بتول النجار تكتب: كُنّا


أتيتَ إليَّ في العشقِ طالبًا
والحب يملؤكَ وللرفضِ خائفًا
أردتَ قلبي في هواكَ غارقًا
رفضتكَ ونكرتكَ لحبي حبيبًا
فعبأ الحزن قلبك واشتلى شجنًا
لانَ فؤادي عليكَ وتنحنحَ
فجمعتُ الحروف بيني وبينك كصداقةٍ
فرأيتُ في حديثك العشق قبل أن تنطقَ
سألتكَ عن سببِ احتلالي في قلبكَ متربعًا
أجبتني ابتسامتكِ وعينيكِ في الهوى لعنةً
رأيتهم فدخلتُ في العشق متألمًا
ضحكتُ ضحكة الكبرياء مع دلعٍ
فدّق قلبي إليكَ محببًا
تنهدتُ وناديتكَ باسمكَ خائفةً
وقلتُ أحبكَ بكل شجاعةٍ وإصرارًا
فملكتَ القلب ملكًا مؤبدًا
خطينا في مدينةِ الحب والعذاب مبعثرًا
وبدأنا في الفراقِ وللرجوعِ مكانةً
صحيَ كبريائي فطلبتُ البعد إلى الأبدا
فقلتَ أحبكِ وليس من بعدكِ حبًا
تركتكَ خلفي تناجي ولحبي مناديًا
سقطتْ دمعة مني ورجف قلبي ومازلتُ قاسيةً
يا حبيبي قل لي وكيف للحب بلا اهتمام فاعلًا
ولو أحببتني مئات المرات قلبي إليك ليس عائدًا

محمد منصور يكتب: المؤلفُ يرثي نفسه


سأظلُّ طولَ العمرِ وحدي
بيتي القصيدة وهي لحدي..
قبلي أجيءُ، ولا يجيءُ
سوايَ -هذا الكونَ- بعدي..
عندي كنوزُ الأرضِ قاطبةً
ولكنْ ليسَ عندي..
ومعي جميعُ الكائناتِ
وكلُّ هذا الكونِ ضدي..
أصفو وأحزنُ
رغمَ معرفتي بأنْ لا شيءَ يُجدي..
أعيا وأجهدُ
رغم إيماني بأنْ سيضيع جهدي..
وأظلُّ أخسرُ دونما قصدٍ
لأربحَ دونَ قصدِ..
أُخفي عَنِ الرائينَ
لكنْ كلُّ ما أخفيه يُبدي..
فإذا كتبتُ
كتبتُ شعرًا قد يُضلُّ
وليسَ يهدي..
وإذا رسمتُ على الهواءِ
رسمتُ بابًا قد يؤدي..
وإذا رأيتُ قصيدتي تَعْرَى
أغطيها بجلدي..
أمي القصيدةُ
والحنينُ أبي
وكلُّ الدهرِ جدِّي..
فلتتركوني هكذا
أصغي لصوتِ الموت
وحدي!

المفكّر والناقد هشام آدم يكتب: ثمن الحريَّة




تقريبًا مُنذ العام 2007 بدأتُ كتابة مقالاتٍ في نقد الدين، ونقد الإسلام، تحت اسمي الحقيقي، وصورتي الحقيقيَّة، في موقع سودانيزأولاين، وفي موقع الحوار المُتمدّن. في ذلك الوقت كنتُ مُقيمًا في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة. وفي الوقت الذي كان يُقال فيه إنَّني لا أفعل ذلك إلَّا للحصول على الشُّهرة، كنتُ أعلم تمامًا عواقب مثل هذا الفِعل في بلدٍ مثل السُّعوديَّة. ومُنذ ذلك الوقت؛ وأنا أخسر أشياء كثيرةٍ جدًا، وما أزال. كان بإمكان أي شخصٍ (أي شخصٍ حرفيًا) أن يسمح لنفسه بالإساءة إليَّ، وإلى أهلي، وإلى تربيتي، وشتمي بأقذع الألفاظ، لأنَّه إن كان دمي –كمُلحدٍ مُرتدٍ- مُهدورًا عند البعض، فإنَّ شخصي وكرامتي مُهدوران لدى البعض الآخر. ولم يكن هؤلاء الشَّاتمون، والمُسيؤون لي بحاجةٍ إلى الاختباء؛ بل كان يُمكنهم فعل ذلك علنًا، ليُظهروا بذلك ولاءهم للقطيع. تُوضأ الأرذال من نهر خطيئتي، لأنَّه –بالنسبة إليهم- لا ذنب بعد الكفر. فمهما يكن سيء الأخلاق، معدوم المروءة، والإنسانيَّة، فإنَّ وصف (مُسلم) يحميه، ويمنحه الحصانة، لدى الآخرين. عندما يتكالب عليك السَّلفيون، والمُعتدلون، السُّنة والشيعة، والقرآنيون؛ بل وحتَّى المُسلمون بالاسم فقط، أولئك الذين لا يعرفون أي شيءٍ تقريبًا عن دينهم، ولا يُصّلون، ولا يصومون، والمُعاقرون للخمر، والزُّناة، ليتهموك بأنَّك لم تُلحد إلَّا لتتخلَّص من التَّكاليف الشَّرعيَّة، ولتتبع شهواتك، عندها تأخذ المهزلة شكلًا عبثيًا، لتُجسّد كوميديا سوداء بكل ما يحمله هذا التَّعبير من معنى. مُنذ العام 2007 خسرت أصدقاء، ومعارف، وأقارب، وتحمَّلت نظرات الشَّك، والريبة، والاحتقار؛ بل ونظرات الإشفاق من الجميع، حتَّى من أقرب النَّاس إليَّ. اعتبرني البعض مجنونًا، ومريضًا نفسيًا، لأنَّي صرَّحتُ بعدم تصديقي بوجود نملةٍ تتكلَّم، وامرأةٍ تلد من تلقاء نفسها، دون اتصالٍ جنسيٍ مع ذكر، وبحرٍ ينشق إلى نصفين بضربةٍ من عصا رعي، وكائناتٍ لا يُوجد أيُّ دليلٍ على وجودها. اعتبروني مُعتديًا، ليس على الدين فحسب؛ بل ومُهددًا للسلم الاجتماعي، والتَّعايش الاجتماعي، ومُثيرًا للفتن، وناشرًا لخطاب الكراهية. ما نالني من أذًى نفسي وأدبي مُنذ العام 2007 لا يُمكن وصفه، ولا يُمكن تعويضه أبدًا. يقولون إنَّ الإلحاد نتيجةٌ لمرضٍ نفسي، وأنا أقول إنَّ الإلحاد يُسبب لك المرض النَّفسي؛ بسبب ما تجده من إهاناتٍ، وإساءاتٍ لك، ولأهلك الذين لا ذنب لهم، وشعورك بالإقصاء الاجتماعي، وأن تكون مادةً للسخرية من الجميع. يُمكن لشخصٍ محدود الثقافة والمعرفة أن يسخر منك ويشتمك علنًا، فيجد فعله هذا القبول والرضا من آخر ذي ثقافةٍ ومعرفة؛ فقط لأنَّهما يشتركان في الهدف. في العام 2010 أخبرتني السُّلطات، بقرار وزارة الدَّاخليَّة القاضي بإخراجي من الأراضي السَّعوديَّة، وبلغني القرار عن طريق أمارة المنطقية الشرقيَّة، وكان لزامًا عليَّ أن أُغادر السُّعوديَّة خلال شهرٍ من ذلك التَّاريخ. كان من المُمكن جدًا أن تتصرَّف السُّلطات السُّعوديَّة معي بطريقةٍ أُخرى، وأن يكون مصيري السجن أو الموت. تم تسريحي من العمل، واضطررتُ إلى مُغادرة الأراضي السُّعوديَّة. ودّعتُ أُسرتي وأنا لا أعلم إن كنتُ سألتقيهم مرَّة أُخرى أم لا. خشيتُ أن تكون السُّلطات السُّودانيَّة وراء هذا القرار، فتوجهتُ إلى مصر، وهي لم تكن آمنةً لمُلحدٍ مثلي أيضًا، ولكن على الأقل لا أحد يعرفني هناك. أمضيت في مصر ثمانية أشهر، مررتُ فيها بأزماتٍ ماليَّة طاحنة، وأزماتٍ نفسيَّة خانقة،  ثم دخلت الأراضي السُّودانيَّة، وأمضيتُ عامًا كاملًا شبه مُختفٍ عن الأنظار، حتَّى تمكنتُ من استخراج جواز سفرٍ جديدٍ، وبمساعدةٍ من صديقٍ بلجيكي تمكنتُ من الوصول إلى بلجيكا في العام 2012. هأنذا في أوربا أخيرًا، وحصلت على لجوءٍ سياسيٍ، كما ظنَّ البعض أنَّ هذا هو هدفي من كُل ما كنتُ أفعله وأكتبه. ولكنَّني ما زلتُ أكتب، وما زلتُ أنتقد. لماذا؟ لأنَّني ببساطةٍ شديدةٍ: أُمارس حريتي في الرَّأي. لم يفهموا -ولن يفهموا أبدًا- أنَّ هذا حقٌ من حقوقي، ولن أتخلَّى عنه. إن كنتُ أكتب وأنا في بلدٍ كالسُّعوديَّة؛ فهل أتوقف وأنا هنا في بلد الحريَّات؟ لم أكتب ما كتبت لأجل الشُّهرة، ولم أفعل ما فعلت لأجل الحصول على اللجوء السياسي في أوربا؛ بل تلك حريتي التي لا أُراهن عليها أبدًا. كان من المُمكن جدًا أن تقطع السُّلطات السُّعوديَّة عنقي، وتُقيم عليَّ حد الرّدة، ومن المُمكن جدًا أن أتعرَّض في أي لحظةٍ للقتل على يد مهووس ديني، يظن أنَّه بقتلي يُرضي ربه، ويُخلّص البشريَّة. لا أفهم كيف يُمكن لهم أن يعتقدوا أنَّ إلحاد المُلحد -في البلدان الإسلاميَّة- قد يكون بغرض الشُّهرة والظُّهور؛ إذا كان ظهورهم العلني مُهددًا حقيقيًا لحياتهم؟ سيظلون يختلقون التَّبريرات التي تجعلهم لا يرون حقيقة الأمور، وتُريحهم من عناء الشَّك في مُعتقداتهم: لا طبعًا، ديننا لا شك فيه، ونحن سعداء بأنَّنا لا نشك أصلًا. أكيد هُم مرضى نفسيون. أكيد هُم باحثون عن الشُّهرة فقط. ثمان سنواتٍ بلا عمل وبلا وظيفة. ثمان سنواتٍ بعيدًا عن أهلي وأُسرتي، وكل ذلك بسبب وشايةٍ من شخصٍ لم تُعجبه كتاباتي، ولم يملك حيالها مُواجهة فكريَّة جادة. كان بإمكاني مُنذ وصولي إلى بلجيكا أن أستمتع بحياتي هنا، وأن أُمارس شهواتي التي من أجلها ألحدت، وأن أنغمس فيها مُتناسيًا تلك الفئة التي كنتُ أراها غبيَّةً ومغيّبةً، ولكنَّني ما زلت أكتب، وسأظل أكتب. وسأظل أدفع ثمن كتابتي هذه، لأنَّه لا يُمكنك أبدًا أن تحصل على حقوقك دون أن تدفع الثَّمن.

