جون أبدايك: عن الكتابة والموت


ماريا بوبوفا/ تعريب: إبراهيم قيس جركس

“في كل يوم نتغيّر قليلًا، والشخص الذي كُنّاهُ البارحة قد مات. إذن لماذا نقول أنّنا نخاف من الموت، طالما أنّه يأتينا كل يوم، ويمسّنا طوال الوقت”.

[جون أبدايك. 18 مارس 1932- 27 يناير 2009]



"إنّ لغز الوجود لغزٌ دائم، بالنسبة للوضع الحالي للدماغ البشري على الأقل". هذا ما قاله جون أبدايك للكاتب جيمس هولا في كتابه التأمّلي الذي يضمّ رحلة تحقيقاته الوجودية “لماذا العالم موجود؟”. لكنّ أبدايك كان يتأمّل سؤال الوجود بتمعّن وجدّية منذ فترة طويلة: جزء لابأس به من مذكّراته الرائعة عام 1996 “وعي الذات” مكرّس للحديث عن مسألة ما بعد الحياة أهمّ المسائل وأحد أشكال الهروب الإنساني من اللّايقين الساحق للروح ومصيرها وما الذي يعلّمنا إياه بشأن الحياة الوحيدة التي نمتلكها، هذه الحياة التي نعيشها الآن:

"إذا ما تصوّرنا الحياة الأخرى، فإنّها _إذا ما أردنا الحديث بصورة هرطقية_ الهروب نحو شيء غير محسوس أو ملموس _”الأنا” الجوهرية_ من هذا اللحم البالي المعرّض للفساد، الذي يصيبه لحظة الموت.. مجرّد التفكير بهذه الفترة الزمنية الطويلة التي سنقيضها داخل القبر يملأنا رعبًا وخوفًا من الضياع إلى الأبد، أين ستكون ذاتنا خلال هذا الرقاد الأبدي طويل الأمد؟ إنّ فكرة أنّنا سننام لقرون طويلة من دون ومضَة حلم، بينما تتحلّل أجسادنا وتتحوّل عظامنا إلى رميم، حتى شواهد قبورنا الحجرية ستؤول غبارًا، مرعبة ومضنية بقدر فكؤة الفناء ذاتها. وكل محاولة لتصوّر الحياة الأخرى وتحديد ماهيتها _بل حتى مجرد تصوّرها بشكل عام_ تفزعنا".

لكنّ أبدايك يذكّرنا بأنّ الموت، لا يعني فناء الذات نفسها، بل مجرّد ظهور آخر لحقيقة أنّ شخصياتنا سلسلة من التطورات المتراكمة، وأنّ ذواتنا فيّاضة وسيّالة دومًا:

"ليست الذات ظرفية فقط، بل تموت أيضًا. في كل يوم نتغيّر قليلًا، والشخص الذي كُنّاهُ البارحة قد مات. إذًا لماذا نقول أننا نخاف من الموت، طالما أنه يأتينا كل يوم ويمسّنا طوال الوقت؟ من الممكن كره ذاتنا السابقة حتى، تلك النسخة الماضية عنّا والتي تخلّصنا منها. على سبيل المثال، ذلك الشاب الذي كنتُهُ خلال مرحلة المدرسة الثانوية _كان نحيلًا، خجولًا، رَثًّا، غبيًا، متهوّرًا، يخشى أن يكون مرئيًا، معذّبًا بما فيه الكفاية، يُلقي بلا هوادة رسومه الكاريكاتورية وملصقاته ونكاته وقصائده الصاخبة عن عجز المدرسة الثانوية_ يصدمني الآن. أراه بغيضًا إلى أبعد حد. لكنني مدينٌ له رغم ذلك: فمن دون طموحه المحموم وشعوره بعدم الأمان لما كنتُ أقطن الآن هافِن هيل [كما كان يسمّي الآخرون منزلي الحالي]".

في هذا الصدَد، يقول أبدايك، العمل _أي عمل الكاتب_ يخدم نفس وظيفة الدين (الذي، كما وصفه مارك توين، مهمّته نقل الأنا الإنسانية). الكتابة بحدّ ذاتها تنطوي على آلية مكافأة وإثابة كامنة بداخلها _من ضجيج الروتين اليومي الصارخ إلى نعيم المكافآت ومتعة التكريم_ تؤكّد على وُجود الكاتب، وتثبت كينونته، وتهدّء وعيه القلق بإدراكه للفناء الذي ينتظره، وتلهيه _كما يفعل الدين_ كما يفعل الدين عن الخواء والعَدَم المحتوم الذي يتوجّه إليه وجوده:

"بالنسبة لغالبية الناس، العمل هو الدين الفعّال، انشغال طقسي وتوجّه مُتَعَنّت يسمح لهم بالاعتقاد بأنّ مشكلة موتهم الخاص قد تمّ حلّها. يقول أونامونو: “العمل هو العَزاء العملي الوحيد لموتكَ قد وُلِدت”. مهنتي التي اخترتها لنفسي _وتشتّت الذات وتضاعفها من خلال أعمال الطباعة والنشر، وإفرازها اليومي كلمات أكثر، وفي نهاية المطاف تحويل تلك الكلمات إلى كتب_ بالتأكيد هي عَزَاء عملي وفعّال، نوع من الدرّاجات الهوائية التي ستلقي بي أرضًا إذا توقّفتُ عن التّدوين. الدين يساعدنا على تجاهل العدم الذي ينتظرنا ويمنحنا القدرة على مزاولة أعمالنا ومهامنَا اليومية".

مقتبسًا من مقابلة مع رجل دين تصوّر الحياة الأخرى على النحو التالي: “هذه الحياة تتمّ مراجعتها، ثمّ عرضها من منظور جديد”، يجد أبدايك _الذي خَلَع افتتانه مع مرور الوقت ضمن كتابه الجميل والأقل شهرةً الذي وجّهه للأولاد عام 1965 A Child’s Calendar_ نفسه منزعجًا بشكل غريب من هذا المفهوم ويتفكّر مليًا في اتجاهه الذي لا رجعة فيه ببلاغته المعتادة:

"أليس تفرّد هذه الحياة [كونها الحياة الوحيدة الّتي نحياها] هو الشّيء الذي يرعبنَا؟ أليس الفارق الكبير بين المَلهاة والمأساة لأنّ المأساة تحرمنا من أي فرصة أخرى؟. يعبّر شكسبير مرارًا وتكرارًا عن فرادة هذه الحياة _عدم قابلية قراراتنا للتغيير والتراجع عنها، مهما كانت متسرّعة وجنونية. كم هي كبيرة ومثيرة للشفقة حياتنا التي تلوح في أفق فرادتها ومحدوديتها، كم هي خطية ومتصلّبة حياتنا، مع أنّ كوكبنا الكروي الدائر حول الشمس يعرض علينا دورات اليوم والسنة ليُفهِمَنَا بأنّ الوجود دائري أو دوري بامتياز، الوجود عبارة عن دورة لعوبة، وأنّ الشمس ستشرق دومًا، وسيكون دائمًا هناك صباح غد، وفرصة أخرى".

في نهاية المطاف، يعود أبدايك إلى الكتابة بوصفها ديانته وملكوته وقدس أقداسه، “صوته المتبقّي الوحيد”، وبالتحديد لأنّها تخفّف _حتى لو كان عن طريق الإيهام المتَعَمّد_ من وَقع الوزن الفائق والذي لايطاق لهذا الوعي:

"الكتابة.. إدمان، انعتاق وهمي، ترويض افتراضي للواقع، ووسلية للتعبير بخفّة عن ما لا يُطاق. كوننا نتقدّم بالسّنّ ونخلّف ورائنا هذا الرُّكام المُبَعثَر من ذواتنا الميّتة والبالية، هي الحقيقة الثقيلة والأكثر شيوعًا في العالم _ذلك يحدث لجميع الناس. في نور الصباح، يمكن للمرء أن يكتب بنشاط وابتهاج، بدون أدنى تسارع لنبضه، عن ما لايمكن للإنسان تأمّله والتفكير فيه في الظلام من دون أن يهرع مذعورًا إلى يدي الله. في الظلام، يشعر المرء بذلك التدفّق والانسياب الهائل، ذلك التحوّل للأرض الواسعة إلى ظلام وشتاء أبديين، آخذًا معه كلّ الأثاث والمناظر، والسهوات البرّاقة واللمسات الدافئة، من حياتنا. وحتى أكثر الحقائق الأرضية تجريدًا ثقيلة بصورة لا تحتمل، ومُثقَلَة بموتنا الشخصي. الكتابة من حيث أنّها فعل يعمل على تخفيف ثقل العالم _عن طريق ترميزه، وتشويهه، وتزيينه، وتفعيله_ شبيهة بالهرطقة".

______________________

كتاب "وعي الذات" عبارة عن خزينة غنية بجواهر الحكمة والفلسفة.

