دراسة حول رواية "مئة عام من العزلة"


*بقلم حبيب فارس

مقدمة

ترمي هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على أساسيات رواية "مئة عام من العزلة"، بما في ذلك خصائص نوعها الأدبي وميزاتها الفنية مع قراءة لبعض دوافع الكاتب واستخلاص ما أمكن من مقاصده. وقبل البدء بهذه الدراسة تنبغي الإشارة إلى أن هذه الرواية تنطوي على العديد من عناصر التجديد التي يصعب الإحاطة بها في دراسة واحدة، خاصة وأنها تجمع إلى جانب الكثير من خصائص العمل الروائي الكلاسيكي سلسلة لامتناهية من القصص القصيرة وحتى القصيرة جدًا، بكل خصائصها، والتي يمكن قراءتها كقصص منفصلة، إلى جانب العديد من عناصر وخصائص كتاب التاريخ والسيرة الذاتية غير الرسميين، ناهيك عن لغة شعرية تجعل قراءة الرواية شبيهة بقراءة ديوان الشعر.



الفكرة والتجربة الإنسانية 


"مئة عام من العزلة" هي من أهم الروايات العالمية المعاصرة، كتبها بلغته الإسبانية الأم الروائي الكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز» عام 1967، وترجمت فيما بعد إلى سبعة وثلاثين لغة، بما فيها العربية، وهي من أفضل أعمال الكاتب التي أدت إلى منحه جائزة نوبل للآداب عام 1982. وتنتمي "مئة عام من العزلة" إلى مدرسة الواقعية السحرية التي ميّزت الأدب الأميركي اللاتيني خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وإذ تتفاوت تعريفات أدب الواقعية السحرية، فإن المشترك بينها هو أنه الأدب الذي تمتزج فيه عناصر الأسطورة والواقع ليعبّر بأساليب موضوعية عن مشاعر ذاتية تتجلّى فيها القضايا الحقيقية بصيغ لا تنطبق على الحياة الواقعية اليومية. 



العنصر السائد في الرواية


تمثل فكرة الإنعزال والإغتراب بشقيها المادي والروحي مركز مواضيع الرواية المتعددة والمحرّك الأساسي لأحداثها وأشخاصها. فبلدة "ماكوندو" الوهمية التي تأسست في أدغال أميركا اللاتينية النائية والممطرة ترمز إلى القرية المنعزلة خلال العهود الإستعمارية وما أعقبها من عهود تبعيّة. وفي هذه البلدة تعاقبت ستة أجيال لأسرة "بوينديا" في دوامة من العزلة والأنانية، لأفراد منفصلين عن بعضهم البعض ولو كانوا يقطنون المنزل الواحد، بما يجعل من حياة هذه الأسرة تجسيدًا لحياة الأسرة الأميركية اللاتينية الأرستقراطية التقليدية. 


تتوالى على مدى الرواية مظاهر العزلة والإنسلاب لدى أشخاصها من خلال جملة من المغامرات الاستكشافية والحربية وسلسلة من الممارسات الغريبة، بحثًا عن معنى حقيقي للحياة، وبخاصة البحث عن الحب الحقيقي، لكن دون جدوى. اللهمّ في المرة الوحيدة التي نشأت علاقة تخللها قليل من الحب والسعادة، بين "أوريليانو" و"بترا كوتس". وهذه العلاقة كادت أن تتكرر في نهاية الرواية بين "أوريليانو بابيلونيا" و"أمارانتا أورسولا" اللذان قررا إنجاب طفل كان يأمل والده بأن يعيد إحياء مجد الأسرة التي شارفت على الإنقراض. إلا أن العاقبة كانت وخيمة، حيث توفيت "أمارانتا" مباشرة بعد وضع طفل له ذيل خنزير، كثمرة لعلاقة سفاح القربى بين والديه، حيث تبين أن الأم لم تكن سوى عمة الأب. ومع هذا الطفل الذي أكله النمل، لم يكتب البقاء لجيل سابع في أسرة "بوينديا". لكن ظهور هذا الحب ولو مع نهايته المأسوية، كأنما يبشر بظاهرة ايجابية ربما قصد الكاتب من خلالها الإيحاء بأن الحبّ الحقيقي يرمز إلى القيم الإشتراكية التي آمن بها شخصيًا، كبديل لعالم العزلة والأوهام والهواجس العصبية التي ترمز إليها حياة وقيم أسرة "بوينديا" التقليدية البالية.



الأحداث وتطورها 


تزدحم الرواية بتفاصيل دراماتيكية غريبة ومذهلة لأحداث ومغامرات متتالية. تبدأ بزيارات الغجر الموسمية لبلدة "ماكوندو" وعرضهم فيها بضائعهم الجديدة القادمة من العالم الخارجي، كالثلج الاصطناعي والتلسكوبات، حيث يتأثر الجد المؤسس بهذه المعروضات وتسيطر عليه حالة من الهوس في البحث عن اكتشافات جديدة مشابهة، دون أن يفلح بتحقيق طموحاته، فينتهي إلى حالة من الجنون تربطه أسرته على إثرها لسنوات عديدة وحتى وفاته، بشجرة كستناء. لكن شبحه يبقى حاضرًا في البلدة وخاصة بين أفراد أسرته. فهو يورث هوسه بالإكتشافات الجديدة وشدة تركيزه كما قوته البدنية وروحه المغامرة وتسرعه وعزلته إلى أبنائه وأحفاده. 


تفقد البلدة براءتها وعزلتها تدريجيًا عندما تبدأ علاقتها بالبلدات المحيطة، حيث تندلع الحروب الأهلية التي تجلب العنف والموت إلى "ماكوندو"، والتي يلعب فيها إبن "خوزيه أركاديو بوينديا" الأصغر، "أوريليانو"، دورًا بارزًا كزعيم للمتمردين الليبراليين وبعد اكتسابه صيتًا سيئًا بصفته الجديدة "العقيد أوريليانو"، خاصة بعد سلسلة من الإنقلابات الدموية التي حصلت في البلدة، حيث تغيرت حكوماتها مرارًا، بما في ذلك حكومة الدكتاتور "أركاديو" الذي يعتبر الأشد قساوة في أسرة "بوينديا"، وهو الذي أعدم بالرصاص في نهاية المطاف، إثر انتفاضة أدّت إلى توقيع معاهدة سلام بين المحافظين والليبراليين. 


وتعيش أسرة "بوينديا" سلسلة لامتناهية من أحداث الوفاة والزواج والعلاقات العاطفية الغريبة، تتوالى فيها العلاقات الجنسية الجامحة لبعض أفرادها، بما في ذلك ارتياد الرجال بيوت الدعارة وعلاقات سفاح القربى، وهي العلاقات التي جعلت أجيال الأسرة أسيرة هاجس الخوف من العقاب بولادة الأطفال الذين لهم ذيول الخنازير، بينما انزوى العديد من أفراد الأسرة في عزلة شبه دائمة في غرفهم المغلقة، يشغلون أنفسهم بصناعة الأسماك الذهبية الصغيرة أو البحث عن أسرار الأسرة ومصيرها داخل المخطوطات القديمة.


