عن الابتداء. إنه لا يأتي أبدا من المستقبل الذي لا يندثر في الماضي، لأنه يقيم، يتغير، يدوم ويتحول، بل لا يمكن له أن يتحول أو أن يتغير إلا لكونه يدوم ويقيم. وبتعبير سبينوزا ”المدة هي مواصلة لا محدودة للوجود”. إنها الزمن عينه: الحضور المتواصل والتغير الدائم للكائن. لهذا الأمر، يتوجب إذن قلب قولة القديس أوغسطين: ”ما يأذن لنا لإثبات أن الزمن موجود، هو أنه يميل أن لا يكون بالمرة” لكن خلافا لقولة أوغسطين، فالأصح فيما يبدو لي هو: أن الشيء الوحيد الذي يسمح لنا بإثبات وجودية الزمان، هو كونه لا يكف عن صيانة بقائه. وقتئذ سيقال أن الزمان والأبدية لا يشكلان إلا شيئا واحدا. وما المانع في ذلك؟ لكن، عن هذا الأمر، سنستأنف فيه الكلام لاحقا. إن الماضي أمسى بالمرة، والمستقبل لم يستشرف وجوده بعد: الشيء الموجود هو الحاضر بوصفه الزمن الوحيد الحقيقي. ففي كل مرة، لا نعيشه بهذا الشكل. فنحن لا نعي الزمان، في المقابل، إلا لأننا ذوات تتذكر الماضي، وتستشرف المستقبل، وتتصور، بالعقل أو بساعاتنا، ما يفصل بينهما. هل يتم ذلك من خلال ساعاتنا؟ لكن هذه العقارب المتحركة، لا تعد إلا جزءا من الحاضر: فهي ليست زمانا بقدر ما هي فضاء بتعبير برغسون. العقل وحده، الذي يتذكر موقعه الفائت، والذي يتصور موقعه الآتي، من له القدرة على قراءة المدة. فأن يحذف العقل معناه ألا يبقى إلا حاضرا بلا ماض وبلا مستقبل، أي لا يبقى إلا الموقع الراهن للعقارب، وألا يبقى إلا الفضاء. إلا أن العقل يظل قائما هنا، بما أن الذاكرة حاضرة هنا، وبما أن الجسد حاضر هنا، والذي يتذكر الماضي والحاضر، بل حتى المستقبل (انظر لقاءاتنا، مشاريعنا، ووعودنا). يتعلق الأمر إذن بالمدة لا بالفضاء، بالوعي لا بالحركة، بالفاصلة لا باللحظة. لهذا السبب يمكن قياس الزمان (حاول شيئا ما قياس الحاضر!)، لهذا السبب يتعارض الزمان، بالنسبة لنا،مع الأبدية (التي ستصير حاضرا محضا، بلا ماض وبلا مستقبل). لهذا السبب كذلك ننوجد في قلب الزمان (لا فقط في قلب الحاضر)، إن لم يكن الزمان ربما حاضرا فينا.

لماذا هذا التردد؟ لأن الزمان الذي نقيسه أو نتوهمه مركب على الخصوص من الماضي والمستقبل، بحيث ليس لهما من الوجود إلا بالنسبة للذهن: كيف أعلم أن هذه الحالة لا تسري، كذلك، على الزمان ذاته؟ إن هذا السؤال بما أنه سؤال عن موضوعية أو عن ذاتية الزمان فهو يكتسي صبغة فلسفية ذات أهمية كبرى. هل ينبغي أن نعد الزمان جزءا من العالم، من الطبيعة، ومن الحقيقة في ذاتها؟ أولم يوجد بالأحرى إلا من أجلنا، إلا من أجل وعينا إلا ذاتيا؟ سنلاحظ أن الأطروحتين،بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تستبعدان بعضهما البعض. قد يجوز أن تكون هذه وتلك على صواب، بحسب منظور كل أطروحة، وبعبارة أخرى، يوجد نمطان مختلفين للزمان أو توجد كيفيتان متباينتين لتمثل الزمان؛ من جهة، هناك زمان موضوعي، زمان العالم أو الطبيعة، الذي ليس إلا أبدية الآن بتعبير هيغل، من حيث هو دوما زمان متعذر القسمة (حاول شيئا ما تقسيم الحاضر !). ومن جهة أخرى، هناك زمان الوعي أو النفس، والذي لا يكاد يكون إلا جماع – في ومن أجل الوعي – بين ماض ومستقبل ما. يجوز نعت الأول بالمدة والثاني بالزمان. لكن شريطة ألا ننسى أن الأمر يتعلق في الحقيقة بالشيء ذاته منظورا إليه من زاويتين مختلفتين: هو أن الزمان ليس إلا قياسا إنسانيا للمدة.”فلكي نحدد المدة، كتب سبينوزا، نقوم بمقارنتها بمدة الأشياء التي تحتوي على حركة ثابتة ومحددة، وهذه المقارنة تسمى الزمان” لكن ليست أي مقارنة قادرة أن تصنع كائنا. فهذا ما يحد الخلط بين المدة والزمان، بل كذلك من أن يميز بينهما على نحو تام، كما لو أنهما يوجدان على قدم المساواة. والحال، أن الأمر ليس كذلك. المدة هي جزء من الواقع، بل هي بالأحرى الواقع عينه: إنها المواصلة اللامحددة لوجودها. بينما الزمان، ذاته، ليس إلا كيانا للعقل: إنه كيفية تفكيرنا، أو قياس ديمومة الكل التي لا تقبل القسمة ولا القياس.

إن المدة هي من طبيعة الوجود، أما الزمان فهو، بهذا المعنى، من صنيعة الذات. هذا الزمان الأخير، الزمان المعاش، الزمان الذاتي (الذي هو وحده من يسمح له بقياس الزمان الموضوعي: لا وجود للساعة إلا من أجل وعي معين)، وهذا ما كان فلاسفة القرن 20 ينعتونه طوعا بالزمانية. هو بعد من أبعاد الوعي بقدر ما هو بعد من أبعاد العالم. وبتعبير القديس أوغسطين هو تمدد للنفس بقدر ما هو تمدد للكائن. وعلى حد قول كانط، هو صورة قبلية للحساسية أكثر منه حقيقة موضوعية أو حقيقة في ذاتها. هو معطى للذات أكثر منه معطى للموضوع. لكن وإن كنا غير قادرين على اختبار الزمان إلا عبر الذاتية، فإن الفكرة مردها بالأساس إلى كانط أو هوسرل، فهذا لا يثبت كل سعي إلى اختزاله فيها، ولا حتى، فيما يبدو لي، كونه قريبا من الصحة. ذلك أنه لو صح أن الزمان لا يوجد إلا من أجلنا، كيف يتأتى لنا الوقوع في الزمان؟ أية حقيقة تعطى لهذه الملايير من السنين والتي لا تقدم نفسها للوعي (بفضل علمائنا الفيزيائيين والجيولوجيين وعلماء آخرين في البليونتولوجيا) إلا على نحو استعادي،شأن الزمان القائم قبلنا، وشأن الزمان القائم قبل وعينا، زمن ما قبل الوعي، الذي كان عليه، إضافة إلى ذلك، أن يوجد قبله، ويعجز عن الظهور بدونه ؟ فما بين الانفجار الكوني (Big-bang) وظهور الحياة :كيف فعل الزمان لكي يمضي، بما أنه لا يوجد إلا من أجلنا؟ كيف يتأتى للطبيعة أن تتطور، أن تتغير، أن تبدع، إذا كان الزمان لا ينساب في الماضي؟ وإذا لم يكن الزمان إلا ذاتيا، كيف بإمكان الذاتية أن تتبدى في الزمان؟

لنتصور هنيهة من الزمان، وليكن هذا النهار الذي نعيش في رحابه. سنرى في جزء منه قد أدبر، وفي جزء آخر في طور الإقبال.. أما الحاضر الذي يفصل بين الجزئين،ما هو إلا لحظة بلا مدة (لو دام الحاضر، سيكون هو نفسه مركبا من الماضي والمستقبل)، والذي لن يكون زمانا. إذا عشناه كزمان، فلأن وعينا يحتفظ بما لم يعد قائما بتاتا، ويستشرف ما لم يحن وجوده بعد. بإيجاز ينوجد في نفس الحاضر -الحاضر المعاش- والذي لا يمكن أن يوجد حقا على نحو جماعي. لهذا السبب، فإن الزمانية لا تتيح لنا، برأي مارسيل كونش، فهم الزمان إلا لأنها، قبل كل شيء، سلب له: الإنسان يقاوم الزمان (بما أنه يتذكر، وبما أنه يستشرف)؛وبمقتضى ذلك يعي زمانه. العقل دوما ينفي،وهو ذاته ذاكرة، خيال، عناد، وإرادة… بل لا نقاوم الزمان إلا داخل الزمان، بل إن الذاكرة والخيال والعناد والإرادة ذاتها لا توجد إلا في الحاضر. بل لا يوجد العقل إلا في العالم أو الجسد، وهذا ما نطلق عليه بفعل الوجود. كيف سيتأتى لنا الانتصار على الزمان مادمنا عاجزين على مجابهته إلا بشرط أن أن ننتمي إليه أولا وقبل كل شيء؟

يبقى الزمان دوما الأقوى، لأنه دائما حاضر هنا، ولأنه هناك دوما زمان، ولأن الحاضر هو الصيغة الوحيدة لوجود الوجود، والذي بموجبه كل شيء يمضي، دون أن يمضي هو. لهذا السبب تنخرنا الشيخوخة، ولهذا السبب تدب فينا الموت. وفي بيتين شعريين للشاعر رونزار، ورد كلاما جوهريا عن الزمان:

الزمان يمضي، الزمان يمضي، سيدتي
وحسرتاه، الزمان لا يمضي، بل نحن الماضون!

هذا سبب إضافي يحث المرء على الاستلذاذ بمرحلة الشباب والحياة، لكن كيف؟ هل نكتفي بالعيش في الحاضر؟ سيكون ذلك أفضل، بما أنه الشيء الوحيد الموهب لنا. هل نكتفي بالعيش داخل اللحظة؟ كلا. سيكون ذلك من باب التخلي عن الذاكرة، عن الخيال، عن الإرادة، بل عن العقل وعن الذات. كيف سيتأتى للمرء أن يفكر دون أن يتذكر أفكاره؟ وأن يحب دون أن يتذكر أولئك من يحب؟ وأن يتصرف دون أن يتذكر رغباته، مشاعره، أحلامه؟ إذا كان يعد دروسه أو يدخر مالا لتأمين تقاعده، فإن إعداده هذا، يتيح له، وعن حق، مستقبلا مريحا. غير أن فعل الدراسة وفعل الادخار لا يتحققان لديه إلا في الحاضر لا في المستقبل! إذا كان متمسكا بوعوده، فلأنه، قبل كل شيء، يتذكرها، وهذا أمر ضروري، لكن الوفاء بالوعود يحدث في الحاضر لا في المستقبل! فأن يعيش المرء في الحاضر، ليس معناه أن يبتر من الذاكرة أو من الإرادة، بما أنهما جزءان ينتميان إلى ذاته، وليس معناه أن يعيش اللحظة، بما أنها تحيل على الدوام، وعلى الاستمرار، وبما أنها تدل على الكبر أو الشيخوخة، فلا وجود للحظة تكون إقامة للإنسان. وحده الحاضر الذي يدوم ويتغير، بل إن العقل وحده الذي يتخيل ويتذكر. فأن لا يوجد هذا العقل ذاته إلا في الحاضر -في الدماغ- هو أمر أقرب إلى الصواب. نحن نكون من العالم فندعوه جسدا، ونكون في العالم فننعته عقلاء: هما، في نظري، مظهران لشيء واحد. لكن العالم هو بلا عقل مثلما أن العقل ليس العالم. لهذا السبب فالإنسان مهدد دوما بالنسيان، بالموت، بالكلال، بالغباوة، وبالعدم. أن يوجد المرء في العالم معناه أن يقاوم. أن يفكر المرء معناه أن يبدع. وأن يعيش معناه أن يتصرف.