النّاقد والمفكر هشام آدم يكتب: قلَّة الأدب في الأدب

في ورشة إصلاح القراءة والكتابة، التي عُقدت في وقتٍ سابقٍ. قلتُ إنَّ العمل السَّردي هو واقعٌ موازٍ للواقع المُعاش، فهو عملٌ خياليٌ بالدَّرجة الأولى، ولكنَّه محكومٌ بقوانين الواقع، وهذا ما يجعله مُختلفًا عن العمل التَّخيلي الفنتازي أو حتَّى الحكائي. والواقع المُعاش -كما نعرف- ليس مثاليًا، وهذا -بالضرورة- ينعكس على العمل السَّردي؛ فالذين يبحثون -في العمل السَّردي- على مواطن المثاليَّة، ويبحثون عن القيم والأخلاق؛ هم في الحقيقة يبحثون في المكان الخاطئ حتمًا. العمل السَّردي لا ينتمي إلى عالم الأحلام؛ بل هو –على العكس من ذلك- مُرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالواقع؛ بكل سلبياته وإيجابياته. إلى هذا الحد نقف على نقطتين أساسيتين؛ ألا وهما: تعاطي الكاتب مع الجنس في الأدب، وفي المُقابل تعاطي القارئ مع نفس الموضوعة في الأدب. مبدئيًا؛ فموضوعة الجنس هامةٌ جدًا في الأدب. وأرجو أن نُفرّق بين كون الموضوع هامًا important وبين كونه ضروريًا  necessary؛ فليس كُلُّ ما هو هامٌ ضروريٌ، ولكن العكس ليس صحيحًا؛ فكل ضروري هو حتمًا هام. وعلى هذا فلا يُمكن الحكم على العمل السَّردي سلبًا، لمُجرَّد تناوله لموضوعة الجنس، لأنَّ الجنس هو شكلٌ أساسيٌ من أشكال العلاقات، التي تربط بين أفراد المُجتمع في الواقع؛ وبالتالي فهو شكلٌ من أشكال العلاقات التي تربط بين الشخصيَّات السرديَّة، داخل العمل السَّردي. وظيفة الجنس (كموضوعةٍ دراميَّةٍ) في العمل السَّردي، لا تنحصر في تسليط الضوء على الجانب العلائقي بين شخصيَّات العمل، ولكنها تتجاوز ذلك، لتدخل كجزءٍ من عملية بناء الشخصيَّة السرديَّة أو إعطاء ملمحٍ لطبيعة الثقافة الجنسيَّة، في الفضاء المكاني في السرديَّة. ولهذا فإنَّ طريقة مُعالجة موضوعة الجنس، يجب أن تتم وفق تقنيات وأدوات العمل السَّردي نفسه، ولهذا فإنَّ الإغراق في وصف تفاصيل العلاقة الجنسيَّة، لا يُعتبر تقنيةً سرديَّة؛ بل يُعتبر تجاوزًا للوظيفة السرديَّة، وميلًا عنها إلى وظيفة الإغراء والإثارة، وهنا يُمكننا اعتبار السَّرد ضربًا من (قلَّة الأدب). لماذا؟ لأنَّ القارئ يُريد أن يعرفه (لماذا جرى ما جرى)، وليس (كيف جرى ما جرى). ولهذا أيضًا؛ فإنَّ جملةً مثل: "تعانقا بشدّة، وغابا في صراعٍ لحميٍ شبق." تختزل -سرديًا وأدبيًا- جُملًا توصيفيَّةً، نحن -كقراءٍ واعين- في غنىً عنها. يجب أن يكون الكاتب ذكيًا في تناوله لموضوعة الجنس، تمامًا كما يجب على القارئ أن يكون ذكيًا –أيضًا- في التَّعاطي مع موضوعة الجنس في العمل السَّردي، فلا يتعامل معه بحساسيَّةٍ مُفرطةٍ، لأنَّ بعض القراء يفترضون أنَّ استخدام بعض الألفاظ والمُفردات، نوعًا من التَّجاوز لوظيفة السَّرد، والواقع أنَّ كثيرًا من الألفاظ الجنسيَّة، التي يشمئز منها كثيرٌ من القراء، ويُصنّفونها في خانة (قلَّة الأدب) في الأدب، ليس كذلك أبدًا فعليًا. وهذا يشمل بعض الألفاظ والعبارات التي قد ترد عند وصف الملامح الجسديَّة (سواء للأنثى أو الذَّكر) بما في ذلك الأعضاء التناسليَّة؛ إلَّا أنَّ ذكر الاسم الشَّعبي لهذه الأعضاء، والتصريح بها، هو –في رأيي- ما قد يُعتبر مُتجاوزًا للُّغة الأدبيَّة. كما أنَّ إقحام الجنس دون دواعٍ درامي، أعني فيما لا يخدم العمل السردي في شيءٍ مما ذُكر سابقًا، يُعتبر نوعًا من قلَّة الأدب، لأنَّ بعض الكُتَّاب يميلون –غالبًا- إلى إقحام الجنس بغاية كسر التابوهات وحسب أو بغاية التَّرويج لأعمالهم، ولمُجرَّد إضفاء نكهةٍ مُميَّزةٍ عليها. ولكن كيف يكون للجنس وظيفةٌ في العمل السَّردي؟ الحقيقة أنَّ ثيمة الجنس في العمل السَّردي تُعتبر حقلًا تجريبيًا جيدًا للكاتب، ليُفشي عبرها أشياءً كثيرًا عن الشخصيَّات السرديَّة، وبنائها النَّفسي، وهي ليست فقط مساحةً لإظهار المهارات السرديَّة لدى الكاتب. الحقيقة أنَّ السَّرد مهارة تُمكّن الكاتب من الإفصاح عن الشخصيَّة السرديَّة ومكنوناتها، دون الحاجة إلى استنطاق الشخصيَّة نفسها، ولهذا فإنَّ كثيرًا من النُّقاد يرون أنَّ الحوار في العمل السَّردي مُخاطرةٌ كبيرةٌ جدًا، لأنَّها قد تُشير إلى ضعف الجانب السَّردي لدى الكاتب، فنحن نعرف عن الشخصيَّة من خلال السَّرد، وليس من الحوار أو هذا ما يُفترض أن يكون عليه الأمر في العمل (السَّردي)، على العكس من العمل (المسرحي) المُعتمد تمامًا على الحوار، ولهذا ينصح هذا الصّنف من النُّقاد (بل ويُحذرون) من الإكثار من الحوارات المُطوَّلة في النُّصوص السرديَّة. مثلًا: البكاء أو النَّدم أو الشُّعور بالتَّقزز أو تعالي الأنا بعد المُمارسة الجنسيَّة، كُلُّها لها دلالاتٌ نفسيَّةٌ مهمَّةٌ، يُمكن للكاتب إيصالها أو استغلالها في العمل السَّردي. كذلك الأمر في حالات: الشَّراهة، اللامبالاة، العنف، الفوقيَّة عند المُمارسة الجنسيَّة في النَّص السَّردي. فالأمر لا يقتصر فقط على مُجرَّد إقحام الجنس لكسر التَّابوهات الممنوعة، وإن كان ذلك تيارٌ كان لابُد منه في حقبةٍ ما؛ بل هي مساحةٌ تجريبيَّةٌ يُمكن للكاتب استغلالها لإضاءة مناطق مُعتمةٍ في شخصيَّات العمل. أمَّا فيما يتعلَّق بالوصف الحسي للجسد (سواءٌ للأنثى أو الذَّكر)، فهو قد يكون فخًا، يفضح به الكاتب نفسه؛ إذ قد يتجلَّى الكاتب في شخصيَّة السَّارد أو الرَّاوي (الصَّوت الدَّاخلي)، فيبدأ بالوصف وفقًا لمعاييره الجماليَّة، في حين أنَّ ذلك قد لا يتوافق مع المعايير الجماليَّة للشخصيَّة السرديَّة. في هذا الصَّدد؛ أذكر ما وقع فيه الكاتب طه جعفر (صاحب سرديَّة #فركة) من خطأ سرديٍ، عندما راح يصف بطلة سرديَّته وصفًا حسيًا، بمعايير جماليَّة عربيَّة، في حين أنَّ الشخصيَّة أفريقيَّةٌ زنجيَّةٌ، فعبَّر الوصف عنه وعن معاييره، ولم يُعبّر عن الشخصيَّة السرديَّة، ومعاييرها الجماليَّة. والحقيقة أنَّني لا أذكر السرديَّة بشكلٍ جيّدٍ الآن، ولكن ضمن أحداثها حول الكاتب وصف لحظة الإمساك بالبطلة، لتُباع لاحقًا في سوق النخاسة، وكيف أنَّ البطلة كانت تشعر بالحياء، عندما تنكشف ساقها أمام الغرباء. هذا السُّلوك لا يُعبّر عن شخصيَّةٍ أفريقيَّةٍ أبدًا؛ فالأفريقيَّات مُتصالحاتٌ جدًا مع أجسادهن، ومفهوم العورة لديهنَّ مُختلفٌ تمامًا عن مفهوم العورة في الثَّقافة العربيَّة. وعلى أية حال؛ فإنَّ الفكرة هي أن يُحاول الكاتب –قدر الإمكان- التجرُّد من ذاتيته، مُحاولًا تقمّص الشخصيَّة، بكل خلفيتها: النفسيَّة، والثقافيَّة، والتاريخيَّة، مُحاولًا التَّفكير كما تُفكر هي، لا كما يُفكّر هو. ولهذا قلتُ من قبل، وأُكرر الآن: الكتابة السرديَّة ليست عملًا سهلًا؛ بل هو عملٌ يتطلب مهارةً، وصبرًا، ودرايةً، وفوق كُل ذلك؛ فهو يتطلَّب الموهبة، وما أراه من استسهال الكتابة السرديَّة اليوم، يدل على أنَّ أفكارنا عن الجنس السَّردي ليست ناضجةً بما فيه الكفاية، وللأسف ينطبق الأمر ذاته على ذائقتنا القرائيَّة، ولهذا فإنَّ منتوجنا الأدبي خارج المُنافسة تمامًا.

