ريم باندك تكتب: أغان ممزقة


كل الأشياء تمشي في الليل
الشجيرات التي تحرس أحلامي 
وجه البحيرة، الظلال 
ونافذة جارنا الفضوليّ..!!
بعينيه الدقيقتين المثيرتين
فهو لايكل عن مراقبتي حتى وهو نائم
فينصب الأفخاخ حولي 
ويترصد في الظل ليترك عينيه 
تتجولان حولي كمصيدة لعينة..
وأنت هناك..!!
يفصلني عنك موتٌ و نصفُ أرض
وبعض تلال تبتلع الأحلام 
وثلجٌ كثيفٌ حبيس دمي 
لم تذبه ليالي الصيف القصيرة على صدرك..

ضخمةٌ هي العيوب لمن لا يهوى 
ضئيلةٌ بالكاد ترى لم يعشق..
وأنا عشقتك بنصف عين
وقلبٍ كبيرٍ كبيرٍ جداً مليئ 
بالثقوب وبرك الطين 
فكنت كلما أوشكت السقوط
علقت قدماك بالوحل المتكوم هناك..!!

لرجلٍ مثلك فقط يتسلق الضباب 
جبال الوهم العارية 
ويترك قبلاً باردة على عنق الرغبة
وينمو للقصائد أثداءً كبيرةً مكتنزةً بالخيبة..
نحن لانعود من الشعر أبدًا كما كنا 
نحن نبني قبوراً صغيرةً على مسامات القصيدة 
لندفن بها كل هذا الجنون المسلوب من صحواتنا.. 
نترك بين أقطابها أغان ممزقة 
كتلك التي يغنيها العائدون
بلا هوية على أعقاب وطن..

محمد أعفير يكتب: فراشات الحديقة العامة


رن المنبه كعادته في الساعة المعهودة، فقذفني صوت جرسه المزعج من سريري الضيق مرقع الثوب، مريح الوسادة. كانت لدي مهمة كل يوم لا بد من إنجازها قبل أن تشير عقارب الساعة إلى السابعة. انتصبت من مكاني، وصعدت مباشرة إلى الدور الثاني من المبنى، هناك وجدت حمامتي المطوقة تنتظر فطورها (الحبوب والذرة).
وكان من عادتي فتح نافذة الدور الزجاجية، وإلقاء نظرة متبصر على جمالية الطبيعة أسفل المنبى. كانت هناك حديقة عامة في الجهة اليمنى -بيني وبينها خمسون أمتارا- اكتفيت بالتجوال وسط أشجارها بعيناي الثاقبتان. وفي الجهة الأمامية يقع منزل فخم لعائلة شرقية بني على الطراز الإطالي، تتقابل نوافذ شقته الثانية مع الدور الثاني لمنزلنا كأن خطة هندستهما وضعت من قبل نفس المهندس..
أردت حث حمامتي على الطيران، وبصوت عجوز متعبة حاولت تقليد هديلها كي تستجيب لي لكن.. حبالي الصوتية كانت خارج هامش توقعاتي. كان الصوت الذي ذهبت معه إلى النوم مختلفا بشكل ملحوظ عن الذي استيقظت معه. بذلت ما في وسعي مرة أخرى عسى أن تخرج الحمامة وتذهب في جولة مع رفيقاتها، وأنعم أنا النظر في السكون الخارجي، وتتنعم هي بحرية مقيدة، إلى حين إتيان الآوان كي تعود في المساء لسيدها المجنون.
وأنا أنظر من النافذة ونسمات الجو الباريسي تلامس وجهي المفعم، وتنسمت الريح عند الأصيل موقظة كل إحساس جميل بداخلي، وتغريدة العصافير تتعالى في أرجاء الحديقة -التي تملأ الخضرة أمتارها- معلنة عن ظهور أول ألوان الصباح الجميلة.
الشمس تسلط ضوءها الساطع على فيالج دود القز، فتبدو وكأنها لؤلؤ منثور فوق أغصان شجيرات الحديقة العامة؛ فوق أوراق شجر التوت الأبيض.. وفوق أشجار البرتقال.
كانت العصافير تردد بهستيرية كنت أتخيلها : "حديقة إميليا العامة خضرة تطهر الروح ومتنفس يبعث الأمل في المشاعر"، وكانت الأشجار الساحرة تستطرد في كل دقيقة، وتقول : " لقد خاب من لم يعش كل لحظة وسط خضرتي ".
كان الجو هناك مريحا للأعصاب، هادئا وساكنا للغاية. والنوم تتاح له الفرص كثيرا في أخذ عشاقه حتى وقت الظهيرة، سواء كانوا في منازلهم أو داخل أسوار الحديقة العامة يلاعبون أطفالهم الصغار فيصبحون هم الصغار لكثرة المرات التي يستسلمون فيها للنوم وسط خضرة الحديقة، ونسيمها العليل الذي يهب كل مرة في الأفق، مداعبا سماء الأرض فيرقص أزهارها الفتية.
حقا إن الجو هادئ هنا..! وفي الحديقة العامة على وجه الخصوص.
طيور كثيرة .. كثيرة جدا، ومن مختلف أنواعها كانت تحيط بتلك الحديقة العامة، ولم تكن تعتدي على ممتلكاتها كما تفعل الغربان الثائرة في زمانها، وكما يفعل بني البشر في..الحق أنها تهرب من الأسوء إلى الأفضل ! ..هممم
لم أتجرأ قط على مساءلة نفسي عن السبب الحقيقي وراء توافد ذلك العدد الهائل من الطيور الجميلة إلى تلك البقعة الخضراء، ولا يخفى على الذي فطرني أنني احتفظت بأجوبة لهذا الاستفهام إلى حين تفتق جرأتي النادرة. كنت سأخجل من "إميليا" بلا أدنى شك إن تجرأت على المساءلة.. لا، بل وسأخجل من نفسي كذلك، إن ذكرتها على لساني وأسأت الظن بها.