من جهة أخرى، تتعاظم أحداث بلدة "ماكوندو" المأساوية مع تعاظم الممارسات والأنشطة الاستغلالية والاستبدادية التي تعرض لها مواطنيها من قبل الشركة الأميركية الاحتكارية المسيطرة على زراعة الموز، بما فيها الإضراب الاحتجاجي الذي قمعه الجيش بوحشية وأدى إلى مجزرة ذهب ضحيتها الآلاف من المزارعين والعمال. وتنتهي أحداث الرواية بخمس سنوات من المطر المتواصل والفيضانات التي تقضي على بلدة "ماكوندو" بما فيها آخر أفراد عائلة "بوينديا"، وذلك تزامنًا مع توصل الأخير إلى فكّ تلاصم الغجر القديمة التي كانت تنبأت بالنهاية المأساوية لأولئك "الذين يعيشون خارج دائرة ما هو مقرّر سلفًا". 



الشخصيات


يشبه أشخاص الرواية إلى حدّ كبير مواضيعها وأحداثها. فمثلما يعيد التاريخ نفسه ويحكم على كل جيل من الأجيال تكرار منجزات وأخطاء الجيل الذي سبقه، تتكرر أسماء شخصيات الرواية داخل أسرة "بوينديا" التي بالرغم من عديدها انخفضت أسماءها إلى الحد الأدنى. فعلى مدار ستة أجيال، نجد أسماء رجال الأسرة تنحصر بـ "خوزيه بوينديا" أو "أركاديو" أو "أوريليانو" بينما تتكرر أسماء نسائها بين "أورسولا" أو "آمارانتا" أو "ريميديوس". وكأن الكاتب أراد من خلال ذلك التأكيد على فكرة عدم تغير الطبيعة البشرية وذلك انسجامًا مع تكرار مواضيعه وأحداثه. 


ويمثل الجد الأول لأسرة "بوينديا"، "خوزيه أركاديو بوينديا"، أحد أهم شخصيات الرواية. فهو صاحب شخصية الزعيم المغامر والمؤسس العظيم والبريء الذي أمضى معظم سنوات حياته يبحث عن الاكتشافات الغريبة، وهو بسبب ولعه بهذه الاكتشافات أهمل أفراد أسرته فإذا بالكثيرين من النقاد يشبهونه بشخصية «آدم»، حيث أدى ابتعاده عن الإيمان بالسحر وسعيه من أجل المعرفة إلى زوال عائلته ومعها بلدة "ماكاندو" كما جرى لآدم في جنة عدن. وتلعب زوجة "خوزيه أركاديو بوينديا"، "أورسولا"، دورًا في الرواية لا يقل عن أهمية دور زوجها. شهدت "أورسولا" التي عاشت حياة مديدة -قاربت المئة عام- وفاة أبنائها الثلاثة وعاصرت ولادة معظم أحفادها. وخلافًا لغالبية أقاربها لم تعان "أورسولا" قلقًا روحيًا كبيرًا، إذ أمضت معظم حياتها تحاول جمع شمل الأسرة والحفاظ على بقائها، واستطاعت النجاح نسبيًا بمهمتها بفضل قساوتها أحيانًا كما فعلت عندما طردت "خوزيه أركاديو" و"روبيكا" عندما ارتبطا بعلاقة عاطفية محرمة. وعانت "أورسولا" تناقضًا حادًا، فكانت من جهة ملتزمة بتقريب أفراد الأسرة بعضهم للبعض الآخر، ومن جهة أخرى كانت تخشى أن يؤدي هذا القرب إلى علاقات عاطفية تتخطى الحدود المشروعة. 


ويجسد "العقيد أوريليانو بوينديا" صورة الجندي العظيم والقائد المقدام للقوات الليبرالية خلال الحرب الأهلية، بينما يلعب أدوارًا أخرى في الرواية ككتابة الشعر وصنع الأسماك الصغيرة بحرفيّة عالية. لكنه في سياق الرواية تبدو جسارة واتزان "أوريليانو بوينديا" دون قيمة، إذ فشل في جميع الأدوار القيادية التي لعبها لينتهي بحالة من اليأس والإحباط أدت إلى لجوئه للتسلية والعبث بالوقت من خلال تذويب أسماكه الصغيرة فإعادة تصنيعها وهكذا دواليك. كما يبدو صاحب الشهرة الواسعة والذي أنجب سبعة عشر طفلًا من نساء متعددات وغير معروفات، أنه يفتقد المشاعر العميقة وهو ما يفسر جسارته في المعارك العسكرية وقدرة تركيزه على أعماله الفنيّة. يحاول "العقيد أوريليانو بوينديا" الانتحار إثر فشله في الحروب الأهلية التي قادها ويستنتج أن شعور الفخر هو العامل الوحيد الذي يبقي فريقين في حالة القتال. وفي نهاية المطاف يفقد "العقيد أوريليانو بوينديا" ذاكرته ويحرق جميع قصائده ويذيب أسماكه الخمسة وعشرين، معترفًا بأن "عجلة الوقت تدور وليس لشخص مثله فاقد الذاكرة سوى الحاضر الذي يحياه". 


ومن الشخصيات التي لعبت أدوارًا بارزة في الرواية، "روبيكا" وهي الطفلة اليتيمة التي تبنتها الأسرة. تصل "روبيكا" منزل العائلة وهي لا تتقن الإسبانية، حاملة معها حقيبة قماش تحتوي على عظام والدها وعادة غريبة هي أكل التراب. تقع فيما بعد في غرام أخيها بالتبني المتزوج "خوزيه أركاديو"، لتعيش باقي حياتها، بعد وفاته المفاجئة، في عزلة مريرة. كما يلعب الغجري "ميلكيادس" الذي اعتاد على زيارة "ماكوندو" دورًا هامًا منذ بداية الرواية وحتى نهايتها. فهو الذي كان يعرض البضائع المصنوعة في أنحاء مختلفة من العالم، وباع "خوزيه أركاديو بويندا" الاختراعات الجديدة ومختبرًا للبحث العلمي، كما أنه صاحب المخطوطات الغامضة التي فشل جميع أفراد الأسرة في حل رموزها، ما عدا الحفيد الأخير "أوريليانو" الذي قرأ فيها نبوءة "ميلكيادس" حول زوال الأسرة والبلدة.


كذلك يلعب السيد هربرت ومدير أعماله الديكتاتور السيد براون دورًا هامًا في الرواية، فبعد حلوله ضيفًا في أحد منازل "ماكوندو" وتذوقه ثمرة موز يقرر السيد هربرت انشاء شركة لزراعة حقول الموز. واحتجاجًا على استغلال العمال الزراعيين يقوم "خوزيه أركاديو سيغوندو" بتنظيم إضراب ينتهى بمجزرة أدت إلى قتل ثلاثة آلاف من العمال المضربين في ساحة البلدة، وتقوم الشركة والحكومة بالتعتيم على حدوث هذه المجزرة التي لم يبق من يتذكرها سوى "خوزيه أركاديو". ويُعتقد بأن الكاتب استوحى هذه المجزرة من مجزرة ضد عمال الموز وقعت في مدينة "سانتا مارتا" الكولومبية عام 1928. ومن شخصيات الرواية البارزة "بيلار تيرينا" التي كانت عشيقة في نفس الوقت للأخوين "أوريليانو" و"خوزيه أركاديو" وأنجبت ولدًا من كليهما حملا ذات الإسمين "أوريليانو" و"خوزيه أركاديو"، وكانت قارئة كفّ ممتازة، وعاشت 145 عامًا قريبة من معظم أفراد الأسرة على مدى الرواية، تساعدهم في نبوءاتها من خلال الكفّ ولاحقًا من خلال أوراق اللعب. 