سبونفيل: الفلسفة ليست فقط مغامرة في المجهول، وإنما هي أيضًا جهد وعمل، وقراءات كثيرة وصبر


بقلم: محمد طيفوري  
"تزحلقوا أيها الفانون، بخفة، فالجليد هش تحت أقدامكم"، هذا لسان حال الفيلسوف الفرنسي "أندري كونت سبونفيل" صادحا بهذه المقولة التي تعود إلى بيار إيف نارفور في وجه جيل بأكمله من فلاسفة فرنسا.
ابن عاصمة الأنوار، أستاذ الفلسفة وصاحب دكتوراه فخرية من جامعة مونس (Mons) في بلجيكا، المحاضر بجامعة السوربون إلى غاية متم عام 1998، حين قرر الاعتكاف في رحاب التأليف والمحاضرات بعيدا عن مدرجات الجامعة. عقد من الزمن بعد هذا التاريخ أصبح صديق الحكمة هذا عضوا في لجنة الأخلاقيات الاستشارية الوطنية بفرنسا (مارس 2008).

في عز الاستقطاب والاصطفاف داخل الأوساط الفكرية زمن الثمانينيات، فضل الرجل التغريد خارج السرب والسباحة ضد التيار، بإصداره الأول سنة 1984 الذي وسمه بعنوان "أسطورة إيكاورس: مقالة في اليأس والغبطة"، إذ بدا صاحبنا في نظر البعض، وكأنه غريب عن هذا العالم أو قدم إليه من كوكب آخر، بعيد كل البعد عن هموم السياسة وشجون التاريخ وصراعات الجغرافيا، ما حدا بهم إلى القول إن هناك أخيرا مفكرا يعيش فلسفته، ولا يتظاهر بالتأمل بل يبحث عن السعادة عبر الحكمة، على غرار الأقدمين. نعم، فالفلسفة عند سبونفيل تكمن في التحرر من الذات وتخطي الأنا، ليفتح لنا العالم عندئذ أبوابه، فنكتشفه ونحبه.
ترجمت أعمال هذا الكاتب إلى 25 لغة أوصلت أفكاره إلى الأركان الأربعة للعالم، وبيع في بعضها أكثر من مليون نسخة، وعلى رأسها كتاب "مقالة صغيرة في الفضائل الكبرى"، وفيه يشرح العطش إلى الحكمة الذي يسعى الإنسان المعاصر إلى إروائه، فضلا عن سعيه وراء السعادة والحقيقة؛ فتأتي الحكمة عند مفترق هاتين الرغبتين ضمن حالة تضمهما معا. الحكمة سعادة حقيقية، من وجهة نظر سبونفيل، خلافا للسعادات التي نحصلها من الأوهام والأكاذيب.
وفي السياق ذاته، يؤكد أننا، كلما تقدمنا في البحث عن الحكمة، اكتشفنا أن هذا البحث ليس إلا حلما نرجسيا يراود كل واحد منها، وأن اهتمامنا الشديد بسعادتنا الشخصية يبقينا أسرى الأنا، وسجناء الخوف والرجاء.
ليس غريبا أن نسمع مثل هذا الكلام من فيلسوف يرى أن الفلسفة هي "أن نفكر بأنفسنا، وبشكل ذاتي مستقل عن كل المسلمات المسبقة سواء أكانت ذات طبيعة لاهوتية غيبية أم تحزبية سياسية ضيقة. لكننا لا نستطيع التوصل إلى هذه المرحلة إلا إذا اعتمدنا على فكر الآخرين، خاصة كبار فلاسفة الماضي. فالفلسفة ليست فقط مغامرة في المجهول، وإنما هي أيضا جهد وعمل، وقراءات كثيرة وصبر".
ألم يقل الحكيم سقراط "اعرف نفسك فتعرف الكون والإله"، وقال بعده فريدريك نيتشه "صر ما أنت عليه"، وسعى سبينوزا إلى الغبطة طيلة حياته، ودعت فلسفات الشرق المتعددة إلى السيطرة على الذات ...، بتحصيل كل ذلك يمكننا أن نتوصل إلى فلسفة حياتية ذكية وناجحة، توازن بين الفكر والقلب والجسم، وقد يستغرق تطبيقها العمر كله. وهذا ما يعمل هذا المبدع على دعوتنا إليه وإرشادنا إلى القيام به، في كتبه ومؤلفاته.
يتعمد هذا الفيلسوف المرح بين الفينة والأخرى أن يصدم متتبعيه ومعهم الرأي العام الثقافي الفرنسي والعالمي، ففي إحدى الندوات التي شارك فيها بمعية نخبة ثقيلة في معادلة الفكر والفلسفة بالساحة الفرنسية حول "عودة الفلسفة" فوجئ الجميع بالرجل يقلب الندوة من أساسها، على الحضور والمنظمين معا.
فهو لم يعالج في مداخلته موضوع الندوة الذي رفضه من أساسه بقوله أن المدهش ليس عودة الفلسفة، فهي لم تختلف كي نقول إنها عادت، إنها حاضرة في التاريخ الغربي منذ ألفين وخمسمائة سنة. وهذا هو الشيء الذي ينبغي أن يدهشنا ويحيرنا. الشيء الذي ينبغي أن يثير استغرابنا فعلا هو: لماذا لم تمت الفلسفة؟ لماذا لا تزال تحظى بكل هذا الحضور في المجتمعات الغربية المتقدمة؟ الدين تراجع وانحسر ولكن الفلسفة لا على الأقل في المجتمعات الأوروبية.
على الرغم من أن الفلسفة تجريدية وعرة في الأغلب، وعصية عن الفهم والاستيعاب، إذ يكفي أن نفتح كتاب الفلسفة فترة قصيرة لكي نتيقن من ذلك. بل إنها مملة أحيانا ومضجرة، كما أنها بلا أي فائدة تقنية أو مردود اقتصادي.
من الجوانب المثيرة في فلسفة الرجل موقفه من الدين حيث يدعو إلى التغلب على الإلحاد المادي التقليدي، وينتصر في المقابل لما يسميه "روحانية الإلحاد". وعن عودة التطرف والتشدد الديني يجيب هذا الفيلسوف في أحد حواراته: "ما العمل؟ هل نحارب الدين؟ أبدا لا، فذلك يعني الخطأ في العنوان وتحديد نوعية الخصم، كما أن ذلك يدفع المتدينين إلى التصلب أكثر فأكثر وإلقاء أنفسهم في أحضان المتعصبين. هل نلتحق بالكنيسة الكاثوليكية لمحاربة متطرفي الإسلام؟ لا وألف لا! فذلك إعلان عن عودة الحروب الصليبية. وهذا آخر ما ينقص هذا العالم. فنحن لم نقض على الأصولية المسيحية ومحاكم التفتيش كي نعود إليها في القرن الواحد والعشرين".
إن واقعنا يشهد صراعا تخطئ الأغلبية في تشخيصه، فهو ليس بين الحضارات ولا الأديان ولا حتى المؤمنين والملحدين. إنما يقع حسب سبونفيل بين المثقفين الأحرار المتسامحين سواء أكانوا متدينين أم لا، وبين الأشخاص المحافظين والمتحجرين والمتعصبين بشكل أعمى. وقد يكون هذا التعصب دينيا كما يمكن أن يكون أيديولوجيا. فالشيوعيون ما كانوا يقلون تعصبا وتحجرا فكريا عن المتدينين المتطرفين. في الواقع فإن الحدود الفاصلة بين الطرفين ليست ميتافيزيقية وإنما سياسية، وليست دينية وإنما أخلاقية.
وعليه يدعو كونت سبونفيل إلى وحدة الصف لمحاربة التطرف الديني والتطرف الإلحادي معا. فالنضال يجب أن يكون من أجل السلام بين الشعوب، ومن أجل حرية الاعتقاد على حد سواء.