كل هذه الأمور، لا يمكن أن تجري إلا في الحاضر -بما أنه ليس هناك شيء آخر- حيث لاشيء يعقبه إلا حاضر آخر. من يستطيع الاكتفاء بالعيش في الماضي والمستقبل؟ لابد للمرء ألا يوجد بالمرة،أو أن وجوده لم يحن بعد. فأن يحيا  الحاضر، بحسب قول الرواقيين والحكماء، ليس حلما ولا مثالا ولا طوبى: إنه الأبسط والأصعب حقيقة للعيش. وماذا عن الأبدية؟ إذا كانت تعني”حاضر دائم”، كما أراد لها القديس أوغسطين، سيكون من العبث انتظارها إلى الغد. وإذا كانت تدل على”حاضر خالد” بحسب تعبيره. كذلك، فستؤول الحاضر عينه: فهي ليست نقيض الزمان بل حقيقته، والذي ما يفتأ يكون دائم الحضور، وبالتالي دائم الراهنية، ودائم الفعل. نقرأ في هذا الصدد في مؤلف الإتيقا “إننا نحس ونختبر أننا كائنات أبدية”.لكن هذا لا يعني بتاتا أننا كائنات غير فانية، أو بمنأى عن الزمان. بل يدل على أن الموت لا يسلب منا شيئ ا(بما أنه لا يسلب منا إلا المستقبل، مستقبل غير موجود)، وأن الزمان لا يسلب منا شيئا (بما أن الحاضر هو كل شيء)، بل ومن العبث،في نهاية المطاف، أن يأمل المرء الأبدية (بما أننا ننوجد فيها سلفا). وكما ورد في كلام فيتغنشتاين،”إذا كنا نتصور الأبدية، ليست مدة لانهائية، بل لازمانية، آنئذ سينعم من يعيش داخل الحاضر بحياة أبدية“. نحن إذن ننعم بها كلنا وعلى نحو دائم، لأننا نكون بذلك قد انقدنا أنفسنا مسبقا. هل لأننا كائنات لازمانية؟ ليس هذا هو اللفظ الذي يروق لي استعماله. وإنما لأن الأبدية لم تعد شيئا آخر، في حقيقتها، سوى الحضور- الدائم للواقع وللحقيقي. من منا اكتفى بالعيش لأمس واحد؟ لغد واحد؟ فنحن لا نحيا إلا الأيام، وهذا ما دأبنا نحن البشر على نعتها بالحياة.

إن النظرية النسبية لن تغير منها أي شيء. فأن يتوقف الزمان بالسرعة والمادة، كما عرفنا ذلك منذ أينشتاين، فإنه لن يكون بإمكانه أن يوجد ما ليس موجودا أبدا، ولا ما لا يحن بعد وجوده. إن”ما يثير في فكر أينشتاين عن النسبية،كما لاحظ بشلار، هو كونها هنيهة من الزمان، وطول الزمان”. بل هي ليست حتى الحاضر. وهذا ما يؤكده مثال أينشتاين الذائع الصيت ”jumeaux de Langevin“. إنها تعتبر بمثابة تجربة فكر، تجربة إثبات صدقيتها العمليات الحسابية والتجربة (على مستوى الجزيئات الأولية). وفحوى المثال هو: أن أخوين توأمين، أحدهما مكث في الأرض، بينما الأخ الأخر سافر إلى الفضاء العلوي بسرعة أقرب إلى سرعة الضوء. بعد مضي سنوات من السفر،عاد المسافر الفضائي من رحلته إلى الأرض دون أن يوشم الزمان على جسده أثر الشيخوخة خلا قدرا قليلا، خلافا لما خلفت صروف السنين من أثار الشيخوخة على ملامح جسد أخيه الجاثم على الأرض. هكذا نخلص من الحكاية،عن حق وبلا أدنى شك،أن الزمان يتغير موازاة مع السرعة، وألا وجود بالتالي لزمان كوني ومطلق كما اعتقد نيوتن، بل ما يوجد هو مجرد أزمنة نسبية أو أزمنة مطاطية، معرضة للتمطيط إلى حد ما، موازاة مع السرعة.. لكن هذا الأمر، لا يمكن أن يوجد الماضي ولا المستقبل. بل إن التوأمين لن يتمكنا من ترك الحاضر ولو للحظة واحدة. لهذا السبب، كما ذهب أيضا بشلار، “تظل اللحظة ،بشكل أدق، مطلقة في مذهب آينشتاين، إنها نقطة الزمكان: ”hic et nunc (الآن وهنا)، وليس هنا ولا الغد، ولا هناك ولا اليوم”، بل الآن وهنا. إنها الحاضر عينه، أو بالأحرى الحاضر بصيغة الجمع. إنها كلها في اختلاف، كلها في تغير، إلا أنها كلها كذلك في الراهن. وهذا ما يطلق على تسميته بالكون، هذا ما نسميه بالكون والذي يوجد في المكان أكثر مما يوجد في الزمان، على اعتبار أنه الزمكان (espace-temps) وحقيقته الوحيدة.

كيف يمكن الخروج من الحاضر بما أنه يشمل كل شيء؟ لماذا نبتغيه بما أن العقل عينه ينتمي إليه؟ انظر إلى هذا الفصل الذي نحن على وشك ختمه: فهو يكاد  يكون خلفك نهائيا، كماض ما فتئ يندثر. لكن لن تقرأه ولن تتاح قراءته أبدا إلا في الحاضر مثلما إني لم أكتبه إلا في الحاضر. وهذا الأمر يسري على حياتك، والتي تكتسي بشكل أو بأخر أهمية قصوى لديك. فهي ليست متوارية في المستقبل، كقدر أو حيوان وحشي مهددين. ولا هي محجوبة في السماء كفردوس أو وعد. ولا هي موصدة في بواطن ماضيك، كأنها أشبه بمغارة أو غيهب سجن. إنها هنا والآن: إنها ما تعيشه وما تفعله. هي حاضرة في قلب الكائن، وفي قلب الحاضر. بل توجد في قلب كل شيء، وفي مهب ريح عاتية تغمر الواقع وتعم ما نحياه. لا شيء مكتوب، ولاشيء موعود به. إذا كان الحاضر هو الشيء الوحيد الموجود، بحسب الرواقيين، فإن الأفعال هي وحدها الحقيقية. وماذا نقول عن الحلم، والإستيهام، والخيال؟ إنها أيضا تعد شكلا من أشكال فعل التصرف، بما أنها تعني أن تعيش. لكنه عيشة في حدودها الدنيا. سيكون من الخطأ أن يمنع المرء من فعل ذلك، إن لم يكن كذلك خطأ أكبر الاكتفاء بقدر أدنى من الحياة. فلتأخذ مصير حياتك بالأحرى بين يديك: كن بالأحرى حاضرا في الحضور! “إن أكبر ما يعوق الحياة، بحسب سينيكا، هو الانتظار”. كل ما سيجري من حوادث لاحقا هو من باب اللايقين: عش حياتك منذ الآن.

(اقطف يومك)Carpe diem؟ هذا أمر غير كاف، بما أن الأيام تمضي، وبما أن لاشيء يقيم. فلتقطف بالأحرى حاضرك، الذي يتغير ويستمر:aeternitatem Carpe

هل يكتفي المرء بأن يعيش في اللحظة؟ سيكون هذا ضرب من المستحيل. إذ كيف يتأتى له، في لحظة معينة، أن يعد نفسه للامتحانات أو للأسفار، وأن يفي بوعوده. وأن ينسج رباط صداقة أو حب؟ هل نكتفي بالعيش في الحاضر؟ إنه السبيل الوحيد المتبقي له ولا شيء غيره. وإلا كيف يمكن له أن يشتغل، أن يستمتع، أن يتصرف أو أن يحب في المستقبل؟

إن الحاضر هو المأوى الوحيد للفعل، للفكر، بل مأوى حتى للذاكرة وللانتظار. إنه kairos العالم (اللحظة المواتية، اللحظة الملائمة: لحظة الفعل)، أو العالم بوصفه كايروسا، أو واقعا بالفعل.

ليس معناه أن الكائن يدوم، لأنه داخل الزمان، بل يوجد الزمان لأنه يدوم. فما معنى أن نكتفي بالعيش في الحاضر؟ إنه ببساطة أن نحيا حياة الحقيقة. نحن نكون سلفا في المملكة، لأن الأبدية، معناها الآن.

بقي واحدٌ من ثمان سجناء لم يُهزموا بعد/من أدب السجون



• نوال محمد

أريد هنا أن أنتقم بقدرة الإنسان على تربية الحياة بقلبه محافظًا على البقاء، مساهمًا للجمال في كلِّ أصنافه، وأنّه جدير بآلامه التي حققت له العظمة الدّاخلية.
والآن؛ وحينما جاءني الدّور، لن أُخلّد الأعمال الوحشية لكي يفرح مَن صنعها، بل لتخليد كرامة الإنسان وتعلّم الأمل والحياة.

أحببت أن أنقل لكم "أدب السّجون"، عن طريق أمثلة تُوضح فكرتي. هذه الاقتباسات لا تُدين إلّا أصحاب القبح وهُم في كلّ مكان.
فلنبدأ بسؤالٍ يُطرح علينا باستمرار، أليس لدى الإنسان أي اختيار لأفعاله في مواجهة تلك الظّروف؟
يُجاوب "فرانكل" على هذا السؤال، في كتابه (الإنسان يبحث عن المعنى) الذي دوّن فيه تجربته داخل السّجن: "تُبين خبرات حياة المعسكر أن الإنسان يستطيع أن يكون له اختياره لأفعاله. وهناك أمثلة كافية، وحتى ذات طبيعة بطولية، تثبت أن البلادة يمكن التّغلب عليها، وأن التّهيج يمكن قمعه. فالإنسان في مقدوره أن يحتفظ ببقية من الحرية الروحية، ومن استقلال العقل، حتى في تلك الظّروف المُريعة من الضّغط النّفسي والمادي".[١]

والآن سأمدكم ببعض الاقتباسات.

- بقي واحدٌ من ثمانِ سجناء لم يُهزموا بعد
ولن يهزموا، قمتُ مُثقلًا بالكآبةِ فمن يستطيعُ أن يرتاحَ ولديه كلّ هذا العذاب ليتعايشَ معهُ.
تهادتْ أفكاري من جدارٍ إلى جدار خلفَ يقظتي المُترنحة؛ صرخوا دونَ هوادةٍ: "كم بمقدوركم أن تحتملوا بعدُ؟".[٥] 

- لقد سيطر علينا حُبّ الاستطلاع البارد في هذا المُعسكر، وهو إحساس يعزل الواقع على نحو ما من الظّروف التي تحيط به والتي يجري اعتبارها بسبب هذا على أنّها نوع من الموضوعية. وفي وقت كهذا كان يلجأ الانسان إلى استزراع هذه الحالة العقلية كوسيلة للوقاية. ولقد كنا تواقين بقلق لكي نعرف ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؛ وما الذي سينتج، مثلًا، عن وقوفنا في الهواء الطلق أو في برد نهاية فصل الخريف، بأجسادنا العارية المُبللة من الدّش وهي تكاد أن تتخشب. وفي غضون الأيام القليلة التالية كان قد تحول حُبّ استطلاعنا إلى نوع من الدّهشة، دهشة تتعلق بالتساؤل التّالي: لماذا لم نُصب بالبرد في كل هذه الظروف!
أودّ أن أذكر أمثلة تتعلق بالدّهشة من قدرتنا على التّحمل: فلم يكن باستطاعتنا تنظيف أسنانا، وأنه حتى رغم هذا، ورغم النقص الشديد في الفيتامينات، فقد كانت اللثة والأسنان  عندنا أكثر صحة مما كان من قبل.
وكان علينا أن نرتدي نفس قمصاننا لمدة نصف عام، إلى درجة أنها كانت تفقد كلّ معالمها وكانت تمر علينا أيام كثيرة لا نستطيع فيها أن نغتسل حتى ولو بشكلٍ جزئي، بسبب تجمد المياه في الصنابير؛ ومع ذلك لم تتعرض الأيدي للتقرح برغم انتشار البثور عليها وحكمها، وبرغم قذارتها من العمل في التّراب.[١]