الجزء الأول: حوار مع الدكتور يوسف المغاري حول مجموعة من القضايا الراهنة


أجرى الحوار محمود العكري

بدايةً، أشكركم جزيل الشكر الموافقة على أن نكرر مجددًا رفقتكم حوارنا هذا والذي تستضيفه "مجلة دعوة للتفكير". ولأنه قد سبق لنا وأن قمنا بحوارات سابقة، فيظهر لي أن ندخل مباشرةً صوب الموضوع بدون مجاملات ولا أية مقدمات. 
هل من جديد على المستوى الفكري والفني والسياسي؟ ثم ما تقييكم لمغرب اليوم مقارنة من مغرب الأمس؟ هل من تغيير؟ وإن كان فأين يتجلى؟

سيكون المرء جاحدًا إن أنكر التغيير الذي تحقق في المغرب على جميع المستوايات، ربما لا يدرك ذلك إلا من عايش سنوات السواد والقهر والظلم. من الطبيعي أن يكون اصرارنا على تحقيق المزيد لأن أحلامنا كانت بقدر الجبال، لكن، أنا لا أؤمن بالعدمية وطمس كل إيجابيات الحاضر، وأن المزايدات تثبط ولا تحفز للسير قدما على درب النضال وتعميق المكتسبات، وبلورة استراتجيات مواكبة للتطورات المورفوسوسيولجية التى يشهدها العالم عموما والمغرب بوجه خاص. نعم هنالك أخطاء واختلالات سوسيوثقافية واقتصادية، لكن ليس من الانصاف أن نتنكر للجهود التي بذلت وتبذل لتحقيق الأفضل. هذا لا يعني أننا لا نسجل امتعاضنا من التراجعات التي تحدث هنا وهناك، إن على المستوى السياسي أو على المستوى الاقتصادي، وهذا في نطرنا يمكن ارجاعه الى سوء التقدير والأخطاء التي ارتكبت من طرف المسؤولين، ويتجلى ذلك في الانصراف عن العمل السياسي من لدن فعاليات كان بودها أن تقود التغيير في البلاد، كما يمكن أن نعزو عزوف الشباب عن الفعل السياسي إلى ما تم انقداحه من تصورات بذيئة من طرف الأسر والمربين عن السياسة والسياسيين، مما لطخ الممارسة السياسية من جهتين. من جهة السلطة التي سوقتها باعتبارها وسيلة لاغتناء الأفراد والترقي الاجتماعي، ومن جهة ثانية الأسرة والمدرسة التي لم تواكب بجدية ما يحدث على المستوى السياسي والثقافي، بل ارتكن الجميع للتشكي السلبي والانتقاد اللامسؤول، وغرس التصورات السلبية في أذهان الناشئة، وها نحن اليوم أمام جيل متسرع في الأحكام، عدمي في التقدير، يريد الوصول الى ما يطمح اليه بكل الوسائل وبأسوئها، والغش في الامتحان والرشوة والفساد من مظاهر ذلك، مما انعكس سلبا على التحصيل المدرسي وبناء الشخصية القويمة القادرة على ابتكار أساليب إيجابية في البناء والتقويم. والمتفحص لكل ميادين الحياة ببلادنا سيرصد نتائج هذه الاختلالات التي فوتت علينا فرصة تجويد التربية والصحة والابتكار. ليس هذا فقط، بل هنالك من يبرر ذلك بأن التغيرات التي تحدث في العالم هي التي انعكست سلبا على واقعنا، مما حدا بالبعض إلى محاولة رفض الحداثة والتجديد بدعوى أنها سبب تأخرنا لأن الغرب يبتغي ابتلاعنا، لذلك وجب التشبث بما يسمونه الهوية الأصيلة، وكأن هذه الأخيرة كيان فوق الزمان والمكان، لا مجال لتطويره ليواكب التغيرات التي تحدث بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي والفكري في العالم. إن العالم من حولنا في صيرورة لا تعرف التوقف، لا يمكن توقيفه، وإذا لم نواكب على كل الأصعدة سننمحي قريبا حضاريا وثقافيا بل ربما حتى بشريا، ما دام التطور العلم الانساني اليوم يعرف قفزة نوعية قد ينتج عنها اصطفاء حتى في العرق والنوع. والمغرب لا يخرج عن هذه الصيرورة المتسارعة التي علينا جميعا أخدها مأخد الجد، ليس بوسائل العنف والتهديم والتخريب في نظرنا، بل بالانخراط السياسي الايجابي في التنظيمات السياسية، فليست قدرا علينا وقضاء، بل ينبغي تفجيرها وتغييرها من الداخل إذا تطلب الأمر ذلك، بدل النقد الهدام الذي يصدر عن بعض النفوس اليائسة، إذ لا مجال لليأس في مجال السياسة باعتبارها أداة تنظيم شؤون المجتمعات، والدليل ما بلغه الغرب بفضل الفعل السياسي المتزن والنبيل. هل المغرب على الدرب؟ نعم مع اختلالات قابلة للحسم والمراجعة قبل فوات الآوان  في نظري، وذلك بالانخراط الجاد في العمل السياسي بدل السقوط في الغوغائية التي بينت الظروف في كل من مصر وتونس أنها هدر للمجهود والوقت دون نتائج مضمونة، لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء.

سبق وأن كانت مواقفكم صارمة في هذا الصدد بالذات، أي في الانخراط الواعي والواجب في العمل السياسي. لكن السؤال الذي يطرحه آلاف الشباب وأنا واحد منهم هو: أيّ سياسة نريد؟ ولأيّ مغرب نسعى؟ هذا إذا أخذنا في عين الإعتبار أنّ سبب الوضع المزري الذي وصلنا إليه إنما مرده إلى انعدام الحرية في أخذ القرار، وبالتالي يمكن أن نعتبر أن عدم الانخراط إنما هو انخراط بشكل ما. وأيضا من الواجب أن نتساءل: إلى أيّ حدّ فعلًا نجحت الأحزاب السياسية في التغلب على هيمنة الدولة العميقة؟ أي في أن يكون لها صوتها الحرّ والقويّ؟

الأحزاب السياسية ليست تنظيمات فوقية، بل هي تنظيمات تتشكل من مواطنين أبوا على أنفسهم إلا أن ينخرطوا في العمل السياسي، لا أحد يرغمهم على ذلك، بل انخرطوا بوعي ومسؤولية، إنما كل حسب طبيعة أهدافه والمرامي التي يؤمن بها، ولا يمكن للشباب أن ينتظر حتى يتم تعبيد الطريق لهم لممارسة السياسة كما يرونها هم، بل عليهم ممارسة الفعل السياسي على واجهتين: واجهة التغيير الداخلي للتنظيم حسب ما يرونه ملائما لمراميهم، وحسب ما تتطلبه الضرورة الواقعية، والواجهة الخارجية المرتبطة بتغيير الأوضاع والعقليات وذلك بالتواجد في الساحة. وما كان الفعل السياسي يوما النقد من داخل الأبراج العاجية، أو فقط على الشبكات الاجتماعية، لأن في ذلك خطر في تقدير الأمور، وكما أسلفت، لقد بينت التجارب أن غياب التنظيم المحكم الواعي والمسؤول قادر أن يزج في المجهول في نظرنا ، انطلاقا من النظريات السوسيولوجية السياسية التي ترصد ميكانيزمات التغير الاجتماعي.

ألا تظن بأنّ من يقود اليوم هو التكتلات، وفي هذا إقصاء للأفراد المبدعة؟ ولا نلاحظ هذا في المجال السياسي لوحده بل أيضا في مجالات الفكر، أي أنّ الغلبة للأقوى ولمن له أكبر تجمع. ما هي قراءتكم لهذه الأوضاع؟ وكيف نستطيع إعادة الفرد المبدع للواجهة في ظلّ هذا التهميش الممنهج؟ 