نور الدين هرهوري يكتب: تأرجح الخلق الفكري بين الفرد والمؤسسة ممارسة تتماهى بين الصقل والعشوائية


إن ممارسة الظاهرة الإبداعية الفكرية دون وعي ودون طرح التساؤل الذي يحرك الموتى في قبورهم تكون عبارة عن عادة لا يرجى منها إلا محاكاة واستمرارية الأنماط السائدة العشوائية، حتى لا نترك منفذا لتأويل ما لا يحمد عقباه، سنخصص القول ونضيقه في الموضوع الشعري الشائك، غالبا ما نستغور في كنه الجماليات العامة المكونة له، من شرح المفردات الصعبة التي تعبر عن دلالات (مفردات) متفرقة من خلالها نسوغ معان (سياقات/خطابات) متعددة تكون أرضية للصور الشعرية، كما أن دارس علم الشعر (الوزن/ القافية/ العلل/ الزحافات) قد يفقد حبل الود مع هذه الأسس التي لا مفر له منها في غياب الممارسة، ألا نزيغ عن القالب (العمود) بدعوى عدم قدرته على احتواء الرمز والأسطورة، وأثناء لحظات الزيغ نتجرد من لباس الوزن لنحتفي بلباس شفاف يُظهر سوءاتنا وضعفنا المعرفي؟ من هو ناظم الشعر إذن؟ وما مؤهلاته لممارسة الفعل الصريح؟
لا شك أن الأسئلة استفزازية نوعا ما في حالة عدم تأويلها الصحيح، لكن المضمون مختلف، فلنقل أن ناظم الشعر في أصله فرد لا مؤسسة، لأن الفرد أساس الجماعة والمؤسسة، إلا أن الهوة كائنة بين المصطلحين ( الجماعة/ المؤسسة)، كيف ذلك؟
لقد فقد الشعر عذريته ولم يعد بكرا كما كان من ذي قبل مع قيام القبيلة، فالجماعة من الناس ما يوحدهم ويلم شملهم هو "المشترك الإنساني" أو التعبير عن الذات والجماعة في حلة لا تحمل من جينات الإديولوجية إلا الشيء القليل جراء الولاء للذات الفردية، لن ننكر أن مهد الإديولوجيات قائم منذ الأزل، حينما نتحدث عن الديوان المعبر عن صوت القبيلة في القديم ك"ديوان الهدليين" فنحن نتحدث عن المؤسسة الفكرية الأكاديمية في شقها البدائي، أليست مدرسة عبيد الشعر مؤسسة أكاديمية بالتعبير الحديث؟ ألا يحاول الفرد المبدع اليوم الانفلات من كل قيود تأطيرية أو (قانون الفكر)؟
إن القصد من قانون الفكر هو العدة والعتاد والمهاد النظري والمعجم الزاخر المتنوع، كل هذه الأسس لا تتأتى إلا عن طريق مؤسسة حاضنة مستقطبة تسعى إلى صقل كفاءات الدارس سواء كان ممتلكا لموهبة إبداعية أو غير ذلك بغية خلق مبدع ممارس لظاهرة الخلق والتنظير والنقد.
فمادام اختيار دراسة المهاد النظري سهل التحصيل لسبب بسيط وهو خوض مغامرة التجريب، فإننا نكون أمام قطع الشوط أو الحاجز الأصعب، أو كما هو متداول في الحقل الاقتصادي ب (les barrières d’entré)، فهل المطلوب بعد ذلك ممارسة الخلق كامتهان حرفة تقليدية أو انتظار تشكل الموهبة كانتظار غودو؟ 
لابد من المجازفة الشريفة المقترنة بالاحتكاك مع اللغة وعلومها ومقاييس الوزن والمجتمع، لكن اللغة بكل تفاصيلها زيادة على (علم الشعر) وتجارب الفرد تظل مجرد مواد خام ملموسة مقارنة مع مفهوم "الاستطيقا"، فالنص الشعري يختلف عن غيره من النصوص لاحتوائه على ما لا يحتوي عليه غيره من تراكيب لا يتفوق عليها نص من النصوص الفكرية عامة باستثناء النص الديني (القرآن الكريم) المعجز لكل الخطابات السالفة والآنية والمحتملة، إن طابع الخصوصية الذي يكتسي النص الشعري يكمن في جمالية النظم، فمستويات تعبير الأجناس الفكرية في شموليتها تختلف من جنس إلى آخر ومن نوع إلى آخر، وكل في انفراده له خصوصياته ومنظور مخالف نظرا لطرق الصياغة والتركيب والحبكة، إن السمة أو (طابع الخصوصية) هما الدافع بالضرورة إلى التمييز بين جنس فكري وآخر، وكذلك هي الحال بالنسبة لمفارقات الأنواع فيما بينها.
إن إشكالية "الفردانية" في الخلق الفكري عموما لا تؤتي أكلها إلا قليلا مهما ادعينا أننا نمسك القمر لكي لا يسقط على رؤوسنا،  فلولا تكتل الجهود ما كان سيصلنا صيت مدرسة فرانكفورت التي تعتبر حصنا منيعا يلم جل الحقول الابستمولوجية، وما كنا لنسمع بالمدارس الأدبية (الشعرية) كالديوان والمهجر وأبولو، إن هذه المدارس تعبير عن وعي بالممارسة.
ويسحبنا الحديث بالضرورة إلى مصطلح التجريب، هل هو رهين بالفرد لوحده أم المؤسسة كذلك تخوض فيه أيضا دون واق منهجي وخطة عمل؟ 
إن التجريب سيف ذو حدين، أو عملة لها وجهان اثنان:
أولهما: الموجب الذي يدفع المنتج والمتلقي على حد سواء إلى إحداث إطلالة على عوالم جديدة تفتح منافذ التفكير المغلقة وتمنح للباحث المهتم بالظاهرة إعادة تجديد نية الممارسة العقلانية/ الفكرية.
ثانيهما: السالب الذي لا يمكن تحديد توصيف له غير تعريف العلم كمعطى جاهز، "إنه رجل أعمى يسير بالعالم نحو الدمار" إن فقد دوافع ممارسته/ الأهداف، هل نجرب أساليب الكتابة في كل أبعادها من أجل خلق شكل جديد أو بحث مستمر عن الجماليات كالاستمتاع بالعسل دون استشعار أخطاره.
  إلا أن فضل التجريب عظيم لقدرته على إرضاء الأذواق إن كان مبنيا على أساس علمي لا على أساس العشوائية، وخاصة إذا ارتبط بدراسة المتون الكائنة من أجل الإخلاص للأب لا قتله.
من أمثال الأفراد الذي خدموا الفكر العربي في شقه الأدبي تنظيرا وإبداعا ونقدا نذكر على سبيل المثال لا الحصر الدكتور سعيد يقطين في حقل السريات، والدكتور سعيد بنكراد في حقل السيميائيات، والدكتور عبد الغني أبو العزم في حقل المعجماتية، والدكتورة زهور كرام في الأدب الرقمي...، كما أن هناك جهود فردية كذلك التي يبدلها دكاترة أجلاء كورشات إبداعية، نذكر الدكتور محمود عبد الغني الذي ساهم في إنشاء ورشة إبداعية بغرض إدراك كنه وجوهر الكتابة السردية/الروائية، وتلقين الطلبة لب التقنيات التي تعبد لهم الطريق، السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو كالتالي: "هل نعتبر الورشات والدورات التكوينية "مؤسسات مؤقتة"؟
لا شك أن الفرد يصادف صعوبات عديدة في إنشائه مؤسسة مؤقتة وخاصة إذا ما تعلق الأمر بمسألة الإبداع المحفوفة بالمخاطر، هل نوايا الدارس (المنخرط) في هذه المؤسسة المؤقتة له بعد رؤى؟ ألا تتطلب مسألة التكوين والانتقاء أشخاصا ذوو همم واهتمامات وكفاءات نسبية؟
إن ما يلطخ سمعة الفكر عامة والأدب منه على الخصوص ليس هو الإبداع من خارج المؤسسة الفكرية (الأدبية)، بل عدم وضع معايير معقولة وضوابط ينبغي الالتزام بها، لابد من المرور من سرير "بروك ست" دارسين للظاهرة الأدبية أو غيرهم، ما سيحيلنا بالضرورة على نسبة لا بأس بها من الكتب التي ينبغي إعادة تنخيلها أو حرقها إذا ما تطلبت الضرورة ذلك كما يتم خلق وحرق النقود بغرض الحفاظ على التوازن المالي، وكذلك هو الأمر بالنسبة للظاهرة المدروسة حتى لا ننزلق في الترف الفكري الأجوف. 