- في أيامنا الأولى اختلفنا على موعد تحجيب اللمبة السقفية، الشباب بيننا يريدون السهر حتى وقت مُتأخر، والشباب الأكبر سنًا يريدون وقتًا أبكر.
استقرت التّسوية على الثانية عشرة والنصف ليلًا، نصبنا صندوقًا كرتونيًا بخيوط حريرية من تلك التي تستخدم في صنع مسابح وجزادين من الخرز النّاعم الملوّن، وربطناه إلى أحد قضبان الواجهة الحديدية وثبتنا الطرف الآخر بقطعة من الكرتون الملصقة بالغراء إلى السّقف.
يبقى حتى بعد إسدال الصندوق الكرتوني على المصباح ضوء شحيح هو ما سأقرأ عليه لسنوات ليلًا، كان بصري حديدًا.[٦]

- في الليل تسلّلتُ إلى نفسي، أخرجتُ الكتاب من مخبئه الثّمين، كان غلافه أخضر، وعلى صفحة الغلاف خُطّ بلونٍ ذهبيّ العنوان: "قصائد شرقيّة"، وكان صَاحبها الشّاعر الرّوسي بوشكين.[٤]

- إذا كان (...) اضطلع بتلاوة القرآن بصوتٍ عالٍ، وإذا كان (...) قد عُيِّنَ حارسًا للوقت -لُقب بالروزنامة أو بالبندول النّاطق- وانصرفَ (...) إلى امتصاص سمّ العقارب، فقد كنتُ أنا الرّاوية.
بعد الحكايات والشعر، انتقلتُ إلى السينما، رحتُ أسرد قصص الأفلام التي شاهدتها في (...) وبلغ شغفي بهذا الفن حدًا جعلني مصممًا لبعض الوقت، على أن أصبح مُخرجًا سينمائيًا. كنت أرى الأسود والأبيض يضفي على تلك القصص قدرًا من القوة والدّرامية، كفيلًا بأن ينأى بنا عن رتابة الواقع وسطحيته.[٢]

- بدأت فرقة (...) تؤدي أولى عروضها، كانت أرضية المسرح عبارة عن تجميع لعشرات البطانيات المتراكمة بعضها فوق بعضها، وأخرى بجانبها، فارتفعت تلك الخشبة المكونة من تلك البطانيات أكثر من نصف متر عن الأرض، وكانوا يستعينون بجاطات البلاستيك إذا أرادوا منصة، أما الستارة فكانت من البطانيات، وأمّا الملابس فكانوا يخيطون بعضها بما توافر من خيطان وإبر ليصنعوا طواقي أو مراييل أو بدلات أو ربطات عنق أو أي لباس آخر.[٤]

- انتشرت كؤوس الشّاي البلاستكية الصلدة، ومرطبانات الطحينية الصغيرة تعددت استعمالات الفوارغ البلاستيكية، استخدمتها لمُراسلة أخي، كنتُ أحفر عليها أخباري بالعظم بخط صغير.[6]

- لم أحسب يومًا أن مكنسة، مجرد مكنسة، قد يكون لها هذا القدر من المنافع.
وذات يوم، فيما كان (...) يكنس، أطلق صرخة فر: ثمَّ اقترب من زنزانتي وقال لي: أو تدري، إن في طرفِ عصا المكنسة حلقةً من حديد!
- وإن يكن؟ ألهذا تصرخ؟
- إنّها من معدن! فإن تمكنت من انتزاعها فربما صنعنا منها سكينًا أو موسًا..
على هذا النّحو أمضينا عشرة أيام ونحن نعمل منكبَّين على قطعة الحديد تلك. جعلناها مُسطَّحة ثم عملنا على سنِّها بواسطة حجر خشن، وحين أصبح النصل رقيقًا وقاطعًا، قررنا أن نقصَّ شعورنا وأراد بعضنا حلق ذقنه.[٢]

- والقطاعة: هي السكين المتاحة لنا عبارة عن الغطاء التنكي لعلبة مربى، نطوي نصفه ونجعله نصلاً، ونشحذ النصف الثاني ونستخدمه لتقطيع البندورة..[٦]

- دخلنا في السادسة مساء، ابتدأ عملي أنا ومجموعة من الأطباء. عملتُ من عظم الدجاج مِلقطًا، ثقبتُ عظمة من وسطها وأدخلتُ أخرى فيها، وجعلتُ أطرافهما حادّة ودقيقة، ثمّ ربطتُ على طرفيهما الآخرين حلقتين من البلاستيك الرّقيق فصارت جاهزةً للاستعمال، وانهمكتُ بإخراج الزّجاج... كان علينا أن نجبّره، لم يكن هناك ما يُساعد على التّجبير شيء. اكتفيتُ بأنْ صنعتُ له حافظةً من البلاستيك تُحيط بأنفه وتجعله مستقيمًا لعلّه يجبّر نفسه بنفسه.[٤]

 - وذات مرة كنا نعمل في خندق، وكان الفجر رماديًا من حولنا، والسّماء رمادية فوقنا، والثلج رمادي في ضوء الفجر الشّاحب، والخرق المكسوة بها أجساد زملائي المسجونين وكذلك وجوههم كانت رمادية اللون.
ومرة اخرى كنت أتحدث في صمت مع زوجتي، أو ربما كنت أجاهد كي أتوصل إلى سبب آلامي وعذابي، موتي البطيء.
وأحسست في -آخر احتجاج عنيف ضد اليأس المصاحب لموت وشيك- بروحي تخترق حالة الكآبة التي تمتلكني.
شعرت بها تسمو بذلك العالم المشوب باللامعنى وبفقدان الأمل والرجاء، وسمعت من مصدر ما (نعم) الظّافرة كإجابة عن سؤالي الخاص بوجود هدف غائي.
وفي تلك اللحظة تألق ضوء منبعث من بيت في مزرعة بعيدة، ترامى في الأفق كما لو كان مرسومًا عليه، في وسط اللون الرمادي الكئيب لفجر الصباح في(...).
والضّوء يتألق في الظّلام، ولساعات وقفت على الأرض الجليدية محركًا قدمي عليها.
مرّ الحارس بالقرب مني، ونهرني بالشّتائم والسّباب، ولكن سرعان ما عدت إلى التحادث مع المحبوب مرة أخرى، تملكني شعور متزايد بأنها موجودة، وبأنها معي؛ بل أنني شعرت بأني قادر على أن ألمسها، وبأن أمد يدي إليها وأعانقها.
هذا الشعور كان قويًا للغاية: إنها هُناك، وفي تلك اللحظة هبط طائر في سكون، وحطَّ أمامي على كومة التّراب التي تجمعت مما حفرت من الخندق وأخذ يحدق في بنظرة حانية مثابرة.[١]

- هبطت من السماء، مثل علامة أو هفوة، حمامة، أو ربما كانت يمامة.
تسلّلت إلى الكوة المركزية وهَوَتْ إلى صمت عتمتنا الدّاكنة، كانت اليمامة تحلِّق مرتطمة بالجدران. (سنُسميها حرية!) [٢].

- ذات مساء، فيما كنت أؤدي صلاتي.. زارني عصفور طفولتي، حطَّ في كوة التهوئة وراح يغرّد لربع ساعة أو أكثر، أطعمته فتات الخبز المبلول بالماء.
كان يعلمنا هطول المطر، فقد كنا لا ندري شيئًا من أحوال السماء، ولكن بفضله عرفنا أحوال الطقس، وكان هو ما أخطرنا بهبوب وشيك لعاصفة رملية. وأصبحنا نعلم من طريقته في التغريد أنَّ شيئًا ما يحدث في الخارج، ومع الوقت والخبرة، أصبحتُ مُلِمّا برموز زقزاقاته المختلفة. كان الحرّاسُ يفاجئون حين نقول لهم: يا لهذا المطر! أو: ما أخبار العاصفة؟[٢]

- في السادسة مساءً، بدأ الثلج يهبط من الأعالي، بدأتْ حبّاته الخفيفة تتهادى عبر طبقات الجوّ لتصل إلى بني البشر. الحمد لله أن الثّلج لم يستثننا، نعم.. لم يستطع حُرّاس السجن أن يمنعوا الثلج عنّا، أو يمنعونا عنه.[٤]

وإليكم هذه القصة التي تشبه تخاذلنا وتفسير الأمور بدمٍ بارد:

- حدث بعد فترة من إطلاق سراحي من المعسكر، أن قدم لي شخص مجلة أسبوعية تحوي صورًا لمساجين متزاحمين على أسرتهم غير المريحة، وهم يحملقون في أحد الزوار  بإحساس متبلد أو بغباء. قال هذا الشخص: أليس هذا منظرا رهيبًا؟ تلك الأوجه المحدقة بنظرات الهلع- فكل شيء في هذا المنظر يبعث على الفزع.
فبادرت زميلي بالسؤال: ولماذا! 
- لأني بصدق لم أفهم ما يقرره من وحي هذه الصورة. ففي تلك اللحظة رأيت كل هذا المنظر مرة ثانية..
في الساعة الخامسة صباحًا، كانت الدنيا لا تزال غارقة في الظلام الدامس، وكنت أضجع على ألواح خشبية قاسية في جناح أرضي حيث تجمع حوالي سبعين مسجون منا تحت الرعاية، لقد كنا مرضى، ولا نبارح المعسكر إلى مواقع العمل. وبينما كنا نتكوم وننكمش التصاقًا ببعضنا البعض لكي نتجنب أي تسرب للدفء من بيننا، وبينما كان الكسل والتبلد آخذين منا بحيث لم تكن لدينا رغبة لأن نحرك إصبعًا بدون ما ضرورة. كل ذلك قد استعدته في عقلي حينما رأيت الصور في المجلة، وحينما ذكرت ذلك الموقف، استطاع المستمعون أن يفهموا لماذا لم أجد الصور هكذا باعثة على الفزع، فالأشخاص الذين يظهرون في هذه الصور قد لا يكونون بالتعاسة التي نحكي عنها رغم كلّ شيء.[١]

لن ننتهي من أحزاننا إلّا عندما نسخر منها، وكيف لا وهي من صنع البشر الفانيين!
هُناك نحّات سويسري اسمه "ألبرتو جياكومتي"، حقّق في حقل النحت المبادئ إياها، والغاية إياها، عن الجمال المذكر والمؤنث، التي حققتموها في الحياة العملية، بتبديد الدّهن واللحم من الأجساد البشرية!
فقد عمل هو الآخر، وهو ينحت تماثيله، على أن يُسقط الدهن والشحم من الجسم البشري، ومن الفراغ.
وبهذا الشكل حُوّل الجسم البشري إلى مقياس واحد، فأخذ أشكالاً ممددة جافة، لا تزيد على حجم سلك حديدي.
وأنتم تنحون النحو ذاته في المعسكر، لقد كنت أعرف منذ الأزل أن حضارتكم كلّها مبنية على مبادئ جمالية.[٧]

نختم الآن بمقتطفات من رسائل "أنطونيو" غرامشي إلى أمّه بما يفي غرض موضوعنا:
- تحزنني هذه الظروف الطارئة التي تؤثر على معنوياتك، لكن لا ينبغي دائمًا أن تتخيلي فرضيات سيئة ولا أن تعكّري مزاجك وأحوالك طوال الوقت. أنت تدركين جيدًا أني لو كنت مريضًا وفي وضعية سيئة بطريقة أو أخرى أو بدرجة من الدرجات، فإني سأخبرك فورًا لأني أعتقد أن عدم إشعارك بذلك لن يزيد الوضع إلّا سوءًا.
لست كذلك مطلقًا، بطبيعة الحال، لا أطير فرحًا ومرحًا طوال النهار، لكنّي أيضًا لست كئيبًا ويائسًا كغراب يحطُّ على شجرة سرو في مقبرة.
صدقًا أنا أحس بالهدوء والسكينة، كمّا يجب أن يكون عليه شخص يتمتع بضمير حيّ وينظر إلى الحياة بدون أوهام. لا أحبّ أن تكوني مهووسة بفكرة أنّي يائس، لو كان الأمر صادر عن شخص غيرك لأحسست بالإهانة والشّتيمة الأبدية.