هذا اسم حديقتنا العامة التي كانت في الماضي مستطيلا يابسا. حديقة "إميليا" يحكى أنها عمل منسق، متقن لعجوز اسمها "إميليا" قدمت من فرنسا وأقامت في أرض هذه المدينة البطحاء الصغيرة بقية عمرها. وهكذا أعيدت لها الحياة بفضل إنسانة تكاد الحياة تنعدم في محياها الذي غزته التجاعيد. فقد استحيت العجوز من الوضع، وقررت زرع نبتة كل يوم في مربعات الحديقة حتى صارت كما هي عليه اليوم، ساحرة وجميلة تستقطب عشاق الفراشات.. والفراشات أنواع..
مهلا ! ..مهلا! .. ألم يكن ذلك المكان آنذاك مكتظا بأناس أقوياء جسام، يداعبون الفراشات الحلوة، ويهممونهن، منحنون عليهن بصوت رقيق تحت ظل الشجر ؟! لماذا لم يفنوا بعضا من أعمارهم في إعادة الحياة للحديقة بدلا من الركض وراء الحشرات ؟! .. هممم .. لنستحضر كلام بطل نسيت اسمه (( إن الأبطال لا يصنعون في صالات التدريب، بل يصنعون من أشياء عميقة في داخلهم هي: الإرادة والحلم والرؤية )). 
الرؤية ! .. إن رؤية "إميليا" فريدة من نوعها حقا، ولهذه البقعة الخضراء الشرف في حمل اسم إنسانة عظيمة مثلها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
كنت كلما سألني امرئ عن السر وراء وقوفي مدة طويلة من الزمان أطل عبر النافذة الزجاجية، مثبتا بصري على اللوحة الملونة (الحديقة العامة)، أجيبه بعفوية مصطنعة، وأقول : أتخيل أنني أنتظر فراشة تصطحبني إلى ظل شجرة من أشجارها، ونقضي النهار كله هناك تاركين الدنيا وراءنا.
في يوم آخر من صنع الزمان وحبكه، استيقظت قبل استيقاظ حمامتي بقليل وقبل نباح منبهي بكثير. لم يكن نومي تلك المرة عميقا للغاية، بل أحسست أنني طويت ظلمة الليل في طرفة عين. قيلولة الظهيرة في الليل أو ما شابه ذلك .. قصدت النافذة من جديد لألقي التحية على الطبيعة في أبهى صورها.
استقبلت أذناي أول تموج صوتي، وسمعت صوتا رقيقا يثير الانتباه ويجذب القلب : " ألوو..ألووو..رد علي يا ابن الفاسقة..رد علي..". نسيت أمر الطبيعة الخلابة يسارا، وأدرت وجهي إلى الجهة اليمنى بسرعة. بعيني المجردة رأيت فتاة شقراء تطل عبر النافذة. سددت إليها نظرة خاطفة فوجدتها جامدة كتمثال منتصب لا تتحرك سوى يدها.. وعلى سبيل الفضول، اقتلعت منظارا في جيب جاكيطتي المعلقة في معلاق الملابس، ولعنت -في مخيلتي- المسافة الشاغرة التي تفصلني عن النجم، وحسبت المنظار تكلم فقال : " كان الأجدر بك أن تستعمل منظارا فلكيا بما أنك ذاهب لاستطلاع النجوم ".   
كنت مستعدا للتعرض للسب إن اكتشف النجم أنني أتلصص به. كانت كلما سقطت خصلة من خصلها فوق عينيها -اللوزتين العسليتين- تبعدها بيدها المملوءة الطرية، مصبوغة الأظافر ويدها الأخرى تمسك ورقة بقبضة محكمة.. محكمة جدا..
وفجأة، رأيت من خلال المنظار هاتفا مشتتا على سجادة الغرفة، وعلبة دواء فوق مائدة منقوشة..كلا، لم يكن دواء بل سم الفئران..لم يكن المنظار يكذب أبدا.. أبدا. انقسم دماغي إلى توءم؛ كل شق يعارض فكرة الشق الآخر ( النجوم تموت.. كلا، بل النيازك .. قلت النجوم..كلا بل النيازك هي التي تموت). استعذت بالله وأخرجت نفسا مصحوبا بآهات فقلت: " تموت جميعها بأمر من ربها ".
تنحيت جانبا لكي لا تشعر الشقراء المتهورة بتواجدي. كانت علامات التعب واضحة على وجهها المستدير. مسكين كنت!..بدت وكأنها لا تكترث للعالم الخارجي فكيف ستشعر بتواجدي أنا..!؟
أرجعت المنظار إلى مكانه الأصلي بعد أن شكرته، وخاطبته كالمجنون قائلا : "تشكراتي لك. أنت فعلت ما لا يقدر على فعله الجني في الفانوس، لقد سافرت بي إلى النجوم". لم أنتهي من قول ذلك حتى سمعت كتلة تصطدم بالأرض أيما اصطدام. شعرت برعشة ألم تصعق جسدي. هنا سألت نفسي: "هل يعقل أن يكون منزل راق كذاك مأوى للجرذان ؟". أحسست بحدوث شيء فظيع راجيا حدوث عكسه. كانت النافذة فارغة كما توقعت، وصراخ الجيران يتعالى تحت النافذة مكونين حلقة حول شيء أجهل ماهيته. هرولت خارجا من باب منزلنا مسرعا، مندفعا كالثور كي أتفقد ما حدث. اخترقت الحشد ماسكا أنفاسي، محتفظا بهدوء أعصابي، ووجدت الشقراء جثة هامدة مستلقية على بلاط الرصيف ماسكتا ورقة بإحكام مكتوب عليها : "ح..حبيب..حبيبتي السابقة..أدعوك لحضور حفلة خطوبتي يوم الخميس المقبل لأنني سأتشرف بحضورك وانهيارك أمام الواقع المؤلم".
ارتفعت أصوات الجيران واتصل أحدهم بالبوليس، وجاؤوا إلى عين المكان حالا، وظلت التحريات جارية نهارا كاملا، أما أنا فكنت عائدا إلى مأواي بينما ظل سؤال يتردد إلي أكثر من مرة : ما ذنب النجوم لتسقط ؟ وما بال أقوام يستمتعون بسقوطها..!؟