أوندريه كونت سبونفيل: ما هي العلمانية؟


الكتاب المقتطف منه المقال: المعجم الفلسفي

العلمانية ليست إلحادًا؛ وليست لادينية أيضًا -ولا- هي ديانة جديدة. ليس موضوع العلمانية هو اللّه، وإنما المجتمع. العلمانية ليست مطالبة بتقديم تصور عن العالم، وإنما شغلها الشاغل هو كيفية إدارة وتنظيم "المدينة". هي ليست معتقدًا، هي مجرد مبدأ، أو مجموعة من المبادئ: حيادية الدولة فيما يتعلق بالدين والميتافزيقا بصفة عامة، إستقلاليتها عن الكنيسة والعكس، أي إستقلالية الكنيسة عنها، حرية المعتقد والضمير، حرية الانتقاد والمراجعة الفكرية، غياب أي ديانة رسمية، غياب أي فلسفة رسمية. وبالتالي الحق لكل فرد في ممارسة الديانة التي تروقه أو عدم ممارسة أي واحدة، الحق في الصلاة أو ازدراء الأديان، بشرط عدم الإخلال بالنظام العام، وأخيرًا، وهذا الأمر ليس بأقل أهمية مما سبق، الطابع اللاديني للمدرسة العمومية التي يجب أن تظل بعيدة عن تدخل رجال الدين في شؤونها، وهي في المقابل، ليست مطالبة بأن تكون معادية لهم، الحيادية هي كلمة السر. يمكن تلخيص الأمر برمته في ثلاثة كلمات: الحيادية (حيادية الدولة والمدرسة)، الإستقلالية (إستقلالية الدولة عن الكنيسة والعكس)، الحرية (حرية المعتقد والضمير).
ضمن هذا السياق يمكن أن أعترف للأسقف لوستيجر (Aron Lustiger) بنوع من الصواب، حين يقول عن نفسه بأنه علماني. هو لا يريد أن تتدخل الدولة في شؤون الكنيسة، ولا أن تتدخل الكنيسة في شؤون الدولة. هو محق حتى عندما ينظر إلى الأمر من منظوره الخاص: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيصر لِقَيصر وَما لله لله، إنجيل متى 22 : 21". التحلي بالمرونة أمر ضروري أيضًا بالنسبة لبعض الملحدين من أجل تقبل الأمر والتخلى عن تعنتهم. أن الكنيسة إستغرقت هذه المدة الطويلة لتقبل العلمانية، يجعل تحولها أمرًا باهرًا ومذهلًا أكثر، ويستحق الإحتفال، هذا كل ما في الأمر. لكن إنتصار العلمانية هذا، ليس هزيمة للكنيسة: إنه إنتصار مشترك للعقول الحرة والمتسامحة.
 العلمانية تمنحنا فرصة للعيش معًا رغم إختلافاتنا الكثيرة في الآراء والعقائد. لهذا هي رائعة، مفيدة، منصفة وضرورية. لا يتعلق الأمر هنا بمعاداة الدين. العلمانية هي عكس الإكليروسية (التي يريد فيها رجال الدين السيطرة على مختلف مفاصل الدولة)، وعكس الشمولية (التي تريد فيها الدولة السيطرة على الكنيسة ورجالاتها). 

نفهم لماذا لا يمكن اعتبار إسرائيل، إيران أو الفاتيكان كدول علمانية، فكلها دول تتبنى ديانة رسمية أو مفضلة. لكن ألبانيا الشيوعية، في ظل حكم إينفر هوكسا، هي الأخرى لم تكن دولة علمانية لأنها كانت تتبنى الإلحاد كمذهب للدولة. هذا المعطى يشرح بشكل كاف معنى العلمانية: هي ليست أيديولوجية دولة، ولكنها رفض الدولة لأي أيديولوجية كيفما كانت. 

وحقوق الإنسان؟ يتساءل أحدهم. والأخلاق؟ ولا هذه الأمور هي الأخرى تستوجب أن تخضع لها الدولة. الدولة لا تخضع إلّا لقوانينها الخاصة ولدستورها –أو أنها تخضع لحقوق الإنسان ضمن الحدود التي يحددها ويضمنها الدستور. لماذا في ديمقراطياتنا الحديثة، يقوم الدستور بهذا؟ لأن الشعب الذي يتمتع بالسيادة أراده هكذا. يتعلق الأمر بجعل الدولة في خدمة الناس وليس العكس. لكن السبب نفسه يمنع من اعتبار حقوق الإنسان كديانة خاصة للدولة. هنا يصبح تحديد مهام الدولة أمرا ضروريًا: ليس من واجب الدولة أن تحكم العقول أو القلوب. هي ليست مطالبة بأن تطلق أحكامًا تخضع لمعايير الحقيقة والخير، بل ما يهمها في الدرجة الأولى، هو السهر على تطبيق القانون والمعاقبة على مخالفته. الدولة لا تملك ديانة. الدولة لا تملك أخلاقًا. الدولة لا تملك مذهبًا. المواطنون وحدهم من يستطيعون إمتلاك كل هذه الأشياء إذا أرادوا عن طيب خاطر. لكن هذا لا يعني أن على الدولة أن تتسامح مع كل هذه الأمور، أو هي تستطيع ذلك. كل ما في الأمر أن الدولة لا تعاقب سوى التصرفات، لا النوايا والأفكار، وفقط في حالة ما إذا كانت هذه التصرفات مخالفة للقانون. في دولة علمانية حقيقية، لا يوجد هناك ما يسمى بجريمة الرأي. كل واحد يحق له أن يفكر كما يريد، وأن يعتقد فيما يريد. كل واحد يجب أن يحاسب على أفعاله، لا على أفكاره. على ما يقوم به، لا على ما يعتقد به. حقوق الإنسان بالنسبة للدولة العلمانية ليست عبارة عن أيديلوجية، ولا هي بمثابة ديانة. ليست معتقدًا، وإنما هي إرادة عامة. بالنسبة إلى هذه الدولة، حقوق الإنسان ليست رأيًا، بل هي مجموعة من القوانين التي يحق لنا أن نكون ضدّها لا أن نخرقها.

بلمرابط المصطفي يكتب: أنين وطن..


رغم آلام الجراح 
رغم جبروت الطغاة
استنهض.. وتكلم
رغم إذلال الأعداء
رغم قساوة الاستعباد
استنهض.. وتكلم
تكلم.. ولا يشكو
كالحريم المسحولة
تكلم.. ولا يبكي
كالأيتام المتروكة
تكلم.. ولا يخشى
كيد الكائدين
ولا يهاب
مكر المنافقين
تكلم..
ليسجل التاريخ
ويسجل..
ملاحم بطولاته

تكلم..
بعدما روت ثراه
دماء أبنائه الزكية
وخلدت أزماته
 مآثر أسلافه المنحوتة
استنهض.. وتكلم
ليروي حكاياته المظفرة
عن أشباله
 كيف حملوا السلاح؟
شجاعة وتضحية
ليروي حكاياته الشعبية
 عن رجالاته
 كيف ركبوا الجياد؟
 فروسية.. وثقافة
ليروي
ويروي..
كيف هبوا..؟
حاملين الأعلام والأقلام
إيمانًا.. وفداء
لنصرته..


سلمى نصر الجبر تكتب: تفاصيل مهمّشة


لم أعد أرى للكلام فائدة ولا متعة تُذكر...
كثيرة هي الأسباب والحجج التي تمنطقت بها وكررتها بلا فائدة.
دائمًا أعاهد نفسي ألا أُعيدُ الكرّة ولكنّني لا ألبث حتى أجدني غارقة في الشرح والتحليل والتفصيل بوجه من لا يسمع، وإن سمع فلا يدرك، وإن أدرك فلا يُهمّه، وإن اهتمّ له فعلًا خلال حديثي ينساه فيما بعد.
لا شأن لأحد بعقل أحد، لا شأن لهم بتفاصيلي وإن رأيتها مهمة، لا شأن لي بأن يعرفوني على حقيقتي، فمن أراد بحث بنفسه بين أشيائي وأفكاري ونظراتي وشرارات عقلي وقلبي..
 هذه المرة مختلفة لن أُعيد الكرة، لن أتحدث عني، ولن أساير أحدًا في تجاهله والتزاماته المفترضة وحتى وإن كانت حقيقية!
لا أجد إغراءً في إبقاء علاقات ساذجة كهذه تعود عليّ بالخيبة التي تسري ببطء شديد إلى نفسي، فلا أكاد أدرك من منهم حقيقي ومن ذاك المفتعل!
 لا فضول لديّ؛ حقًا فقدت فضولي ولا أعلم إن كان ذلك سيئًا أم جيدًا ولكنّني وفي هذه اللحظة على الأقل أؤكد أنني أفتقده، حتّى الدّهشة لأيّ شيء من عيوني اختفت.
 أتصارع أنا والأمل كل ليلة قبل أن أنام وفي الصباح عند استيقاظي يطغى عليّ، يعصف بي ويُلبِسني ثوبه، واليوم لم أعد أصارعه حتى... هو موجود فيّ، أرتدي ثوبه، صامتة، بلا فضول، بلا نظرات دهشة، حتى بلا أنين.
أتُراني فقدتُ إحساسي أمّ أنّني نضجت حدّ التخمة من كل شيء!