- يجب أن يتحلوا بالصبر ومن واجبكم أن تفسروا للأطفال أن الإنسان المتواجد في السجن يعني بالتّحديد عدم القدرة على فعل كلّ الأشياء التي نحبها أو في الوقت الذي نحبه، أفترض أنهم يتصورون تواجدي في نوع من الأمكنة تشبه برج غيلارزا، قولوا لهم أنني أتواجد على العكس في حجرة واسعة، ربما أكبر من الغرف التي توجد في البيت، فقط لا أستطيع الخروج.[٣]


_________
المراجع:

1- الإنسان يبحث عن المعنى- فرانكل
2- تلك العتمة الباهرة- الطاهر بن جلون
3- رسائل السجن- أنطونيو غرامشي
4- يسمعون حسيسها- أيمن العتوم
5- كتابات من السجن- بوبي ساندز
6- بالخلاص يا شباب- ياسين الحاج صالح
7- الساعة الخامسة والعشرون- قسطنين جيورجيو

الفن في المجتمع والمجتمع في الفن: حوار في سوسيولوجيا الفن


عادل بجاري - هشام بوبا

تقديم عام:
تعتبر سوسيولوجيا الفن من أكثر التخصصات السوسيولوجية المثيرة للجدل، لأنها تتعمد إقتحام موضوع كان دومًا ولا يزال يوضع موضع "المقدس". يتعلق الأمر بـ"الفن"، تلك التجربة التي غالبا ما وضعت من قبل خارج الشروط التاريخية، حتى من قبل بعض الفلاسفة لأنفسهم، وخصوصًا كانط وهو من المؤسسين الكبار للجماليات الحديثة. هذه المحاورة/الحوار/المناظرة، التي هي عبارة عن "مراسلات بريد-إلكترونية" تسلط الضوء على "سوسيولوجيا الفن" وبعض قضاياها وأعلامها. نسخنا الرسائل دون تعديل أو تغيير بغية إشراكه، عن قصد قبلي، مع القارئ، ليكون بذلك طرفًا ثالثًا في ما أسميناه نحن الاثنين: "ورطة". فمناقشة الفن "ورطة" لأننا أولًا: مطالبين دومًا بدعم سيرورة صنع قيمته، لا أن نسلك عكس ذلك، فنعري بحماس المتنطع عن "تفاهة قداسته"، وهشاشة دعاماته. وثانيًا مناقشة الفن "ورطة"، لأنه سيتحتم علينا، عن طيبة خاطر ظاهرية، في لعبة تبادلية عفوية، نسائل بعضنا البعض ونجيب في نفس الوقت عنّا وعن غيرنا من الأعلام، فنفكر داخل ما قِيل وخارجه.



• هشام:
مرحبا صديقي، في الحقيقة سأجدد شكري لك على قبول النقاش في الموضوع، وإني على يقين بالمقدار الوافر الذي سيفتحه علي هذا النقاش من رهانات فكرية. أعلم جيدًا مدى اهتمامك بتيمة الفن والممارسات الفنية بصفتك باحثًا في علم الاجتماع، لهذا سيكون شيئًا جميلًا أن نتورط عن طيبة خاطر، مسلمين نحن اﻹثنين لتبعات مغامرة الخوض في حوار فكري حول "الفن". هذا الموضوع الذي قيل فيه الكثير، ولا يزال يقف، أحيانًا، جدارًا صعب المأتى على كل متوقف أراد فهمه، أو حتى صياغة تعريف بسيط حوله.
حسنًا، في كتاب "الكلمات واﻷشياء"، خصص ميشيل فوكو أزيد من عشرة صفحات مكثفة التعبير لتحليل لوحة الوصيفات (Las Méninas) للرسام دييغو فيلاسكيز (Velázques)، وهي اللوحة اﻷكثر عرضة للتعليق في تاريخ اللوحات. في الحقيقة، أراد فوكو بتحليله هذا أن يبين تلك اﻷزمة المعرفية التي حدثت في أواخر عصر النهضة، فأفضت إلى تغيير ابستيمي ذلك العصر، من "التشابه" إلى "اﻹختلاف" الذي ساد العصر الكلاسيكي فيما بعد (القرن17). بالنسبة لـ فوكو اللوحة، تتضمن تفاصيل تلك النقلة، أو القطيعة بحيث أنها تظهر اﻷشياء، لكن لتخفيها في نفس الوقت. فالطريقة التي عرض بها فيلاسكيز عناصر اللوحة، تؤدي بالمشاهد إلى الغرق في لعبة من التمثيل وتمثيل التمثيل، حتى يجد نفسه إزاء سؤال الحيرة: من يشاهد اﻵخر، اللوحة أم المشاهد؟ وهذا هو محور ابستيمي اﻹختلاف، الذي ديدنه، القطع مع تجسيد الواقع، بحيث لم تعد وظيفة الكلمات هي قول اﻷشياء كما هي بادية.

السؤال إزاء هذا: هل كانت تلك اللوحة لتنتظر ميشيل فوكو، حتى تقول ما تقول؟ هل كان فيلازكيز، ذلك الرسام "المحترف" الذي رسم لوحته وهو في عهدة الملك فيليب الرابع سنة 1656 وبطلب منه، ليعي فنه بتلك الدرجة التي قرأ بها المعلقون فنه؟ بعبارة أخرى -لكن باستعارة مفارقة شارل لالو (Charle lalo) هذه المرة- هل نعجب بلوحة الفنان لأنها جميلة، أم أن تلك اللوحة جميلة لأننا أعجبنا بها؟


• عادل:
تحية طيبة صادقة، وشكرًا لك على المراسلة وإثارة النقاش حول هذا الموضوع الشديد الأهمية، والصعب التناول لا سيما سوسيولوجيًا، حيث يتداخل كل من تاريخ الفن واقتصاد الفن والشروط الاجتماعية لإنتاجه وتلقيه، لكننا سنحاول في هذه المحادثة كسابقاتها أن نثير بشكل مكثف ومختزل إشارات تلامس الموضوع وتستفز أسئلته بغية مزيد من البحث والتقصي والتأصيل.
دعنا نعلق أولًا على تحليل Foucault للوحة الوصيفات، قبل محاولة الإجابة على الأسئلة المطروحة التي قدمتها بصورة دقيقة والتي يطرحها بشكل ملح اقتحام هذا المبحث سوسيولوجيًا. أفلا ترى إذن بأن تحليل فوكو للوحة يدخل في ما يسمى بالقراءة الداخلية للأعمال الفنية، أي تلك التي تتغاضى عن الظروف التاريخية والاجتماعية لنشأة العمل الفني، وظروف نشأة صاحبه، إن قراءة مثل هذه تتعامل مع الفن كقيمة جمالية مطلقة وحكمها يكون غائيًا، والذي يشكل ديدن فلسفة الحكم الجمالي عند كانط. وكما علق D. Arasse فإن نص فوكو رائع وأساسي في فهم اللوحة ويمثل تعبيرًا عن ذكاء الوصف والكتابة والأناقة، وتجب قراءته دومًا لكنه في الوقت نفسه نص زائف تاريخيًا، لأنه يفترض بـأننا يمكن أن نتظاهر بعدم معرفة من ينعكس في المرآة. فكتاب الكلمات والأشياء يمثل نقدًا صريحًا للمشروع الثقافي الغربي ولنظام المعرفة المرتبطة به، وهو الأمر الجلي في مقدمته حول Bourges، لكنه من خلال "الوصيفات" قدم نقدًا كلاسيكيًا لنظام التمثيل الكلاسيكي باستخدام ميكانيزمات النقد الجمالي والفني الكلاسيكية.
من هنا يطل علينا Bourdieu من نافذة حقل الانتاج الفني وكذا أهمية النشأة التاريخية والبنائية لحقل التلقي، وإلّا سيكون أي تحليل للعمل الفني متأثرًا بافتراضات وأحكام مكتسبة من داخل الحقل الثقافي الذي ينتمي إليه الباحث، وهو ما جعل بورديو يبحث في إمكانية نشوء حقل فني مستقل سواء من حيث الإنتاج (دراسته لكل من مانييه/فلوبير/بودلير)، أو من حيث التلقي (مبولة دوشان Duchamps نموذجًا)، والتي شكلت نقطة التحول في المعايير الفنية لما يسمى بالفن المعاصر الذي ينطبق عليه وصف R. Barthes بأنه يحتوي على ذلك الجهاز التدميري والانبعاثي في الآن ذاته، وتلك ميزة كل فن حديث. لكنه وبحسب بورديو يدين بالفاعلية السحرية للشرعية الفنية التي يمنحها إياه الحقل الفني عمومًا، سواء من حيث الإنتاج أو التلقي.

ويمكن في ذات السياق أن نعرج على أهمية نظرية التلقي عند R. Jauss الذي يعتبر الفهم الفني والأدبي مسألة لا تتحقق سوى عبر التاريخ، وهو ما عبّر عنه شلايماخر (Schleirmacher) في العلاقة بين الوعي الجمالي والوعي التاريخي، وهي فكرة تأويلية ترى بأن الفهم اللّاحق للعمل الفني أكثر قيمة من الإنتاج الأصلي؛ بمعنى أن من يؤول العمل الفني يفهم منتجه أكثر مما يفهم ويعي هو نفسه وعمله الفني، ويتأتى له ذلك عبر المسافة التاريخية. لكن هذه الإجابة نفسها تطرح مفارقة أن كل ما هو جميل هو بالضرورة قديم،  وستقحمنا مجددًا في نطاق التراتبية الاجتماعية لتشكل الأذواق عند بورديو، بحيث تكون الأذواق المجموعات المهيمنة هي الأكثر شرعية اجتماعيًا، طالما أنها تمتلك شفرة تذوق الثقافة الرفيعة La haut culture نتيجة لرأسمال ثقافي تكون نتيجة للرفاهية المادية التي تتمتع بها هذه المجموعات عبر سيرورات من التنشئة الاجتماعية والتوريث. فمنتج قيمة العمل الفني ليس هو الفنان بل حقل انتاجه، كفضاء من القيم والمعتقدات، فالعمل الفني موجود ككائن رمزي ذي قيمة فقط إذا كان معروفًا، أو مؤسسًا اجتماعيًا كعمل فني من قبل مجموعة اجتماعية ذات الكفاءة الجمالية الضرورية، كما يشير كتاب "قواعد الفن" لبورديو.

ففي الوقت الذي اعتبر فيه كانط أن الحكم الجمالي، حكم مجرد بحيث تكون مقولة "لكل شخص ذوقه الجمالي الخاص" ترتبط عنده بالملائم فقط وليس بالحكم الجمالي، يعتبر صاحب كتاب «La distinction» بأن ثنائية فن "رفيع" وفن أقل مكانة من غيره هي مجرد قيم وعادات للبرجوازية الثقافية التي تعتبر نفسها طبيعية وحتمية، وبالتالي لا نعجب بعمل فني ما لأنه جميل، بل لأن من يعجب به يمتلك رأسمالًا  ثقافيًا يستطيع به تحليله وفهمه، ومن هنا يمكن بحسبه فهم اختلاف تفضيلات الناس لمسرحية شيكسبير أو لمعزوفة معزوفات باخ أو لمسلسل تلفزيوني، فالمسألة ما هي إلّا تناقضات ثقافية بين النخبة (البرجوازية) والعامة المتمثلين في العمال والطبقة الوسطى الدنيا.

تطرح هذه العلاقة المرتبطة بالقوة والهيمنة إذن تحديًا ابستيمولوجيًا لنظرية الحكم الجمالي الكانطي، لكنها هي الأخرى تسقط في فخ الحتمية الثقافية، بالإضافة إلى أنها ظلت مقتصرة على النموذج الفرنسي في حقبة معينة، ولم تأخذ بعين الاعتبار اختلاف البنيات الاجتماعية في المجتمعات الأخرى كالولايات المتحدة، حيث تهدد قوى السوق سياسات الليبرالية وتسليع وانتاج الثقافة القيم الجمالية الغربية (الحديثة والكلاسيكية على حد سواء)، وهو الأمر الذي شكل صدمة قوية لأدورنو (Adorno) في جدلية التنوير. ومن هنا يمكن أن نتساءل هل بالفعل شكلت مبولة دوشان نقطة تحول في الفن الغربي نظرًا للشرعية الفنية التي منحها له الحقل الفني لانتمائه الموغل لهذا الحقل، أم أنها تعبير عن عبقرية فنية خلاقة تجاوزت القيم الجمالية وآليات الحكم الفني للمجتمعات الغربية نفسها؟ وإلى أيّ حد يمكن القول بأن للفن غاية معينة؟


• هشام:
توقعت أن ورطتنا هذه حول الفن ستكون ممتعة، وحين قرأت ما كتبت لم يخب ظني. ذكرت أشياء مكثفة وكثيرة مهمة، كما هو متوقع دومًا في رسائلك الثقال. أقول هذا وأنا لا أزال مستغربًا عن أسباب تغييب سوسيولوجيا الفن في شعب علم الاجتماع، في حين تدرس مواد للجماليات في شعب الفلسفة. لا بأس لنعد إلى ورطتنا الجميلة. 
في الحقيقة كانت مقدمتي حول فوكو بمثابة نقد مباطن للتحليلات الغائية للفن من جهة، والقراءات البنيوة من جهة أخرى.