التكتلات نعم، لكن هي مجموعات منظمة ذات مصالح مشتركة، وأهداف مرسومة، لأننا في زمن التكتلات ولا مكان فيه للفرد، هو زمان تغلب فيه المصالح على القيم. وفي نفس السباق العام أرى بأنه يجب على الأفراد أن ينتظموا بوعي ومسؤولية في تنظيمات سياسية محمة البناء والتكتيكات ولها استراتجيات واضحة قائمة على دراسات علمية، ومناهج ملائمة لخصوصيات الواقع، بعيدا عن العفوية والتهيجات الانفعالية التي تنطفئ جذوتها موسميا. التغيير في زمن التكتلات المصلحية لا يمكن أن يتم بالصراخ والنحيب، لكن بمقررات تنبني على ثوابت مدروسة وبشكل ديموقراطي تكون للفرد فيه قوة الاقتراح، وإلا زج الأفراد بأنفسهم في مآسي تعصف بكل شيء، وتجربة الأقطار العربية التي اعتمدت الغوغائية والانفعالية تكشف عن خطورة الشعبوية والانفعالية في تغيير الأوضاع وتحصينها. ويمكن أن نلمس سلبيات الماضي الذي أشرت إليه سابقا في مجال الابداع الفني والفكري، تماما كما هو الشأن في المجال السياسي، إذ نلاحظ هيمنة الزعيق والرداءة، وهو ما يناسب طبيعة مستوايات من يهيمنون اقتصاديا وسياسيا على مناحي الحياة الاجتماعية ببلادنا. فأين الأغنية الملتزمة بالقيم الانسانية النبيلة؟ أين الكلمة الجميلة المهذبة للنفس والرافعة نحو الذوق المهذب الأنيق الذي يجب حلاوة ما جميل في الذوق الانساني الرفيع بدعوى أن هذا ما يلائم عقلية الشباب، وكان الجديد هو كل ما يفتقد كل مقومات الجمال وقواعد الاستيتيقا الكونية التي تنهال من الخصوصيات المحلية الجميلة. أم أن التفكك الأسري الذي أحدثته الرجة التحديثية في جميع المستوايات فجر لدينا صراع الأجيال، وأصبح كل ما له علاقة بالأباء متجاوز ويفتقد رونقه، بل وكان الأمر يجسد الرفض الأعمى لكل ما ارتبط بزمن الأباء، وكأن عقدة أوديب طفت إلى السطح بوقاحة في هذا المجال، فتم الارتكان إلى الارتجال وغياب الرصانة، فأصبح المجال مرتعا للتخبط والتجريب المبتذل، بل المهيمنون عليه في غالب الأحيان هم الفاشلون في دراستهم أو في أعمالهم، وكان المجال الفني هو قارب النجاة لكل ضال وفاشل في كثير من الأحيان. فأين رسالة الفن في تهذيب الأذواق والرقي بها؟ أين ضرورة تمرير القيم النبيلة والبهية إلى الأجيال؟ أم أن الحاجة إلى الفن هي فقط الارتواء من بركة الضجيج المبتذل والرديء الذي يلوث آذان الناس لأن الجمهور عايز كذا! نفس الأمر في المجالات الفكرية، والدليل تدني مبيعات الكتب الرصينة والجادة، بل كسادها، فالقلة القليلة من الكتاب هي من لا زالت مصرة على  الحفاظ على نبل الكتابة والقراءة، ليس لأن التكنولوجيا همشت الكتاب كما يعتقد عادة، فمن يقرأ ويحمل داء القراءة، يمكن أن يقرأ سواء على الانترنيت أو في الكتاب، لكن لماذا سيقرأ بما أن المهيمنين على دوالب الأمور ليسوا ممن يحملون فيروس القراءة الجادة، وحذاري أن نعتقد أن أهل التكنولوجيا ومبتكريها لا يقرؤون، واليابان كمثال. وفي نظرنا لا مفر من التدني والابتذال في كل ميادين الحياة إذا لم نتدارك الأمور بابتكار أساليب التغيير المتداول عليها ديموقراطيا، وفي نظري  ليس هنالك من امكانية التداول الهادىء المعقلن إلا بالفعل السياسي الجاد داخل تنظيمات سياسية تمنح امكانية انتظام الفرد في جماعة تسمح له ببناء الذات فيها بالتلاقح الخبراتي بين الأفراد والأجيال. فالشارع لا يمكن أن يكون بديلا للمقرات الحزبية التي هي امتداد مشروع للمدارس والبيوت. وواهم من يعتقد أن امكانية التغيير الايجابي تتيحها الساحات والشوارع إلا إذا تم التخطيط لذلك بدقة وعمق مسبقا في إطار تنظيمي محكم، فتكون الشوارع فقط مجال المقارعة واستظهار القوة التنظيمية للضغط على المسؤولين. وصدق لينين عندما قال بأن لا تغيير بدون تنظيم سياسي، والذي لا يمكن للعمل الجمعوي أن يكون بديلا له بحال من الأحوال، وإلا أصبح فعلا سياسيا هو الآخر، مع فارق هو أن هذا الأخير ليس تمثيليا بالشكل الذي يمكن أن يقدم برامج متكاملة في التغيير السياسي الاجتماعي الاقتصادي للاوضاع بشكل عام بالنسبة للوطن، وإن حدث أن فعل فإنه لم يعد مجتمعا مدنيا، بل تنظيمات سياسية غير مهيكلة بشكل واضح ومحكم، أو أسوأ تنظيمات سياسية.. ولإعادة المثقف والمبدع إلى مكانه الطبيعي في نظرنا لابد من العمل على واجهات متعددة. أولا استئصال التصور المجتمعي المبتذل حول المثقف في تعارض مع مول الشكارة، الزج بالشباب في العمل السياسي وتوريطه في الانخراط وقيادة الممارسة السياسية تنظيما وتنظيرا، مما سيفتح الشهية في السياسة، وحتى لا تكون هذه الاخيرة سياسة جاهلة، لابد من حضور المثقف هو بدوره تأطيرا وتنظيما ومواكبة مما سيحوله من جديد من مثقف أو مبدع الصالونات  والأمسيات إلى مؤطر التظاهرات والمظاهرات، مما سيضفي على هذه الأخيرة الطابع الفكري الجدي المنظر له بإحكام..  فنحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الثقافة وأهلها، إذا نحن أردنا أن لا نموت بين الأقوام جهلة ينقرضون لأن الحياة تخلت عنا.

إذن، المثقف عليه بداية أن يكون حركيا لا مرتكنا في مكانه مطالبا بالتغيير. ربما هذه هي الخلاصة التي أردتم إيصالها عبر أجوبتكم هاته، وسنعود للحديث حول الفن ودوره وأيضا مهمة الفكر وما ينبغي القيام به. 
لنركز الآن فقط على الاضطرابات القائمة وما أصبحت تشهده الساحة. ما تقييمكم للغضب الشعبي الذي تم التعبير عنه بابتكار أساليب جديدة للاحتجاج، كالمقاطعة مثلا؟

بداية لابد من الاشارة أن هنالك اختلالات عميقة في مختلف المجالات، تراكمت عبر سنوات غابت فيها المحاسبة والاصطحاب والمراقبة، مما أدى إلى أزمة عميقة تستدعي معالجة جدية تبحث عن الأسباب الهيكلية التي عملت على استمراريتها وتعقدها، وهذا واقع لا يمكن تجاهله، كما لا يمكن استئصال هذه الأسباب بسهولة أو بلمسة سحر. وهذا لا يعني أن ذلك مستحيل، لكن الأمر يقتضي في نظري جدولة الميادين المختلة حسب أهميتها وأولويتها، وفي ذلك يجب البدء بما يمس حياة المواطن اليومية، وما يرتبط بالشباب الذي هو أمل الغد سواء على مستوى التشغيل والتعليم والصحة، دون نسيان البنية التحتية التي في بعض الأحيان يستحيي المرء أمام بعض مظاهرها. لكن عقلانيا وماديا وواقعيا لا يمكن لخطورة واستعجالية هذه الاختلالات أن تنسينا تشابك وتعقد أسبابها وصعوبة حلها بضربة فرشاة، وإلا عدنا إلى أسلوب الطلاء الظاهري الذي تم اعتماده لسنوات لذر الرماد في أعين المواطنيين. فالأمر في نظري يستلزم دراسة عميقة يشارك فيها مختصون من مختلف المجالات العلمية الانسانية والعلمية الخبراتية والسياسية، وهذا ما يتطلب جدولة زمنية معقولة ينبغي أن نتحمل وزرها، لأن الجميع تهاون زمنا للتصدي لأسبابها، ولما استفاق الجميع أراد كل شيء وبدون مهلة، معتمدا ما يشبه مبدأ اللذة لدى فرويد، في حين أن الرشد يقتضي نوعا من مبدأ الواقع. فظاهرة الاستيقاظ من الغفلة والسبات الذي دام لسنوات أمر واعد ومفرح، لكن ينبغي في نظري عقلنته حتى يعطي أكله، وإلا انزاح عن مراميه الايجابية والضرورية، و 
هذا طبعا يتطلب يقظة وحذرا، خاصة في ظل الظروف التي يجتازها المغرب في الوقت الحالي. هذا لا يعني البتة الرضوخ لمرارة الواقع والاستسلام، بل من الواجب والضروري الاستمرار في الضغط على المسؤولين للتعجيل بايجاد الحلول الملائمة، والتي في نظري ينبغي أن تكون في إطار إجماع وطني يخطط له باحكام، فالأمر مصيري وينبغي أن يكون باشراك الجميع -أمر يستلزم التخطيط له بجدية-. هل الحراك له وقع ايجابي في الصيرورة التغييرية حاليا؟ نعم، في كونه كشف عن المسكوت عنه -وإن جاء متأخرا- لكن كان ضروري كأسلوب الصدمة لاشعار المسؤولين بخطورة الأوضاع وقتامة المستقبل. لكن هذا لا يعني أن أسلوبه فعال ومجد، بل في نظري وكما أسلفت، هو احتجاج غير منظم أو حراك بدون رأس. فغياب الأحزاب السياسية الفاعلة فيه يضفي عليه طابع العفوية والانفعالية، بل أحيانا -ومع الأسف- طابع الفلكلورية والفرجة، في حين أن الأمر يتطلب التعقل والتخطيط حتى لا تنزلق الأمور إلى أسوأ مما هو عليه، والتجارب في هذا المضمار كثيرة، لأني متيقن أن المغاربة يعشقون بلدهم حد الجنون، ويسعون إلى رؤيته على أحسن صورة بين الدول، وهذا ما دفعني إلى القول بأن مبدأ التغيير عليه اجماع بدون شك، لكن اسلوبه تكتيكاته واستراتيجياته، هذا ما يتطلب العقلنة والتفكير، وهنا يبرز دور التنظيمات السياسية والفئات المثقفة الفاعلة، حتى نضع التغيير والبناء على سكة الواقعية والأجراة العلمية الهادئة، بدل التسرع والانفعالية غير المضونة النتائج. وهنا أعود مرة أخرى إلى مصادرة أعتبرها أساسية دائما لكل تغيير وهي: التسييس والانتظام في التنظيمات والأحزاب السياسية لأن ذلك هو السبيل الوحيد إلى إعطاء بدائل جدية في كل تغيير منشود، بعيدا عن الانهيارات الاجتماعية المحذقة بالشعوب عموما، وببلدنا خاصة.