الشوني سفيان يكتب: لما تهميش الفلسفة


لم تخشى الشعوب العربية كلمة فلسفة؟ ولما كل تلك التعريفات التعسفية لهذا المجال؟
ما سأذهب في توضيحه من خلال هذه الأسطر قد جاء بعد مرور تاريخي من القرون الوسطى أو كما سماها الايطالي بترارك بعصر الظلمات، ولكي نذهب في إجابة أو ربما رأي لهذه الاشكالات التي سبق وضعها، أجد أن أضع سؤالا آخر يمكن من خلاله أن نفهم هذا التخوف من الفلسفة، والسؤال هو: لم الفلسفة أصلا؟
أشير من هنا أن الأمة العربية الاسلامية ما هي إلا امتداد للحضارة الاسلامية في القرون الوسطى، وأكاد القول أنها نتيجة أفكار ذلك العصر، فالحاضر لا يمكن أن يكون إلا نتيجة ماض مضى. بمعنى أن فهم الحاضر يستلزم بالضرورة استحضار الماضي. وبهذا فالسير نحو الاجابة على الأسئلة التي وضعت، يجرنا إلى العصور الوسطى وموقف رجال الدين من الفلسفة باعتبارنا أمة قائمة على أفكار تيولوجية،فلا شك أن جذور أفكارنا هي من رجال الدين بالدرجة الاولى. من هذا أقصد القول أن التخوف من الفلسفة بدأ مع هؤلاء خلال فترة كان الوحي يريد أن يضع مكانه بين الناس. بعد أن كانت الفلسفة وظيفتها الوصول الى الحقيقة مع اليونان، أصبحت مع ظهور الوحي المسيحي مقيدة، ذلك أن الفيلسوف أصبح معرضا بشدة لأن يخالف بعض التعاليم التي جاء بها الوحي المسيحي، لهذا نجد مجموعة من الهجمات الشرسة التي جاءت في حق الفلسفة خصوصا مع تورتيليان الذي ذهب به القول بأنه يجب طرد الفلسفة من المدينة، وذلك دون شك لما لها من أفكار أو لنقل ما تعطيه للانسان من حرية من أجل أفكار قد تسقط موفق تعارض مع ماجاء به المسيح أو على الأقل مع ما جاء به بعض الرسل أمثال جوستين وبولس الذين جعلوا من الفلسفة فقط خادمة للحقيقة، أي الوحي، وبالتالي قتل جوهر الفلسفة وهو أن تصل بنا للحقيقة وليس أن تخدمها أو تفسرها كما ظهرت مع القديس أوغسطين حيث أصبحت الفلسفة فقط خادمة للاهوت وبالتالي الحد من الفلسفة أو تسييجها. بعد الفتوحات أو الغزو- الاسلامي، وبعد أن استقرت الدولة الاسلامية اقتصاديا وسياسيا اتجهت الانفس إلى الحركة الفكرية والتي لا شك أنها بدأت من خلال عملية الترجمة التي كان من أبرز من نادى بها هو المأمون حيت حرض المفكرين على نقل كتب الأوائل إلى العربية، ومع هذا أصبحت أفكار اليونان تتسرب إلى الحضارة الاسلامية الى أن أصبحت خطورة هذه الأفكار تهدد اعتبار رجل الدين وقدسيته، الشيء الذي أدى إلى محاولة تحريم الفلسفة ونبذها واعتبارها انحلالا وسفها ومادة الحيرة والظلال كما اعتبرها الفقيه بن صالح. إن اهتمام الفلاسفة بمجموعة من المسائل الميتافيزيقية كقدم العالم والجواهر و حشر الاجساد جعل من هؤلاء الفلاسفة كفارا بالنسبة لمجموعة من رجال الدين حتى منهم من كان فيلسوفا أو على الأقل مهتما بالفلسفة كالغزالي الذي ذهب إلى ضرورة تكفير الفلاسفة في مجموعة من المسائل، وبهذا يكون أصدر حكما قيميا خارج منظومة التفكير نفسها. إن مكانة الغزالي العلمية في الثقافة الاسلامية أنذاك جعلت من تكفيره للفلاسفة يشكل أحد الاسباب المهمة التي منعت الفلسفة من الانتشار والتغلغل في بلد الاسلام، وظلت الفلسفة في وسط ينبذها إلى أن سقطت مع محنة ابن رشد.
عندما قيل عن ميكيافيلي بأنه مخادع شرير من خلال كتابه الامير، كانت هذه الاتهامات مستوحات من القراءات الانجليزية لهذا الكتاب وليس للكتاب نفسه. هذا ما حدث للفلسفة تقريبا في المجتمعات العربية حيث ما وصلنا عن الفلسفة ليس من الفلسفة وإنما ما قيل عنها، فكل أفكارنا كما أشرت مقدما هي من رجال الدين بالدرجة الأولى، وعلى هذا فلا شك أن قيمة الفلسفة في المجتمع العربي لم يعد لها الاعتبار طيلة التسع مئة سنة الماضية لكن دون أن نمنع أن هناك من تعامل تعاملا نقديا مع الوضع العربي، لكن حال به الأمر إلى النبذ والتكفير ومنع أفكاره باعتبارها إلحادا. من كل هذا نخرج للتساؤل: لما هذا المنع؟ منع الفلسفة.
لكي يستقيم المعنى دعنا أولا نتحدث عن المعنى الحرفي لكلمة فلسفة والذي يعني ( صديق او عاشق للحكمة) ومن خلال هذا المعنى - حسب ادغار موران-  تتطابق محبة الحكمة في ممارستها وبين معرفة أصيلة بآداب الحياة. فحاجتنا للحياة هي حاجة للفلسفة، والتي لا شك أنها فقط محاولة استخدام العقل أو التجرؤ على ذلك كما جاء مع كانط في عصر الانوار الأوروبي . من هذه البوابة- بوابة الانوار-  ندخل إلى غرفة الفلسفة التي لا يختلف دارس للفلسفة على أنها الغرفة التي سيرت هذا الانوار أو كانت العامل الأول للخروج من عصر الظلمات أو  لا نكون مجحفين ونقول  عصر قصور العقل، فإن تميزنا كإنسان بهذا العقل عن باقي الكائنات فأقول أن الفلسفة في نهاية المطاف هي استخدام هذا العقل، أي هي ليست بشيء مكتسب يكتسبه الانسان، أفليس الفيلسوف هو ذلك الطفل الذي لم يكبر؟ الذي لم يستطع يوما التعود على العالم، الذي لا يقبل اي فكرة ما لم تكن مقنعة لعقله وتبدو له منطقية. مما لا شك به أنه في الدول العربية لا شيء يبدو منطقيا لعقولنا، هنا فالفيلسوف أو على الأقل المفكر العربي من الأوائل الغير راضين بهذا الوضع، فمن يستخدم عقله فأكيد أن التناقض يرهقه، وبالتالي الثورة على هذا التناقض، ومنه التغيير. لكن في مجتمعات تعتبر استخدام العقل - أي الفلسفة-  إلحادا، وتحاول كم من مرة منعها، وهذا دون شك لكي يبقى التناقض، وبالتالي المعاناة، والمعاناة دون عقل عبودية، لهذا أقول من هذا أن الفلسفة هي الطريق الاول نحو التغيير، نحو التقدم، وبالتالي نحو التحرر، بعد ذلك يحق لنا أن نتحدث باعتبارنا كائنات عاقلة مختلفة عن الحيوانات. لا أنوي الدخول في عديد من المسائل السياسية التي تخشى الأنظمة العربية الخوض فيها، وإنما فقط محاولة رد الاعتبار للفلسفة باعتبارها المحرك الاول نحو التغيير، فعندما تحدث محمد عزيز الحبابي بأن مجتمع بدون فلسفة هو مجتمع حمير، فلم يكن ذلك من فراغ، فلا شك أن كل واحد فينا يعترف بأننا- أي المجتمع العربي- مجتمع حمير. وما أسهل ترويض الحمير.