"أمارانتا أورسولا " هي آخر نساء أسرة "بوينديا"، وهي التي عادت من أوروبا مع زوجها العجوز "غاستون" الذي تخلى عنها عندما أخبرته بعلاقتها العاطفية مع الإبن غير الشرعي لإبن أخيها، "أوريليانو"، ودون أن تدري أنه إبن أخيها حملت منه وماتت بعد أن وضعت مولودها الذي له ذيل خنزير وكان المولود الأخير في الأسرة قبل أن يأكله النمل. أما إبن أخيها وعشيقها "أوريليانو" فهو آخر رجال الأسرة، وهو المثال الأبرز للعزلة بين شخصيات الرواية والأكثر تعطشًا للمعرفة المدمرة. عاش"أوريليانو" في عزلة كلية فرضتها عليه جدته "فرناندا ديل كاربيو" بسبب خجلها من ولادته خارج الإطار الزوجي. وعاش حتى صار رجلًا، داخل غرفته منكبًا على البحث في مخطوطات الغجري "ميلكيادس" وما احتوته كتب العائلة، مما أكسبه مستوى من المعرفة السحرية لم ينله سواه من أفراد أسرة "بوينديا". وبعد علاقته الغرامية مع عمته "أمارانتا أورسولا" شهد انقراض آخر فرع من فروع الأسرة في مهده، بينما كان النمل يأكل طفلهما الذي ولد بذيل خنزير. واستطاع "أوريليانو"، آخر نسل عائلة "بوينديا" تفسير نبوءة العجوز الغجريّ "ميلكيادس" عن دمار "ماكوندو" في الوقت الذي كان يفسر فيه النبوءة. وبذلك يكون "أوريليانو" الذي قضى بينما هو يقرأ النبوءة، "نبيّ العذاب الذي يدمر البلدة بفعل قراءته وتفسيره الشبيهين بقراءتنا لرواية مئة عام من العزلة".



بيئة القصة


ربما كانت مواضيع الرواية غير العادية سببًا في اعتماد الكاتب بناء غير عادي لروايتة. فهو لم يلتزم جدولًا زمنيًا منتظمًا لروايته، بل جعل حركة التاريخ تكرر نفسها وصولًا إلى دورانها داخل حلقة واحدة، جامعًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، تمامًا كما جمع بين الأسطورة والواقع، الحرب والسلم، التخلف والتقدم، الشخصي والعام، وكما تعمّد ألا يكون للرواية بطلًا رئيسيًا، ناهيك عن تكراره غير المألوف لأسماء أبطال الرواية.


ومثلما ترك الكاتب خيار زمان الرواية للقارىء، ترك أيضًا أحداثها تتحرك في أمكنة غير محددة المعالم. فالكاتب وإن عرض بين الحين والآخر بعض التفاصيل المحيطة بأشخاصه، لم يصف مثلًا، بدقة وبشكل متكامل منزل أسرة "أوريليانو" رغم ايوائه للعشرات من أبنائها والمئات من زائريهم، كذلك لم يرسم صورة مترابطة لمعالم بلدة "ماكوندو" وأبنيتها وساحاتها وحقول موزها ومحيطها. وكأنه أراد للأمكنة أن يكون معزولًا بعضها عن البعض على شاكلة أحداث وأشخاص الرواية. علمًا بأنه ترك القارىء يتخيل أشكال وصور هذه الأمكنة من خلال أساليب حياة وأنشطة قاطنيها والمتحركين في فلكها. وهكذا تصبح الأماكن وهمية لكنها في نفس الوقت شبيهة بتلك الأماكن الحقيقية التي نعرفها أو نستطيع تخيلها في معظم بلدان العالم الثالث، فقط من خلال أسلوب الكاتب السردي الرائع ومزجه الحذق بين الأسطوري والواقعي.



طريقة العرض


يعتمد الكاتب الأسلوب السردي في معظم أجزاء الرواية، دون أن يتخلى تمامًا عن الأسلوب الحواري الذي نقع عليه، بين الحين والآخر، وفي جميع فصولها. والواضح أن ماركيز عوّض عن تماديه في السرد على حساب حوار أشخاص الرواية باستخدامه الفذ لأسلوب تصويري أخّاذ، بحيث لا ينتبه القارىء لغياب الحوار، ما دامت مشاهد الأشخاص وطريقة تفكيرهم وأفعالهم كلها تأخذ إلى نفس الخلاصات التي يبغيها الحوار. في هذا الأسلوب مزح ماركيز بين عناصر كتابية فنية متنوعة ليس أقلها الشعرية والغنائية والتلقائية البعيدة عن التكلف والمحسنات اللفظية، ناهيك عن بعض التقنيات السينمائية بما فيها تقنيات المونتاج والصورة عن قرب التي تجمع بشكل شديد التأثير، بين الفكاهة والبشاعة من جهة والدراما والمأساة من جهة أخرى. حتى أن العديد من النقاد اعتبروا أن الكاتب استطاع في رواية "مئة عام من العزلة" أن يصور البشاعة بأجمل حللها.



خلاصة


رواية "مئة عام من العزلة" تنتمي إلى مدرسة "الواقعية السحرية"، تجسّد أحداثها الخيالية شخصيات أسطورية لكنها تشبه الأبطال الحقيقيين، وتدور هذه الأحداث في أزمنة وأمكنة وهمية لكنها تشبه الأزمنة والأمكنة الواقعية. وهذا سرّ لازمكانية هذه الرواية التي تجمع بين الرواية الكلاسيكية وكتاب التاريخ غير الرسمي والسيرة الذاتية غير الموقعة للكاتب نفسه، من خلال عرض أحداث وشخصيات وقصص حقيقية وأسطورية، إما عايشها الكاتب أو سمعها على ألسن أقربائه وآخرين أو جمعها من الكتب والمخطوطات القديمة. وإن بدت هذه الرواية الخالدة محاولة من قبل الكاتب لتفسير التاريخ الحقيقي لأميركا اللاتينية من خلال تداخل الواقعي بالأسطوري وبأسلوب نقديّ مشوّق يزاوج فيه بين الجدية والسخرية وبين المأساوي والكوميدي، فإن البديل الذي يقترحه الكاتب، ولو تلميحًا، المتمثل بالخروج من عالم العزلة المحكومة بسقف الخرافة والأوهام والتقاليد البالية، إلى عالم الانفتاح الذي تسوده الرؤى والأفعال العقلانية والتحررية، إنما يتعدى كولومبيا وأميركا اللاتينية ليكتسب بعده العالمي.

"سنديانة الأشواق" ديوان شعري لزيد الطهراوي


وإذا ما خفت البوح فهذي الكف تهديك الإشارة
وغرفت العطر من قلب الأحاسيس وأفرغت بحاره رغم أني لم أفرط بالتحايا جئت بالشعر لكي يسدي اعتذاره وقطفت الشجر العالي يواري الهجر فينا كالستارة
كل هذا كي يظل الدرب ممتدًا لأسراب البشارة

جمهورية أفلاطون


*أحمد المنياوي


• إهتمام الفلاسفة، الذين كتبوا مدنًا فاضلة أنصب على قضية تربية حاكم المدينة ووُجوب تميّزه بخصال علمية ثقافية وأخلاقية. تمكنه من إدارة البلاد على الوجه الأكمل..

• في اللغة اليونانية كلمة جمهورية لا تعني بلدًا بل تعني الآداب والأخلاق. فالكتاب هو جواب وإثبات أفلاطون على السؤال أيهما أفضل، أن تكون عادلًا أم ظالمًا. الإجابة بسيطة ولكن الإثبات صعب جدًا.

• لا يظهر أفلاطون في الكتاب ولكن أفكاره وآراءه هي مجسدة في سطور (سقراط). هذا الأسلوب أدّى إلى جعل موضوع فلسفي سهل للفهم والإستيعاب مما يلفت النظر في أسلوب أفلاطون هو الطريقة المنظمة والتدريجية في سرد أفكاره.