تحدثتم عند دور المثقف ومهمته، هل لا زال هناك مثقف عضوي فعلًا في نظركم؟ أم أنّ الدولة قد استطاعت عن طريق عملية -التخويف والترهيب- في جعله حبيس أفكاره خائفًا مما قد يتم اصداره في حقه؟ والطرح الثاني هو الغالب، إذ نلاحظ تراجعا كبيرا على مستوى خرجات المثقف اليوم، والدليل صمت الأساتذة الجامعيين الذين يُعتبرون الطبقة المثقفة القوية. فما السبب في رأيكم؟

أولا، أنا أتحفظ على تسمية الجامعي وحده بالمثقف القوي كما نعته، فصفة المثقف يمكن اكتسابها بدون شهادات، وإلا كيف يمكن نعت فلاسفة ومفكرين لم يكونوا قد حصلوا على دبلومات جامعية. نعم باحة الجامعة هي مشتل العلم والثقافة، لكن هل فعلا تؤدي الجامعة دورها التكويني التثقيفي العلمي حاليا؟ وأنت تعلم هذا، وخاصة في ظل الظروف الحالية. أما عن هل لازال المثقف يمكن أن يكون عضويا إلى جانب كونه وظيفيا؟ أعتقد أن الظروف التي مر بها العالم عموما والمغرب خصوصا، فإنها لم تكن أحسن حال من ظروف اليوم، بل إن فترة الحديد والنار تركت بصماتها جلية على كل المستويات النفسية والاجتماعية والاقتصادية.. وظروف اليوم ليست أسوأ حالا من ظروف الأمس، ورغم ذلك كانت الاحتجاجات وكانت الجرأة في التسييس بحثا عن سبيل لتغيير الواقع المر، والجميع يعلم الثمن الباهض الذي دفعه مناضلو هذه الفترة القاتمة من تاريخ المغرب، و أن تبرير تقاعس المثقف عن لعب دوره النضالي كمثقف ملتحم بهموم الشعب بقمع السلطة أو بغياب هامش الحرية في الحاضر. هذا رأي يجانب الصواب في نظري، فلا تغيير بدون ثمن، هذا يكاد يكون قانونا، بالاضافة إلى أن شرط الحرية في نظري هو من بين المطالب الملحة، وهذه مسؤولية الجميع. ولهذا لا أعزو هروب المثقف من جبهة النضال في رأيي إلى شراسة السلطة أو المخزن، رغم أن هده التسمية لم أعد أحب استعمالها لحمولاتها المرتبطة بممارسات مخزنية سيئة، لم تعد قائمة في نظري، أو لم تعد قائمة بنيويا كالأمس. فكل التنظيمات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار اليوم لا تعادي السلطة القائمة، بل تطمح إلى الصعود إلى مسؤولية تدبير الشأن العام إلى جانب السلطة، وإلا أعتبر ذلك مفارفة غير مقبولة إذ من ناحية تنعت السلطة بالمخزن كتسمية قدحية، ومن ناحية أخرى تتعامل معه في جمعيات المجتمع المدني وتطمح في الاستحقاقات إلى التعاون معه في تدبير شؤون المواطنين، لهذا في نظري لم تعد هذه التسمية ذات معنى في القاموس السياسي. ويبقى التفسير الذي أراه مقبولا لظاهرة غياب المثقف في الدهاليز السياسية، هو غياب الديموقراطية الداخلية أو اختلالها في كل التنظيمات التي تشتغل في حقل شأن المواطنين، سواء كانت جمعوية أو سياسية أو حقوقية.. ويكفي أن تلاحظ أن قيادات وهياكل كثير منها لم تتغير منذ أن تم تأسيسها، ومادام بعض رؤسائها على قيد الحياة، وخاصة الجمعوية منها، حتى غدا التنظيم مشروطا باسم معين بل تسمى بجمعية فلان. في هذه الحالة بالاضافة إلى ما يتعرض له المثقف من مضايقات ومحاصرة، في كثير من الاحيان من طرف زبانية الرئيس وذويه، فماذا بقي للمثقف من دور سوى تأطير أمسية أو نشاط تعففا منه واحساسا بذاته. لكن رغم هذه اللوحة القاتمة التي قدمتها حول دور المثقف، فإن مساحة الاشتغال لازالت رحبة، واصراره هو من يجعله يستعيد صفة المثقف العضوي بتعبير جرامشي، وإن امكانية الالتحاق بالجماهير ينبغي أن ينبع من إيمان الجماهير بضرورته، كما ينبغي أن يكون راسخا لديه هو الآخر، لأن ذلك يدخل في صميم هويته.

كان هذا هو آخر سؤال فيما يتعلق بمجال السياسة والأوضاع التي نشهدها اليوم. فهل لديكم ما تضيفونه قبل أن ننتقل لمجال الفنّ وبعده الفكر والفلسفة؟

أريد فقط أن أضيف توضيحا فيما يتعلق بالأساليب المستعملة للاحتجاج سلميا في الآونة الأخيرة. فقد اتضح أن هنالك مزايدات في بعض الأحيان التي قد تؤدي إلى تمييع أسلوب المقاطعة كأسلوب حضاري وسلمي للضغط على مالكي وسائل الانتاج للتراجع على جشعهم في الربح وانهاك قدرة المواطن الشرائية، حيث ظهرت في شبكات التواصل الاجتماع بعض الأصوات التي تطالب ببعض الأمور المضحكة، مما يؤدي إلى تمييع أسلوب المقاطعة وافقاده مصداقيته النضالية في مواجهة لوبيات الانتاج في ظل تحرير الأسعار. وهنا مرة أخرى أعود إلى التذكير بأن المقاطعة كحراك شعبي كان سيكون أجود لو تبنته التنظيمات السياسية، أو لو أن شبابنا كان مسيسا بشكل جيد.

المفكّر والناقد هشام آدم يكتب: عقل الملحد (4)