محمد خالد النجار يكتب: البدايات والنهايات أنتِ



"خاطرة تقديمية"
بسبب وجودكِ وُجِد شعري
وكتب لقبي واحمرَّ حبري
لأجلك غزلت قصائدي
ودق قلبي وهاج بحري
اخلعي عنك الهم والتعب
فعنك أنت قضي أمري
...................................
البدايات والنهايات أنتِ
كثر مَن مررن هي وهن واللاتي
أما أنتِ فنبض حياتي
طلعة الشّمس أنت وبهاء النّهار
أراكِ كقلبي الذي يرقص بذاتي
أتراني كبرت كما قالت لي أمي!
نعم كبرت عن الكل إلا عنك مولاتي
ترعرع برعمي وانفتحت بصيرتي
وتوقفت من دونك كل المسرات
أحلم جالسًا بغدٍّ أفضل
فينطفئ نهار وتثار أناتي
ويسطر رمشك سحرًا في أفقي
وأبصر وجنتيكِ وثغرك والزمرداتِ
وتلاقيني أناملك في الدّجى
وتصير فرحًا وعرسًا معك آهاتي
وتلتف أصابعي وتمسك أقلامي
وأُلون مادقَّ له قلبي وتساعده دواتي
وأشدو إليك فرحًا وباكيًا
واغزل لك من عقيق الكلماتِ
بمثلي أحبك انسان صغيرتي
بمثلك بقين في عهد الصغيرات!
أحبك هي كلمة كاسمي
أحبك أضحت كفرض الصلواتِ
أحبك وأعلم مدى تعبي إليكِ
وأعلم ماحالي مع المسافاتِ
أحبكِ ومن أقدار المحبة
أن طيفك ظلي في كلّ اللغاتِ
لذلك لم تشأ الأقدار أن أنساكِ
برغم من ديني ومذهبي والشّتاتِ
من أنت حتى لذكراك يعقد لساني
وتحمر شفتي وتغمرني ألف من الدّمعات
تعالي حبك كامل وأنا ناقص
ينقصني أنت وأنت وأنت دون اللواتي
تعالي تعبت يداي من التّضرع
لملمي تعبي وما بقي من رفاتي
عيناك امتداد لأحلامي
ونورهما وجودي وبرذخ لأمنياتي
وجنة وردٍ وحدائق زنبقٍ
هما مسكن التائهين وأطياف الجميلاتِ
حبك أبدي ليس لأنك عبلة
أزلي ليس لأنك تاج على الحلواتِ
لكنه ترخ ما ترخ من سابقين
قد لفهم التراب مع معشر الأموات
ليلي لا يشعله أنين الساكنين
ولم تشعله مواقد الشمعاتِ
ولا القمر الذي عهدته السّما
أشعلته مقلتاك في المجرات
أملي باللّه كبير إليك
فحبّك محقق كوحي السّماوات
فلا تتململي من غيابي
وحضوري ولا تنهكك نزواتي
بالكاد أجمع عذبك في غديري
والأكيد أن عذبك أغلى ثرواتي
بالكاد أنام بعيدًا عنكِ
وبعيدًا عنك تجمعني سيئاتي وحسناتي
أعدُّ مبتسمًا ثوان العذاب
أعدُّ وقد حارت من العد ساعاتي
أيظللني حب بعدك أملًا
وتشعل بين السّطور فتاة لكلماتي
فيضيع عقلي في السؤال مرة
ويضيع قلبي لغيرك آلاف المراتِ
وتملأ غمامة الفراغ فوقي
وتمطر عطرك وتبتل نظراتي
ويخلق الزّمن ملاكًا أبيضًا
يجسد العشق وضفائر البنات
وعندما يزاح وشاحه الوردي
تكونين أنت فترتعش شفاهي المطبقاتِ
ويدرك قلبي حقيقة كانت
ومازالت تعلو بها في المهد أصواتي
إنه لغيرك لم يخلق التأنيث
وبعدك اضمحل عصر من الشهواتِ
وإنك في ديني وحياتي
وشغفي وخبزي وجواب تساؤلاتي
فكلّ النّساء تاريخ قلَّ نثره
وأنت قمر تربع على عرش النجماتِ
فلو ماتت القلوب عن حبها
وأصبح المقتولون في موتها بالعشرات
ستبقين رغيدة القلب مسكنك
ولن أستفيق من عنادي وسباتي
فلك كل ما قيل في الحب
وقلبي وما أملك وأزيدها بقبلاتي
وكلّ عهدٍ ترخته بداية
وعهدي يوم وجدت وأحلى البدايات
فالبداية كانت منك أنتِ
وأنت ستكونين موطني في النهاياتِ

        

بتول النجار تكتب: كذبتني عيناها



أقسمتُ إلى القلبِ أنّهُ منَ الحبِّ شافيًا
ومنَ العذابِ والألمِ القاتلِ مهاجرًا
لا سهادًا من الغرامِ حتى يحيطُ العينينِ ظلاما
ولا رعشةً من القلبِ كلما رنَّ إشعارا
هاديٌ إليهِ الرَّاحةِ من الوجعِ لربما
يكونُ شافعًا عندَ ربّي يومَ الحسابَ
لا نوبةً هيامية
ولا واحةً شوقية
وروحًا أعاذت نفسها من لمسةٍ عشقية
حتّى استولى ليلُ عينيها مضجعَ الفؤادي
و كل الوعودِ على أن يكونَ بتولًا  باتَ رمادا
فهمرَ بتولُ الجنانَ بجوى البتولِ

ربا وقاف تكتب: رقص على خطى مجاز


الوشاحُ الأحمرُ على صدري.
راية بيد الريح.
وفستاني المُطرز بالأمنيات،
ما زلتُ موغلةً بعطر أزاهيره الفواحة 
على شَعري المسترسلِ إلى أعالي 
البحار.
وهنا أناشيدُ الأرواح،
تذهب وتأتي توقاً بخضرةِ النجوم.
فيما أنا الغارقةُ في مرآتي.
أرقص حتى أتعبَ،
وأتركُ حريتي تطأُ الماءَ بقدمين 
حافيتين
حالمتين
عسى أن يتكسرَ انتظاركَ كالموج 
على شاطئ.
آنذاك..
ستأخذني من خاصرتي لرقصة المجاز.
وأعود إليك.

