ولادة التراجيديا



لقد اجتمعت في فلسفة "مولد التراجيديا" المرجعيّة الفنيّة نظرًا لعشق نيتشه لـ فاغنار الذي كان يعتبره قيمة ثقافيّة متميّزة، ومرجعيّة أدبيّة نظرًا لعشقه لـهولدرلين، إلى جانب مرجعية أخرى فلسفيّة من خلال استناده على كلّ من شوبنهاور وكانط. لذلك لم يتحدّث نيتشه عن التراجيديا اليونانيّة بلغة أرسطية أو بلغة تاريخية، لكنّه تحدّث عنها بلغة فنيّة انطلاقا من تعلّقه وعشقه للموسيقى الفاغنارية خاصّة، لذلك كان عنوان هذا الأثر الذي دخل به نيتشه إلى الفلسفة "ولادة التراجيديا من خلال روح الموسيقى". يرى نيتشه أنّ هذا الأثر هو "غير ملائم للعصر"، وأنّ ما هو جديد فيه هو أمران حاسمان: الأمر الأوّل هو سعيه إلى فهم "ظاهرة ديونيزوس" لدى الإغريق، وهي الظاهرة التي اكتشف لأوّل مرّة أنّها ظاهرة "نفسية" أساسًا، فجعلها منبتًا أصليّا ومولدا للفنّ الإغريقي عامّة. أمّا الأمر الثاني فهو "ظاهرة سقراط" في حدّ ذاته الذي يظهر لأوّل مرّة في صورة المنحطّ، بل نموذجا للانحطاط والتفكّك الاغريقي، ذلك أنّ العقل السقراطي يظهر مناقضا للغريزة وللفنّ وللحياة، فهو رمز انحطاط الحياة من الدّاخل. يكشف هذا الأثر عن نشأة التراجيديا من روح الموسيقى، وانطلاقا من الصّراع بين ظاهرتين فنيّتين هما أبولون وديونيزوس، فيرمز الأوّل إلى "الحلم" والثاني إلى "النشوة". لقد أقدم نيتشه من خلال هذه الثنائيّة على إحداث قلب جذريّ للأنساق الفلسفية جاعلاً دخوله للفلسفة بعد اهتمامه بالفيلولوجيا منصبّا على الظاهرة الفنيّة بامتياز ومركّزا على انتعاش القيم الجمالية الإستيتيقية التي تجد إثباتها الأقصى في التوحّد بين إله الحلم وإله النشوة، تجاوزاً للفردانية ومعانقة للزمن الأبديّ الذي يتجلّى في العودة إلى الأصل. فالتراجيديا في هذا السياق هي الدّليل القاطع على أنّ الإغريق لم يكونوا يوماً متشائمين، بل كانت حيلة في الانتصار على التشاؤم، وهاهنا يحيل نيتشه إلى خطأ شوبنهاور في تأويله للتراجيديا وفي جعله للحياة مناقضة للغريزة[1].

تُعدّ التراجيديا عند نيتشه مقاومة للموت، عشقا للحياة، معانقة للمتعالي وممارسة للذّة لحظة الألم. نقرأ في مولد التراجيديا ازدواجيّة في اللغة مقترنة بازدواجية في الرؤية نفسها. فيتحدث نيتشه عن التراجيديا اليونانية وعن العصر الهيليني في لغة تجمع بين الشاعرية والرمزية. أمّا فيما يخصّ ازدواجية الرؤية فتظهر فيما سمّاه نيتشه "الروح العلميّة" و"الروح الديونيزوسية". يعرّف نيتشه "الروح العلميّة" على أنّها اعتقاد ظهر أيّام سقراط وأنّه معرفة الطبيعة وحقائقها. وتتلخّص هذه "الروح العلمية" أساساً في المعرفة الحقيقية، الفضيلة وسقراط نفسه من جهة إحالته على المبادئ السقراطية الثلاثة والمتمثلة في: الفضيلة معرفة، لا نذنب إلا عن جهل، الإنسان الفاضل سعيد.

لقد حكمت هذه الروح العلميّة على التراجيديا بالاحتضار والموت لكونها تزدري الفنّ والشعر وتنفي الغريزة والجسد. لذلك تقوم "الروح الديونيزوسية" على أنقاض هذا التصوّر السقراطي للحياة، فيفسح نيتشه المجال للغريزة والفنّ والمسرح والموسيقى. ففي الموسيقى يعود ديونيزوس بعد اختفاء طويل معبّرا عن الإرادة الكونيّة، وهو أمر لا يتحقّق إلاّ بالموسيقى لكونها تعطي للأسطورة معنى ميتافيزيقا أكثر نفاذا وإقناعا.