في منشوراتٍ سابقةٍ تكلَّمتُ عن الأخلاق، وفرَّقتُ بين (القيم الأخلاقيَّة) و (المعايير الأخلاقيَّة)، وقلتُ إنَّ القِيم الأخلاقيَّة هي محض مُجرَّدات وضعها الإنسان كقيمة (Value) أو هدف (Target) يسعى إلى تحقيقه، وهذه القِيم تمَّ التَّوصل إليها من خلال تراكم التَّجربة البشريَّة؛ فالبشريَّة عرفت العدالة، عندما تعرَّضت للظلم، وعرفت الرحمة عندما تعرَّضت للقسوة والتَّعذيب، وحدَّدت أنَّ القتل شرٌ، عندما لاحظت أنَّه يُعرَّض كيان القبيلة إلى الخطر، وأنَّ السرقة شرٌ، عندما لاحظت أنَّه يُعرَّض اقتصاد القبيلة إلى الخطر، وكُل ما كان مِن شأنه أنَّ يُعرَّض القبيلة (كمجموعةٍ) إلى خطرٍ، كان يُعتبر شرًا. عندما وجد الإنسان نفسه في مجموعةٍ، ووجد أنَّه لا غنى له عن المجموعة، ليزيد من فرص بقائه على قيد الحياة، وجد أيضًا أنَّه لابُد من وضع بعض (الشُّروط) لتحقيق قدرٍ معقولٍ من الحياة الكريمة للفرد داخل المجموعة: لكي نكون سعداء، نحتاج كذا وكذا، ولكي نكون مطمئنين نحتاج كذا وكذا، وعلينا تجنُّب كذا وكذا لنُحقق الأمان والسَّعادة، وكُلَّما زادت المُجتمعات البشريَّة تعقيدًا، زادت الاحتياطات، وفرضت الشُّروط نفسها، ولهذا فإنَّ القِيم الإنسانيَّة التي تمَّت صياغتها في شكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اليوم، تُعتبر من أرقى ما توَّصلت إليه البشريَّة إلى الآن، مُستفيدةً من سنواتٍ طويلةٍ من التَّجارب القاسيَّة، والحروب الدَّامية. الإنسان قادرٌ بطبعه على توليد وإنتاج القِيم، مُستفيدًا من التَّجربة والخطأ (trial and error)، وهي أبسط وسائل المعرفة الإنسانيَّة؛ فالأطفال يتعلَّمون بهذه الطريقة ما هو ضارٌ وما هو نافعٌ، والكائنات والأنواع الأخرى أيضًا تتعلَّم عن طريق هذه الوسيلة؛ فالجواميس البريَّة مثلًا، تعلم أنَّ النَّهر مكانٌ خطرٌ جدًا لتجاربها القاسية (المنقولة عبر الأجيال) مع مخاطر التماسيح. الإلحاد خطرٌ جدًا، ويحتاج إلى شجاعةٍ، لأنَّه يضع الإنسان في مُواجهةٍ مباشرةٍ مع الواقع، هذا الواقع الذي يُحاول الهروب منه بالوهم والأحلام. نخاف من الموت والفناء، فتأتي فكرة الحياة والخلود بعد الموت، لتُهدئ روعنا، وتجعلنا نُحس بالأمل والطمأنينة. نشعر بالفقد والاشتياق لموتانا، فتأتي فكرة البعث، لتهبنا بعض العزاء أنَّنا سوف نلتقي بهم مرَّة أخرى. تشتعل رغبتنا في الانتقام ممَّن ظلمنا وآذانا، فتأتي فكرة الله العادل لتُحقق لنا العدالة، وتشفي صدورنا المليئة برغبة الانتقام والتَّشفي. الدين هو تجسيدٌ لرغباتنا نحن. تلك الرَّغبات الناجمة عن خوفنا وضعفنا، ولهذا فمن الطَّبيعي أن يُكون مُريحًا ومُهمًا للإنسان؛ فالإنسان لم يخترعه إلَّا لهذا الغرض أساسًا. الله تجسيدٌ لصورةٍ (مثاليَّةٍ) مُضخَّمةٍ عن الأب الرَّاعي، والحامي. لا يُمكن النَّيل من صورة الله، لأنَّه مُفصَّلٌ بالتَّمام والكمال على مقاسنا نحن. نحن من فصَّلناه وفقًا لما نُحب، ولما نُريد؛ بل وحتَّى وفقًا لتطوُّر وعينا. في مرحلةٍ ما، وثقافةٍ ما، كانت صورة الله الذي يعد المُؤمنين بالنساء والخمور في الجنَّة مقبولةً ومثاليَّةً ومُرضية. وعندما تطور وعي الإنسان، وتطوّرت قيمه، أصبح يرفض هذا التَّصور الحسي، وأعاد تفصيل الله على النَّحو المُلائم لوعيه، وقيمه الجديدة. يرفض بعض التَّصورات؛ حتَّى وإن كانت مُثبتةً بنصوصٍ واضحةٍ، ويفرض تصوُّراتٍ أُخرى، حتى وإن لم تكن مُثبتةً بنصوص. مُحاولات تفصيل الله حسب الوعي والقِيم الإنسانيَّة، يتمثَّل الآن فيما يُسمَّى بإصلاح الخطاب الديني، وتجديد الخطاب الديني. لقد كان الأمر دائمًا كذلك، وبهذه الصُّورة أساسًا تطوَّر الدين، وبقي حتَّى الآن. إنَّ الصراع مع الدين هو صراعٌ ضدَّ رغبات الإنسان، وضد أحلامه وأوهامه التي نسجها لتهبه الإحساس بالاطمئنان والحماية. صراعنا ضد الدين تهديدٌ للأمن والسِلم الدَّاخلي المُتوهَّم. الإنسان كائنٌ ضعيفٌ، ولكنَّ طريقة التَّفكير الدينيَّة هذه، تجعله كائنًا جبانًا واتكاليًا أيضًا. صراعنا ضد الإيمان يعني أن يتخلَّى المُؤمن عن دعم الله، وسنده، وعزائه، والأمل الذي يهبه، وأن يُواجه الواقع مُنفردًا بمقدراته ومُؤهلاته فقط. هذا أشبه بمُحاولة إقناع مُدّخنٍ بقدرته على الاستغناء عن التَّدخين بعد الأكل أو أثناء التَّوتر مثلًا، لأنَّ المُدخَّن لديه قناعةٌ راسخةٌ بضرورة التَّدخين في هذه الحالات. ثمَّة شعورٌ عميقٌ داخله، يُشعره بالحاجة إلى التَّدخين، وبارتباط التَّدخين بهذه الحالات، وهو إحساسٌ مُتوهّم، رغم أنَّه إحساسٌ قويٌ، ومُلحٌ جدًا. الدين يُوهم الإنسان أنَّه غير قادرٍ على إنتاج قيمٍ أخلاقيَّة بمُفرده، ويُشعره بأنَّه بحاجةٍ إلى قوًى فوق طبيعيَّةٍ تُريه ما هو الخطأ، وما هو الصَّواب. هذا أمرٌ طبيعيٌ؛ لأنَّ الدين -في أساسه- مؤسسةٌ سلطويَّةٌ عبوديَّةٌ، الغرض الأساسي منها إخضاع التَّابعين لها، والتَّحكم بكل وأدق ما يخصّهم. الدين يتعامل مع الإنسان كالطّفل، يُشعره بأنَّه قاصرٌ، وبحاجةٍ إلى مُرشدٍ، ومُوجّهٍ، ومُقوّمٍ، وذلك هو قوام العبوديَّة. الدين استطاع أن يغسل أدمغة البعض، ليجعلهم يرون في عبوديتهم لله (الذي خلقوه) قمَّة الحريَّة، ومصدر فخرٍ لهم، ولانصياعهم للقيود والأغلال، تفرُّدًا وامتيازًا. مصدر الأخلاق هو الإنسان بقدرته على صياغة القِيم الأخلاقيَّة، وتجاربه التَّراكميَّة التي تُهذّب معاييره الأخلاقيَّة. الإلحاد يجعلك تتخلَّص من هذا الرَّبط التَّعسفي بين الأخلاق والله أو الأخلاق والدين، وتُنشئ رابطًا بينها وبين المادة، فتفهم كيف تنشأ الأخلاق، وكيف تتطوَّر، وعندها فقط، تفهم أنَّ الشَّر ضروريٌ لوجود الخير، والظُّلم ضروريٌ لوجود العدالة، والقسوة ضروريَّةٌ لوجود الرَّحمة. الإلحاد يجعلك تفهم هذه الجدليَّة، والتي تُعتبر قانونًا طبيعيًا لا يُمكن التَّخلص منه بالدُّعاء والصَّلوات. الإلحاد يجعلك واقعيًا، فإن كان الواقع يبدو قاسيًا، فهذا لأنَّنا لا نعيش في عالمٍ مثاليٍ أبدًا، وأنَّ ارتباطنا بالدين، وبفكرة الله، هو ارتباطٌ أنتجته رغبتنا في الهروب من قسوة هذا الواقع، بخلق عالمٍ مثاليٍ مُوازٍ، عبر التَّعلُّق بأستار السَّماء؛ حيث عالم القِيم السَّامية، وعالم المعنى. الإيمان يخلق حالةً من الوهم الجميل، ولكن الغالبيَّة تهتم فقط بكونه (جميلًا)، ولا تلتفت لكونه (وهمًا). الكون لم ينشأ لهدفٍ أو لغايةٍ، لأنَّه نتيجةٌ لسلسلةٍ من السُّلوك العشوائي للجُسيمات دون الذريَّة. ووجودنا أيضًا ليس له هدفٌ أو معنًى مُسبق. ما أن نكتسب وعيًا وإدراكًا بهذا العالم، حتَّى نميل إلى تحديد أهدافنا في الحياة. فمنَّا من يُكرّس نفسه ليُصبح طبيبًا، ومنَّا من يُكرّس نفسه ليُصبح مُدرّسًا، وآخر يُكرّس نفسه لخدمة المُتضررين من الكوارث والمجاعات، ومنَّا من يُكرّس نفسه لصناعة السينما أو الموسيقى، وهكذا فإنَّ منَّا من يُكرّس نفسه لتحقيق هدفٍ يخصُّه، ومنَّا من يُكرّس نفسه لخدمة المُجتمع والآخرين. وبالنتيجة؛ فإنَّ أهدافنا كلَّها واقعيَّةٌ، تمس الواقع، وتتعلَّق به. بينما الدين ينظر إلى هذه الأهداف كأهدافٍ (دنيويَّةٍ) لا قيمة حقيقيَّةٍ لها، وتفترض وجود أهدافٍ أسمى وأرقى. أهدافٌ لا علاقة لها بالواقع، ولا علاقة لها بهذا العالم أصلًا. هذا هو الهدف الذي يطرحه الدين. حتَّى عندما يطرح مشروعًا دنيويًا؛ فإنَّ ذلك يكون كاستثمارٍ آخرويٍ لا أكثر. كلنا يكره العنصريَّة، ولكن من أين تأتي العنصريَّة؟ العنصريَّة هي مُجرَّد إحساسٍ بأنَّك أفضل من غيرك، وبأنَّك مُميّز عن غيرك لأي سببٍ من الأسباب. فعندما ترى أنَّك (لمُجرَّد اتباعك لدينٍ ما) أفضل من غيرك أو أهم من غيرك أو مُميزٌ عن غيرك أو أكثر إنسانيَّةٍ وأخلاقًا من غيرك، فهذه عنصريَّة. وقبل أن ترفضوا هذا التَّصوُّر، تذكروا ما يختزنه العقل الجمعي، مما يظهر في شكل جُملٍ أو عباراتٍ أو سُلوكٍ ينشأ بطريقةٍ لاشعوريَّةٍ: (الحمد لله على نعمة الإسلام)، والتي تعني إحساسك بأفضليتك وخيريتك على غير المُسلمين. (ده منظر بيبكي الكافر) والتي تعني افتراض أنَّ الكافر بلا إحساس، وبلا مشاعر، وبلا إنسانيَّة. (ياخ اليهود ما بيعملوا كده) والتي تعني احتقار اليهود، واعتبارهم شعبًا بلا رحمةٍ، وبلا إنسانيَّةٍ، وبلا أخلاق. (العندو دين ما بيعمل كذا وكذا) أو (هذا العمل لا يرضي الله، ولا يرضي أي دين) والتي تعني قصر الأخلاق والإنسانيَّة على أصحاب الديانات حصرًا، واشتراط التدين لامتلاك القدرة على الشُّعور بالآخرين أو التَّعاطف معهم. وهنالك عشرات العبارات والجُمل التي تُقال يوميًا، تحمل داخلها دلالاتٍ مُشابهةٍ، تجعل الدين شرطًا للإنسانيَّة، والأخلاق، والخيريَّة، وتجعل الكُفر والإلحاد مُرادفًا للشر، والمجون، والانحلال، واللاأخلاق. ولا يرف لنا جفنٌ ونحن نقول ذلك، ولا يتحرّك ضميرنا ونحن نستشعر هذا الشُّعور بالفوقيَّة.

بتول النجار تكتب: بتلة في وتين الشرق



خُلِقَتْ طيبةُ القلب فماذا تفعل؟!
فطرةُ الحنان في الروحِ منزرعة، لقد خُلِقتْ"أُنثى" ولكلّ أنثى ملأ اللّين قلبها
وذنبها في الشرقِ أنّها فيه نشأتْ ونَمَت
ولما كبرتْ ظُلمات التقاليد عليها تربّعتْ
وعن الحرية لا تعلم إلّا كلمتها
وهي عن معانيها جاهلة
استرجلوا الذّكور عليها بمحضِ تفكيرهم
ومهما فعلتْ في العارِ اتهموها
من أصواتِ ضحكتها أدخلوا العيبَ، وهذا حرام وهذا لا يجوزَ..
وإن دقّ قلبها في الحبِ بلا شرفٍ يحسبونها
وما على لسانهم إلا الدّبحِ
إن زاد عمرها عن القاصر أصبحتْ على أهلها عالة؛
فمتى ستتزوجين يسألونها؟!
إلى قضاء حاجاتهم افتكروها كُوّنتْ..
 وهي عن حاجاتها ليس لها حق؛
يفعلون ما شاؤوا حاملين مثل أجدادهم دون حياءٍ "الذكور لا يعيبهم شيئًا"
مجتمع يهوى زرع الضعف في المرأة
وإن صادفوا أنثى صلبة، مثقفة، تحررت من تقاليد من حولها فزعوا.. حسبوا لها ألف حساب
ألهذا الحد الأنثى القوية مخيفة؟ 
أم إنهم يرون لذة رجولتهم في ضعفها!!
أنثى شرقية تطمر كلمات فؤادها خوفًا على هيئة غصة تتحول إلى دموعٍ بريئة مخفية ليلًا
تحدّثُ نفسها وتحلم يا ليتني عصفورة، طليقة أحلقُ في السماء معلنة فرحي في حياتي اليائسة،
خلقها سبحانه حرة بأي حق يسجنوها؟ 
يفتكرون في الدّين هكذا تجمّلوا!
كفى حبًا باللّه فإن الحساب قادمٌ، 
افعلوا ما شئتم وهنيئًا لكم بالفعلِ إن سُئِلَ 

المفكّر والناقد هشام آدم يكتب: عقل المُلحد (3)