طريق لمقدمي يكتب: دور وسائل الإعلام المغربي المرتزق في تكريس الظلم البيروقراطي المتوحش داخليا وخارجيا


مما لاريب فيه، أن كل أبناء وبنات الشعب المغربي المغلوب على أمرهم بات يعرف حقيقة البيروقراطية المغربية التي كشرت على أنيابها النتنة وصارت "دراكولا" تمتص دماءنا وتقتص منا عبر كل مؤسساتها الإدارية "المشبوهة" سواء كانت الجامعة أو الإدارة (العمومية) رافعة شعار "البقاء للأقوى والموت والمذلة لما تبقى"..
أمام هذا الواقع المؤلم, وفي انعدام أي وسيلة إعلامية شريفة ونزيهة، يلتجئ إليها "المواطن"  و"المواطنة"، أضعف الإيمان كما يقال لكشف وفضح كل الممارسات "النازية والفاشية" التي تنهجها البيروقراطية المتعفنة في دولة المغرب، التي تزغرد وتطبل لها  أدواتها الإعلامية (الجرائد اليومية والتلفزة..) بأنها دولة الفقراء والحقوق والدمقرطة..,في المقابل نجد الإعلام المغربي يعتم كل الإنتفاضات المحلية التي فجرتها ولازالت تفجرها الطبقات المسحوقة والمدكدكة الرازحة تحت نير الإستعباد البيرقراطي بكل تلاوينه وعناوينه.. وانتفاضة أبناء وبنات الحسيمة وجرادة وتوريرت وجرسيف وتازة.. لدليل ساطع على الظلم والقهر الممارس علينا.. ناهيك عن الإضرابات عن الطعام بالجملة والمفرق في كل السجون الخاضعة تحت سيطرة  البيرقراطية الطاغية, بل أكثر وأخطر من ذلك وإلى حدود كتابة هذه الأسطر يخوض مجموعة من الطلبة والطالبات في أغلبية المؤسسات الجامعية إضراب مفتوح عن الطعام وصل إلى مراحل جد متقدمة وخطيرة دون أي استجابة من طرف البيروقراطية الحاكمة /المتسلطة (الطلبة 6 المناضلين في جامعة فاس على طريق الشهادة في يومهم 23 من الإضراب المفتوح عن الطعام)..
إذن، فلا جرائد ورقية كانت أم إلكترونية جريئة ونزيهة، ولا أخبار سليمة وصحيحة، فالكل في فلك البيروقراطية الفاسدة والمفسدة يرقصون ويغنون عن "دولة الحق والقانون" عن أي قانون وحق يتكلمون ويكذبون دون خجل..
فعلى سبيل المثال لا الحصر، الإدارة المسؤولة عن الوظيفة العمومية مثل، "وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي.." أو "المندوبية السامية "لقدماء المقاومين" وأعضاء جيش التحرير" وغيرها كثير..فعندما يحلو ويطيب لها ان تضفي الشرعية على تواجدها ونهبها للميزانيات العامة المقدرة بالملايير من الدراهم..، تنتقي بمساعدة ما بات يعرف عند المعطلين والمعطلات ب"مراقب الدولة"، بمعنى، إن أردت الوظيفة يتوجب عليك أن تكون كالدجاجة التي تنحني بعنقها إلى أسفل السافلين كدليل على الخنوع والخضوع والإنبطاح..لكل مكونات الدولة والبيروقراطية التي تشكلها,أما إن كنت تقول لا وترفض كل ظلم أين ما كان وتفضح الزبونية والمحسوبية والإتصالات الهاتفية وما إلى ذلك..فطبيعي أن يكون مصيرك كمصيري "الوظيفة" من "الثالوث المحرم"..
وعلاقة مع المتغيرات الدولية والإقليمية والتي سأقف عندها ليس للتفصيل، بل كل الخطط الغربية باتت مكشوفة ومفضوحة حتى عند شعوبهم هم، أقصد أمريكا وأتباعها ومنهم دول عربية، لأنني انطلقت من الخاص أي الداخل، لكي أوضح علاقة الواقع المر المغربي بالعام الخارجي..، فكل ما نتابعه عبر وسائل الإعلام الشريفة والنزيهة، مثل قناة الميادين والإخبارية والجريدة الإلكترونية الموضوعية -رأي اليوم- التي تنقل الرأي والرأي المعارض بكل موضوعية وبدون أدلجة الخبر، وتشويهه كما تفعل قنوات "البيترودولار" كقناة الجزيرة والعربية... وهلم جرا.
فالحروب التي نشهدها اليوم سواء الحرب على سوريا أو إيران والعراق وليبيا... هي في جوهرها حربان، حرب بهدف تدمير حضارة بلاد الشام وبلاد الرافدين بصفة عامة أي كل ما توصل إليه العقل العربي والإسلامي من إنجازات فكرية/تقنية/صناعية..، وحرب ترمي إلى تفعيل "الوعد والمخطط الصهيونيين" القديم/الجديد الذي ينشد إلى رسم خريطة جغرافية جديدة هدفها الأول والأخير تفتيت وتشتيت العرب والمسلمون وتفريق كلمتهم، لأن في اتحادهم وتعاضدهم ستكون نهاية العنجهية والطغيان الأمريكي وكل أتباعه، وهذا ما صرح به نخبهم المثقفة مثل "صامويل هنتنغتون" في كتابه "صدام الحضارات" و"جوزيف ناي" في كتابه "القوة الناعمة"..عندما نصحوا صناع القرار في الغرب بأن يعملوا بكل جهد على تشتيت شمل العالم العربي والإسلامي على امتداد خط المغرب-أندونيسيا، لأن في اتحادهم سيكون أفول نجم الغرب الغاشم/الظالم..
فمن المسلم به أن نجد البيروقراطية العربية عامة والمغربية على وجه الخصوص، تزكي طرح الإمبرياليات وتقدم الطاعة والولاء لهم عبر قطع العلاقات الدبلوماسية والإقتصادية.. مع كل الدول المناهضة والمقاومة والممانعة للحروب التي تشنها أمريكا وإسرائيل ووكلائها الدواعش على الجغرافية العربية عامة وبشكل خاص بلاد الشام، أرض الحضارة، ومنبع الكلمة الحرة، والفكر النير، سوريا الحضارة، وأنا هنا لا أدافع عن أشخاص بعينهم أو أنظمة سياسية معينة كما يمكن أن يتوهم البعض، بقدر ما أروم إلى قراءة الواقع، ليس كما تصوره بعض وسائل الإعلام العربية بكل أشكالها، بل كما يتعين قراءته بعمق منهجي ينطلق من التحليل الملموس للواقع الملموس باستحضار التخطيط الصهيوني المبيت القديم/الجديد اتجاه عالمنا العربي والإسلامي..
إذن,نحن أبناء وبنات الشعب المغربي أمام استبدادين، الأول داخلي تمارسه كما أسلفنا الحديث، البيروقراطية المحلية وأدواتها الإعلامية المرتزقة والمرتشية، أما الثاني، فهو استبداد  اقتصادي وسياسي وثقافي، خارجي، تمارسه الإمبرياليات الفرنسية/الأمريكية/البريطانية..، عبر تحكمها في كل المؤسسات الدولية خاصة منها النقدية (صندوق النقد الدولي) وبواسطة إملاءات هذا الأخير تفرض دولة البيروقراطية علينا كشعب مغربي محروم ومظلوم، قرارات تستهدف بالدرجة الأولى القوت اليومي للفئات الفقيرة كل الفقر، وهذا ما يجسده الإرتفاع المرعب لكل المواد الإستهلاكية الضرورية من سكر ودقيق وحليب وقنينات الغاز والشاي.. علاوة على فرض رسوم خطيرة على الطلبة والطالبات في المؤسسات الجامعية وكذا تفعيل الطرد في حقهم المشروع في استكمال الدراسة سواء في الثانوي أو الجامعي، إضافة إلى غلاء فواتير الماء والكهرباء (...).
وكما هو معلوم لدى الرأي العام المحلي والدولي، لتلك الخطوة النضالية الراقية التي يستمر في تفعيلها على الملموس الشعب المغربي بكل فئاته المقهورة والمحرومة من أبسط شروط العيش الكريم، والمتمثلة في مقاطعة بعض المنتوجات الإستهلاكية في أفق إبداع وتجسيد أشكال نضالية تصعيدية تذهب إلى رفض كل السياسات القمعية، اللاشعبية/اللاديمقراطية/اللاوطنية التي تفرضها علينا البيروقراطية ومن يدور في فلكها النتن، وكل هذا يهدف من ورائه الشعب المغربي  إلى تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية..، وهو ممكن تحقيقه في ظل استمرار الإستبداد باعتباره "الديناميت" الذي سوف يفجر كل الطغاة.