تتخلّص التراجيديا من الواقع اليوميّ والعالم الخارجي بفضل الأسطورة والموسيقى، فبالموسيقى يتحرّر الجسد وبالأسطورة نعانق الزمن الأصليّ. فالأسطورة هي قصّة فعل الآلهة في بداية الزمن، فإذا كان الزمن الأولي متعلّقاً بالزمن الأبديّ المقدّس، فإنّه من شأن العودة إلى عمق الماضي أن تنسينا كلّ شيء، كلّ ألم وكلّ قلق. وإن كان أكبر ألم لدى الإنسان هو الموت، فإنّ التراجيديا تكون في عمقها للموت نفسه والانصهار في الزمن الأبديّ.



الهوامش:
[1]- نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة علي مصباح، الطبعة الأولى، منشورات الجمل، 2003، "ما الذي يجعلني أكتب كتباً جيّدة"، ص 80

*
من مقال "نيتشه، من الفيلولوجيا إلى الفلسفة"
بقلم: د. فوزية ضيف الله

المفكّر والناقد هشام آدم يكتب: فينومينولوجيا الأمومة





نميل بطريقة ما، إلى افتراض أننا نوع منفصل تمامًا عن الكائنات الأخرى، وأننا لسنا أجسادًا تتحرك وتتأثر بتفاعلات كيميائية وحسب. نحن لسنا روبتات، ولكننا بشر. وبشر هنا، تعني أنَّنا نتمتع برقي ما، يجعلنا بطريقة ما، مميزين إلى حد ما. ومن أجل هذا؛ فإن كثيرًا منا يُردد بيقينية كاملة تقريبًا أننا لسنا مجرد أجساد فقط. لأننا نعتبر أن هذه الفكرة مساوية تمامًا لفكرة أننا بلا عواطف، ولا مشاعر، ولا أحاسيس. فنحن نفصل بطريقة ما، ولسبب ما، بين الجسد المادي، وبين هذه العواطف، والمشاعر غير المادية، لنصل بذلك إلى نتيجة أن ثمة عنصرًا لا ماديًا يدخل في تكويننا. والحقيقة أنَّ النظر إلى الجسد باعتبار جسمًا أو مادة، وحسب، هي نظرة خاطئة تمامًا، فالجسد مادة عضويَّة، مادة حيَّة. والمادة العضويَّة لها خصائص من داخلها، تجعلها تنتج الوعي. فالوعي، والانفعالات، والعواطف، والمشاعر هي في حقيقتها تمظهرات للمادة، وليست أمرًا إضافيًا أو تكميليًا. ولكن ربما ارتبطت لدينا كلمة (مادة) بتصورات ودلالات محددة، تعود إلى الشكل النموذجي للمادة الصماء. بينما المادة في هذا الإطار نوعان: مادة عضوية، ومادة غير عضوية. دماغ الإنسان يفرز عددًا من الهرمونات والإنزيمات، ذات الوظائف الجسدية والنفسية، فهنالك هرمون للسعادة (السيروتونين)، وهرمون للحب (الأوكسيتوسين)، وهرمون للخوف (الأدرينالين)، وهرمون للاكتئاب والحزن (الدوبامين) .. إلخ. فثمة أساس مادي لعواطفنا وانفعالاتنا. فنحن في الواقع روبتات فعلًا، ولكن روبتات حيويَّة، فمشاعرنا وعواطفنا تُنتجها أجسادنا المادية هذه، لأن أجسادنا ليست أجسادًا صماء، ولكنها مادة عضويَّة حيَّة. ورغم أنَّ مثل هذه المعلومات التي ذكرتها سابقًا، معروفة لدى الكثيرين؛ إلا أننا ما زلنا نميل إلى الاعتقاد بوجود فاصل بين أجسادنا، ومشاعرنا. في هذا المنشور يهمني وضع مشاعر كمشاعر الأمومة أو الأبوة، وكذلك مشاعر البنوة في ميزان العقل لا العاطفة. لأن ميلنا إلى التفكير العاطفي، يجعلنا أبعد ما يكون عن حقيقة، وجوهر الأشياء، ربما لأنَّنا لا نحب التصادم مباشرة مع الواقع، لأنه واقع قاس لا يُمثل تصوراتنا الخاصة عن أنفسنا. الإنسان من الكائنات التي تحتاج إلى أن تكون تحت الرعاية والاهتمام المباشر، لفترات زمنية طويلة جدًا، هذه الفترة الطويلة تخلق نوعًا من العلاقة بين الطفل والأم أو الأب. هذا ما يخلق التعوّد، ولكن أساس العلاقة قائمة على المصلحة الصرفة. فالطفل يحتاج إلى الأم، لأنها مصدر الغذاء الأساسي بالنسبة إليه، فهي التي توفر له الغذاء والنظافة، والعلاج، وحتى الإحساس بالاطمئنان والمحبة. فالأم تغذي الطفل بهذه الاحتياجات الضرورية لديه. وحتى وهو ما يزال في رحمها يكون دائمًا بحاجة إليها للحصول على الغذاء والأوكسجين. وفي المقابل، فإن علاقة الأم بطفلها، هي علاقة قائمة على الأنانية البيولوجية، فهي حرفيًا تقوم باستغلال الجنين للتخلص من بعض المعادن الزائدة عن حاجتها، كالزرنيخ، والزئبق، والرصاص. وفي دراسات علمية، وجد العلماء أن نسبة كمية هذه المعادن في الحبل السري كانت أكبر من نسبتها في دم الأم، واكتشفوا أن جسم الأم يتعامل مع الجنين باعتباره مكبًا للنفايات. كما أن جسم الأم يستفيد من الخلايا الجنينة لإصلاح الأنسجة التالفة لديها؛ وبهذا فهي تستفيد من الجنين في اكتساب هذه الخلايا الجنينة مجانًا. إحساس الأم بطفلها، هو إحساس بشيء ما يخصها، وتملكه. أي تعود ملكيته إليها. ورعاية واهتمام الأم بطفلها، هو في جانب منه أيضًا، رغبة منها في الحفاظ على جيناتها، ليكتب لها النجاة والبقاء. فهنالك منافع ومصالح مشتركة ومتبادلة في هذه العلاقة، وتأتي العاطفة الغريزية، لتُغلّف هذه العلاقة بغلافها، وتصبغها بصبغتها. المصلحة، الأنانية، التملّك، التعوّد، الغريزة هي المفاتيح الأساسية في العلاقة بين الطفل وأبويه والعكس.