إبراهيم فقيهي يكتب: هنا والآن



الآن وليس بعد تدرك سبب الموت وأنت حي وحي كما يبدو لك وأنت غافل..
وهنا والآن كما تنبأ النبي المجنون "نتشه" ستدرك وأنت في قمة جنونك مدى تناقض هذا العالم الطافح بالفوضى، وتدرك كذلك أن الجنون في معناه العميق عمق العقل والتعقل..
لكن أتعرف معنى الجنون يا رفيقي..؟!
-الجنون هو أن تتفرد بنعمة البصر والخواء في آن واحد، تبصر الحياة بعين عطشانة لم يبقى لها إلا نقمة الألم والحسرة، فتهرول بفراغك إلى مسجد أو خلاء لتغلف عطشك وتستكين حيث أنت، راض بما أنت فيه من ألم، فتصلي وتتبتل وتغني بأياتك علك ترى المعنى في معنى مغلق الأبواب والنوافذ.. فتغلق البصر لئلا تتألم وأنت ترى معنى الحياة يتجلى في بيرة وسجارة وبائعة تهوى عرض مؤخرتها كسلعة وموسيقى تهيج الأحاسيس لتنسيك من أنت وأنت الذي لا ينسى إلا حينما يريد في ملهى مضيئ بالأحمر والأبيض وألوان أخرى لم تكن تعرف كيف هي..!
كيف ذلك..؟!
- نحن يا صاحبي لا نريد أن نجرب كي لا ننجر من أوهامنا، الأوهام التي قدمت لنا مع الأكلة المفضلة لدينا، وكيف نأكل ونحن لا نأكل إلا ما لا يعرفونه هم، (زعلوك.. حلاجة.. الطاجين بدون لحم.. وكبيلا مرة في الأسبوع...)، وحتى نهضم ما لا يهضم إلا بعسر نهلل كثيرا ونرفع الأكف شاكرين على نعمة تفضلوا علينا بها عن طريق الرب الكريم الذي صنعوه.. فنصلي ليرقصوا هم.. ثم نكثر الإستغفار والتسبيح وطلب المغفرة على ذنوبنا التي لم نرتكبها إلا اضطرارا حتى لا يبقى لنا متسع من الوقت الذي نطلب فيه أكلا كأكلهم.. ولحما كلحمهم.. وشرابا كشرابهم، وملابس كملابسهم التي تلبس مرة واحدة في العمر دون أن ترى الشمس مرارا فتبلى ويكشف لونها على لون صنعته الشمس بكثرة الزيارة...
إننا يا صاحبي لا نريد أن نقول "لا" حتى لا تنكسر أوهاما طالما دافعنا عنها ورفعنا أرواحنا مقابلها، فتبين بعد ذلك أن كل الإيمان مصنوع من طرفهم، وكل القناعات التي راقصناها كثيرا قد صنعت بأوتارهم وكمنجاتهم.. فرقصنا كما يحلو لهم، وكما ينبغي لهم أن نرقص كي لا نلتفت إلى قاعتهم الشاسعة التي فيها يرقصون.. ولئلّا نسمع موسيقاهم التي تطربهم بغبائنا، فقلنا حمدا وشكرا ولنا الجنة بعد هذا العناء ولهم جهنم بما يقترفون..
دون أن نطالب بجنتهم التي يعيشونها الآن.. الجنة التي صنعوها بخيراتنا.. الخمر الذي صنع من عنبنا، وأنواع السمك التي استخرجوها من بحرنا، والخبز التي صنعت من قمحنا.. وكل المال الذي يسبحون فيه مالنا ولنا الحق فيه عليهم وقبلهم.. فلما لا نطلب الجنة هنا ونسعى إليها مادامت هنا قبل هناك؟!
- اااااااااه وااااايلي...
- سكر صاحبي ولم يعد يتحمل نقاشي، تركني في المقعد ونهض يرقص على أنغام أغنية تقول: (وها وها ومقديت عليك يا زين.. أنا فلوسي قلال وأنت عينيك زاغين..)
فقلت له عند خروجنا: أن الأغنية تلك في معناها العميق تقول أن الحياة بمجملها تدور على ورقات بنية وأخرى زرقاء.. بهم يصنع الجمال والهيبة والوقار والسلطة والحياة... الثروة التي سلبوها منا قوة، ولن ترد إلا بالمثل.. قوة يعلوها صوت البنادق والمدافع يا صاحبي..
- فأدرك المعنى، وقف قليلا ونظر إلى السماء ثم الأرض.. بسق عليها، وعاد لترديد أغنيته دون ملل أو كلل.

       

عزيز بومهدي يكتب: قبعة


سأصلي الآن
لم يحن الوقت بعد
كي أجزئ تفاصيل المرض
أنا الآن ألعب بالزهور
وأقايض المحنة بالفرح، 

ريثما تنضج فاكهة الأنثى
ريثما تحبل أنثى الأسد
وسننطلق كالريح
إلى العرين الجميل
إلى ثقب العويل. 

ريثما نحيا كالبغال
سنكون قد صنعنا أسدا 
أو عرينا شاهقا
سنكون قد قفزنا 
مئات الخطوات 
وانتدبنا بئرا فارغة. 

سأكون يا سيدتي قد اشتريت 
حذاءً سميكا للجليد القادم. 
وقبّعة ممزّقة لكلّ الشتاءات. 

سأصلّي الآن 
لإله لا أعرفه، لكنّه يعرفني. 

هيلانة الشيخ تكتب: تم حذف مشهد من المعركة


فجأة شعرتُ بالعطش.
نهضت من السرير وسرت نحو المطبخ، حاولت فتح الضوء فإذا به لا يعمل..
لا بأس فأنا أحفظ عن ظهر غيبٍ كل سنتيمترٍ في شقّتي التي ورثتها عن والدتي اليونانية الأصل. وضوء الثلّاجة كفيل بإزالة هذا الظلام المزعج ولو لِلحظات.
تناولت قنينة الماء وتجرعت جرعاتٍ طويلةٍ وأغلقت بابها فشعرت ببرودةٍ تلفح كتفيّ من الخلف..
استدرت قليلًا متصنمًا باحثًا عن مصدر هذه اللّفحة!
رائحةٌ تشبه رائحة عطر امرأةٍ خامرةٍ مُعتّقة، كما لو أنّها تتنفس في ظهري!
شعرت بالخوف وشعر جسدي ينتصب فخرجت مسرعًا نحو حجرتي، حاولت فتح الإنارة لكن دون جدوى كأنّ الكهرباء مقطوعة عن الشقة بأكملها، توجهت نحو هاتفي كي أشعل الكشّاف فلم أجده، بدأت أشعر بالإرتباك وسرت بهدوء نحو النافذة أنوي فتحها..
لكن قدماي مجمدتان لا فائدة من اقتلاعهما من سجادةٍ ماجنة وكلما صنتُّ أكثر تراءى لي ظلًا يقترب.
صرت أتلفت يمينًا ويسارًا علّي أبصر خيطًا للضوء، بينما يزداد شعر جسدي انتصابًا وتتجمد أطرافي كأني عالقٌ في باب الثلاجة.
أغمضت عينيّ وصرت أرتل: (قُل أعوذ بِرَبِّ الفلق...)
حتى شعرت بيدين تلتفان حول رقبتي فارتفع صوتي: من أنتِ وماذا تريدين؟
فضحكت ضحكةً عاهرةً واستدارت من خلفي إلى وجهي، فزال كل الخوف.
أبصرت ضوءً ساطعًا ينبثق من وجهها المستدير ونحرها وبرودةً ناديةً في ملمس يديها.
فأمسكت وجهها بيديّ فقبلَّت واحدة ولعقتها، ونزلت بها نحو رقبتها ثم أخذت الثانية ووضعتها على نهديها، شعرت بحرارةٍ تغلي فيّ حتى انتصب شراعي يخترق بطنها فلم أدرك كيف ضمت جسدي بين ذراعيها وابتلعته وأطبقت عليه حتى ارتخى، كدت أختنق، شهقت شهقة ساخنة كماخورٍ يشتعل برغبةٍ داميةٍ ملتهبةٍ لعنقي الغارق بالقلق.
وصارت تجمع حبات العرق بطرف لسانها، تصعد نحو شفتيّ ولا تقبلهما، تعض على طرفهما وتمد لسانها بينهما ثم تهبط نحو صدري تتذوق ملح لذّتي ولا تصدرُ صوتًا حتى بدأتُ بالخمول والإستسلام وشعرت كما لو أني مُغيبًا أقف على مشهدٍ هلاميٍّ في فضاءٍ من السواد.
حاولت عَبَثًا أن استجمع وجودي فإذا بها تخترقني وتختفي فيّ ،عاد الخوف وبدا قلبي يخفق خفقانًا عاليًا يكاد أن يخرج من قفصي الصدري فوضعت يدي عليه فإذا بقميصي مبلل!
سرت دون عناء نحو النافذة وفتحتها ونظرت للحجرة على مد الضوء فلم ألمح غير شبحي في المرايا ملطخًا بالدم.
هل أنا حي؟!
ومن أين يأتِ هذا الأثير البارد الباهت؟!