النّاقد والمفكر هشام آدم يكتب: نشأة الرَّمز


غالبًا لم يكن الإنسان مُضطرًا لاختراع اللُّغة، ليتواصل مع أفراد مُجتمعه، كأن يُخبرهم بحاجته إلى طعام أو شراب أو بإحساسه بالألم أو بحاجته إلى الجنس؛ فالتّواصل الاجتماعي -في الحقيقة- لا يحتاج إلى لُغة، وحتَّى إن كان كذلك، فهي حاجةٌ ليست قويَّةً بما يكفي، لتدفع عمليَّة التَّطور البيولوجي، لتولّد نظامًا صوتيًا، يُنتج لُغةً تحمل معانٍ مُحددةٍ، ولكن الإنسان احتاج إلى هذا النظام، ليُعبّر عن نفسه، وعمَّا يُحسُّه، وعمَّا يدور في دماغه من أفكار. ولهذا فإنَّ اللُّغة اختراعٌ ذو طبيعةٍ ذاتيَّة. ولكن هذا يدفعنا إلى السُّؤال عن نشأة الرَّمز في اللُّغة؛ إذا كانت اللُّغة نفسها قد نشأت للتعبير عن المكنونات. إنَّ وجود الإنسان داخل مجموعةٍ، يعني وجوده داخل منظومةٍ سلطويَّةٍ؛ أيًا كان شكلها، وهذا يعني أنَّ أفكار الإنسان سوف تتصادم مع هذه السُّلطة بشكلٍ مُباشر. وبطبيعة الحال؛ فإنَّ الإنسان ينزع دائمًا إلى خلق تسوياتٍ تُتيح له الانخراط السَّلس داخل المُجموعة، لأنَّ ذلك يُوفّر له فرصَ نجاةٍ أكبر، كما أنَّها تُوفر له فرصًا أعلى للحياة الكريمة. فرضوخ الإنسان لسُلطة المجموعة، تجعله فردًا صالحًا فيها، والفرد الصَّالح في المجموعة، يحصل على امتيازاتٍ لا يتحصَّل عليها الأفراد الطَّالحون، الذين غالبًا ما يتم إقصائهم اجتماعيًا أو نفيهم خارج المجموعة، وهو ما يُمثل حكمًا عليهم بالموت. وبقدر ما تكون قدرة الإنسان على التَّماهي مع السُّلطة، والتَّصالح معها، تزداد امتيازاته بالمُقابل. هذا يعني أنَّ مصلحة الإنسان كانت تقتضي عدم التَّصادم مع السُّلطة؛ وبالتالي عدم الحاجة الماسة إلى اللُّغة. فما الذي حدث؟ ما حدث أنَّ الرَّمز بدأ مُتزامنًا مع نشأة اللُّغة نفسها؛ فاللُّغة خرجت -في أساسها- من رحم فن الرَّسم، والرسم لُّغةٌ رمزيَّة. لقد أحسَّ الإنسان الأوَّل بحاجته الماسة إلى التَّعبير عمَّا يجيش بخاطره تجاه العالم، فأخذ يرسم الطُّيور، والتَّماسيح، والبشر، والأشجار، أيَّ أنَّه بدأ يرسم البيئة من حوله، ويُحاول إسقاط إحساسه وتصوُّراته الذاتيَّة تجاه العناصر البيئيَّة التي يرسمها، فاكتسبت عناصر البيئة رمزيتها من علاقة الإنسان بها. وعدم قدرة الإنسان البدائي على التَّجريد، كانت السَّبب وراء المُباشرة الفجَّة في لُّغته (أو رسمه) المكتوب، والتجريد مهارةٌ عقليَّةٌ تم اختراعها مِن قِبل المُثقفين، لأنَّهم الطَّبقة المُصادمة للسُلطة، دون أن ننسى أنَّ السُّلطة شكَّلتها طبقة المُثقفين في البداية؛ فالسَّحرة، والكُهَّان، ورجال الدين كانوا هُم مُثقفي ذلك العصر. وعلى الأرجح؛ فإنَّ خلافًا ما، ذا طابعٍ براغماتيٍ نشب بين أفراد هذه الطَّبقة، أدَّى إلى انقسامها، ويبدو أنَّنا ما نزال، حتَّى يومنا هذا، نعيش جدليَّة المُثقف والسُّلطة، وهو ما يُمكن أن يُناقش في مجالٍ آخر، ولكن ممَّا لاشك فيه أنَّ الرَّمز كان –وما يزال- ضروريًا في هذا الصّراع، واتخاذه جانبًا جماليًا، ساعد على استمراره، فكلَّما زاد تعقيد المُجتمع البشري، زادت حاجتنا إلى الرَّمز، لأنَّ الرَّمز سلاح المُسالِمين، وطريقتهم في التَّعبير والتَّجريد. وتأتي أهميَّة الرَّمز في قدرته الفائقة على إنتاج المعاني المُختلفة والمُتناقضة أحيانًا، وهو ما يُعطي النَّص الأدبي بُعدًا جماليًا، وثراءً دلاليًا؛ علمًا بأنَّ النَّص نفسه يحتوي دائمًا وأبدًا على معنًى واحدٍ، وهو ما أراد المُؤلف إيصاله، فيأتي الثَّراء الدلالي من قدرة المُتلقي على تفكيك الرَّمز، ولهذا قد يرى المُتلقي دلائل ثوريَّة في قصيدةٍ غزليَّةٍ مثلًا، بأن يتخذ الحبيبة في النَّص رمزًا للوطن، وأن يتخذ الفراق والبَين في النَّص رمزًا للمنفى أو السجن، وهكذا، ورغم أنَّ المعنى الحقيقي يظل في بطن الشَّاعر، كما يُقال؛ إلَّا أنَّ النَّص يكتسب جماليته من هذه القدرة التَّرميزيَّة العالية، والتي تُثري النَّص بدلالاتٍ مُتعددة، ومُختلفة.

نوره فيصل الشرع تكتب: هواجس النفس


ما بِها النفسُ تُلقي بِروحها لظُلماتِ اليأس ما إنّ اُطفئت أنوارها بُرهةً، لربما اختبارًا يتطلبُ صبرًا، أو رحمةٌ خفيةٌ نجهلُها لِنفاذ صبرنا، فكيف لها أن تفِرُّ مِن خالِقها في السماء، تجري مُفتشةً عن النورِ بين من خَلقها؟! 

تراها ما إنّ اُطفئ بُقعةً صغيرةً من روحها تتناسى حينها البُقعة المُضيئة دون انكفاء نورها مهما أحاطها الظلامُ، تغفوا النفسُ حينها بين الآن والآخر، تستفيقُ من نوبةِ اليأس رافضةً الإستسلام، تحمِلُ شتاتها مُسرعةً، تلهثُ مُفتشةً عن النورِ بين من خُلِقوا ليحيوا بنورٍ من ربُّ السماء والأرض، آه يا نفس لقد أضعتي الطريق مُجددًا، لربما هذا الطريقُ أشدُ ظلامًا ويأس، وإنّ تبقينا بهذا الطريق سنهلكُ أو نغرق دون نجاةٍ أو نورٍ أو حتى أمل.

أين الطريق إذن؟ أما آن لنا وفي شدة الخِضم أن تأخذنا أرواحنا للطريق الصحيح دون شتاتٍ أو ضعف؟

إنَّ الطُرق بالخلقِ ذابلة وبائسة وتائهة لا روح فيها ولا نجاةً ولا قوةً إلا باللّه، وأنَّ النورَّ الذي ترجوه، والأمل الذي ينقذُ بِقاع يأسك، لن يأتيك من أحدٍ من عبادهِ، وإنما سيأتيك مُدقًا لأبواب روحك المُظلمة، لتجتاح بنورها بقاع دواخلك مُضيئةً لها، ما إن وجهتّ قلبك لله ساجدًا باكيًا، تلهجُ بكل ضعف، تنادي الله في الخلوات وتستغيثُ وكل جوارحك تُناجيه وحده، تصرخ وتبكي، تُرددَّ بأعلى صوتٍ: إليك أتيتُ و كليّ رجاء، اللهم أنت ربَّ هذه النفس، وأنت بحالها أعلم، وأنا عالمٌ بأنك أقربُ من وريدي ليديّ، وأنكَ قريبٌ يا الله.. ما إن تنطقُ بأنك قريبٌ حرفًا بحرف، تنهمرُ دموعك على وجنتيكّ بحرارة الظلام الذي يقبعُ دواخلك، مُسلمًا شتات أمرك، تاركًا لله قلبًا بحجم قبضة يداكّ، فأعلم حينها أنهُ لن يترك هذا القلب الصغير الذي خلقهُ مُتلعثمًا مُتصبرًا وحدهُ في ظُلماتِ النفس أو الإختبار، فالجبالُ يسِفُها سفًا، فما لهذا الظلام من قدرتهِ جلَّ في عُلاه، فما إن ناجيتهُ أوتيت رجائك، مُجليًا ظلامكَ، وأتيًا بشتاتك بترتيبٍ مُحكمٍ بِلُطفهِ، مُعلنةً النفس بعدها أن نورها، وجبرها، وترتيبها، بين يدين لطيفتين خبيرتين، تنتظرُ منا الرجاء لتمنحَّ وتوهِب النفس كل ماهو مُخبئ، ينتظرُ مُناجاةً صادقة، ورجاءًا واثقًا فلا يخيب.
تمسك بِروحك وارشدها لطريق النور والحياة، تمسك بها جيدًا ورددّ ألا يا نفس اطمئني.. وجدنا الطريق وبصيص النور والأمل، لِنوجه بأرواحنا عاليًا في ليلةٍ ظلماء سوداوية، ظلامُها حالكٌ قاسٍ، وأغمض عينيك ولاتفتحهما أبدًا إلّا حين أنّ تشعُر وكأن طمأنينةً ما قد أحاطت بخوفك وهلعُ قلبك، لا تفتحهما إلّا حين أنّ تشعر غمامةً ما بدأت تنقشع عن كتفيك، لا تفتحهما أبدًا إلا حين أنّ ترى دموع الشوق والبُعدِ عن هذة الطمأنينة والسلام والأمان، أي قوةٍ هذةِ يالله بثثتها لدواخليّ وكأن الروح انتفضت للقيام من جديد، وكيف لا؟ أنا من سهوت، وعن نورك وقوتك يالله ابتعدت، جهلتُ الطريق لخالقي، وفتشتتُ الطريق بين الخلق، الذنبُ ذنبُ نفسي ويا إلهي رحماك وعفوك بما عنهُ سهوت، فكيف لي أن أنسى من خلقنا وبث لأرواحنا حياةً وحبًا منهُ لنا، وكيف للقلب المُتكور دواخلنا أخذًا الشهيق، مُخرجًا الزفير رحمةً وتحنانًا منهُ لأرواحنا، تراهُ يلطِفُ بنا في كل ثانيةٍ لطُفًا خفيٍ قدير، برحمةٍ من خالق الروح من العدم تمسها منهُ وحدهُ دون غيره، فكيف لنا أن نَضيع عن الطريق، ولما لا تُطمئن النفسُ روحها إن اقتحم الظلام حُجرات القلب، بأن يهدأ ويوجه نبضهُ المُظلم لخالق النور والحياة، جاعلًا بقدرته ظلامًا يتبعه نور، وكسرًا يتلوه جبرًا، وحياةً من بعد هون.