قلنا إنَّ المُلحد يُؤمن بوجود (سببٍ) تدخل لإيجاد الكون، ولكن لا يعرف تحديدًا ما هو هذا السَّبب. إنَّ الموقف العقلاني تجاه قضيَّةٍ لا نملك عليها دليلًا واضحًا، هو أن نقول (لا ندري)، ذلك خيرٌ من التَّطوع بتقديم فرضيَّةٍ، ولا نملك دليلًا على إثباتها، ولهذا فأنا أرى الإلحاد موقفًا عقلانيًا جدًا. فإيماننا بضرورة وجود سببٍ، مبنيٌ على قاعدةٍ أو مبدأ علميٍ، وهو مبدأ السَّببيَّة (causality principle)، ووفقًا لهذا المبدأ فإنَّ العلاقة بين السَّبب والنتيجة هي علاقة تجريبٍ، وليست مُجرَّد حدسٍ أو اقتضاء عقلي. فمثلًا إذا وجدنا كأسًا مكسورًا، فإنَّنا سنعلم أنَّه لم يكن مكسورًا من قبل، وهذا يعني أنَّ ثمَّة سببًا أدَّى إلى كسره. ولكن ما هو هذا السَّبب يا ترى؟ إنَّ افتراض (A: طفلةٌ صغيرةٌ هي التي كسرت الكأس)، فهو افتراضٌ واردٌ جدًا، ولكن ما نسبة احتماليَّة أنَّ يكون هذا الافتراض صحيحًا؟ الحقيقة أنَّه مع غياب أيَّة مُعطياتٍ فإنَّ نسبة صحَّة هذا الافتراض (وأي افتراضٍ آخر) ستكون مُتساويَّة (50%)، كذلك الأمر بالنسبة إلى افتراض (B: قطةٌ كسرت الكأس)، وكذلك (C: تيارٌ هوائيٌ أسقط الكأس وكسره). هي كلها احتمالاتٌ واردةٌ بنفس النسبة من الصحَّة، في مُقابل 50% من الخطأ. إذن؛ فنحن بحاجةٍ إلى مُعطًى يُرجّح احتمالًا على الآخر. فمثلًا لو عرفنا أنَّه ليست لديَّ قطَّةٌ في المنزل، فإنَّ نسبة صحَّة الاحتمال B ستنخفض كثيرًا، لأنَّه (قد) تكوَّن قطَّةٌ ما تسلَّلت بطريقةٍ ما إلى الغرفة، وأسقطت الكأس. وإذا عرفنا أنَّ نوافذ الغرفة مُغلقةٌ، فإنَّ نسبة صحَّة الاحتمال C ستنخفض جدًا، لأنَّه (قد) يكون ثمَّة مَن فتح النَّوافذ وأغلقها لاحقًا. ولكن انخفاض نسبة صحَّة الاحتمالات B و C لا تعني أنَّ الاحتمال A هو الصَّحيح بالضَّرورة، لأنَّه (قد) تكون الطفلة نائمةً أو خارج المنزل أثناء وقوع الكأس. ما أُريد قوله من كُلّ ذلك؛ أنَّ الحجج المنطقيَّة تعمل على ترجيح الاحتمالات، ولكنَّها لا تُعطي يقينًا قاطعًا 100% على الإطلاق. الآن؛ ماذا لو سألنا: ما هي الغاية وراء سقوط الكأس وتكسّره؟ هل سيكون لهذا السُّؤال أيّ معنًى؟ غالبًا؛ لا. لماذا؟ لأنَّ كسر الكأس هو عملٌ فوضويٌ، ونحن لا نفترض الغاية أو المعنى وراء الفوضويَّة عادةً. لاحظوا أنَّنا استخدمنا مُسبباتٍ عاقلةٍ، ومُسبباتٍ غير عاقلةٍ في المثال السَّابق، ورغم ذلك كانت النسبة واحدةً تقريبًا. ولكن ماذا لو كان العمل غير فوضوي؟ كوجود زهرةٍ صفراء في حقلٍ للزُّهور الحمراء. هل سوف نفترض معنًى ما، وراء ذلك؟ وإذا افترضنا أنَّ ثمَّة معنًى، فهل هذا دليلٌ على أنَّ المُسبب عاقلٌ بالضَّرورة؟ قد تكون الإجابة نعم، في حال كنَّا نجهل عن التَّطور، والطفرات الجينيَّة. وفي حال لم نكن نعلم أنَّ طفلًا شقيًا كان يُطارد فراشةً في حقل زهورٍ صفراء، وتسلَّل إلى حقل الزُّهور الحمراء، وحمل (دون أن يدري) بذور لقاحٍ في ثيابه، فأنتج هذه الزَّهرة المُختلفة. هذا أيضًا احتمالٌ وارد. فما الذي نُلاحظه من كل ما سبق؟ أنَّ الجهل يفتح أمامنا احتمالاتٍ واسعةٍ جدًا، سواء كان العمل يبدو فوضويًا أو يبدو غير فوضوي، وأنَّنا سنظل على الدَّوام بحاجةٍ إلى (دليل) يجعلنا نحسم الأمر بشكلٍ قاطع. هذا الدليل لا يُمكن أن يأتي إلَّا عن طريق التَّجربة الماديَّة، فهي وحدها القادرة على حسم القضيَّة. إذن؛ ففي ظل غياب التَّجربة الماديَّة، فإنَّ أي مُقترحٍ هو مُجرَّد فرضيَّةٍ خاضعةٌ للاحتمالات، ولا تصل أبدًا إلى درجة اليقين أو (الإيمان)، وهذه إحدى أهم مُشكلات المُلحد من المُؤمن، لأنَّ المُؤمن يتعامل مع فرضيَّة (الله) كحقيقةٍ يقينيَّةٍ، فقط اعتمادًا على أنَّه لابُد من وجود سبب. هذا أشبه بقولنا: الكأس لا يقع من تلقاء نفسه؛ إذن فالطّفلة هي التي كسرتها. في حين أنَّ الطفلة هنا هي مُجرَّد احتمالٍ، ولا نملك تجربةً ماديَّةً أو حسيَّةً تجعلنا متأكدين من صحَّتها. ولهذا فإنَّ المُلحد، يرفض تعيين السَّبب، دون أن يكون هنالك (دليل)، فيقول: (هنالك "سببٌ" لسقوط الكأس) ولا يقول: (الطفلة أسقطت الكأس)، لأنَّ هذا غير مُؤكد. فهل هذا يجعل الفارق بين المُلحدين والمُؤمنين ضئيلًا؟ أعني أنَّهم فقط يختلفون في التَّسمية، ففي حين يُسمّيه المُؤمنون (الله)، يُسمّيه المُلحدون (السَّبب)؟ الحقيقة؛ لا. لأنَّه (كما في قضيَّة الكأس المكسور) لا تُوجد مُعطياتٌ تُرجّح كفَّة احتماليَّة (الله) أو أي ذاتٍ عاقلةٍ وراء نشوء الكون؛ بل على العكس، هنالك ما يُرجّح عدم صحَّة هذا الاحتمال من أساسه. فالقانون الأول من الديناميكا الحراريَّة مثلًا، ينص على أنَّ المادة لا تُخلق، ومع انتفاء عمليَّة خلق، تنتفي فرضيَّة الخالق. والفيزياء الكموميَّة (التي نشأ منها الكون)، لا تخضع أساسًا لمبدأ السَّببيَّة، ولا تخضع للقوانين الفيزيائيَّة المعروفة، لأنَّ الجُسيمات دون الذَّريَّة تظهر فعليًا من العدم وتختفي بلا سبب. هذه هي طبيعة العوالم الكموميَّة. ومع انتفاء السَّببيَّة، ينتفي السُّؤال عن السَّبب أو المُسبب. فتُصبح الإجابة المُتوفرة حاليًا، هي: الكون نشأ من مُفردةٍ ثقاليَّةٍ (Singularity)، والمُفردة الثقالية لا تحتاج لمُسبب أو لخالق يُوجدها؛ إذن فإن فرضيَّة المُسبب الخالق غير صحيحة أو مُستبعدة. مبدأ السببيَّة يبدأ بالعمل بمُجرَّد اكتساب الجُسيم كُتلةً، تجعله يخرج من الحيز الكمومي، فينطبق عليه قوانين الفيزياء المعروفة. ما يشغل العلماء الآن؛ هو مُحاولة معرفة قوانين الكوانتم، معرفةً أدق وأعمق، لفهمٍ أفضل لسلوك الجُسيمات دون الذَّريَّة. هذه الجُسيمات دون الذَّريَّة هي (مادة)؛ وبالتَّالي فإنَّ سلوكها هو سلوكٌ مادي. لأنَّ بعض المُدلّسين يُحاولون الولوج من عوالم الكوانتم، للربط بين العالم المادي، والعالم غير المادي، ليُصوّروا عوالم ميكانيكا الكم، وكأنَّها عوالم ميتافيزيقيَّة. ولسوء حظّهم فقط؛ فإنَّ عوالم الكوانتم (رغم غموضها، وجنونها السحري) فهي عوالم ماديَّةٌ يُمكن رصدها، وقياسها، ومُلاحظة سلوكها في المُختبر. للأسف الشَّديد، هذا الكون الذي نراه، ونعتقد أنَّه مُنظمٌ ودقيقٌ، هو ليس كذلك تمامًا، لأنَّه بدأ بدايةً عشوائيَّةً تمامًا. هذا النظام، وهذه الدقَّة التي نراها، هي في الحقيقة نتاج تطوُّرٍ دام لبلايين السنين من التَّفاعلات العشوائيَّة: تفاعلاتٌ كيميائيَّةٌ، وتفاعلاتٌ بيولوجيَّةٌ، وتفاعلاتٌ فيزيائيَّةٌ، وحتَّى تفاعلاتٌ اجتماعيَّةٌ، جعلتنا نتطوَّر من كائناتٍ كانت تعيش في الكهوف، وتعتمد على الصيد والتقاط الثمار، إلى كائناتٍ تعتمد على التكنولوجيا المُتطورة. لا شيء جاء بالصُّدفة؛ بل تطلَّب الأمر زمنًا طويلًا جدًا، لنصل إلى هذا القدر المعقول من النظام والدقَّة. إنَّ عمليَّة التطور نفسها، دليل على عدم دقَّة الكون؛ إذ أنَّنا مُضطرون إلى التَّكيف مع (المُتغيّرات) البيئية المُستمرَّة ومُجاراتها، لضمان بقائنا واستمرارنا. تلك الكائنات التي لم تستطع أن تتكيَّف، انقرضت واندثرت تمامًا. ومع وجود نظريَّة علميَّة تتكلَّم عن الفوضى (Chaos Theory)، ومع وجود نظرية التَّطور، ووجود مبدأ اللايقين يتضح لنا مقدار العشوائيَّة الموجودة في الكون. ومع وجود هذه العشوائيَّة، فإنَّ أي سؤالٍ عن الغاية أو الهدف من وجود الكون أو وجودنا، هو سؤالٌ لا معنى له. إنَّه سؤالٌ يدل فقط على جهلنا بالكون، وبالقوانين الطبيعيَّة. نعم؛ نحن كائناتٌ مُعقّدةٌ جدًا بيولوجيًا، ولكن هذا التَّعقيد حدث بالتَّدرج على مدار بلايين السنوات، حتَّى كوكبنا هذا احتاج إلى بلايين السنوات، ليُصبح صالحًا للحياة، ويومًا ما قد يضرب نيزكٌ طائشٌ كوكبنا هذا، كما حدث قبل 6 ملايين سنة، وأدَّى إلى انقراض ما يزيد على 70% من الأنواع وأشكال الحياة على الأرض. وفوق كُلَّ ذلك؛ فإنَّ الأبحاث الأنثروبولوجيَّة، والآركيولوجيَّة تُعطينا صورةً كاملةً عن بداية فكرة (الله) الخرافيَّة، وعن أسباب نشوئها، وعن كيفيَّة تطورها، فأصبح (الله) فرضيَّةً مُستبعدةً، كفرضيَّة التنين الخرافي في مثال حريق الغابة، الذي تكلَّمنا عنه سابقًا. ولكن ماذا بعد الإلحاد؟ وما هو مصدر أخلاق المُلحد؟ هذا ما سأتكلَّم عنه في المنشور الأخير من هذه السلسلة.