دعني أعقب أولًا على قراءة فوكو للوحة فيلاسكيز، لأني بذلك سأسلك السبيل نحو أحد قضايا سوسيولوجيا الفن، وهي سيرورة صنع القيمة الفنية. بذلك سأكون قد أجبت عن سؤلك الذي طرحته في اﻷخير، وهو في نظري نفس السؤال الذي سبق وطرحته من قبل بصيغة مغايرة. وكأني بك تصر أن ترد إلي سؤالي لتعرف ما تحت بطانتي. هيهات أيها الفوضوي الجميل!

الحقيقة أن قراءة فوكو لم تكن مجرد قراءة من الداخل، بل قراءة رمزية كسائر القراءت التي عودنا عليها البنيويين (مثلًا قراءة بورديو لرواية "التربية العاطفية" وهندسة "البيت القبايلي"، قراءة جاك لاكان لقصة "الرسالة" ﻵلان بو وغيرها). هذه القراءات هي قراءات تبريرية، تنطلق من تصور مسبق للبنية الثقافية أو المعرفية لمجتمع ما، فتنتقي أعمالًا محددة، تبدع في تحليلها وفق تلك الخطاطة المسبقة. لقد برع فوكو في تحليل اللوحة لكونه يحوز بشكل مسبق على خطاطة فكرية حول تحولات البنية المعرفية للغرب منذ عصر النهضة، بلورها منذ أبحاثه اﻷولى حول الجنون وميلاد العيادة. وما يجعل القراءة البنيوية دومًا مستعصية على النقد، هو كونها ليست تنظر للعمل الفني لا في واقعيته ولا في خياليته، إنما في رمزيته. ألم يقل بورديو في مقال له بعنوان "صنع حياة الفنان" أن العلاقة بين فريدريك، بطل رواية التربية العاطفية، وفلوبير كاتبها هي علاقة "احتمال متجاوزة ومحفظة في آن"؟ لقد لعب على الحبلين، يأتي ويجيء في التحليل كما يشاء، فلا هو مع أهل "التحليل من الداخل" وما هو مع أهل "التحليل من الخارج". ينكرهما معًا، ويتواطأ معهما سرًا حسب الحاجة. وما أن يحتج المحتج على أحدهم، حتى يردوا بنفس العبارة: "إنك أسأت فهمنا!"

ما المشكلة التي تطرحها مثل هذه القراءات لسوسيولوجيا الفن؟ إنها قراءات فردية لا تتكرر، فيصعب إذن اﻹقتداء بها. فهي لا تخدم سوسيولوجيا الفن من الناحية البراغماتية.
لنعط مثالًا وجيزًا. فسر بانوفسكي (Panofsky) وهو مؤرخ انجليزي، الهندسة القوطية في العصور الوسطى، بكونها الشكل الذي يتمشى مع العقلية اﻹسكولائية، حيث كل جزء من القضية يمكن استخلاصه من القضية السابقة. بذلك تكون الهندسة متراصة التنظيم. هذه المماثلة (analogie) -العزيزة على لوسيان غولدمان- التي تقرن بين العمل الفني والبنية الذهنية هي ذات طبيعة انتقائية (أنظر مثلًا أطروحة "اﻹله الخفي" لغولدمان). الإنتقائية هي الوجه الثاني لمعضلة التبرير. فنوبرت إلياس (N.Elias) عثر على شيء آخر غير التفسير الذهني في العمارة القوطية. فهذه تطورت بفعل عامل تنافس المدن، وإظهار قوتها لا بفعل مقولات ذهنية بنيوية. إذن فقضية التبرير وقضية الانتقاء التفسيري هما وجهان لعملة واحدة: القراءة الجمالية والجوهرانية لما يسمى تاريخيًا "الفن"، تلك العبارة التي تدين كثيرًا للقرن التاسع عشر ورومانسية بوُجودها. في الحقيقة قرأ فوكو لوحة الوصيفات بعقلية الستينات، فترة نشاطه، تلك العقلية الفرنسية التي لم تدم سوى عشر سنوات بين المثقفين حتى هجرت. أما لوحة الوصيفات فإن صنفت على أنها فن، فهي في الحقيقة كانت قبل أن يكون "الفن" و"الفنان". لأن من رسمها، حرفي ماهر كان تحت رعاية الملك فيليب الرابع، والرسم كان جماعيًا، هذا إن لم نقل كانت اللوحة موجهة في بعض تفاصيلها. وهذا شيء جار في تلك الفترة. 

لنرجع إلى قضية مبولة دوشان (Duchamp). طرحت علي سؤالًا بخصوصها. في الحقيقة هناك اتجاه عام يجمل الفنون المعاصرة، وهو الخروج عن اﻹطارات واﻷنساق والمنطق، والتمرد عليها. وهذا يعاكس اتجاهات ماكس فيبر (Weber) كما تعلم، حين سحب سمة العقلانية والترشيد على الفن بشكل عام والموسيقى بشكل خاص في الغرب. بحيث تعتمد الموسيقى الغربية مثلًا التفريعات المنطقية والحسابية دون غيرها. هذا  يتنافى مع النزعة المعاصرة التي تتسم بخيانة العقلانية نفسها. يتضح هذا جليًّا في درس دوشان، فاللوحة ليست "عملًا فنيًا" كما اعتاد عليه الناس خصوصًا أعضاء لجنة (SIA)،  فـ"المبولة تبقى مبولة لا تصلح سوى للتبول". هذه الجملة البسيطة الساخرة مني، هي عمود استقلال "الحقل الفني" -إن شئنا استعمال مفهوم بورديو التحليلي- لأنها لا تحمل فقط تحديدًا للفن، بل تحمل أيضًا أطروحة كانط (Kant) الجمالية التي فصلت بين الفن وقيمته الاستعمالية. تلك اﻷطروحة التي طوقت بجدارها حقل "الفني" وحددت منه "غير الفني". فكان مدعاة للسخرية ساعتها أن تعتبر أداة تستعمل للتبول عملًا فنيًا. ما الدرس السوسيولوجي في هذا الحدث الذي أثار جدلًا واسعًا ساعتها في نيويورك وخارجها، خصوصًا في اﻹعلام؟

الدرس هو تمامًا ما خلص إليه هوراد بيكر (Becker) في كتابه (عوالم الفن)، أن الفن ليس شيئًا خاصًا، بل هو شبكة تفاعلية من العلاقات والتوافقات التي لا يعتبر فيها صاحب العمل سوى جزء من القضية. فالمبولة ليست صنيعة دوشان، لكنها صنيعة إسمه كفنان، كذلك هي صنيعة سياق متشابك يدخل فيه رفض لجنة نيويورك عرض المبولة، بحيث زاد ذلك من قيمتها، ثم مقال دوشان في مجلته (the blin man)، الذي كتب عن الحدث باعتباره ضالعًا في النقد الفني، زيادة على ذلك الصورة الفوتوغرافية لألفرد ستيكليتز  (Stieglitz)، التي ساهمت في نشرها وإعادة إنتاج قيمتها، ثم اﻹعلام وفاعلين آخرين. إذن فالمبولة هي نتاج سيرورة تفاعلات. وهذا مسار كل عمل فني أكان موسيقى، أو لوحة أو حتى قطعة حديدية صدئة. فمن كان يهتم بـ "إبراهيم ناجي" قبل ثلاثة عشر عام من وفاته، أي الفترة التي غنت فيها أم كلثوم "اﻷطلال"؟. ألم يكن يسميه طه حسين ساخرًا "بأديب اﻷطباء وطبيب اﻷدباء"؟ أليس هذا يمكن أن يفضي بنا إلى القول بـ"تفاهة الفن"، كما قالت "حنة أرندت" قبلًا بـ"تفاهة الشر"؟ ألم ينخدع الناس بالفن كما انخدع اليهود بأيخمان أيام محاكمات مجرمي الحرب بإسرائيل؟ لماذا إذن يعرف الفاعلين الفن في ذاته، كما يفعلون في الحب وفي الدين؟.


• عادل:
مساء الخير أيها الصديق الجنوبي الطيب، في الواقع إن ورطتنا هذه مع الفن ممتعة تجعلك توقف جميع أعمالك وانشغالاتك، لتنشغل فقط بكل ما يتناول الفن، وشيقة كذلك لكونها تحررنا من كل كتابة أكاديمية مقيدة. وإني أعلم طابعك المتمرد على كل ما يقيد حريتك، لذلك يبقى السجال مثمرًا جدًّا معك، لقدرتك على إثارة التساؤل، ولا تهمنا الإجابة هَاهُنا، كما تعلم، بقدر ما يهمنا التساؤل. ولعل استغرابك لتغييب سوسيولوجيا الفن من شعب علم الاجتماع، مشروع جدًّا وأشاطرك فيه التساؤل والاستغراب، لكن ربما في الأمر خير لنا (حتمًا ستفهم مقصدي)، لكن تبقى سوسيولوجيا الفن مركزية في تطور السوسيولوجيا بشكل عام، إن على المستوى النظري أو التطبيقي فلولاها لفقدت السوسيولوجيا كثيرًا من طابعها النقدي خصوصًا عند بورديو.

في الواقع لم يكن مفهوم الفن موجودًا قبل قرون قليلة، بل إنه وجد فقط في السياق الثقافي والتاريخي والفكري للمجتمعات الغربية (الأوروبية تحديدًا)، وقبل ذلك الزمن كانت القطع الفنية مجرد قطع ومنتجات تأثيثية للفضاءات الدينية وكانت لها غايات سياسية ودينية ورمزية. وهو ما حدث فعلًا مع لوحة فيلاسكيز باعتبارها لوحة تحت الطلب (السياسي) كما أشرت، وكانت منتجات ورموز ثقافية ودينية وسحرية في مجتمعات أخرى تعتبر قطعًا فنية، طالما أنها عزلت عن سياقها الثقافي وبالتالي عن غاياتها التي أوجدت من أجلها. ومع بروز الرومانسية بدأ تمييز الفن عن أشكال أخرى من الثقافات الشعبية، بناء على معيار استعصاء فهم العمل الفني من قبل الفئات الاجتماعية العريضة والشعبية، ومن هنا بدأ تمييز الأشكال الثقافية بين رفيعة وأخرى سفلى أو وضيعة، أي أنها لا تحقق ميزة التفكير الرفيع أو العميق اللّازم في إنتاج القطعة الفنية أو في فهمها. لكن هذه الخطاطة تم رفضها بشكل قطعي من طرف علماء الإجتماع وهو ما شكل قوة نقدهم لمعايير الجمالية الكلاسيكية وبداية اقتحامهم لمعالم الفن وجعله موضوعًا قابلًا للتناول العلمي السوسيولوجي، وربما يسعنا القول بأن سوسيولوجيا الفن طورت كثيرًا من طرق الرؤية الفكرية والثقافية والنقدية لعوالم الفن بعد أن حررته حسب إينيك (Nathalie Heinich) من علم الجماليات والفلسفة وكذا التاريخ من خلال مدخل التراث.