وفائي ليلا يكتب: أنا باسم الصباغ


أنا باسم الصباغ الذي يرسم بالطبشور على جدران وطرقات الشام خطواته 
الطفل الذي ضبطه حاجز منتبه، وهو سكران 
الذي أنقذته "نص ربعية" عرق من القتل

أنا باسم الصباغ الذي أقطن الطابق الرابع تارة، وشقق أصدقائي الذين غادروا... ربما إلى الأبد 
أتحسس حياتهم، وذكرياتهم، أوراقهم، 
والتفاصيل...
 وثمة امرأة تلتقطها الكاميرا من الخلف تخرج من بيتي غير آبهة من قصف مباغت 
أو قناص ينتظر أسفل الشارع

أنا "آخر سكان دمشق"، وآخر من سيخرج كما تقول أمي (على قفاي).
لن أستخرج جواز سفر،  ولن أفكر بخط سير آمن 
أو أصعد في ميكرو يومي 
يسقط فيه قلبي على الحواجز 
وينشغل العسكر بلم أجزائه الألف  كل مرة

أنا باسم الصباغ الذي  أنتظر "تفييش" اسمي وأنا أدعيّ أني لم أتبول من الرعب 
وأني متماسك وقوي 
مثل مواطن لم يرتكب جريمة 
أقترب من عمر حرج 
وثمة تهديد بالموت دائم نتيجة إدمان على سائل سحري شفاف يرقى إلى درجة الحلم 
اسمه (العرق) 

أنا باسم صباغ الذي أقول نصف الكلام، ويفهم أصدقائي النصف الآخر على اعتبار أنهم مدمنو
كلمات متقاطعة سابقين ويعتقدون أنهم شعراء طوال الوقت 
ألتقط الصور لوحدي 
أتعمد أن تظهر دمشق في خلفية المشهد 
كي كلما مر أحدهم على صورتي في وسائل الإتصال الإجتماعي، يضع قلبًا إلكترونيًا وهميًا 
يقتلني كل صباح...
ويؤجل موتي إلى يوم آخر.. 