محمد إدريس يكتب: الإنسان قصة لا تنتهي


> تويز آر آص شركة ألعاب أطفال تأسست في أواخر الأربعينات من القرن الماضي 1948 ومقرها بالولايات المتحدة الأمريكية، ولديها من الموظفين قرابة 66000 وحوالي 860 فرع ومعرض داخل الولايات المتحدة و760 معرض خارجها موزعة في أوروبا وآسيا وأفريقيا وكندا.. وفي نهاية العام 2017 أعلنت إفلاسها.. وتم إغلاقها نهائياً آواخر الأسابيع الماضية.. هذا يعني أن الثروة قد تزول في أي لحظة..!

> كأس العالم هذا الموسم، وتلك المفاجئات العظيمة التي حصلت بخروج عدد كبير من المنتخبات المؤلهة للنهائيات.. رغم أن هناك منتخبات لم تتأهل.. من المراحل الأولى.. وما حصل أكد لنا مقولة أن ‏ "الزمن دوار"  تحت عنوان.. أن الحياة لا تبقى على حالها، وأن النجاح لمن يعمل بجد واجتهاد وأن الأشياء المؤقتة لاتدوم.. وأن السخرية والإستهتار بمن حولك لن تجعلك.. تفخر بما لديك... هذا يعني أن الفوز يمكن أن يحققه أي إنسان.! 

> الشُهرة والثراء هذا (العالم الغامض) أضاف لعدد الذين تم رصدهم في السنوات الماضية، الشهر الماضي ثلاث أشخاص وهم/ كيت سبيد، مصمة أزياء../أنتوني بوردين، شيف عالمي.. والفنان /أفيتوشي.. إلى قائمة الأشخاص اللذين إنتحروا.. ولكن ما الذي يدعوا هؤلاء الأشخاص بعد حصدهم الجوائز العالمية والنجاحات والعيش برفاهية بإنهاء حياتهم هكذا.. مع الرغم من أن أعمارهم متفاوتة ولا شيء يجمعهم سوى الثراء الفاحش والنجاح.. هذا يعني أن الثراء والبذخ لم يكن لهم دافع قوي للعيش بسعادة.! 

> محاربي السرطان حمزة وهناء إسكندر شاب وفتاة وكاتبة مناضلة تدعّى هالة المرواني، ثلاث أشخاص أفنوا كل طاقتهم وإمكانياتهم وصارعوا مرض السرطان وفِي نفس الوقت أبدعوا في توعية الناس من خاطر هذا المرض ورسموا الإبتسامة وزرعوا الأمل في كثير  من الناس وفعلوا العديد من الإنجازات لسنوات عديدة وفِي النهاية هزمهم المرض وفارقوا الحياة ولم يتعدوا عقدهم الثالث من العمر.. هذا يعني أن الحياة لديهم لم تكن تقدر بثمن ولكن عندما أتى الأجل توقف كل شيء.!

> فريق كرة قدم مكون من 12 طفل ومدربهم قرروا الإحتفال بعيد ميلاد أحد أعضاء الفريق لبلوغه سن 15 والذهاب لمغامرة وزيارة كهف يسمى "ثام لوانج" في تايلند ويمتد طوله 10 كليومتر والكهف معقد جداً، وهم على دراية تامة بالمكان لأنهم يعيشون في ضواحي تلك المنطقة.. وبعد وصولهم للمكان سائت الأحوال الجوية وفاجئتهم بهطول أمطار غزيرة عند مدخل الكهف تسببت في فيضانات عارمة أجبرتهم على الركض لمسافة 3 كيلومتر داخل الكهف، ومن ثم إلى أبعد من ذلك، ولكنهم فقدوا كل شيء خلفهم، حاصرتهم المياه ومكثوا هناك قرابة الإسبوعين.. وبعد بحث مستمر تمكنت السلطات من تحديد مكانهم وتدخل في إنقاذهم قرابة الـ 18 غواص عالمي إضافة إلى ألاف الناس من منظمات حكومية ومدنية وصحيةوصحافة وتلفزيون.. وملايين من الناس عبر محطات وسائل الإعلام التواصل المختلفة.. واليوم فقط تم إجلائهم بعد محاولات عديدة باستخدامهم أفضل تقنيات الغوص والحلول من ذوي الإختصاص.. واحداً تلوا الآخر.. وتستغرق رحلة الغوص من الداخل للخارج 4 ساعات غوص مع العلم أن الأطفال لا يجيدون حتى السباحة.. الأمر الجميل.. حين سمع العالم قصة ⁧‫أطفال الكهف‬⁩ إتحد لإنقاذهم، لتبرهن هذه القصة على أن الإنسانية حين تستفيق فإن كل العالم يتحد.. 
هذا يعني أن هناك مازال ممن لديه إنسانية ويحاول أن يفعل شيء ويعلم أنه متصل بهذا العالم.!

رفعت صالح يكتب: أنا ابن من


أنا ابْنُ من؟؟
أنا ابْنُ إكليلِ جبلٍ استظلَّ بحجرٍ
سقطَ من يدِ طفلٍ شهيدٍ
على حينِ قهرٍ..
أنا ابْنُ علمٍ..
ساريتُهُ أطلقتْ عليه رصاصة
أنا ابْنُ خيمةٍ..
زُرِعَتْ في الصحراء علامة
أنا ابْنُ غرفةِ طوارئٍ..
أعانقُ الموتَ وأُوَدّعُ الحياةَ 
بسوطِ البساطة
أنا ابْنُ شجرةِ التوت..
زَرَعَها جدُّ جَدّي
عندما كتبَ للعشقِ رسالة
أنا ابْنُ الأصلِ..
أصل البداياتِ والنهايات
أنا أصلُ الحكاية..

بله محمد الفاضل يكتب: في البُكاءِ حتى اللِّقاءِ


💠
حين يمُرُّ اِسمِي على بالها
تطِيرُ حمامةٌ من قلبِي
وتهدأُ الحربُ في العالمِ.

💠
أكرّرُ اسمَهَا لِمِرآةِ البيتِ
لِتهِلَّ عليّ من بينِها.

💠
المرايا تبقَى مرايا
حتى مع حذقِكَ إِخفاءَ العِشقِ بِعينِيكَ.

💠
حين أراكِ، يطمِئنُ الفرحُ بأنّهُ على سُدّةِ الحياةِ.

💠
في صباحٍ سيأتِي
أدعكُ قلبِي بِالهواءِ
وأنشرُهُ بِمتناولِ يديكِ.

💠
نهِم بِبعضِنَا
فتهِم بِنَا المسافةُ.

💠
أنتَ لوحدِكَ مسافاتٌ
شارِعٌ
تفاصِيلٌ وتفاصِيلُ وتفاصِيلُ
فلا تأخُذْ من وحدِي لِوحدِكَ
فتُضلِّلُهُ.

💠
على كُلِّ حالٍ
العطبُ الحادِثُ بِاتِّساعِ المسافةِ لن يُؤثِّرَ على سُرعةِ اِتِّصالِ الخيالِ بالخيالِ، المسافةُ عامِلُ قِسمةِ الجسدِ على الجسدِ والضّربِ لِلأخيلةِ...

💠
قِيامتُكَ بِجوربِيكَ
فأخلعْ منزِلتَكَ ولا تخُضْ في الموازِينِ
أذكُرُ زينبَ
اِمرأةٌ بِرفاهِيةِ الجُرحِ
تستقِي النّوامِيسُ سُطوعَهَا من حُججِها الظّاهِرةِ في العِطرِ، ولِلرّقصةِ في عينِيهَا أرزاقُ التُّوقُّفِ المُباحِ، لي النّباحُ بأخِرِ الشّارِعِ أنا المُتلعثِمُ إلا من عينِينِ تُسرِعان ِلِلتّضادِّ...
أخلعُ بردِي في الذِّكرى، كُلّ اللّيلِ لِي، كُلّ اللّيلِ لِي
كُلّ اللّيلِ لِي
والتّجمهُر.

💠
أسألُ
هل
أحفِرُ
قبراً
لِي
في
الوِحدةِ
؟

💠
أبغضُ ما تُجالِسَ: وِحدتَكَ...

💠
وُجُوهُ الرُّوحِ
ــ ــ ــ ــ ــ ــ

وأنتم تقرأونَ رُوحِيّ اليافِعةَ
في أمسٍ مضى
لما كُنتُ أُفهرِسَها
عسى أن تطِيرَ في اﻷرجاءِ
...
ما كُنتُ حينَها؟
سهمٌ أمسكتْ بِظُفرِهِ الرِّياحُ
لينغرِزَ بِقلبِ الدّربِ
يشُقُّ اﻷفقَ
نحو أن تكُونُوهُ دُونَهُ و بِهِ
لِترتسِمَ البسماتُ في حناياه
بِالعِطرِ الماطِرِ
ما كُنتُ حينها
سِوى الاِبتِداءِ المُتدحرِجِ نحوكُمْ
هكذا فلِيكُنْ
وأمسكُنِي مُتلبِّساً بكُمْ
حتى الثُّمالة.

💠
الموعِدُ
ــ ـــ ـــ

اِمرأةٌ كانت تتكِئُ على حائِطٍ
المنظرُ لِعابِرِ سيكُونُ من زاويتِهِ
محضُ اِمرأةٍ تنتظِرُ
ولِقرِيبٍ عاكِفٍ على مُراقبتِها
اِمرأةٌ واقِفةٌ لِسببٍ ما سيعرِفُهُ
إن لم تصدِمْهُ سيّارةٌ مُسرِعةً
بِصُدفةٍ لم يُرتِّبْها بِأفكارِهِ
المشغُولةِ مع المرأةِ المُتكِئةِ على الحائِطِ
أما صديقتِها التي ذهبتْ لِتشترِي عصِيراً لهما
فإن السّيّارةَ المُسرِّعةَ نفسَها
والتي لم تصدِمْ صدِيقَنا المُراقِبَ
قد اِحتوتها في أحدِ مقاعِدِها
وأخذتُها لِموعِدٍ لا يُؤجّلُ.