لا أريد التطرق إلى مشكلات البنيوية والانتقادات الموجهة لها ولمنهج تحليلها، الذي يولي أهمية كبيرة للقراءة الداخلية للعمل الفني والأدبي، لكن هذا الإلحاح على القراءة الداخلية لا يغدو سوى إلحاح نظري غالبًا ما يتناسونه في تحليلاتهم، وإن كانت البنيوية (لاسيما التكوينية) قد طورت كثيرًا مناهج النقد الأدبي والروائي تحديدًا. وربما من هنا برزت دعوة Bourdieu إلى التسلح بمناهج عديدة وأدوات متعددة لتحليل الأعمال الفنية، وهو نقد مبطن لكل أشكال التحليل الأحادية المنهج ولكل الممارسات التقليدية في النقد الفني أو تلك التي تدعي الأحقية في دراسة الفن، بغض النظر عما إذا كان بورديو نفسه قد سقط هو الآخر في فخ هذه النزعة العلموية فيما بعد، إلّا أنه اعتبر كل تلك التحليلات الماركسية للأعمال الثقافية والفنية -وخص بالذكر غولدمان (Goldmann) ولوكتاتش (Lukas)- لا يمكنها أن تصمد أمام اختبارات التوضيح، وقد يكون هذا الأمر هو نفس ما أشرت إليه في رسالتك بخصوص نقد البنيويين.

سنتجاوز إلى حد ما جدل مبولة دوشان، نظرًا لضرورة الاقتضاب والاختزال وأيضًا لكوننا مجمعين إلى حد ما على تفسير أثارها، وبغية التطرق لسؤالك الذي أراه مهمًا جدًّا في هذا السياق، وربما يختزل تيارين مهمين في سوسيولوجيا الفن: الأول هو تيار الفن في ذاته ولذاته، أي الفن من أجل الفن (l’art pour l’art)، والثاني هو الفن الاجتماعي (l’art social)، وهو ما أشار إليه لايير (B. Lahire)  في سياق مماثلته لإشكالات التمييز بين السوسيولوجيا الاجتماعية والسوسيولوجيا التجريبية، وبالوقوف عند لايير فإنه يرى في كتابه «Ceci n’est pas qu’un tableau»، الذي تناول فيه سياق بروز لوحة (Fuite en Egypte)، وكيف تحولت في ظرف وجيز إلى عمل فني محط جدال واسع، ومعترف به على نطاق كبير بعدما كانت مجرد قطعة قماش بالية. إن الكتاب يسائل آليات الهيمنة الاجتماعية المخفية تحت الإعجاب بالأعمال الفنية، فيبحث في سر امتلاك تلك العصا السحرية لتحويل الكائن العادي إلى منتج سحري. وبالرغم مما يحمله الكتاب من أفكار وتحليلات عميقة ومهمة في محاولة فهم كيف تصنع القيمة الفنية لعمل ما في علاقتها بأبعاد سياسية واجتماعية أخرى، إلّا أن لايير وعلاقته بالفن والإبداع تبرز كذلك بقوة من خلال كتابه حول فرانز كافكا (F. Kafka).
يكتسب هذا المؤلف قيمته بالمنهج المعتمد في دراسة تجربة المبدع من خلال البيوغرافيا الاجتماعية، فالعمل الفني/الأدبي بحسبه، هو في نفس الوقت شكل من أشكال التحليل الذاتي واستكشاف الاحتمالات التي يمكن الكشف عنها فقط في بعض الحالات.
ينتقد لايير في كتابه، نظرية الحقل والهابيتوس عند بورديو، وهو انتقاد ابستيمولوجي يتبدى على طول خط السوسيولوجيا التي يقدمها لايير في أعمال مختلفة أبرزها الإنسان الجامع أو المتعدد
«l’homme pluriel»، وهو نقد لكل أشكال الحتمية الاجتماعية والمبالغة في تضخيم أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية الكلاسيكية، فلايير يقدم لنا من خلال تجربة كافكا نموذج أداة تحليل عمل المبدع بسيرته الذاتية، والأهم من ذلك بسياقه الاجتماعي ووجوده العائلي والمهني/الاحترافي، أي من خلال وضعيات متعددة تكسبه القيم والمواقف وبالتالي أنماط الفعل، وهي أداة غير أحادية المنظور والمنهج. وهذا الأمر تأكيد على أن فهم العالم الحديث وعلاقتنا به، من خلال الفن، مرتبطة أساسًا بفهم الفرد وثقافته وسياقه الذي أنتج سلوكاته، وأنماط تصرفه وأشكال إبداعه. وتدعو في نفس السياق N.Heinich إلى نهج برغماتي، لا يجعل قيمة العمل الفني في حد ذاته، بل كيف تعمل هذه القيمة على إنتاج المعنى وكذلك دراستها في سياقها.
وفيما يخص مماثلتك للحب والإبداع الفني والاعتقاد الديني، ألا ترى أنها موضوعات تنفلت من مجال العلم كون محدداتها غير حسية، وأنه لا يمكن إضفاء معنى لما ليس له معنى إلّا في الحالة الفردية، وهي تيمات تم تغييبها كثيرًا في السوسيولوجيا الكلاسيكية، لكن وحتى ببزوغ سوسيولوجيا الفرد بقي موضوع الحب قليل التناول السوسيولوجي، ربما لكونه يدخل في نطاق طرائق متعددة ومختلفة من الذاتية ويرتبط شأنه شأن الإبداع الفني بالخيالي (l’imaginaire) أكثر مما هو مرتبط بالاجتماعي (le sociale). وقد أعكس لك السؤال مجددًا، على هذا الشكل، ما هي الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها الفن في المجتمعات المعاصرة؟ وهل يستلزم فعلًا أن تكون للفن وظيفة ما؟


• هشام:
مساء النور عادل.. أعتذر جدًّا على تأخير الرد، اﻷمر متعلق بوضعية عدم الاستقرار التي أواجهها هنا في الرباط، فكلما خططت لجلسة هادئة تليق بمقام رسائلنا إلّا وأتى شغل شاغل يجرني منها. دعني أقول شيئًا قبل استئناف هذه الورطة. في رسائلك الجميلة دوما أتلمس شيئًا من الحركية المطردة، فوثبة هنا وقفزة هناك حتى أنني أحار في مجاراة هذه المغامرة. فهل نحن مطالبين بالايجاز السريع حيث نقتصد الكلام ليتسنى لنا قول كل شيء، أم التفصيل والتوضيح، فلا نقول كل شيء؟ إن رأسي ليغلي باﻷفكار في هذه اللحظة، فأي منها سأقول وأي منها سأترك، لأني لن أتمكن، ولا أنت، في قول كل شيء في سياقنا الضيّق هذا؟ لكن رسالتي هذه ستكون نقدية إلى حدود ما، فاعذرني على اﻹطالة.
لقد تفوقت علي في طرح اﻷسئلة إذ طرحت أخطر سؤال لحد اﻵن: ما وظيفة الفن في المجتمعات المعاصرة؟ لعل في السؤال خير لأنظم أفكار. 

سأفصل السؤال إلى جزئين: ماذا كانت وظيفة الفن قبل المجتمعات المعاصرة؟ وماذا تكون وظيفته اﻵن؟
كان للفن وظيفة دينية وسياسية وإجتماعية فهو دومًا كان تابعًا لأحد المجالات المحددة. فإما مرتبطًا بالكنيسة أو بالدولة أو بممارسات إجتماعية يومية، (أي ما يسمى الفنون الشعبية). إذا رجعت إلى أطروحة "Un art moyen" لبورديو وزملائه ستجد أن التصوير الفوتوغرافي لدى الطبقة الشعبية مرتبط بوظيفة إجتماعية لا يحيد عنها: صور عرس، عمل.. فهو واقعي دومًا. في الحقيقة، كان هذا هو اﻷصل الغابر للفن قبل أن يسمى "فن". أسهمت اﻷسطورة والدين في اﻹعلاء من شأن العمل الفني بعد أن استعانت به لتجسيد المقدسات، فاقترنت به القداسة، ثم جاء السياسي باحثًا له عن بورتريهات شخصية فعظمت مكانة الفنان الاجتماعية، خصوصًا الرسام والنحات حين صار تحت رعاية الملك والحاكم. لم يكن للفن في ذاته أي معنى في العصور الوسطى، كما لم يكن لفكرة "الشخص العبقري" قبل العصر الكلاسيكي أي معنى، أما عبارة "فنان" فظهرت على حسب الباحثين، في نهاية القرن 18، وأول من نعث بها هم الرسامين والنحاتين، لتعم فيما بعد على باقي الممارسات الثقافية.
لقد كانت فكرة "فن بلا وظائف إجتماعية" هي عماد الجماليات الحديثة، وكان كانط طارقها. فنزع الفن عن تاريخيته فجأة ودخل حيز اﻹطلاقية، أكان حكمًا أو ذوقًا.
انتظرنا اﻹيطالي فيكو (Vico 1744) ليقدم دراسة إجتماعية عن الشاعر اﻹغريقي هوميروس، فيعلن بعدم وجود هذا اﻷخير، إنما يوجد فقط ثقافة شعبية إغريقية تلبست بشخصه. عاد اﻷلمان إلى الواجهة ثانية، فأعلن هيردر (Herder) عن ضرورة ربط الفن بسياقه الثقافي. ثم قال هيجل (Hegel) بتعبير الفن عن روح عصره. فكان سؤال الوظافة مطروحًا بإلحاح، فحيث يعبر الفن عن ثقافة أو روح، فهو لا يخرج عن السياق الوظيفي لتاريخه. أزاح الهرمينوطيقيين سؤال الوظافة عن الفن ثانية خصوصًا دلتاي (Dethey) وهايدغر (Heidegger)، فربطوه بقضايا ميتافيزيقية على غرار التجربة والحقيقة والكشف ونزع الحجاب.
في الموازاة مع هذا، ظهر ماركس بماديته التاريخية، ورغم أنه لم يقل شيئًا مهمًا في الفن، إلّا أن أتباعه من "التحريفيين" (تفهم قصدي!) استنبطوا من مقولاته تلك الميكانيكية التي جعلت من الفن انكعاسًا عن البنية التحتية. لم ينتبه صديقك لايير (Lahir) تلميذ بورديو، لهذه المسألة فوجه نقدًا لاذعًا لماركس متهمًا إياه بالحتمية اﻹقتصادية في الفن في كتابه "عالم متعدد الأبعاد". لقد كانت إينيك (Heinich) منصفة بإطلاعها الواسع على ما لماركس وما للماركسيين في الفن. إنه من العيب أن نأخذ على ماركس ما لم يقل فيه، لكن من العيب النظري أيضًا أن نجعل من الفن إنعكاسًا للظروف مادية كما فعل بوليخانوف مثلًا. فلا لوكاتش ولا ألثوسير، ولا أدورنو ولا بينيه (Bennet) من منظري الماركسية في الفن فعلوا هذا. بل سعو جاهدين للبحث عن وساطات إجتماعية للفن ونزعه من براثن اﻷدلوجة والانعكاسية الفظة.