ريم صيوح تكتب: فمي ذئبٌ


فمي ذئبٌ.. وضحكتكَ الطّريدة

وجهي غابةٌ.. وعيناكَ القبيلة 

شعرُ لحيتك عشبٌ..
وراحة كفّي.. شمسُ الظّهيرة 

ابتساماتٌ خفيفة..
ابتساماتٌ عريضة..
وخطوطٌ حول الشّفتين مستديرة 

أحتسيها مع فنجان قهوة 
وأشربُ الماء بعدها.. بكمّيات كبيرة 

أرخي قدمي في ماء عينيه
وأُغرق شعري في البحيرة 
وأقول: أنقذني..

فيمسكني إذ يعقدُ حاجبيه
ويلوي معصمَ فمي.. بنظراتٍ حقيرة

ويقول: ابتُليت بغمّازتين 
واللحية تغرقُ في حُفيرة

وشعراتٌ تتدلى فوق الشّفة العُليا 
كم تبدو في فنّ الاغواء خبيرة. 

كيف يمكن لتدريس الفلسفة أن يساعدنا على محاربة التطرف؟



أنجي هوبز/ترجمة: عمر فتحي

يواجه الشباب الصغير حاليًا خطر التلقين باستمرار، سواء المُتعمّد أو غير المتعمّد، وهذا التلقين يمكن أن يكون بواسطة المُعلنين أو السياسيين، أو متطرفى الأديان، أو وسائل الإعلام، ويجعل هذا التلقين الشباب يواجهون صعوبات فى فهم العالم من حولهم.

ولكن فى هذا العصر المليء بالرسائل الدائمة والصور المتناقضة، فأنا أؤمن أن تعليم الفلسفة للشباب الصغير سيجعلهم يفكرون لأنفسهم، ويتحدون المعلومات المغلوطة، ومحاولات تلقينهم. وقد تم ذكر هذا التصور فى ورقة أعمال المجلس البريطانى فى  للعام 2015 والتى تتضمنت:


“يجب أن يتم تعليم الشباب الصغير كيف يفكر، ليحصن فكره ضد الأيديولوجيات والأفكار التى تسعى لتلقينهم ما يجب أن يفكروا به.”


وقد أشار قسم التعليم فى ورقته البحثية عام 2010 إلى الصلة بين تعليم الفلسفة وحماية الأطفال الصغار من التلقين.

هذا لأن تدريس الفلسفة يمكن أن يعمل على هذه الأمور بشكل شامل. بينما كان برنامج المنع الحكومي -والذى يهدف لوقف تحويل الشباب الصغار إلى متطرفين- يتم انتقاده بشدة لكونه مثير للخلاف ولعدم الثقة فى المدارس والجامعات.

فالتساؤل الدائم، والتفكير السليم اللذان يتم تعزيزهما بواسطة الفلسفة، ليسوا فقط مجرد دفاعات ضد محاولات التلقين. في الواقع، ففي العالم الذى يكون نشر المعلومات المغلوطة به شيئًا مألوفًا، وعبارات مثل ” ما بعد الحقيقة” و” الحقائق البديلة” تبدأ فى الإنتشار بصورة مقلقة، فإنه لمن المهم للمدارس أن تقوم بكل ما تستطيعه لمساعدة الشباب الصغار على تحليل وتفكير ما يسمعوه، وهذا يجب أن يحدث بطريقة واضحة ودقيقة، وكذلك تشجيع الصغار على اتخاذ القرارت المبنية على البراهين الدقيقة.

فالفلسفة يمكن أن تعطي للشباب الصغير المهارات والثقة، وليس فقط للتساؤل وتحدي الافكار الشائعة، ولكن أيضا للنظر في محاولات البعض الحالية في طمس معالم مفاهيم مثل الحقيقة والواقع والخبرة.

وربما يساعد أيضًا تحليل النظريات الفلسفية التى تتناول مكونات الواقع الشباب الصغير في فهم طبيعة العالم الإفتراضى بشكل أفضل، مما يجعلهم أفضل على شبكات التواصل الإجتماعى.

وهناك أيضا حقيقة أن حرية التعبير والحوار المفتوح هما مكونات ضرورية للديموقراطية الليبرالية. كما أن حرية التعبير العقلانية والمثقفة بين الأجيال الحالية والمستقبلية ستساعد فى تحسين أوضاع الديمقراطية وإنها لمن المرجّح أن تزيد جودة الخدمات كذلك التى تقدم بواسطة السياسيين ومسئولي الإدارة العامة.

كما تنمي كذلك الممارسات الفلسفية مهارات الاستماع، وتمكننا من فهم وجهات نظر أُناس آخرين من خلفيات ثقافية مختلفة، وأخيرًا يمكن أن تساعدنا الفلسفة على تنمية التعاطف.