• شبّه أفلاطون طبقات المجتمع بالنفس حيث العاقلة المريدة والمشتهية وقد قدم أول مفهوم للشيوعية التي تخص طبقة الملوك الفلاسفة حيث تنزع ثروتهم ويحدد لهم دخل ثابت ويمنعون من الزواج لأنهم مرجعية كاملة كتشريع وقضاء وحكم.

• يعتقد أفلاطون أن الإنسان يميل بطبعه إلى التّعدي أكثر من العدالة، والدولة ينبغي أن تُعلم الأفراد حب العدالة.

• ويقسم الإنسان إلى: الرأس وفيه العقل، وفضيلته الحكمة - القلب، وفيه العاطفة، وفضيلته هي الشجاعة. - البطن، وفيه الشهوات، وفضيلته هي الإعتدال.

• وهذا النظام (الديمقراطية) يستهوي العقول، لكن الواقع أن الناس ليسوا أكفاء بالمعرفة والتهذيب ليتساووا في إختيار الحكام وتعيين الأفضل، وهنا منشأ الخطر.

• يقول: إن أفضل دولة هي التي فيها العقل يكبح جماح الشهوات والعواطف.

• الناس إذا لم يهدهم العلم كانوا جمهورًا من الرعاع من غير نظام، كالشهوات إذا أُطلق العنان لها.

• الدّمار يحل بالدولة حين يحاول التاجر الذي نشأت نفسه على حرب الثروة أن يصبح حاكمًا، أو حين يستعمل القائد جيشه لغرض ديكتاتورية حربية..

• ثم من غير (خدع ولا إنتخابات) يُعيّن هؤلاء الناس حكامًا للدولة (أي طبقة الحكام)، ويصرف هؤلاء نظرهم عن كل شيء آخر سوى شؤون الحكم، فيكون منهم مشرعون وقضاء وتنفيذيون. ولا تقل أعمارهم عن خمسين سنة، وهي سن النضوج والحكمة كما يقول سقراط.

• يقول سقراط: إن العدالة هي ليست القوة المجردة، وهي ليست حق القوي، إنما هي تعاون كل أجزاء المجتمع تعاونًا متوازنًا فيه الخير للكل.

• لم يقف الإنسان عند حد معين في طموحه، من أجل الإرتقاء، والعيش في حالة معينة، تسبغ عليه السعادة في جميع مناحي الحياة. إنه فكر في إيجاد المدينة الفاضلة، التي تتميز بتقديم الخيرات للإنسان، وتبعد عنه الشرور.

• هؤلاء الفلاسفة كتبوا مدنهم الفاضلة بإخلاص وحماس وإتقان، بحسب ثقافة كل واحد منهم، وبحسب المكان الذي وجد فيه، والعصر الذي إحتواه، وما فيه من تقلبات وأحداث.

• المجتمعات في رأي أفلاطون تسعد إذا ما حكم الملك الفيلسوف.

• إذا كان من الصعب أن يكون الملك فيلسوفًا، فلا بأس، أن يتفلسف الملوك. هذا يعني أن يتزود حكام المدينة بالحكمة، كي يديروا شؤون الدولة على الوجه الأكمل.

• هكذا نجد أن الفيلسوف هو نواة عصره وخلاصة الحضارة الإنسانية. يأخذ بمقدار ما تيسر له من الإطلاع على الثقافات، ويعطي ما يقدر على إعطائه، بحسب ما تزوده معارفه متقدر عليه طاقاته الإبداعية من خَلق وعطاء.

• ولا شك أن كل المدن الفاضلة التي كُتِبَت بعد جمهورية أفلاطون، قد تأثرت بهذا الكتاب، بكثير أو قليل..

• لقد اهتم الفلاسفة، الذين كتبوا مدنًا فاضلة بتربية حاكم المدينة ووُجوب تميزه بخصال علمية وثقافية وأخلاقية، تمكنه من إدارة البلاد على الوجه الأكمل.

• يعتقد أفلاطون أن الشعب لا يمكن أن يكون قويًا ما لم يؤمن بالله وهو إله حي يستطيع أن يحرك الخوف في القلوب التي استولت عليها الأنانية الفردية ويحملها على الإعتدال في نهمها وشرهها وبعض السيطرة على عواطفها.

• قيل له (أفلاطون): من أجهل الناس؟ فقال: أعجبهم برأيه، وأقنعهم بتدبيره دون رأي غيره وترك مخالفة نفسه والمتقحم في الأمور بحسن ظنه.

• الملك هو كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار: فإن كان عذبًا عذبت وإن كان مالحًا ملحت. (أفلاطون)

• ليس ينتفع بالعلم سارق له ولا محتال فيه لأن هاتين الرذيلتين لا تكونان إلا في نفس قبيحة النظام لا يزكو فيها العلم ولا يتم. (أفلاطون)

• كثير من المحبين يجعلون شهوة الجسد هدفهم الأول.. في هذه الحالة تنتهي صداقتهم يوم ينتهون من إرضاء شهوتهم.
(أفلاطون)

• يعتبر أفلاطون أن الصراع أزلي بين منظومة قيم الخير والشر، ومعظم التيارات الدينية والسياسية تستمد مفاهيمها وقيمها الأساسية من تلك المنظومتين لتحشد المناصرين لها.

• العدالة لدى أفلاطون تأتي من كونه لا يريد أن تصدر الدولة قرارًا ظالمًا بحق أي شخص، بعد كل ما حصل لسقراط العظيم. إنه يريد أن تعاقب المجرم لا البريء وتكافئ الإنسان الخيِّر لا الشرير.

• لقد رأى أفلاطون أنه حتى الديمقراطية يمكن أن تحمل في طياتها بذور الطغيان والتعصب والظلم إذا لم تقيّدها القوانين العادلة والحكيمة.

• أكّد أفلاطون بصريح العبارة، أن العبيد واهمون حينما يعتقدون في المساواة، لأن العدالة لا يمكنها أن تكون كذلك أبدًا لأن الناس خلقوا غير متساوين بطبعهم.

• العدالة عند أفلاطون مرتهنة بالقدرة على الحكم وفرض الأمر الواقع..

• يعتقد أفلاطون أيضًا بلزوم وُجود قانون مكافحة ومعاقبة الملحدين، وأساس ذلك إنكار وجود الآلهة، وإنكار أن الآلهة تعني بأمر وسلوك البشر، والإعتقاد بأن الألهة ترضى بسهولة عما يُرتكب من الذنوب وجزاء الكفر السجن. وقد يكون الإعدام في الأحوال الخطيرة.

• الجدير بالذكر أن أفلاطون لا يفرق بين الرجال والنساء، بل يرى أن يُعامل الجميع "رجالًا ونساءً" معاملة واحدة. أما بالنسبة للعبيد فإن أفلاطون لم يصنفهم في أي من الطبقات الثلاث. فقد تركهم خارج هذه الطبقات. وعدّهم "أدوات ناطقة من أدوات الإنتاج".

• يشترط أفلاطون أن يعيش الحكام وهم من الفلاسفة معيشة مشتركة ولا تكون لهم ملكية خاصة ولا تكون لهم روابط عائلية فلا يتزوجون ولا يكونون عائلات، أي أن أفلاطون يلغي الملكية ويلغي العائلة بالنسبة لطبقة الحكام وطبقة الجنود (الحراس).