لوحات فنية للرسامة فاطمة الزهراء النادي


يعدّ الفن موهبة وإبداع لمساءلة الذات، حيث يتيح للإنسان التعبير عن نفسه أو محيطه، أي كل شيء قريب من الذات، إما بطرق صوتية أو بصرية أو حركية، كما يمكن أن يكون الفن أداة من خلاله تترجم الذات كل الأحاسيس والمشاعر التي تنتابها من حين لآخر. فضلا عن كونه في بعض الأحيان يميل نحو محاكاة جمال الطبيعة الخلاب. إنه إبداع ومن خلاله نميز بين الناس، حيث نصف بعضهم بالمبدعين، كونهم لديهم قدرة إبداعية هائلة. وتمثل هذه الأشكال الثلاثة جودة جمالية لها قيمة مطلقة، مستقلة عن رأي الإنسان، وهذه النظرة يمكن أن نطلق عليها بالاتجاه الواقعي.

وهذه بعض رسومات الفنانة: 




هشام بوبا يكتب: معنى أن تكون شابا: أو في سوسيولوجيا الشباب



 " تحت حجارة الرصيف، الشاطئ"  أحد شعارات حركة مايو 1968

الكلمات المفاتيح: علم الاجتماع، الشباب، الرشدين، الصراع، المنافسة.

ما من فئة عمرية تولعت بقراءة نتشه أكثر من الشباب، لأن أفكاره الحادة المستغنية عن أي التزام نسقي، جعلته أكثر توافقا مع البنية الذهنية والوجدانية لتلك الفئة. بل إن نتشه(1) نفسه هو المرحلة حيث شبت الفلسفة الغربية ودخلت عصرها الحديث، عصر التشظي المذهبي ومواجهة المجهول.

ما ذا لو اعتبرنا مازحين سن الشباب هي في نفس الوقت سن المذاهب والاتجاهات المثالية والعدمية والوجودية والفينومينولوجية، والتحليلية حتى، أي تلك الفلسفات التي تعلي من شأن الذات والفكر والإرادة والاختيار وتحليل الأشياء، ومن تم تفتح مجالا واسعا للتنطع. بينما تكون إذن مرحلة الرشد، الفترة التي تلي الشباب، مرحلة وضعانية، نفعية، براغماتية، عقلانية أداتية، أي المرحلة حيث تتساكن الفلسفات التي تعلي من شأن الواقع وعقلنة الممارسات والبحث عن المصلحة. بالطبع، إن انساق أحد ما مع منوالنا الهزلي هذا ثم تساءل عما تبقا للشيخوخة من هذه الفلسفات، نقول له: لا شيء غير "المثالية الترانسندنتالية"، حيث لا يتقدم المرء إلى الأمام ولا يعود إلى الوراء، إنما يبدأ في التحصيل والفرز بين حدود العقل والتجريب، فينتهي انتهاء تعاقديا أو مهادنا كما انتهى إمانويل كانط نفسه في آخر أيام حياته في خصوص الموضوعات ذات التأثير السياسي المباشر(2).

هذه التشبيهات، وإن كانت ذات طابع هزلي، فإنها لا تخلو من معنى. فالشباب ليس مجرد فئة عمرية محددة، نوقش هذا مرارا في علم الاجتماع، فكما لا نعلم أنى ينتهي الفقر ليبدأ الغنى، لا نعلم أين يبدأ الشباب وينتهي، لهذا فـ"الشباب" لا تغدو تكون سوى "مجرد كلمة"(2)، لأنها لا تعبر عن مدلول تابث وقار، إنما مطاطي متحول حسب كل سمات كل مجتمع. تعريف الشباب بناء على العمر يوافق كثيرا المجتمعات القديمة أو التقليدية، حيث يكون مجرد مرحلة بسيطة ومؤقتة تسبق الولوج إلى سن الرشد وتحمل مسؤوليات مماثلة لتلك التي للكبار، فيكون الولوج ساعتها عن طريق إجراء طقوس رسمية إشهادية يحضرها الكبار والصغار. تلكم المناسبة ومثلها هي ما يسميه الإثنولوجيون: "طقس العبور" (rite of passage). أليس الشباب إذن ظاهرة حديثة؟

• الشباب ظاهرة حديثة؟

ليس الشباب فقط ظاهرة حديثة، إنما "الإنسان" ككل ظاهرة حديثة ظهرت حين طفق الفكر يطرق مسار المعرفة الإنسانوية والعلوم الإجتماعية وينافح عن استقلالها عن الفلسفة. أولم يقل ميشيل فوكو قبل عقود "أن الإنسان ليس سوى ابتكار قريب، ووجهه لا يزيد عمره عن قرنين، ثنية بسيطة في معرفتنا، وأنه سيختفي ما أن تجدد هذه المعرفة صورة جديدة"(4). لكن إذا ظهر الإنسان كحقل معرفي (épistémè) للتفكير فالشباب ظهر كواقعة إجتماعية فرضت نفسها على ذات الحقل. 

أدت قيم الحرية والتحرر والاستقلالية وانتشار التعليم والتكوين إلى بروز الشباب كفئة إجتماعة تقدم نفسها داخل أشكال متميزة مختلفة: جماعات فنية وموسيقية (الروك، الهيب هوب، البريك دانس..)، جماعات ذات نمط عيش متفرد (الهيبيزم أو السكينهود مثلا)، حركات اجتماعية ذات مطالب ومواقف نقدية (طلاب الستينات مثلا: حركة مايو بفرنسا، وحركة الخطاب الحر في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها). إذن إن هي إلا التحولات المجتمعية التي أدت إلى رسم الحدود الاجتماعية وجعلها أكثر وضوحا بين مرحلة الطفولة وسن الرشد. فالتعليم جعل الأفراد أكثر استقلالية، من الناحية الثقافية على الأقل، عن ثقافة العائلة وسلطة والأب، وعن "أوهام القبيلة"(5) (باستعارة مصطلح فرانسيس بيكون). وبما أن الشباب الطلاب يكون معظمهم مهاجرين وسكان تجمعات وأحياء جامعية، فذلك أتاح الفرصة لانبثاق ثقافات طلابية أو شبابية مشتركة.  

  ليس الشباب فئة متجانسة طبعا، إنما هي حركة غير متجانسة ترتبط اختلافاتها بتعدد المصالح والهويات التي تقدم نفسها فيها. فما يجمع بين جماعات "حليقي الرأس" في بريطانيا وجماعات "الراب الأسود" في ضواحي أمريكا والظاهرة الغيوانية في المغرب هو أنهم "شباب" أراد أن يغير قوانين اللعبة في الحقل الذي يمارسه فيه نشاطه الخاص؛ سواء في الفن أو في السياسة أو نمط العيش، باختصار في علاقته مع العالم. وبما أن "الشباب" مجرد كلمة إذا ما قسناها بمعناها في ذاتها، فهي "ليست مجرد كلمة" حين ينظر إليها داخل علاقة شباب/راشدين في حقل إجتماعي معين. لأن الكلمة تكتسب معناها في علاقتها مع عنصر مناقض، تماما كما في الرياضيات حيث لا معنى للأشياء في ذاتها بل فقط في العلاقات التي تربط بينها. 