والفلسفة بكل ما تحويه من تاريخ ذاخر بالبراهين والأفكار المختلفة تمكن الشباب الصغير من التفكير فيما يكون الحياة المزدهرة للأفراد والمجتمعات، تلك الحياة التى يتم فيها إطلاق جميع الامكانات بما يعود بالنفع على الجميع فتقنيات التفكير التى تقدمها الفلسفة يمكن أن تساعد الشباب الصغار ليتموا ما يجب إتمامه وأن يساعدوا فى تحويل الأفكار إلى الواقع.

والممارسة الفلسفية المثيرة للذهن والممتعة يمكن بذاتها أن تكون إحدى مكونات الحياة المذهرة، فالسنوات التي نقضيها فى المدرسة لا تكون فقط من أجل إعدادانا للحياة الناضجة ولكنها يمكن أن تلعب دورًا حاسما فى تحقيق أنفسنا ويمكن أن يكون للفلسفة دورًا كبير فى هذا.

فالعالم الحالي معقد ومشوش والفلسفة يمكن أن توفر أهدافا تساعد على البقاء فى هذه الأوقات الصعبة، كما يمكن لها أن توفر الصلابة الذهنية والوضوح في التفكير فالمطالبة بمحتوى فلسفي أكبر فى مناهجنا  هو شيء يجب أن نكون حريصين عليه.

وفائي أحمد ليلا يكتب: أسمي


في السادسة
ألثغ في اللسان
وأعرج من جهة القلب
ألف عصفور يحتشد في نمش وجهي
ألف غابة في أخضر عيني
ألف أغنية في قلبي الولد

اسمي... وفائي ليلا
أنا الكردي الأشقر
ابن دمشق
دمشق كلها التي تومض في الذاكرة
قبل أن يحتلها أحد
قبل أن يسطو عليها غريب
من ركن الدين
الخانة خمس وثمانون
جدتي ثريا
وأمي قمر
هل يدرك أحدكم ما معنى أن تكون أمه "قمر"؟؟


وأنا جميل يا الله
ألف شمس تعبر في مجرة عيني
ألف شهي في فمي
ألف حصان يعدو في تتابع التقاطاتي للعالم بجزء أقل من الثانية
في طرفة عين... وأكشن واحدة
أسند الأرض بذراعي
وأعتقد أني نبي

اسمي... وفائي ليلا
وأستغرب أني مجرد شخص اعتيادي
يمكن أن يُنسى بكل تلك السهولة التي تحدث
طوال الوقت.