• تجدر الإشارة إلى أن أفلاطون قد وقف موقفًا صريحًا ضدّ الربا، حتى أنه أباح عدم سداد المال الذي يتم إقتراضه بفائدة. وهذا ناتج عن الظروف الإقتصادية السائدة في تلك المرحلة وبخاصة ما يتعلق بإنخفاض الإنتاجية وتخلف القوى المنتجة.

• يرى أفلاطون ألا تسمح الحكومة بالزواج إلا للزوجين الذين تخمن أن ينجبا ذرية موهوبة، هذا إلى جانب إهتمام الحكومة وإشرافها على أدق شؤون الحياة الزوجية وتنظيمها.

• يقوم أفلاطون بمنع عمل المواطن في التجارة لأنها من إختصاص المستوطنين الأجانب أو الصناعة لأنها من إختصاص العبيد وهم طبقتان في أسفل الهرم الإجتماعي.

• ولم يحبذ التوسع الإستعماري لأنه ينهك المواطنين والدولة..

• الفضائل عند أفلاطون أربعة وهي: الحكمة - الشجاعة - العفاف - العدالة.

• الفضيلة عند أفلاطون - كما اتضح - زهد تتساوى فيه بنظر الإنسان للملذات والآلام، فالتخلص منها هو السبيل إلى السعادة.

• من عادة المُحبِّين أن يبالغوا في الثناء على كلام المحبوب وأفعاله حتى لو جانب الصواب إما خوفًا من إثارة كراهيته، وإما لأن شهوتهم تضلل أحكامهم.

• يرى أفلاطون أن كرامة النفس تكمن في تأديبها من شهواتها إلا ما تسمح به الشرائع وإن كان في ذلك أذى في عاجل الحال.

• يقول أفلاطون بأن النفس نزلت من عالم الأبدية يعني هذا أن الروح لها وجود سابق على الجسد..

• الكثير من أفكار أفلاطون في كتابه "الجمهورية" المتعلقة بمفهومه لدور المرأة تبدو في غاية البديهية في مجتمعات إنسانية كثيرة في هذا الوقت من الزمن، إلا أنها كانت تعد مفاهيم ذات إحتواء ثوري إجتماعي في العادات اليونانية في مجتمع أثينا في فترته الزمنية.

• يرى أفلاطون على لسان سقراط أن إعادة الروح الإنسانية إلى المرأة لا تتم إلا بالإنتفاع الكامل منها في الدولة والمجتمع وهذا في حد ذاته لا يحدث إلا إذا حررت المرأة من السجن المنزلي والدور المرسوم لها قبل ولادتها.

• يدعو أفلاطون أيضًا إلى أن يكون الأطفال ملكية عامة للمجتمع بمعنى أن يكون المجتمع كله مسؤولًا عن هؤلاء الأطفال لا الوالدين فقط.

• عندما يتحدث أفلاطون عن القصص الأسطورية، فإنه يشير، صراحة، إلى الشعراء وخاصة أشعار "الإلياذة والأوديسة"، التي يعتبرها تروج لأساطير غير حقيقية عن الآلهة والحياة، ومن ثم فهي تساهم في إفساد عقل الطفل وتدخل الرعب في ذاته.

• يلحّ أفلاطون على أن هذا العلم (الرياضيات) يجب أن يتعلمه كل إنسان قبل غيره من العلوم.

• ليست الرياضيات تخصصًا وإنما هي فرع معرفي مشترك يهيء لمراحل عليا.

• تتجاوز الرياضيات حيز العمليات اليومية العملية لتتحول إلى "رياضة عقلية" تهدف إلى تعويد العقل والنفس على السمو.

• ليست الرياضيات هدفًا في ذاته، بل هي في أبسط صورها وسيلة للعمل، وفي أعلى صورها وسيلة للنظر العقلي.

• إن الجدل في المنظور الأفلاطوني يمكن أن يكون ذا قيمة عليا معرفيًا، بل وهو غاية كل تعليم عالٍ، ولكنه يمكن أن يتحول إلى معرفة دنيئة لا تهدف إلا إلى المغالطة.

• إن "الديالكتيك" يكون أساسيًا عندما يُعلم بطرق ملائمة وفي المرحلة الملائمة، أما عندما يُلقن بطرق غير مناسبة وفي مرحلة ليست هي مرحلته فإنه يؤدي مفعولًا عكسيًا.

• عندما يتم تعليم "الديالكتيك" في مرحلة غير مؤهلة له فإنه لا يؤدي إلا إلى المماحكة الكلامية، والجدل العقيم..

يقول أفلاطون: إن بداية التفلسف هي إمتلاك القدرة على مغادرة الكهف ورؤية الحقيقة بأكبر قدر من الوضوح.

• إن أفلاطون قرر إلغاء هذا الجسد (جسد المرأة) نهائيًا بحيث يكون فقط (آلة تفريخ) مجرد أداة للإنجاب، وهكذا أصبحت جميع الصفات التي أراد أفلاطون أن تكتسبها المرأة بعد (تحررها) هي صفات رجولية.

• لم تكن كراهية أفلاطون لجسد المرأة هي التي دفعته إلى تحويلها رجلًا فهو يكره الجسد بما هو كذلك، ولا يثق أصلًا في الظواهر الحسية التي هي في أحسن الأحوال ظلال للحقيقة.

• لقد تبين أفلاطون في آخر الأمر أي حين لم يعد التأمل وحده يكفي لتحقيق أغراضه، أن الإلتجاء إلى الحواس أمر ضروري لا للتعرف على عالم المحسوسات فقط، وإنما أيضًا للتعرف على عالم المجردات..

• يفرض أفلاطون بين الفضيلة الفلسفية والفضيلة التقليدية، فالفضيلة الفلسفية تقوم على التفكير وفهم الأساس الذي قام عليه العمل الفاضل ولكن الثانية تقوم على التقليد أو العطف والغريزة وما نحو ذلك ويراها أفلاطون مجرد فضيلة النمل والنحل.

• يرى أفلاطون أن السعادة مرتبطة بعالم المُثُل وأن التثقيف بالعلوم والفنون والتمتع بلذائذها النقية السامية.

• أما عن المرأة فكان يراها أحط من الرجل وأنها فقط للتناسل، أما الصديق الطبيعي للرجل فهو الرجل، كما أجاز الإسترقاق ويراه طبيعيًا.

• يرى أفلاطون أن الغرض من الدولة هي إسعاد الأفراد للوصول إلى الحكمة والفضيلة والمعرفة، وأن خير وسيلة لإعانة الأفراد للوصول إلى تلك الغايات هي التربية، فالتربية هي من أهم واجبات الدولة.

• يرى أفلاطون أيضًا أن على الدولة أن تراعي مصلحة الجموع لا مصلحة الفرد وأن تكون الثورة شائعة بين الأفراد كذلك النساء والأولاد، والدولة تملك الأولاد منذ ولادتهم.

• لقد وضع أفلاطون فرضياته من أجل غاية سياسية وهي إعادة الأرستوقراطية إلى السلطة، وكل الفلسفة الأفلاطونية في خدمة هذه الغاية.

• إن الذي يمدحك بما ليس فيك وهو راضٍ عنك، يذمك بما ليس فيك وهو ساخط عليك!
(أفلاطون)

• لكي تكون عظيمًا لابدّ أن يُساء فهمك.
(أفلاطون)

• إن نظرية المحاكاة تعد من أقدم وأهم النظريات التي كان لها دور فعال في تطوير حركة النقد الأدبي والتي كان أفلاطون أول من نادى بها -في الفن- في كتابه الجمهورية.