• من السياسي إلى الثقافي

بما أننا نزعنا صفة العمر عن كلمة "شباب" فإنه ليس هناك رقما محددا يمكن أن ينتهي فيه الشباب ويبدأ الرشد. فالشباب موقف من العالم أقل منه فئة عمرية. والموقف يظهر على أنه ضد سلطة ما، سواء سياسية، ثقافية،  فنية إجتماعية. لهذا تقترن كلمة "شباب" بكلمة "الصراع". وإن كانت علاقة الصراع بين الشباب والراشدين في المجتمعات القديمة أقل حدة لأن الجماعة الأولى ترتبط بالجماعة الثانية ارتباطا غائيا. فالنظام الاجتماعي آنذاك عمل جاهدا على صقل أدلوجة العبور إلى سن الرشد، سن الامتيازات والهيمنة، وجعل هذا من مرحلة الشباب مرحلة سريعة ومؤقتة يعمل فيها الشاب جاهدا، بكل الممارسات المتاحة (زواج، قيم الفروسية، العمل...)، للولوج إلى عالم الكبار.  الآن لم تعد مرحلة الشباب مرحلة مؤقتة للعبور، إنما صارت مرحلة أكثر امتدادا وقابلية للتعميق والأدلجة حد العقيدة أحيانا. ويعكس هذا القول عبارة جاك وينبرغ (J.Weinberg) أحد أعضاء "حركة الخطاب الحر"(6) حين نادى: "لا تثقوا في أي شخص تجاوز عمره الثلاثين". 

لقد غيرت الحركات الشبابية/الطلابية منذ الستينات مغزى الصراع بحيث لم يعد سياسيا أو اقتصاديا بالمعنى المباشر كما في الصراعات الكلاسكية (ثورات المجتمع المدني في ق الثامن عشر والثورات العمالية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، فهؤلاء حولوا الصراع إلى الحقل الثقافي، حتى صار ذو مغزى وجودي أكثر منه سياسي. فالهيبزم من أبناء الطبقات الوسطى، والسكينهود أبناء الطبقة العمالية لكن الفئتين عبرتا عن هامشيتهما من خلال خلق نمط عيش جماعي مشترك يعبر عن ثقافة الرفض تلك. فتلك الجماعات لا ترنوا بشكل مباشر إلى تغيير الوضع السياسي بقدر ما تبتغي تأكيد كيانها داخل المجتمع بخلق وممارسة ثقافة متفردة تخصها. ويكون ذلك عن طريق ابتداع طرق خاصة في اللباس، والكلام، وابتكار علاقات إجتماعية خارجة عن المألوف..إلخ. لقد كانت سنوات الستينات والسبعينات سنوات ثقافوية بامتياز، لكن لا يعني هذا أنه يمكن اختزال الشباب في خانة الثقافة دونا عن الممارسة السياسية. فهؤلاء وإن لم يمارسوا السياسة بشكل مباشر فلأنهم ضاقوا ذرعا بقواعد اللعب التقليدية في حقل السياسة. لهذا غالبا ما يتم الحديث عن"ظاهرة عزوف الشباب عن السياسة" خصوصا في العقود الأخيرة. الحقيقة، ليس ذلك عزوفا عن السياسة بقدر ما هو عزوف عن أساليبها التقليدية بالخصوص الممارسة الحزبية. لأن تلك وإن كانت مؤسسات سياسية محدثة تعبر عن براديغم الديموقراطية، فإنها في الدول المتخلفة ليست غالبا سوى كيانات قبلية أو أبوية تعبر عن طبقات إجتماعية مغلقة (casts)، بالخصوص في تراتبياتها العليا. لهذا فحين بزغ شباب "الربيع الديموقراطي" سنة 2011 في شمال أفريقيا والشرق الأوسط فقد كان شعارهم الأساسي هو "تغيير النظام"، وحين قام شباب الريف بالمغرب بانتفاضة دامت أزيد من ثمان شهور سنة 2017 بالمغرب، فقد كان شعارهم الأساس رفض أي حوار مع هيئة الأحزاب لأنها بالنسبة لهم مجرد "دكاكين سياسية". أليس الشباب إذن أكثر تسيسا من غيرهم؟

لكل هذا يمكن القول أن الشباب كموقف من العالم، قد يحدث أن يظهر بصيغ منظمة، إما جماعات إجتماعية ذات ثقافة مميزة، أو حركات إجتماعية ذات مطالب سياسية تنشد التغيير أو على الأقل الإندماج. 

• الشباب كمشكل إجتماعي

لا يلبس الشباب شكلا إجتماعيا واحدا وإنما عدة أشكال، أو بالأحرى أوضاعا (positions). فالشاب قد يكون طالبا، مهاجرا، عاطلا، عضوا في جماعة ثقافية أو عصابة، ابن حي هامشي، مناضلا سياسيا..إلخ. وداخل هذه الأوضاع المختلفة يقدم النقاش العام بما فيه رجالات السياسية والإعلام الشباب كمشكل إجتماعي يستدعي التدخل. في هذه الحالة تختلف آليات التدخل حسب الفلسفة السياسية لكل بلد. لكن، لكون الدول المتخلفة لا تملك خطة استراتيجية تجاه مسألة الشباب بسبب النظام الأبوي الطاغي على تصورات الساسة، فإنه غالبا ما يتم اعتبار "مشكل الشباب" من منظوره السلبي، فيكون التدخل أمنيا بامتياز. فيكون القمع والاعتقال، والترهيب، واستقطاب الرؤوس، والتعتيم الإعلامي والتخوين كلها آليات الدولة المتخلفة لمعالجة مشكل الشباب.

إذا كانت مطالب الشباب راديكالية فهي كذلك فقط في علاقتها مع الوضع العام الذي تعيش فيه، لكن ذلك لا ينفي واقعيتها بشكل ما. إن فئة الشباب هي الفئة المعنية أكثر بـ"الصراع الأفقي" إن شئنا استعمال لغة ألان تورين(7). أي أنها هي الجديرة من حيث محدداتها الاجتماعية، بمسألة الإندماج حيث يكون الصراع وفقا لثنائية (in - out) وهو صراع الهامش ضد المركز،  بدل الصراع التقليدي ذو الصيغة العمودية (up - down) أي الصراع الطبقي. فليس من الصدفة أن تنضاف كلمة "كرامة" إلى لائحة المطالب الأساسية التي رفعتها حركات "الربيع الديموقراطي". فالكلمة ذات دلالة ثقافية أكثر منها سياسية أو اقتصادية. لا يعني ذلك طبعا، أن الأمر يتعلق بهجرة الحقلين السياسي والاقتصادي، ولكن يعني بالضرورة تأويلهما تأويلا ثقافيا، ويكون ذلك من خلال مفاتيح على غرار: التهميش، القيمة، الاندماج، الاعتراف..إلخ. المطالب إذن بفرط استفحالها، لم تعد تلفظ بصيغ إجرائية، إنما على شكل مبادئ أولية، أو بمطالب المطالب، وبصيغة أدق، على صيغة "الحق في الحقوق" إن شئنا استخدام لغة  الفيلسوفة السياسية حنة أرندت (H. Arendt).  