زيد الطهراوي يكتب: بشارة طائر الأشجان



الرحلة تبدأ فينا وعواطف من ساروا طامحة لسماوات
أم تحضن طفلا طار بعيد حنان وسبات
وتورثه عادتها في إنعاش الشوق لأقمار تتحدى الليل بنبضات
يا هذا الطائر من علمك الشعر ومن كون بنيان البصر الثاقب في صورتك الممتلئة بالهالات
يصبح كل العالم وهج رماد مات
لتجيء وحيدًا وتدافع عن حقك في سبك الكلمات
لم تزدد الا نصبا والشأن لأعدائك يسمو في الجاه وفي الساحات
من أنت لتضحك ضحكتهم وتضمك أغلى الباقات
أنت المستبطىء عنهم فاقبع في صمتك واسكب في درب شحوبك أنقى الدمعات
يا هذا الشاعر من علمك التحليق ومن في أعشاش الضر الكالح أرساك
تختار طريقك من طرق وتخالف سرب الظلم لتسلم نفسك للمنفى وشتات
(أحلم بالأشجار البرية لا تقطع صولتها أسلاك حديد
وتعيش على الشمس وهدهدة الريح وتربتها وهديل
العزة تسري في أعماق وريد
وتلون بالتربة جبهتها: أيخون التربة غصن يتغذى من أصل نضارتها كوليد
أحلم بالأشجار وحلمي أبسط من نهر لكن كالقمر بعيد)
يا شاعر يا طائر تؤلمهم هذي الصرخات
فثقافة أجنحتك أقلقت الهامات 
هامات بين الأشجار البرية تلبس لبستها وتخون التربة والنبضات
ولعلك حين ركنت لتأخذ درعا يكفيك الطعنات
كان الدرع هو السيف الأعمى يضرب قلبك كالومضات
ستغرد في منفاك الأقسى عن جوع الأشجار البرية في الخصب وألوان البركات 
ستغرد عن من كان السبب لقلعك من تربتك الأنقى من كل التربات
وتغرد عن حلم آت
(إني سواح في أرض الله وأشجاري تتكسر في الريح
أثوابي تبلى وفؤادي صب وجريح
أشتاق وشوقي جمر ومناي مغادرة المنفى والجيب شحيح
أجنحتي تتكسر والشعر بقلبي أنات كسيح
وشذى الورد بقلبي فوار وصريح
من يشعر أني أخشى أن ألقى بدل العودة أذرعة ضريح)
الطائر عاد بعيد الألم الخانق للقلب وللهمسات 
لم يتقصف بعد الورق المتشبث بالأغصان
وسينهل من بذخ الغيمات 
والأغصان كذلك تحتفظ بحبل العهد على الأجفان
لا يتوقف قلب الطائر عن شوق للفجر النابع من رئة الأوطان 
أمجاد الحب الثكلى أصغت -بعد التعب الحاني للظهر- لمقطع صمت وسبات
فإذا بالعطر المتناثر فوق الأكفان 
يوقظها كسناء أو أقوى وحنين عذب كالريحان 
قمر وعناد وبكاء في سمت الطائر، والأنوار 
تقتحم الغدر ومهد الزيف الغاشم والظلمات
وفؤاد الطائر يتفتح كالوردة صامدة في الإعصار
اللب هو الأعتى في حرب تقمع أزهار الشرفات
يا شاعر يا طائر في قلعة بأسك قاوم أعماقك أخرج منها العثرات
لتغرد فيها رئة الحق وتصفو رغم الأكدار 
(الشدة تغلق أبوابا و تدمر مركب عمري والأفنان
فقر مرض تشريد والغربة كالجمر وكالأكفان
قد تغلق كل الأبواب ولا يغلق باب الرحمن
ليمد الله العبد بنور في سلم طاعات في أرض الحرمان
يا خالق دنيانا أقبلت إليك بقلبي فارزقني شط أمان 
فحصيلة بعد عن غايتنا هي أرض ملآى بالطغيان
الظلم سيدحر والآمال ستبنى وستبلى الأحزان
يا رب أتيتك أبكي ندما قبل الخسران
فأذقني يا رب حلاوة إيمان 
فأذقني يا رب حلاوة إيمان
فأذقني يا رب حلاوة إيمان

ود محمد تكتب: أحبّ أشياء..



أحب الأشياء الغائرة
في التجلي
لا أحب ما كان منظما
يكتفني التكرار
أحبك وهذه تكفي
كي أصفح
عن زمن التكرار

أحب الأشياء المباشرة
كأن أحبك
أقولها لك دون مقدمات
ولكن قد أنكرها
وأقول.. حبه مضى ومات

أحب رحابة الأشياء
قلبك من أشيائي
أحب التلميح في الأدب
وفي قلته
بمعنى لا أحب النقد اللاذع
الغير مجد
لكنني لا أمانع إن أجدى
ولا أتراجع
أحبك وتلك تكفي
لتقلب صفحة المواجع

أحب المغامرة مع من لا أحب
كيما يقال..
إني خارج إطار التحكيم واللعب.

استأذن أمك واصفح
عن جارتك
إن اختارت صديقك
 بعد قلبك
ولا تتهاون في هوان الحب
عاقبه اقض أمرا
لا بد واقع جربه إن كان
يستحق الود..

عبد الله عبدي يكتب: أنت محقة


أنت مُحقة 
هذه الرُوح القتيلة لست أنتِ من قَتلتيها
وهذا المذياع الأخرس
وهذه النسائم التي بلا معاني
لا دخل لكِ فيها 
عُيونك العميقة 
شِفاهك الرقيقة 
 غباؤك الذي تيمني بك بألف طريقة 


**  ** 

أنا

 من أقْسمت أن أَهب روحي إليك
هذه المحكمة بريئة منك بما فيها.


** **

أنتِ مُحقة
هذه الروح القتيلة لستِ أنتِ 
من قتلتيها
الفُسحة اللئيمة ما بعدكِ
ونقشي على العين وجهكِ
هذه المُهْلِكات
لستِ أنتِ من صنعتيها.


**  **
أنتِ محقة
أنتِ لَم تهجريني
ولم تُرْغِمي الدمع أن يُمطر على خدّي من عيني
ولا أشجاني أنتِ من افتعلتيها،
أنتِ مُنذ تلك البداية المحتومة لم تكوني لي
أنتِ محقة
هذه الروح القتيلة لستِ أنتِ من قتلتيها.