أتصور مثلًا، لو أن لايير كتب كتابًا تحت عنوان: "Ceci n'est qu'un Kafka".  بعبارة أخرى، أن يجيش عدته المنهجية والنظرية التي اشتغل بها في كتابه الذي ذكرته: "ceci n'est qu'un tableau". هل كان سيخلص إلى نفس النتيجة مع كافكا؟ هل سيعتبر مؤلفات هذا الكاتب مجرد أعمال بعدية ساهم فاعلين في صنع قداستها كما خلص مع اللوحة المدروسة؟ ألم يقم باستعمال منهج طرقه بيكر (Becker) قبلًا بثلاث عقود ونيف على اللوحة (الفن كشبكة علاقات منظمة توافقية للإنتاج والاستهلاك) مع شيء من مفاهيم بورديو النقدية، وفي الكتاب حول كافكا نهج نهجًا مخالفًا يسلط الضوء على الفنان نفسه وعمله وبيئته؟ ففي حالة لوحة (Fuite en égypte) يغدو الفن جميلًا لأننا أعجبنا به، وفي حالة كافكا يعد الفن جميلًا لأن هناك ظروف سوسيولوجية ساعدت في خلقه من طرف مؤلفه. فالحالة اﻷولى بحث عن "الفن في المجتمع"، وفي الحالة الثانية بحث "عن المجتمع في الفن"، وهذه ازدواجية في المنطلقات. طالما تعود لايير أن يعيب على أستاذه بورديو إزدواجية الخطاب النظري في مؤلفاته، لكنه نسي أن أي باحث حالم بنظرية عامة حول المجتمع ليس له إلّا أن يتهافت ويتناقض ويسقط في المتشابهات. ولك في مفهوم الحقل والهابتوس خير مثال. فما معنى أن يعيش الفرد وفق خزان قبلي للاستعدادات (الهابتوس)، يعمل على مبدأي الديمومة والتوحيد، دون مراعات السياقات البعدية؟ ثم ما معنى أن يتمتع الحقل الفني باستقلالية ذاتية في القرن التاسع عشر؟ هل يعني نزع الفن من وظائفه السياسية والدينية، استقلاله عن الوظيفة الاقتصادية والسوق؟ ألا يفكر الفنان قبل كل شيء في المقربين، ثم السماسرة والتجار، فالنقاد، والجمهور وهو في لحظة إنتاج عمله؟ ألم يسخر فلوبير نفسه من وضعه الجديد بعد أن شبه نبله بنبل بقال، فقال ساخرًا "ياله من تقدم"؟ 
حسنًا، ما وظيفة الفن اﻵن بعد أن اختلق أسطورة الإستقلال الذاتي، وميز نفسه عن "الحرفة التقليدية" (بتعبير صديقك لايير)؟
الفن هو "شيء ما عرفته جماعة ما على أنه فن". هذا أقصى تعريف يمكن للسوسيولوجيا أن تقدمه عن الفن، وإلّا صارت أكسيولوجيا (مبحث القيم). مادام يصعب الحديث عن استقلالية الفن، فليس يمكن فصله عن الوظيفة الاجتماعية. إن الفن فضاء حيث العلاقات والتفاعلات والصراعات الرمزية، بين اﻷفراد والجماعات والمؤسسات. فمن خلاله يتم الارتقاء الاجتماعي والاستثمار الاقتصادي (أكان شخصًا أو مؤسسات)، ومن خلاله يشرعن التمرد وكسر الحدود القيمية والمعيارية (فمثلًا يبرر الممثل السينمائي تصوير مشهد جنسي بكون ذلك فنًّا). من خلاله تخلق فضاءات للتمايز والاستهلاك الثقافي، وتبرز الانتماءات الثقافية خلف الانتماءات الاجتماعية. ومن خلاله تخلق جماعات فنية وهويات تحلق حولها. ومن خلاله تقوم وظائف سياسية، عن طريق استثمار فن الفانين، فيتم منحهم أوسمة وإغراءات بالمقابل (فلوبير نفسه حصل على وسام جوقة شرف).
كان دومًا للفن وظيفة إجتماعية يمارسها، لكن طبعًا حصلت تغيرات في تلك الوظائف. أما مبدأ القرن التاسع عشر "الفن للفن"، فهي مجرد أدلوجة أطلقها الفنانين، ولم يسلموا من تناقضاتها، وصدقها الباحثين فلم يسلموا أيضًا من تناقضاتها. تنبه لايير لهذا حين قال ما معناه أن "الفن للفن كانت في مخيلة اﻷدباء لا في حقل اﻷدب". أما الفنانين البوهيميين الذين أرادو للفن مجالًا منزهًا، فهم قلة قليلة، لها مصادر دخل قارة ومريحة تجعلهم لا يساومون في أعمالهم، على اﻷقل ماديًا. أنظر إلى السيّد نعمان لحلو نموذجًا في المغرب.       
فيما يخص سؤالك عن تشبيه الفن بالدين والحب، على اعتبارها أشياء في ذاتها.. سأقول أولًا أن الحب والعلاقات العاطفية موضوع مطروق في السوسيولوجيا. وهي دراسات لا تنظر للحب منظر الفلاسفة، إنما كعلاقات بينية محسوبة الخطى، بل وتدرس أيضًا العمليات الثقافية التي تجعل من الحب ما هو عليه من تجربة رومنسية أسطورية. أما علاقة الفن بالدين من الناحية المنهجية فأجيب بعبارات "نثالي أينيك" وهي ختام رسالتي: "كما لا تسعى سوسيولوجيا اﻷديان إلى إثبات صحة اﻷديان، فسوسيولوجيا الفن لا تعنى قط بإثبات تميز الفن وتفرده".


• عادل:
مساء النور، أتمنى أن تكون بخير في عاصمة البؤس تلك، سألتحق بك عما قريب لنصع فرحًا في دروبها وقهقهات في صالوناتها "الثقافية" المملة. أجد رسالتك غنية جدًّا من حيث قدرتها على النقد، نقد رزين ومحكم البناء. أعلم جيدًا أن الحيز الذي خصصناه لموضوعنا هذا ضيق جدًّا، لكنك لست الشخص الذي سيبدأ لتوه بقراءة إحالاتنا حول الموضوع، اللهم إن كانت مجرد إطلالات أو إعادة التأكد من فكرة ـوأفكار منفلتة، لذلك أجد دوما الإشارة فقط أمرًا يسيرًا في محادثاتنا، وهذا أمر جميل يجنبنا صعوبة البدايات.
 في الواقع لا يمكن أن نحاسب لايير (Lahire) على ما أسميته تناقضه وتخبطه بخصوص تفسيراته للوحة fuite en Egypte وتجربة F. Kafka، وازدواجة منطلقاته فلايير –ولست مدافعًا شديدًا عنه- في كتابه Ceci n’est qu’un tableau تعامل مع حقل التلقي الفني وليس مع تجربة الإبداع ذاتها، وهنا نقطة التمفصل. فأن تسعى لتحليل آليات الهيمنة وصنع القيمة الفنية التي يخلقها الإعلام والنخبة التي تحتكر لوحدها مشروعية إضفاء المعنى ومنح القيمة الفنية، مغاير تمامًا من حيث الموضوع أولًا ثم من حيث المنهج. ثانيًا، ثم من حيث المداخل النظرية، فالكتاب كان تحليلًا للصراع السياسي والاجتماعي حول خلق القيمة الفنية وإنتاجها ومنحها المشروعية الفنية، فاللوحة لم تكن ذات قيمة فنية قبل تسليط الضوء عليها وحين أصبحت محط جدال تدخل خبراء لفض الجدل حول اللوحة الأصلية، وبالتالي منحها المشروعية الفنية، ولم يهمل لايير طرق العرض وطقوسه السحرية من إنارة وتزيين وتصوير وما إلى ذلك.. إنه كتاب يسائل حقل التلقي الفني وليس قيمة العمل في حد ذاته، (تحضرني في هذا السياق قصة لوحة Salvator Mundi، التي اقتناها أمير سعودي بمبلغ إعجازي بعد عرضها في متحف اللوفر، ومن يدري أهي لدافنشي أم لا وهل هي فعلًا اللوحة الأصلية).
لكن وفي كتابه الآخر حول كافكا، فالأمر مختلف تمامًا. وتجدر الإشارة أولًا إلى أنه من حيث السبق صدر هذا الكتاب سنة 2010 في حين صدر الأول سنة 2015، والاختلاف في الموضوع يتجلى في كون لايير ركز على التجربة الأدبية في شروط إنتاجها، طالما أن هذه التجربة هي فردية بالأساس، وتعلم جيدًا فضل لايير على سوسيولوجيا الفرد المعاصرة، وتراكمه النظري وسعيه الدؤوب لخلق براديغمات تفسيرية على أنقاض مسلمات السوسيولوجيا الكلاسيكية والحديثة، وانتقاده لبورديو في هذا الباب هو انتقاد مبطن لسوسيولوجيا الحق والهابيتوس وحتميتها ومغالاتها في تقدير دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، لاسيما في ظل تعدد أطر التنشئة الاجتماعية للأفراد، وتعدد الوضعيات التي يمر منها الفرد مما يساعده على بناء تجربته الفردية ومواقفه التي تبدو متناقضة وغير متجانسة أحيانًا، (ليس السياق ملائمًا لمزيد من التفصيل حول سوسيولوجيا الفرد والتجربة الاجتماعية)، لكن أهمية دراسة تجربة كافكا تتجلى أيضًا في منهج البيوغرافيا الاجتماعية الذي طبقه لايي في هذا السياق ومنه استطاع أن يبرهن على تفرد تجربة كافكا.
إن لايير ذو سوابق علمية في هذا الجانب من التفسير الذي تشتد فيه حدة النقد لحتمية سوسيولوجيا بورديو ولفكرة المجتمع ككل، (أنظر إشارته لتجربة Annie Ernaux ثم لكتاب La culture des individus). إن التجربة في حالة الإبداع مهمة جدًا لكنها في حالة التلقي تبقى محدودة أو بالأحرى يصعب دراستها في حالاتها الفردية، فنجده يتحدث عن جماعة المراهقين المنحدرين من الطبقات العليا في فرنسا وتفضيلاتهم لموسيقى الروك Rock والجاز Jazz على الموسيقى الكلاسيكية التي يفضلها آباؤهم، وإلى القطيعة الجذرية مع أذواق الآباء، وبالتالي فكأنه يتحدث بمفهوم الفرد في سياق الإبداع لكنه في سياق التلقي نجده يوظف مفهوم الجماعة في أدق قواسمها المشتركة، لذلك أجد الأمر منطقيًا وملائمًا علميًا طالما تم تمييز حدود استخدامات المفاهيم وسياقات توظيفها. وفي رسالتك قدمت تعريفا للفن في سياق الجماعة وليس الفرد، وهو تعريف متعارف عليه سوسيولوجيا حسب (D Inglis) بينما يبقى الإبداع والممارسة فرديًا، رغم أثر التجربة الاجتماعية في إلهام الفرد والمبدع.
إننا متفقان مبدئيًا حول الوظيفة السياسية والدينية للفن في مجتمعات ما قبل القرن 20م (مع بعض الاستثناءات في سياقات تاريخية واجتماعية أخرى سابقة)، لذلك التساؤل حول دور الفن في المجتمعات المعاصرة مهم جدًّا، بالأخص مع بروز ثقافة تسليع الثقافة والفن والسلع الثقافية، وهو ما شكل صدمة Adorno في جدلية التنوير، وغيره من مفكري أوروبا الذين شكلت بالنسبة لهم الثقافة الأوروبية بغناها المحلي، النموذج الفني المثالي الذي يجب الدفاع عنه، فنجد رفض أدورنو القاطع للموسيقى الشعبية الأمريكية Funk ولموسيقى الجاز، فالفن عنده مقتصر على موسيقى Schoenberg  و Mozart. ما الذي يمكن أن نستنبطه من هذه الصدمة الثقافية لأدورنو وغيره ممن حولوا رحالهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليصطدموا بنموذج ثقافي متنوع وغني وغير كلاسيكي بالمرة، إنها فكرة عدم إمكانية إخضاع الإنتاج الثقافي والفني لمجتمع ما لنفس معايير محاكمة نتاج ثقافي لمجتمع آخر، بمعنى استحالة تطابق الفن في ثقافة معينة بالفن في ثقافة أخرى متميزة عنها، وهنا تسقط معايير الحكم الجمالي والفني الكلاسيكية.
إن فهم الوظيفة التي يؤديها الفن في المجتمعات المعاصرة، لا يمكن أن يتحقق دون فهم طبيعة المجتمعات المعاصرة في تركيبها وتعقد بنياتها، فالفن أصبح صناعة (بالرغم من أنه لا يمكن من حيث المبدأ أن نختزل كل إبداع في ما هو تجاري)، وبالتالي أصبح يحكمه منطق السوق أي منطق العرض والطلب، فأمسى الطلب الفني للمجتمعات المعاصرة يتجه نحو الموسيقى ثم السينما (تتذكر محادثتنا حول هوليود)، وتراجعت فنون أخرى أو أصبحت أقل إقبالًا من طرف الناس (أنظر O. Donnat et P. Collangeon)، فأصبح الإقبال على الفن إقبالًا على الترفيه Loisir، ونفت هذه الوفرة صفة التمثيل التي أشرت إليها في رسالتك الأولى، وأضحى الوضوح والتجلي بارزًا وفقد الفن بحسب بودريار (Baudrillard)، خاصيته الاستيطيقية في التخفي أي تحفيزه لرغبة التخيل النقدي في مقابل التهييج التجاري، للرداءة والإبتذال كما فعلت البورنوغرافيا مع رغبة التخيل الجنسي وتحويلها إلى ما بعد الجنسي.