المفكّر والناقد هشام آدم يكتب: عقل المُلحد (2)




عرفنا سابقًا أنَّ المُلحد لا يُؤمن بالصُّدفة، والفجائيَّة، والقفز دفعةً واحدة من العدم إلى الوجود. المُلحد يُجيب على سؤال: (هل للكون مُسبب؟) بـ(نعم)، ولكنَّه يُجيب على سؤال: (ما هو/ من هو هذا المُسبب؟) بـ(لا أدري). وهو ما يجعل كثيرًا من النَّاس يعتقدون أنَّ هذا الموقف يُمثّل اللاأدريَّة، وليس الإلحاد. والسَّبب في هذا الاعتقاد يعود إلى أمرين، أولهما: الجهل بالإلحاد، وثانيهما: الجهل باللاأدريَّة. فكثيرون يعتقدون أنَّ الإلحاد هو عكس الإيمان، فكما أنَّ الإيمان ادعاءٌ بالإثبات، فإنَّ الإلحاد ادعاءٌ بالسَّلب أو النَّفي. والحقيقة أنَّ الإلحاد ليس ادعاءً أصلًا. ولهذا فإنَّ مُطالبة المُلحد بدليلٍ يُثبت عدم وجود الخالق، يُعتبر جهلًا بحقيقية الإلحاد. فالأمر ليس كأن يقول أحدنا: "هذا الشيء لونه أحمر."، فيقول الآخر: "لا؛ بل لونه أخضر." الإلحاد ليس ادعاءً مُضادًا؛ بل هو موقفٌ من الادعاء. ومُطالبة الشَّخص بدليلٍ يُثبت عدم الوجود، هي مُطالبةٌ غير منطقيَّةٍ، لأنَّ مُطالبة الإثبات هذه لا يُمكن أن تكون على النَّفي، فلا يُمكن أن تُطالب شخصًا بإثبات عدم الوجود: (الإثبات والنَّفي لا يلتقيان أصلًا)، ولهذا فإنَّ إثبات عدم وجود أي شيءٍ غير موجودٍ، مُستحيلٌ عقلًا، لأنَّها في الأساس مُطالبةٌ غير منطقيَّةٍ، كإبريق برتراند راسل تمامًا، وكذلك أيضًا إثبات عدم وجود الشيء الموجود، فلا أحد يستطيع إثبات عدم وجود الفيل مثلًا. عدم وجود دليلٍ على وجود الشَّيء، هو دليلٌ على عدم وجوده. وهذا لا يُشبه أبدًا عدم معرفتنا بوجود الشَّيء، فمثلًا نحن لا نعرف ما إذا كان هنالك كائناتُ فضائيَّة أم لا، ولكن عدم معرفتنا ليست دليلًا على عدم وجودها، وفي الوقت ذاته، فإنَّ قاعدة (الجهل بالشَّيء لا يعني عدم وجوده) لا تعني أنَّه موجود فعلًا. فلا نستطيع أن نقول: "نحن لا نعرف ما إذا كانت الكائنات الفضائيَّة موجودة أم لا، وبما أنَّ عدم العلم بوجود شيءٍ ليس دليلًا على عدم وجوده؛ فهي إذن موجودة حتمًا." هذه مُغالطة منطقيَّة، يُمكن تطبيقها على أي شيء؛ إذ يُمكن أن نقول مثلًا: نحن لا نعرف فئرانًا تبيض، ولكن عدم معرفتنا لا تعني أنَّها غير موجودة؛ إذن فهنالك فئران تبيض (!). الجهل بالإلحاد يجعل الكثيرين يعتقدون أنَّ الإلحاد إثباتٌ لنفي وجود الله، إزاء الإيمان الذي هو إثباتٌ لوجوده. أمَّا عن الجهل باللاأدريَّة، فكثيرون يعتقدون أنَّ اللاأدري هو الذي يقف موقفًا وسطيًا بين الإلحاد والإيمان، وأنَّهم لا يدرون ما إذا كان الله موجودًا أم لا. وهذا غير دقيقٍ تمامًا، فوفقًا لتوم هاكسلي (ناحت هذا المُصطلح أصلًا)، ووفقًا للفيلسوف ويليام روو، وغيرهما، فإنَّ اللاأدريَّة تعني ببساطة عدم امتلاك الإنسان القدرة على المعرفة، ما يجعله غير مؤهلٍ للإيمان أو عدم الإيمان بوجود الله؛ فاللاأدريَّة موقفٌ ضد المعرفة، ولهذا فهم –غالبًا- ما يتستَّرون خلف شعار (لا تُوجد حقيقةٌ مُطلقة)، لأنَّهم يعتقدون أنَّ العقل البشري قاصرٌ، وغير مُهيأ أصلًا لامتلاك المعرفة، ولهذا فإنَّ موقفهم هو الحياد تجاه أيَّة قضيَّة (May be and may not be). فإجابتهم على سؤال: (هل هنالك مُسببٌ للكون؟) هو: لا أدري، في حين أنَّ كلًا من المُؤمن والمُلحد مُعترفون بوجود مُسببٍ للكون، لكنَّهم فقط مُختلفون حول ماهيَّة هذا السَّبب. فمُشكلة اللاأدريَّة هي مُشكلةٌ أبستمولوجيَّة معرفيَّة، إنَّه موقفٌ من المعرفة في حد ذاتها. الفرق بين المُلحد واللاأدري ببساطةٍ، هو أنَّ المُلحد يدري أنَّه هنالك سببًا، ويعتقد أنَّ معرفة السَّبب مُمكنةٌ. ولكن اللاأدري، يعتقد أنَّ معرفة السَّبب غير مُمكنةٍ؛ وبالتَّالي فهو لا يدري إن كان هنالك سببٌ أم لا، بل ويعتبر الأمر كلَّه خارج نطاق المعرفة البشريَّة. ثمَّة مستوًى آخرٌ من النقاش حول موضوع الإلحاد، عندما يتعلَّق الأمر بالفرق بين (الخالق) وبين (الله) أو مفهوم الإله الشَّخصاني الذي تطرحه الأديان، فهما من النَّاحية الفلسفيَّة ليسا شيئًا واحدًا، رغم افتراض الأديان أنَّ الإله الشَّخصاني الذي يتبعونه هو نفسه خالق الكون. تجاه هذه القضيَّة يأخذ النقاش منحًى آخرًا تمامًا، فموقف المُلحد من الإله الشَّخصاني هو موقفٌ مُغايرٌ لموقفه من فكرة الخالق، لأنَّه إذا كانت قضيَّة الخالق خاضعةً بالكامل إلى القوانين العلميَّة، فإنَّ قضيَّة الله أو الإله الشَّخصاني تخضع لقوانين أُخرى: قوانين فلسفيَّةٌ منطقيَّةٌ، وقوانين أخلاقيَّة. وثمَّة خلطٌ لدى الكثيرين بين هذين المفهومين، لأنَّهم –كما قلنا- يفترضون الإله الشَّخصاني هو الخالق للكون. الإله الشَّخصاني يُمثّل التَّصور البشري للخالق، بينما تبقى فكرة الخالق فكرةً داخلة في الإطار العِلمي. ولتوضيح الأمر أكثر: لنفترض أنَّ أحمد ادعى أنَّ شخصًا بوزن 70 كيلوغرامًا حمل ثُقلًا بوزن 550 كيلوغرام. هذه القضيَّة قابلةٌ للنقاش العلمي الفيزيائي الصرف، ولكن عندما يدعي أحمد أنَّ هذا الشَّخص له مُواصفاتٌ مُحدَّدةٌ، كالقول بأنَّ هذا الشَّخص خارق القوَّة، ولا تنطبق عليه قوانين الفيزياء، فهذا افتراضٌ جزافي، الغرض منه إخراج الشَّخص خارج إطار العِلم، وعدم إخضاعه لقوانين العِلم وحسب. كذلك الأمر لو افترض فيه صفاتٍ أخلاقيَّةٍ مثلًا، فإنَّ مُناقشة هذه المُواصفات ليست من اختصاص العِلم، كأن يدعي مثلًا بأنَّه شخصٌ كريمٌ، وعطوفٌ، ومحبوبٌ بين النَّاس، وقويٌ ... إلخ. والموقف من هذا الإله الشَّخصاني هو ما يجعل الفارق بين المُلحد، والرُّبوبي اللاديني، لأنَّ الشَّخص قد يتخذ موقفًا من الإله الشَّخصاني الذي تقترحه الأديان، وفي نفس الوقت يظل محتفظًا بإيمانه بوجود خالقٍ للكون. فعندما نقول على سبيل المثال: أنَّ الله رحيمٌ وغفور بالمُطلق، فإنَّ هذا يتعارض مع صفة أنَّه عادلٌ بالمُطلق، لأنَّه إن رَحِم فلن يُعذّب، وإذا عذَّب فلن يكون رحيمًا، وإذا لم يُعذّب لم يكن عادلًا، فلكي يكون رحيمًا (بالمُطلق)، فيجب ألَّا يُعذّب، ولكي يكون عادلًا، فإنَّه يجب أن يُعذّب المُسيء ويُجازي المُحسن، ولكنه إن فعل ذلك، لم يعد رحيمًا، لأنَّ رحيمٌ بالمُطلق، والرَّحمة المُطلقة تتنافى مع التَّعذيب. ولكن قد لا يرى البعض أيَّ تناقضٍ في ذلك، باعتبار أنَّ تعذيب المُسيئين عدلٌ، وهو قد يكون كذلك، ولكنَّه يتناقض مع الرَّحمة المُطلقة؛ وإلَّا فإنَّنا لا نفهم معنى الرَّحمة المُطلقة. فعندما أقول عن شخصٍ بأنَّه طيّب بالمُطلق، فهذا يعني أنَّه طيبٌ في جميع حالاته، ومع الجميع دون استثناء، وهو حتَّى لا يملك حريَّة أن يكون شريرًا، ولكنَّه إذا كان طيبًا مع أهله، وأقاربه، وأصدقائه، ولم يكن طيبًا مع أعدائه مثلًا، فإنَّ هذا استثناءٌ يخدش صفة الإطلاق، وعندها نقول إنَّه طيّبٌ أحيانًا، وشريرٌ أحيانًا أخرى، حتَّى إذا كانت اللحظات التي يُصبح فيها شريرًا مبّررة، فإنَّ هذا لا يُغيّر من الأمر شيئًا، ففي كلا الحالتين لم يعد باستطاعتنا إطلاق صفة الطيبة المُطلقة عليه، لأنَّ طيبته هذه ليست مُطلقة. وفكرة وجود شيءٍ (أي شيءٍ) بصفتين مُتناقضتين هو أمرٌ ممتنعٌ عقلًا، وفقًا لقانون عدم التَّناقض، وقانون الثَّالث المرفوع؛ فالله إمَّا أن يكون عادلًا بالمُطلق، فتنتفي صفة الرَّحمة المُطلقة أو أن يكون رحيمًا بالمُطلق، فتنتفي صفة العدل المُطلق، ولكن أن يكون رحيمًا بالمُطلق، وشديد العقاب في الوقت ذاته، فهذا مُخالفٌ لقوانين المنطق الأساسيَّة. هذا بالإضافة إلى مُعضلة الشَّر بشقيّها القديم والمُعاصر، والتي ما زالت قائمة حتَّى الآن. في المنشور القادم، سوف أشرح لماذا يرفض المُلحد فكرة الخالق، طالما أنَّه يُؤمن بوجود سببٍ أو مُسببٍ للكون.

فيديوهات

صور