برتراند راسل: ثلاثة مشاعر


- من كتاب: سيرتي الذاتية

ثلاثة مشاعر، بسيطة لكنها غامرة بقوة، تحكمت في حياتي: اللهفة للحب، البحث عن المعرفة، والشفقة التي لا تطاق لمعاناة البشر. هذه المشاعر، مثل العواصف العظيمة، عصفت بي هنا وهناك، في مسار صعب المراس، على محيط عميق من الكرب، يصل إلى حافة اليأس البعيدة.

سعيت للحب، أولًا، لأنه يأتي بالبهجة الشديدة – والبهجة شيء عظيم لدرجة أنني مستعد أن أضحى بباقي عمري من أجل ساعات قليلة من هذه السعادة. سعيت إليه، ثانيًا، لأنه يخفف الوحدة – هذه الوحدة الشنيعة التي تجعل الوعي المرتعش للشخص ينظر من على حافة العالم إلى الجحيم البارد المبهم الخالي من الحياة. سعيت إليه، أخيرًا، لأنه بالتوحد مع الحب رأيت، بصورة صوفية، الرؤية المتنبئة للجنة التي تخيلها القديسين والشعراء. هذا ما كنت أسعى إليه وبرغم أنه ربما يبدو جيدًا جدًا بالنسبة لحياة بشرية، هذا هو ما وجدته، أخيرًا.

بشغف مساوي سعيت إلى المعرفة. تمنيت أن أفهم قلوب البشر. تمنيت أن أعرف لماذا تلمع النجوم. وحاولت أن أدرك القوة الفيثاغورية التي تسيطر فيها الأرقام على تدفق الأشياء. قليل من هذا، وليس الكثير، استطعت أن أحققه. الحب والمعرفة، بحسب ما كانا ممكنين، قاداني إلى أعلى في السماء. لكن الشفقة دائمًا ما أعادتني ثانية إلى الأرض. أصداء أصوات البكاء من الألم تتردد في قلبي. الأطفال في المجاعات، الضحايا الذين يعذبون بواسطة الظالمين، العجائز العاجزين الذين يعتبرهم أولادهم عبئًا مكروهًا، والعالم الكامل من الوحدة، والفقر، والألم، كل هذا يسخر مما يجب أن تكون عليه الحياة البشرية. أنا أتوق إلى تخفيف الشر، لكني لا أستطيع، وأعاني أنا أيضًا. هذه كانت حياتي. وأراها تستحق أن تُعاش، وبكل سعادة سأعيشها مرة أخرى لو منحت لي الفرصة.


شذرات كارل كراوس



- تقديم وترجمة: رشيد بوطيب

الشذرة عند كارل كراوس 1874 - 1936 فن اللغة بامتياز. جنس أدبي يقع بين الشعر والفلسفة، إلا أنه أبعد ما يكون عن الشعر، لأنه محكوم بالعقل وليس بالإحساس. ولا يمكن أن نختزله في قواعد معينة. إنه لعب بالأنظمة الشعرية والفكرية. وروح الشذرة روح إشكالية. فهي أسلوب عالم فقد ثقته بقيمه وأشكاله، عالم يحن إلى بدء جديد. ولهذا، فإن الشذرة، كما عبر عن ذلك فريدريش شليغل، فن يخاطب المستقبل والأجيال القادمة، ويظل معاصروه عاجزين في أغلب الأحيان عن فهمه أو تقبله.

وظهرت الشذرة أول ما ظهرت عند اليونان، وبالضبط عند هيبوكراتس في كتابه Aphorismi الذي يحوي نصائح وطرق علاج طبية. وتتكون الشذرة من عدد قليل من الكلمات، وتتطرق إلى جميع المواضيع، السامية منها والوضيعة، العلمية وغير العلمية. وفي العصر الحديث، وخصوصا عند باكون، كانت الشذرة تعبيرا عن شكه بالطريقة العقلانية أو المنطقية في التفكير. كما أنها كانت عدوة السطحية والسطحيين. ذلك أنه ليس في إمكان أي كان الابداع في هذا المجال إذا لم يكن مسلحا بما فيه الكفاية. وباسكال أيضا في كتابه "أفكار" انتصر للشكل الشذري، اللانسقي، ما سماه بنظام القلب أو الحدس.