• يرى أفلاطون أن الشعر إلهام، فالشاعر لا يصدر عن العقل؛ لأن مصدره إلهي محض، حيث يفقده الإله شعوره ليتخذه واسطة، فكأن الإله هو الذي يحدثنا بلسانه..

• يثبت أفلاطون وجود الله بدليلين هما:
1- دليل الحركة.
2- دليل النظام.


======= 


▬ نلاحظ أن أفلاطون على الرغم من أنه كان يسعى إلى تكوين شعب سعيد، ينعم بالحرية والرفاه، ومع أن كتابه عرف بجمهورية أفلاطون، على أنه كاد يخصص لتربية رئيس المدينة. أفلاطون كان يهدف إلى تربية الملك الفيلسوف. لأن المجتمعات -في رأيه- تسعد إذا ما حكم الملك الفيلسوف. ص10


▬ الدولة المثالية بناء على أفلاطون مكونة من ثلاث طبقات، طبقة إقتصادية مكونة طبقة التجار والحرفيين، طبقة الحراس وطبقة الملوك الفلاسفة يتم إختيار أشخاص من طبقة معينة يتم إخضاعهم لعملية تربوية وتعليمية معينة يتم إختيار الأشخاص الأفضل ليكونوا ملوكًا فلاسفة حيث استوعبوا المُثُل الموجودة في علم المثل ليخرجوا الحكمة. ربط أفلاطون طبقات المجتمع مع فضائل إجتماعية معينة مثلًا طبقة التجار والحرفيين مرتبطة بفضيلة النفس، طبقة الحراس مرتبطة بالشجاعة وطبقة الملوك الفلاسفة مرتبطة بالحكمة، وفضيلة العدالة مرتبطة بكل المجتمع حيث فصل مهام الطبقات. ص27


▬ يقول سقراط في المحاورات أن الطمع وحب المزيد من الترف هي العوامل التي تدفع بعض الناس للتّعدي على الجيران وأخذ ممتلكاتهم، أو التزاحم على الأرض وثراوتها، وكل ذلك سيؤدي إلى الحروب. ويقول إن التجارة تنمو وتزدهر في الدولة، وتؤدي إلى تقسيم الناس بين فقراء وأغنياء، وعندما تزيد ثروة التجار تظهر منهم طبقة يحاول أفرادها الوصول إلى المراتب الإجتماعية السامية عن طريق المال، فتنقلب الدولة، ويحكمها التجار وأصحاب المال والبنوك، فتهبط السياسة، وتنحط الحكومات وتندثر. ثم يأتي زمن الديمقراطية، فيفوز الفقراء على خصومهم ويذبحون بعضهم وينفون البعض الآخر ويمنحون الناس أقساطًا متساوية من الحرية والسلطان. لكن الديمقراطية قد تتصدع وتندثر من كثرة ديمقراطيتها، فإن مبدأها الأساسي تساوي كل الناس في حق المنصب وتعيين الخطة السياسية العامة للدولة. وهذا النظام يستهوي العقول، لكن الواقع أن الناس ليسوا أكفاء بالمعرفة والتهذيب ليتساووا في إختيار الحكام وتعيين الأفضل، وهذا منشأ الخطر. ص29


▬ إن الملفت للنظر أن أغلب الذين كتبوا في هذا الشأن كانت تنقصهم الخبرة العملية، إن من يدعون إلى تكوين مدينة فاضلة، جدير به أن يمارس الحياة السياسية عمليًا من أجل أن تكون خبرته متكاملة، لا أن يقتصر على التأمل الفكري وما يكتنزه من خزين ثقافي، النظرية شيء والواقع شيء آخر. أفلاطون كتب (جمهورية أفلاطون) المدينة الفاضلة، وهو في الحقيقة منعزل عن المجتمع في بستان أكاديموس يحاور طلبته ويكتب الكتب. القديس أوغسطين هو الآخر متقوقع في غرفته ليصور روما على أنها مدينة فاضلة. الفارابي لم يمارس الإدارة ولا السياسة علميًا. بل إنه اقترح آراءه الفلسفية للمدينة فاضلة، وهو منعزل في بستان قرب مدينة حلب. ولعل توماس مور، الذي كتب كتابه المدينة الخيالية (يوتوبيا)، بعد أن مارس السياسة وزيرًا للملك هنري الثامن. كتابه هذا يعالج كثيرًا من المشكلات الإقتصادية ويدعو إلى الإصلاح في إقتراحات عملية. ربما لهذه الأسباب أعدمه الملك هنري الثامن. ص36


▬ كثيرًا من فلاسفة اليونان قد تأثروا بالحضارات المصرية والهندية والعراقية القديمة. كتاباتهم ونظرياتهم تشهد بذلك. منهم من سافر إلى بلاد وادي الرافدين ودرس فيها مثل فيثاغورث، ومنهم من سافر إلى مصر مثل أفلاطون. الفيلسوف، كل فيلسوف، وعلى مدى تتابع العصور ، ينهل من مختلف الثقافات والحضارات لتحقيق وحدة عملية يرتكز عليها، بعد أن استوعب تراث عقول الإنسانية، ليخرج بعد ذلك إلى الملأ بنظرية جديدة، منسقة متماسكة. ص40


▬ يعتقد أفلاطون أن الشعب لا يمكن أن يكون قويًا لم يؤمن بالله وهو إله حي يستطيع أن يحرك الخوف في القلوب التي استولت عليها الأنانية الفردية ويحملها على الإعتدال في نهمها وشرهها وبعض السيطرة على عواطفها. وفوق ذلك إذا أُضيف على الإيمان بالله والإيمان بوجود حياة أبدية في الآخرة، لأن الإيمان بالحياة الأخرى يمدنا بالشجاعة في مواجهة الموت وتحمل موت أحبائنا ويتضاعف تسلحنا إذا كنا نحارب بإيمان على فرض إستحالة إثبات هذا الإيمان بالله واليوم الآخر. وقد يكون الله بعد كل شيء المثال الذي شخصه حبنا وأملنا وأن الروح مثل الموسيقي القيثار تغنى مع الآلة التي أدتها شكلها. ص45


▬ لقد رأى أفلاطون أنه حتى الديمقراطية يمكن أن تحمل في طياتها بذور الطغيان والتعصب والظلم إذا لم تقدها القوانين العادلة والحكيمة. ألم يقتلوا "سقراط " بإسم الديمقراطية؟ ألم يحكموا عليه بتجرع السم بعد محاكمة جماهيرية ساهمت فيها معظم الفئات في أثينا؟ ألم يصدر الحكم بناء على تصويت شعبي حر؟ ومع ذلك فقد كان حكمًا جائرًا لأن الناس كانوا مُضللين وخاضعين لقوانين خاطئة. فالقوانين العادلة لا يمكن أن تحكم على شخص كسقراط بالموت. القوانين العادلة لا يمكن أن تدين البريء وتبريء المجرم الحقيقي. ص73


▬ يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة إستنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدس، أي "قول الحقيقة وإعطاء كل ذي حق حقه". هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن "العدل" هو ما ينفع الأقوى. ص80