حمزة الخوالدة يكتب: أخطر جريمة اقترفها للتعليم


الهدف من التعليم الجيد هو بناء جيل فضولي ومتسائل ومتعلّم مدى الحياة، جيل متدرّب على طرح الأسئلة والبحث عن إجابات، جيل قادر على تحديد ميوله واتجاهاته واتخاذ قراراته المصيرية ليكون مؤهلا لقيادة مستقبله ومستقبل وطنه.

ولكن جريمة الأنظمة التعليمية العربية في حق الأجيال غيرت معالم تلك الصورة المثالية، فبدأت الجريمة من أول لحظة أقنعونا بها بأن كمية الأشياء التي نحفظها لأجل ساعة الامتحان هي المقياس الوحيد لنجتاز به معترك الحياة. 

تلك اللحظة التي تحولنا فيها من إنسان طبيعي يفهم ويحلل ويدرك إلى آلة تنفذ الأوامر دون أن تسأل، تلك اللحظة التي تحولنا فيها من عقل يفكر بحريّة إلى فلاش ميموري تحفظ وتحذف، تلك اللحظة التي أصبحنا فيها نسخة طبق الأصل عن أي انسان يتقن المهارات الأساسية فقط كالحفظ والجمع والطرح حيث يمكن ارسال تلك النسخة الى أي مكان في العالم فتكون صالحة لأداء تلك المهام لضمان سير العمل فقط دون أدنى اهتمام بذلك الإنسان الذي فقد قيمته الحقيقية.

تلك اللحظة التي ضاعت فيها قدرات وإمكانات ومواهب أجيال بأكملها عندما قتلنا فيهم روح الفضول والسؤال والابداع وأجبرناهم على الحفظ والتلقين والاستسلام لورقة الامتحان فيذهبون الى تخصصات لا تتوافق مع ميولهم وقدراتهم وامكاناتهم. والنتيجة هي أن أغلب خريجي الجامعات العربية يعملون في مجالات تختلف عن تخصصاتهم.

وكما قال باولو فريري في كتابه تعليم المقهورين: "التعليم البنكي هو الذي يقوم فيه المعلم بإيداع المعلومات التي تحتويها المقررات - سابقة التجهيز - في أدمغة المتعلمين الذين يقتصر دورهم على التلقي السلبي لتلك الإيداعات. ومن شأن ذلك - التعليم البنكي - أن يخرج قوالب مكررة من البشر تساهم في تكريس الوضع القائم، ولا تسعى إلى تغييره مهما احتوى على أوضاع جائرة!"

إنها جريمة حقيقية بكل معنى الكلمة، فإذا كانت إراقة الدماء تقتل الإنسان فجريمة التعليم قتلت الحاضر والمستقبل وأجمل ما في الإنسان، ما الذي نفعله بأبنائنا في مدارسنا وبيوتنا؟ نحن نقمع شغفهم ونقتل روح السؤال عندهم. نكافئهم على إجابة السؤال وليس على قدرتهم على طرح سؤال جيد، بل قد نعاقب أحيانا على كثرة السؤال، ولأجل ذلك أصبح عندنا أزمة وانعدام في الإبداع، بالرغم من أن القدرة على طرح الأسئلة الذكية المبدعة معيار أصدق وأهم بكثير من القدرة على حفظ الأجوبة الصحيحة الجاهزة.

فبعد حشو أدمغة الطلاب بهذه الكمية من المعلومات وحفظها والاستسلام أمامها وتبنيها وإتباعها، هناك يصطدم عقل المتعلم بعقبة جوهرية، وهي أن هناك شخصا آخر قد فكّر وقرّر نيابة عنه ما هو الحق وما هو الباطل، وأن هذا الشخص يمنعه من الاعتراض عليه والاختلاف معه. المتعلم هنا يتحول إلى أداة سلبية لتنفيذ معرفة جاهزة ومنجزة مسبقا دون أدنى تدخّل.

تعليمنا يصنع أجيالا مهزوزة تواري ضعفها وسوأتها بالاعتراف كذبا بأنه يفهم الدرس وليس عنده أسئلة. ولكنه سرعان ما يفقد تلك الثقة ساعة الامتحان وعند مقابلة العمل وفي ميدان الحياة.

لم يعد دور النظام التعليمي الجيد مقتصرا على إكساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والعمليات الحسابية والمهارات الأولية لمزاولة حرفة ما، بل توسّع ليشمل تملّك قدرات التحليل والتركيب والنقد والتنظيم واتخاذ القرارات وتنمية الإبداع وغير ذلك من الكفاءات السلوكية والعقلية العليا.

والمطلوب لكي نخرج أبنائنا من أسر هذه الجريمة هو إطلاق شغفهم للبحث والتعلم الذاتي، فليس مطلوبا منكم أن تجعلوا أبنائكم وطلابكم مخترعين ومبتكرين وعلماء عظماء فهذه ليس مهمتكم، ولكن فقط مطلوب منكم إطلاق شغفهم في مرحلة مبكرة للبحث والابتكار، ثم اتركوا لهم المجال ليكملوا بقية المشوار وحدهم.

ففي الولايات المتحدة قامت مدرسة "فيبي هيرتس" الابتدائية بعمل معرض للمخترعين الصغار، يقومون فيه بعرض كافة مخترعاتهم، والتي بالرغم من بساطتها إلا أنها تنم عن مواهب مبكرة وميول ابتكارية لا بأس بها بين هؤلاء الأطفال الصغار.

وفازت "سبنسر ماكفاي" في الصف الثاني الابتدائي بالجائزة الأولى عن اختراعها الذي هو عبارة عن ماكينة بسيطة جدا لإطعام الطيور ولإخفاء مفاتيح المنزل في الوقت ذاته، وكانت هناك العديد من الاختراعات الأخرى التي أثارت انتباه الزائرين، مثل باب لمنزل الكلب يعمل بالطاقة الشمسية تمنعه من الحفر أسفل منزله للهروب منه، وأداة لتنظيف غرف الأطفال الفوضوية المليئة باللعب الملقاة في كل مكان، والتي تتكون من ملقاط مغناطيسي، إضافة إلى مصيدة فئران.

كل هذه الابتكارات بسيطة جدا وقد لا تتحول إلى منتجات تجارية، ولكن تخيلوا حجم الفضول والشغف الذي تشكل عند الطفل ليعيش بقية عمره في ميدان البحث والعلم والابتكار دون الحاجة إلى أي مساعدة خارجية، ليكون بذلك متعلّما مدى الحياة.

نحن بحاجة إلى أن نكون جهازا رقابيا ناعما بجميع أطياف المجتمع، لا نحاسب أبنائنا على ما حصدوه من علامات، ولا نكافئهم على إجابات الأسئلة وإنما نكافئهم على المشاريع الحقيقية التي قاموا بإنجازها والمهارات الجديدة التي اكتسبوها.

نحن بحاجة إلى تعليم يضمن للإنسان بناء ثلاثية القيم والمعارف والمهارات.
نريد منظومة قيمية تضمن لنا التربية وليس الرعاية وتأمين متطلبات الحياة الأساسية من طعام وشراب ومصروف.

نريد معارف عملية وتطبيقية وليس فقط مناهج محشوة بنصوص نظرية لا تستفز حسّ الفضول والسؤال والبحث عن أطفالنا.

نريد طلابا يمتلكون مهارات حقيقية تعينهم على النجاح في الحياة لذواتهم ولأجل رفعة أوطانهم.
لذلك لا نريد نهضة لأجل التعليم والإنسان. وإنما نريد تعليما وإنسانا لأجل النهضة.

تلك كانت صرختي لأجل تعليمنا العربي المكلوم.. ولأجل مستقبل أبنائنا.. فلا تتركوها صيحة في واد.. ولا نفخة في رماد.

فيديوهات

صور