إن الشذرة تعارض كل فكر نسقي، وتستعمل غالبا كسلاح هجائي ضد الزمن الراهن. روحها هي روح التمرد. حقيقة مقلقة، فكر نقدي، لا نسقي، ولا قوانين لها غير قوانين الأنا. إنها كما قال عنها نيتشه: "فن الخلود". والشذرة تظهر دائما في المابين، مع نهاية نظام قديم وقبل بروز معالم نظام جديد. إنها شاهدة ومسجلة هذا التحول الدراماتيكي، هذا الفراغ الروحي الذي تعجز كل الأنساق عن فهمه وتخاف الاقتراب منه. والشاذر Aphoristiker يملك طبيعة مقاتلة. إنه لا يخاف الصراع، بل هو يعمل واعياً على اشعال فتيله. إنه المعارض الأبدي بامتياز، أو كما قال عنه شليغل: "يوجد دائما في وضع هجائي".

وكذلك كان كارل كراوس. لقد كان هدفه الأسمى النضال ضد الزمن، وأخذ هذا النضال شكل نضال ضد لغة هذا الزمن. لقد فضل كراوس الشذرة على كل فنون القول الأخرى، ذلك أنها وحدها من تستحق اسم فن الهجاء بامتياز. وأهم موضوع لشذرات كراوس كان الأخلاق. ليس الأخلاق السائدة وإنما الأخلاق التي لم تكن تخجل من قول ما يجب أن يكون. فالأخلاق في نظره لا تعرف أنصاف الحلول. 36 سنة يكتب كــراوس في مجلته الشعلة Der Fackel، وفي أغلب الأحيان كان يحررها وحده. لم يحتقر كراوس أحدا قدر احتقاره الإعلام، والزواج القائم في الإعلام بين الرأي والحكم الشخصي. حاجتنا اليوم إلى كراوس أكثر من أي وقـت مضى. في وقت تحول الإعلام إلى حاجب في بلاط الرأسمال وشركات الإعلانات، وفقد الانسان حريته في التعــبير، في زمن صناعة الوعي وصناعة الذاكرة، وفي زمن تخرس أصوات النقد وترتفع أصوات التكفير.

* كتابة الشذرة بالنسبة إلى من يستطيع ذلك، أمر صعب. ولكنه أمر سهل بالنسبة إلى من لا يستطيعه.

* الشذرة لا تتدثر البتة بالحقيقة. إنها، إما نصف حقيقة، أو حقيقة ونصف الحقيقة.

* لا أتحكم سوى بلغة الآخرين. لغتي تفعل بي ما تريد.

* شوارع فيينا معبدة بالثقافة. شوارع المدن الأخرى بالإسفلت.

* من الأمراض الأكثر انتشارا: التشـــخيص.

* ألا يملك المرء فكرة، ومع ذلك أن يكون قادرا على التعبير عنها: ذاك ما يصنع الصحافي.

* يملك المظهر من الحروف أكثر مما تملكه الكينونة.

* اللغة أم الفكر وليست خادمته.

* يا رب، اغفر لهم، إنهم يعرفون ما يفعلون.

* حين تحس ثقافة ما بقرب نهايتها، تبعث بطلب الكاهن.

* المرأة التي لا يمكنها أن تكون قبيحة، ليست جميلة.

* الألمان - شعب القاضي والجلاد.

* لغة الشاعر، حب امرأة - إنها دائما تلك الأشياء، التي تحدث للمرة الأولى.

* تبدأ الأوهام، في اللحظة التي يتوقف المرء عن التعلق بها.

* كيف يحكم العالم وتخاض الحروب؟ الديبلوماسيون يكذبون على الصحافيين ثم يصدقون أكاذيبهم حين يقرأونها.

* الفنان، وحده ذلك الذي يستطيع أن يصنع من الحل لغزا.

* الأكثر سوءا في الشوفينية، ليس كراهية المرء للأمم الأخرى، ولكن حبه لأمته.

* واضعو الأخلاق قلبوا وضعية الأجناس: قيدوا جنس الأنثى بالتقليد، وعملوا على تهييج الذكر. وبفعل ذلك جف الجمال والعقل. ما زالت هناك بعد شهوة في العالم، لكنها ليست أبدا ذلك التفتح الظافر للذات، بل فقط الانحطاط الوضيع لوظيفة.

* الذي لا يحفر حفرة للآخرين، يسقط بنفسه فيها.

_ _ _ 

المصدر: مختارات جمعها كريستيان فاغنكنشت، وصدرت طبعتها الجديدة أخيراً عن دار سوركامب الألمانية.

فيديوهات

صور