▬ هناك سؤال يطرح نفسه كيف يصل أفلاطون إلى تحقيق الدولة بطبقاتها الثلاث؟ الجواب هو "عن طريق التربية". 1- نأخذ الأطفال عند الولادة وندخلهم دور الحضانة ونهتم بتربيتهم لنبقي على الأطفال الأصحاء والقضاء على الأطفال الذين توجد بهم عاهات وعلل.
2- وبعد فترة يبدؤون بتلقي الدروس كتعليم القراءة والكتابة، ومزاولة الرياضة، والإستماع إلى الموسيقى.
3- وبعد سن الثانية عشر يجب أن يكون هناك إمتحان، الذي ينجح: سوف يواصل دراسته، والذي تخلف يجب أن يترك المدرسة ويتوجه إلى الحياة العامة لأنهم سوف يشكلون الطبقة العامة.
4- والناجحون سوف يواصلون دراستهم حتى السن الثانية والعشرين فيعطون المزيد من المسائل الرياضياتية والشعر الحماسي الذي يدعو إلى محبة الوطن والشجيع الحماسي.
5- وبعد سن الثانية والعشرين سيعقد إمتحان آخر لهؤلاء الشباب.. الناجحون منهم سيواصلون تعليمهم ليكونوا الطبقة الثالثة طبقة الفلاسفة والحكام أو (الملوك) والراسبون منهم فإنهم يكونون طبقة الحراس الذين يقومون بمهمة الدفاع عن الوطن وحفظ النظام في الدولة وأيضًا الطبقة الثالثة الناجحون منهم يواصلون دراستهم حتى السن الثانية والثلاثين وعند ذلك سوف ينقطعون عن وضع القوانين لأنهم برأي أفلاطون ليسوا عرضة للخطأ. ص83


▬ يعتمد أفلاطون في تحليله لأشكال الفعل الإنساني جملة من التصورات المستمدة من فلسفته العامة القائمة على ثنائية العالم الذي يضم عالمين هما:
- عالم المُثُل حيث الحقيقة المطلقة التي تنطوري على معايير الحق والخير والجمال في إطلاقها، ويسود فيه العدل المطلق.
- عالم الواقع الذي يعيش فيه الناس ويتواصلون مع بعضهم بعضًا. ويتبادلون التعاون بأشكال مختلفة، ويعتمدون في ذلك على حواسهم بشكل رئيسي. ص115


▬ إن فن الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيكا، هو ما يسمح للنفس بأن تترفع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار لأنه طريق هذه الديالكتيكا المتصاعدة نحو الأصل، يتعرف الفكر إلى العلم إنطلاقًا من الرأي الذي هو المعرفة العامية المتشكلة من الخيالات والإعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ. هنا تصبح دراسة الرياضيات، ذلك العلم الفيثاغورثي المتعلق بالأعداد والأشكال، مجرد دراسة تمهيدية؛ لأنه عندما  نتعلم الرياضيات "من أجل المعرفة، وليس من أجل العمليات التجارية" يصبح بوسعنا عن طريقها "تفتيح النفس للتأمل وللحقيقة". لأن الدرجة العليا من المعرفة، التي تأتي نتيجة التّصعيد الديالكتيكي، هي تلك المعرفة الكشفية التي نتعرف عن طريقها إلى الأشياء الجلية. ص119


▬ لقد كان مركز المرأة في مجتمع أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد أعلى مقدارًا شعرة من منزلة العبيد المسترقين الذين كانوا جميعًا ملك أسيادهم. طبقات الرجال التي حكمت المجتمعات والمنازل. كانت نساء أثينا ملكًا لرجالهم يورثن كما تورث البيوت والعبيد والماشية. كان وجودهن يعتبر عدمًا وبلا معنى إلا لخدمة غرضين تحيا النسوة وتموت لأجلهن ألا وهما: 
1- الأمومة والتي أُعتبرت أسمى وأهم دور لوجود وقصارى ما تستطيع بذله للمجتمع.
2- الخدمة العامة لرعاية الرجل والعائلة في المنزل وتعلم فنون الطبخ والخدمة في تنظيف البيت. ص120


▬ يحتل التعليم الموسيقي والتربية البدينة المكانة الأساسية في هذا التعليم الأولي، غير أن إنجاز هذه المهمة يتطلب في نظر أفلاطون تنقية عقول الأطفال مما ترسخه الحكايات الأسطورية، هذه الحكايات التي لها مفعول سحري يصادف فراغ ذهن الطفل مما يسهل رسوخه، فالإتجاه نحو الموسيقى وتربية الجسم يقتضيان أن يمهد لهما بتعويد الطفل على سماع ما يؤهله لما هو جميل وسام. يقول أفلاطون على لسان سقراط: "ذلك لأن الطفل لا يستطيع أن يميز الأسطوري من الواقعي، ولا شك أن كل ما يتلقاه ذهنه في هذه السن ينطبع فيه بعمق لا تمحوه الأيام ولذا كان من أخطر الأمور أهمية أن تكون أولى القصص التي تطرق أسماع الأطفال سامية للأفكار الفاضلة. ص128


▬ إذا كانت الرياضيات هي ما ينبغي أن يتعلمه المُتلقي الأفلاطوني، فلأن ذلك مرتبط بأمور حيوية، ذلك أن ممارسة شؤون الحياة مهما كانت بساطتها. وإتقان جميع أنواع المعارف.. كل ذلك يتوقف، بمعنى ما، على الرياضيات، على العلم الذي يهيء لنا شروط التمييز في أولى صوره، ولذلك يلح أفلاطون على أن هذا العلم يجب أن يتعلمه كل إنسان قبل غيره من العلوم. ليست الرياضيات تخصصًا وإنما هي فرع معرفي مشترك يهيء لمراحل عليا، بالنظر إلى كونها تمثل أساسًا لكل تعلم، فإن الرياضيات، في هذه المرحلة، تحتل درجة الضرورة، ضرورة ما دام باقي أنماط التعلم تتوقف عليها، وضرورة لأن من يريد حسن التمييز، وضبط إستعمال عقله لا يتأتى له ذلك إلا بهذا العلم، وليس غريبًا، تبعًا لما سبق، أن نجد أفلاطون يضع إتقان الرياضيات كشرط للإنخراط في الأكاديمية، وبالتالي للتفلسف. ص132


▬ يقول أفلاطون: "ومن أهم الإحتياطات أن نمنعهم من ممارسة الديالكتيك وهم لا يزالون في حداثتهم، ولعلك لاحظت من قبل أن المراهقين الذين تذوقوا الديالكتيك لأول مرة يسيئون استعماله، ويتخذونه ملهاة ولا يستخدمونه إلا للمغالطة، فإذا ما قام أحد بتفنيد حججهم فإنهم يحاكونه ويفندون حجج الآخرين على نفس النحو، شأنهم في ذلك شأن الجرو الذي يجد لذة في جذب كل من يقترب منه وتمزيق ملابسه". ص134


▬ وقد جاء في جمهورية أفلاطون أن أصول البشر مخلوقات مستيديرة كروية الشكل برأي واحد ووجهين وأربع أقدام وأربع أيدٍ وأربع آذان وزوج من الأعضاء التناسلية. كانت تلك المخلوقات قوية جدًا تتحرك بسرعة كبيرة بالتدحرج حول نفسها. وقد حرضها إحساسها بقوتها تلك على التفكير في إرتقاء السماء لمحاربة الآلهة، الأمر الذي دفع بزيوس إلى معاقبتها، بشطرها إلى نصفين اثنين قصد إضعافها، قبل أن يطلب من أبولون أن يعيد ترقيتها وتسويتها (على طريقة العمليات التجميلية) حتى أخذت شكلها الذي نعرفه اليوم. بعد قسمة تلك الكائنات إلى نصفين، شعر كل نصف بالحنين إلى نصفه الآخر الذي انشطر عنه، فأخذ يبحث عنه بين الأنصاف المنفصلة، وعندما كان يجد أحدهما نصفه الآخر، كانا يرتميان في أحضان بعضهما البعض ويتعانقان بقوة. هكذا ومنذ حادثة الفصل تلك يبحث كل نصف عن الإتحاد بنصفه الآخر من أجل إعادة تركيب ذلك الكائن الفريد. ص154