هل بالضرورة يجب أن تكون للفن وظيفة ما؟ بالرغم مما يمكن قوله في هذا السياق، تبقى للفن وظيفة، خارج كل ما هو تجاري طبعًا، وهي وظيفة التعبير باعتبارها صفة إنسانية بنيوية ومستمرة ومتجددة وجدانيًا أو اجتماعيًا، ثم وظيفة الالتزام (l’engagement)، بمعنى قدرة الفن على تصوير قضايا الواقع وطرحها في أبعاد تتجاوز الواقع في ظاهريته. وهذا الالتزام ليس بالضرورة أن يكون التزامًا بقضية سياسية أو قضية لا يشوبها الاختلاف، (كما يحلو لبعض الرفاق أن يصنفوا الفن الملتزم في قصائد درويش ومطر ومعزوفات مارسيل خليفة وفيروز وغيرها، وهذا جيد، لكن ليس الالتزام بـ"آلة العود" هو معيار الالتزام الفني، وليس كل خروج عن الآلة أو عن الكلمة الشعرية هو ميوعة وابتذال)، بل بالعكس تمامًا، إن موسيقى الجاز التي رفضها أدورنو كانت التعبير الفني الملتزم بقضايا السود في أمريكا آنذاك وتطورت في سياق تاريخي مركب لتفرز لنا موسيقى الروك باعتبارها هي الأخرى تعبيرًا عن قضايا فئات اجتماعية ومنظومات قيم ثورية متمردة، إن الفن قضية إنسانية وكل فن خارج قضايا الإنسان (مهما كانت قضيته) لا يعدو أن يكون سوى ابتذالًا ومسخًا لواقع فظ. ثم لا يمكن أن نغفل مبدأ تجدد القيم الفنية، فكما يقول شكري في أروع ما كتب، (وهذا حكم شخصي)، "العالم يفلت منّا باستمرار، والفن يحاول القبض على هذا الإفلات. نحن حين نستعيد، بالإبداع، هذا العالم الهارب منا لا نضعه في صورة مؤطرة ونحتفظ به كذكرى. إن مادته تتحول كأي معدن ينصهر وتعاد صياغته في شكل يلائم عصرنا وما سيأتي بعدنا."


• هشام:
مساء النور أيها الفوضوي الطموح.. في الحقيقة ستكون هذه آخر رسالة لي حول موضوع سوسيولوجيا الفن، على أن نخطط لنقاش مستقبلي. فلك إذن شرف الختام إن قبلت به.
بما أنني وصفت التجربة منذ البداية بـ"الورطة" فإنني سعيد بها وبما عالجناه من قضايا متعددة حول الموضوع، كما أنني سعيد بقراءة رسالئك التي بعثت في حماسة مهولة. وإن كنت سعيدًا بهذا، فتلك السعادة لن تعادل تعاستي الناتجة عن كوني أكتب رسالتي اﻷخيرة حول الموضوع.. لهذا سأستجمع قواي لكتابة رسالة وداع نقدية تليق بالمقام، وهو وداع مؤقت بالطبع.

أريد أن أقول شيئًا بخصوص برنار لايير، ولا أظن وضعه يختلف عن وضع ناثالي هاينيك. فاﻹثنان ترعرعا على يد بيير بورديو، مضاف إليه شيء من مطروقات نابرت إلياس وهورد بيكر، لكن لظروف ما تحولا إلى "العقوق". لقد كنت تكرر عبارة "لايير انتقد بورديو، وحتميته الثقافية" أكثر من مرة في رسائلك. كانت هذه هي فكرتي أيضًا، لكني كلما تعمقت في قراءة نصوص الرجل (أقصد لايير) إلّا ووجدته إبنًا بارًا على عكس ما يقال عنه. يروج لايير، لأطروحة الممارسة اﻹجتماعية على اعتبارها دمج بين الاستعدادية و السياقية. إذا تمعنا في هذا وكتابات صاحبه، سنجد أنها عبارة عن مصوغ جديد لمقولة: "الرأسمال ثقافي والحقل يفضي يؤدي إلى ممارسة إجتماعية"، تلك المقولة التي خطها بورديو. في الحقيقة لا يستطيع لايير أن يفكر خارج بورديو، وحتى حين يفعل فهو يفعل ذلك انطلاقًا من مبادئ نقدية طرقها بورديو نفسه. تمام اﻷمر بالنسبة لنثالي هانيك، عدوة لايير، فهي أيضًا انتقدت كثيرًا أباها، حتى أنها دعت في الصفحات اﻷخيرة لكتابها "سوسيولوجيا الفن" بضرورة التخلي عن "سوسيولوجيا النقد"، وألا ننتقد المهيمنين حتى لا ننزع لهؤلاء علاقتهم المثالية بالفن. ومن ثم، بدل اتخاذ قيمة الفن موضوعًا للنقد، يجب اتخاذها موضوعًا للبحث. هيهات لهذه الذرائع التي تنتقد اﻵباء وتحتمي بهم في نفس الوقت.
هب يا صديقي -وهذا افتراض ثان يضاف إلى اﻷول الذي بدل أن تجيب عنه صرت تشرح لي مضامين الاطاريح بسخائك المعهود- [هب] أنني طبقت نفس أطروحة لايير على لايير نفسه، بمعية ناثالي هانيك، القائلة بكون اﻹبداع إن هو إلا نتاج إعجاب المهيمن عليه (dominé) من قبل المهيمن (dominant)، فما الذي يمكن قوله حول إعجاب هؤلاء بأسلافهم الكبار؟ لقد أخذ أحد القراء وهو (Marc Joly) على لايير إزدواجيته بين الانتقاد والاستعانة في نفس الوقت ببورديو وآخرين. أظن إذن أنه سيكون من الممتع جدًّا إجراء دراسة سوسيوبيوغرافية، أو حتى نفس تحليلية، على كل من أينيك ولايير.
هناك مسألة ثانية لا أظن أنك ستجد لها إجابة لا عند لايير ولا حتى هاينيك، وهي متعلقة بقضية "الطبيعي" و"الاجتماعي" في اﻹبداع. عوتب على لايير مروره الصامت حول القضية، لكن ناثالي أقرت -في الكتاب المذكور سالفًا- أن اﻷمر عبارة عن جدال عقيم.
لقد سبق لأحد اﻷدباء أن تحدى علاماء اﻹجتماع حول تلك القضية، وهو مارسيل بروست، حين قال: "إن الفنان المبدع النابغة قد لا يعاصر معاصريه، يعيش بينهم دون أن يعيش معهم، وبما أن زمانه ليس زمانهم، فماذا تنفع دراسة محيطه العائلي والمدرسي والمهني؟" (الاستشهاد من "مفهوم التاريخ"، العروي). هناك منزع لإزالة الطابع التاريخي عن العمل الفني، كما فعل ماركس مع الفن اليوناني، وكما نظر كل من كولدمان واسكاربيت (Escarpit) لبعض اﻷعمال اﻷدبية. هذا من أبرز تحديات علم إجتماع الفن. فمثلًا مقدمة ابن خلدون التي لم تثر أحدًا حتى مضى عليها خمس قرون. إن هذا ليس تحدي سوسيولوجيا الفن فقط، بل هو من أبرز تحديات الابيستمولوجيا نفسها، وإلّا لما انقسمت إلى شقين: اتجاه منطق التبرير واتجاه منطق الاكتشاف.
قلت في رسالتك شارحًا عمل لايير حول لوحة "Fuite...t"، أنها "عمل يسائل حقل التلقي وليس قيمة العمل بحد ذاته"، وهل هناك عمل سوسيولوجي يناقش "قيمة العمل في حد ذاته"، أليس القيمة ذاتها ظاهرة تاريخية/اجتماعية؟ هل هذا تمهيد منك للانسحاب إلى حقل اﻷكسيولوجيا، ذلك الانسحاب الذي بينته أكثر حين ربطت الفن بموضوعتي "التعبير والالتزام"، وصرت أقرب إلى فكرة ساتر في كتابه "ما اﻷدب؟"، حين قال أن الكتابة تصرف، وتعرية، وكشف، وتغيير؟ في الحقيقة، هذا تعبير عن المعضلة الثانية لسوسيولوجيا الفن، هل باستطاعة هذا العلم أن يصنع قيمة الفن، بدل الوقوف في الطرف النقيض له، مموضعًا إياه ونازعًا عنه سحره الجميل؟ لقد سبق لبورديو أن قال بيانه لإعلان تلك التفرقة. ساكتب العبارة بلغتها اﻷصلية إن سمحت:   
'La sociologie et l'art ne font pas bon ménage'

السؤال محسوم مسبقًا، لكني أفكر بجدية حول سبل إعادة طرحه للواجهة. وبهذا يكون الانتقاد الذي وجته لك حول "القيمة الفنية"عن نفسه موضوع تسائل. أظن أنه ما من سبب غير هذا جعل اﻷلماني هايدغر يقول أن "العلم لا يفكر"، لأنه فوت على نفسه، لأسباب علمية، الخوض في الميتافيزيقا. لكن المدهش أن الميتافيزيقا جعلت الفن نفسه مصدرًا من مصادر الحقيقة لا تقل فاعليتها عن العلم، بل إن ناقدًا ماركسيًا مثل بيني (Bennet) جعل الفن يتخذ طبيعة مزدوجة بين العلم واﻷيديولوجيا، أي بين التعبير الموضوعي، وبين التعبير الزائف عن الواقع.

صديقي هل ستعتبرني مختلًا عقليًا لو أنني تساءلت وإياك عما إذا كان العلم ضربًا من ضروب الفن؟
تحياتي المتجددة!       


• عادل:
مساء النور أيها الصديق الجنوبي الطيب، في الواقع لقد قمت بتوريطي في رسالتك الأخيرة بصياغة خاتمة مناسبة حول الموضوع، تكون مؤقتة وفي الآن ذاته تليق بخاتمة لنقاش مثمر. لا أخفي عنك أنني كنت بصدد كتابة نص أتفاعل فيه مع كل ما جاء في رسالتك الأخيرة وفي لحظة من الزمن تساءلت عن جدوى ذلك في رسالة من المفترض أن تكون بمثابة نقطة نهاية -ولو مؤقتة- لنقاشنا.
لكن على الرغم من ذلك دعني أقول أن بعضًا مما جاء في رسالتك يثير تساؤلات أخرى عديدة لاسيما قول بروست بخصوص الفنان المبدع، فربما هو قول رومانسي يجعل من كل ما قدمته سوسيولوجيا الفن بخصوص نزع الغموض عن مفهوم الفنان واختراق تلك الهالة المقدسة التي تحيط به بحسب Becker، تجعل كل هذا، عملًا بخسًا غير دون أية قيمة تذكر. أيضًا لا يمكن القول من حيث المبدأ أن السوسيولوجيا تملك القدرة الكلية في دراسة الفن لوحدها دون باقي العلوم، ولعل ادعاء هذا القول هو ضرب من تلك النزعة السوسيولوجية التي تدعي قدرتها على فهم كل ما يشكل الحياة الاجتماعية، وسبق لصديقتنا في هذا الموضوع إينيك أن طالبت بإخراج السوسيولوجيا من نزعتها تلك وقالت بضرورة نقد السوسيولوجيا النقدية بذاتها. يضيف R. Aron، بأن كل علم يميل إلى تقديم صورة مختلفة عن كل إدراك عفوي، وبالتالي فعلم الاجتماع مطالب بأن يقدم تفسيرًا مفاجئًا عما يفرضه علينا مجتمعنا.

سأختم يا صديقي بما قاله Morgan حول علاقة الفن بالمعرفة، وهو ماورد في الترجمة العربية لكتاب "فلسفة الفن"  لـ G. Graham، "بالنسبة لمسألة الأهمية المعرفية للفن أقول -على نحو مباشر- إنه على الرغم من أن معظم الأعمال الفنية يمكنها أن تزودنا بمختلف أنواع المعارف، إلّا أن هذه المعارف مع ذلك لو كانت هي سر إعجابنا بالفن وشرط هذا الإعجاب، فسيكون العالم أكثر مدعاة للأسف مما عليه الآن".
كن دومًا بخير..


____________________
.......... إنتهى

فيديوهات

صور