فالشباب وإن كان في أحايين كثيرة يتواضع مع قوانين اللعب من أجل يندمج (مثلا الخضوع المكره لبعض الشروط القاسية والاستسلام لها من اندماج مهني هش: كالتوظيف بالتعاقد، اجتياز تكوينات مهنية ميؤوس منها..)، فإنه يطالب في أحايين كثيرة بتغيير القواعد عن آخرها وتأسيس قواعد جديدة تتمشى مع قيم الكونية، لأنه بالنسبة له لا إصلاح بدون تغيير النظام  السائد.

الكرامة إذن كمشروع مطلبي رفعه الشباب في الدول شمال أفريقية والشرق الأوسط، يلخص الحقوق الإنسانية بأجيالها الثلاث: المدنية والسياسية، الاجتماعية الإقتصادية ثم الثقافية. تلك الحقوق التي راكمها الفكر والفعل الانسانيين منذ الأنوار إلى عصر الحركات الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين. 


• أين ينتهي الشباب

في الحقيقة ينتهي الشباب عندما تنهي دوافع "الصراع من أجل الاستقرار" إلى "المنافسة من أجل الاستقرار". الانتقال من الصراع إلى المنافسة هو انتقال من وضعية اجتماعية إلى أخرى، وضعية البحث عن المكاسب إلى وضعية الحفاظ عليها واستزادتها. وتبدأ هذه النقلة تدريجيا في الغالب مع الزواج. فمؤسسة الزواج تؤدي إلى تغيير كثيرة في استعدادات ومواقف الفرد، بحيث لا يعود الفرد ينفرد بهمومه الوجودية كما في السابق، كما أن تلك الهموم تنزع عنها طابع السوريالية شيئا فشيئا. ومن ثم، ينصهر الشباب في جماعته الصغرى في مواجهته للعالم، فيتغير منطق الأفعال لديه من اللاواقعية إلى الواقعية. فتغدو مصطلحات التكلفة/ الربح هي الطاغية على مبادئ الأفعال(8). نفس المبادئ يكرسها الولوج إلى سوق الشغل، والاستقرار المهني.

إن ما يجعل الصراع من أجل الاستقرار، الذي يميز فترة الشباب، يستحيل إلى "منافسة" هو اتضاح الأدوار والأهداف. ذلك في الحقيقة، يجعل الفرد أكثر عقلانية(9) في سلوكاته، بحيث يسعى إلى الحفاظ على مكاسب والسعي إلى أخرى في نفس الوقت. هذا بالطبع يكون على حساب تلك النظرة المثالية والعبثية أحيانا التي تطغى على فئة الشباب(10). فيمكن للمناضل مثلا أن يتحول إلى موظف حكومي أو إلى شرطي شرس، أو أن يكون عضو حزب محافظ. كما يمكن للملحد أن يتحول إلى متدين. هذه كلها احتمالات واردة جراء تغيير الموقف والاستعدادات التي تفرضها سن الرشد القائمة أساسا على ركيزتي الزواج والعمل. فإن كان الشعار المثالي إذن لفئة الشباب تغيير قواعد اللعبة، فالشعار المثالي لسن الرشد هو تحقيق ما يمكن تحقيقه باستثمار قواعد اللعبة نفسها، وذلك هو الفرق بين "الصراع من أجل الاستقرار" و"المنافسة من أجل الاستقرار".


خاتمة

إن كان الشباب يرى الشاطئ تحت حجارة الرصيف، فالراشد لا يرى في ذلك الرصيف سوى ممر يسلكه كل يوم ذاهبا وإيابا في حركة دائمة روتينية بين مقر العمل والبيت. تلكم هي المفارقة التي تجسد نظرة الاثنين إلى العالم، الأول يتنطع في مواجهة غد مجهول فيرتكن إلى اللاواقع، والثاني يمتثل من أجل الحفاظ على خطى محسوبة لمستقبل معلوم فيغدو مفرطا في الواقع(11)، الأول يرفض لعبة الشطرنج عن أساسها كما يرفض واضعها، بينما الثاني يكد ليبرع فيها طمعا في نيل جائزة المنتصر. لا تربط بين الإثنين رابطة تمرحل حتمية، إنما يمكن القول أن كثيرا من الشبان غدوا في لحظة إجتماعية ما راشدين، أي تخلو عن "الحكم على الأشياء في هذا الغرور الجميل اللذيذ"(12).




(1) أو حتى ألبير كامو وفرانز كافكا


(2) عكس كانط، الفيلسوف لم تزد الشيخوخة الفيلسوف واللساني الأمريكي  نعوم تشومسكي إلا راديكالية في المواضيع السياسية.


(3) أنظر بهذا الصدد :

-Pierre BOURDIEU, Questions de sociologie, Les éditions de Minuit,Paris,1984, pp.143-154


(4) ميشيل فوكو، "الكلمات والأشياء"،ترجمة  مطاع صفدي وآخرون، مركز الإنماء القومي، لبنان،1990-1989، الصفحة 26


(5) أي ثقافة الحس المشترك السائد في بيئة إنسانية معينة، يميز تلك الثقافة أنها  مبنية على المعرفة الحدسية والاستنتاج الفوري والانفعالي، لا الاحتكام إلى أساليب الخطاب العلمي الذي يقوم على العقل والتجربة.


(6) Free speech mouvement: حركة طلابية من أجل حرية التعبير نشطت خلال السنة الدراسية 1964-1965 بجامعة بركلي بالولايات المتحدة الأمريكية. قامت الحركة ضدا على قرار منع إدارة الجامعة الأنشطة السياسية في الجامعة ومجمعها.


(7) Alain TOURAINE ,Face à l’exclusion , Esprit, février 1991, pp.,7-13


(8) ليس من الغرابة أن يتمنع بعض الفلاسفة عن الزواج مخافة أن ينزاحوا عن مشاريعهم الفكرية. السؤال، لو كان للودفيغ فيتغنشتاين مثلا زوجة وأبناء،  هل سيعيش نفس تلك الحياة البوهيمية التي عاشها متنقلا بين الأكواخ؟


(9) المقصود بالعقلانية في سياقنا هو تطابق الوسائل مع الغايات، وهو التعريف الشائع في حقل علم الاجتماع.


(10) لقد وصف بورديو (P.Bourdieu) وباسرن (J-C.Passeron) جيدا التمثل المثالي المناقض للواقعية الذي يطغى على الشباب الجامعي في علاقته مع الدراسة في الفصل الثالث من كتابهما الشهير "الورثة" (Les Héritiers).


(11) لا علاقة لهذا بمصطلحات جان بودريار.


(12) طه حسين، أديب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص 28

فيديوهات

صور