▬ نجد في شخصية أفلاطون وفكره السياسي أنه أقرب إلى الخيال من عالم الواقع لكنه تحول إلى الناحية العلمية الواقعية في آخر سنين حياته وكان يعتقد أن العدل من أساس الملك وأن الحكم فن بحت لا يجيده إلا من اكتسب خبرة ومرانًا فيه كما أنه أثر الإعتدال دائمًا ليضمن الحرية. كما شدد على أهمية الفضيلة في بناء الدولة وأهمية التربية والتعليم ويعتبر من أهم المفكرين السياسيين أنصار مصلحة الجماعة أي الدولة على مصالح الأفراد الخاصة أي الأقلية. ص213

أساطير ولكن لا نعرفهم "فلاسفة العرب في العصر الحديث"

فلاسفة العرب من العصر الحديث

بقلم أميرة جمال


يذكر مالك بن نبي في أحد كتبه ابن خلدون وأفكاره الحضارية التي كان المفترض أن المسلمين يستدركون بها حركة حضارتهم، ليتجنبوا حركة الانحدار التي دخلتها الحضارة الإسلامية منذ عصر "ما بعد الموحدين"، ليطوي التاريخ والنسيان والجهل مؤلفات ابن خلدون ومن بعده مؤلفات مالك بن نبي ومن تبعه من فلاسفة العرب من العصر الحديث.
مالك بن نبي
يلقبونه بالمفكر، الداعية، الشيخ، الواعظ الديني، وأيضًا يكون الفيلسوف من ضمن الألقاب كذلك، إلا أن كثرة الألقاب لا تدل على مدى معرفة العرب به وتقديرهم له، فهي لا تدل على شيء إلا على كون مالك بن نبي فيلسوفًا ومفكرًا مجهولاً في قومه، وليس على مستوى العرب بشكل عام فحسب، بل بين من عاش ومات وسطهم، بين أهله في الجزائر.
ولد مالك بن نبي عام 1905 في مدينة قسنطينة شرق الجزائر، تشكل فكره في البداية من قراءاته متسعة الأفق باللغة العربية واللغة الفرنسية، تأثرت فلسفته بالفيلسوف الفرنسي ديكارت، إلا أنه كان له طابعًا روحانيًا فلسفيًا خاصًا به وحده في كتاباته.
فلسفة بن نبي
"التجديد بالإسلام، لا تجديد الإسلام"
ارتكزت فلسفة مالك بن نبي على أسلمة الحداثة وليس تحديث الإسلام، ذلك لوصفه المدنية الحديثة بتعبير اتفق فيه مع "سيد قطب" وهو "الخواء الروحي للمدنية الغربية"، حيث اتفق معه أيضًا على أن الدين جزء لا يتجزأ من مشروع الإنسان، حيث كان دومًا يستعمل عبارة "التجديد بالإسلام، لا تجديد الإسلام".
المهندس الذي حرمته السلطات الفرنسية الاستعمارية من الحصول على شهادته ليستطيع العمل كمهندس إما في فرنسا أو في بلده المحتل الجزائر، وعلى الرغم من أن هذا جعله يعيش الكثير من المحن في العمل بمهن بسيطة لا تحتاج كم تلك المعرفة التي يمتلكها بن نبي، فإن ذلك جعله يهتم بمشاكل المجتمع الإسلامي ليخرج لنا بأهم ما كتبه بخصوص ذلك.
شروط النهضة
كتاب الفكرة الآفروآسيوية، انتقد مسار تعطيل الثقافة الإسلامية بكل عناصرها
كان كتاب "شروط النهضة" من أهم ما ألف مالك بن نبي، وهو يدور حول مفهوم الحضارة التي عرّفها بن نبي بـ"الإنسان + التراب + الوقت"، بالإضافة إلى الفطرة الدينية التي تُشكل الشبكة التي تربط كل تلك العناصر، كان ذلك بالإضافة لكتابه "الفكرة الآفروآسيوية" الذي انتقد فيه مسار تعطيل الثقافة الإسلامية بكل عناصرها، فأوضح أن الأفكار الجيدة إذا عُطلت تموت، بل تصير قاتلة، وآمن بالجدوى الاقتصادية لحياة المسلم فكتب "المسلم في عالم الاقتصاد"، وآمن بفكرة مسؤولية المجتمع في التغيير، فطور مفهوم "سوسيوليجية الثورة".
كيف ألقي اللوم باطلًا على الاستعمار؟
اتُهم بن نبي بعدم التسويق الجيد لأفكاره، إلا أن الحقيقة تُخالف ذلك، فكان كل من اتهمه بذلك هم أنفسهم من تحدث عنهم بن نبي في فلسفته قائلًا بأننا باطلًا نلوم المستعمر على تخلف الوطن العربي، ولكن اللوم يقع على المستِعمِر الذي قبل بتلك الحالة بل ودافع عنها أحيانًا، ولهذا فنحن بعد نصف قرن من رحيله، ما زال الكثير منّا يسمع باسم هذا المفكر العظيم لأول مرة.
طه عبد الرحمن
"أيهما أخصّ بالإنسان، العقلانية أو الأخلاقية؟ ما أشد غفلة الإنسان الحديث كأنه على ظاهر تقدمه العلمي، إنسان جهول! ألا ترى أنه يقدم قليل النفع على كثيره، إن لم يقدم صريح الضرر على صريح النفع كما يفعل الجهلة من الخلق، وهل في الضرر أسوأ من أن يدعو إلى حقوق وحظوظ تُخرجه من رتبة الإنسانية، وتنزل به إلى درك البهيمية، محتجًا بأنه يتبع في ذلك طريق العقلانية الواضح".
تلك كانت فقرة من فقرات مؤلفات المفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، من كتابه "سؤال الأخلاق"، حيث تشرح لنا القليل عن الفلسفة التي يتبعها "طه عبد الرحمن" في مؤلفاته، حيث تتميز فلسفته بالتحليل المنطقي والارتكاز قليلًا إلى المذهب الصوفي بطريقة جعلت فلسفته يغلب عليها "التداول الأخلاقي" وفلسفة اللغة.
اهتم طه عبد الرحمن بنشر المعارف الفلسفية بين الناس، ذلك لأنه لم يؤمن بالصورة النمطية السائدة بين العامة بأن الفلسفة خاصة بفئة من الناس، وذلك لربط العوام للفلسفة بالنظر المجرد، وفصل الفلسفة عن العمل الحي، وهو ما حاول طه عبد الرحمن إثبات عكسه عندما تعمق في الدراسات العقلية في المجال الفلسفي.
مارس طه عبد الرحمن عملية تنظير وتأسيس فكري ونظري لليقظة الدينية من جهة، ومن جهة أخرى سعى لتأسيس الفلسفة الإسلامية غير منفصل عن التطبيق والواقع من خلال بنائه لفلسفة أخلاقية في مشروعه وهي:
"لا إنسان بغير أخلاق"، و"لا أخلاق بغير دين"
فكان كتابه "روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية" يشن فيه حملة واسعة على دعاة الحداثة والتقليد، فبالنسبة له الحداثة والتقليد شيئان لا يجتمعان.
الجابري.. المثقف الذي نقل الفلسفة إلى قلب المعترك السياسي
ساهم الجابري في تنوير الشباب المغربي بعلوم الفلسفة عن طريق طرحه كتب "من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي"
الجابري هو الفيسلسوف المغربي، والمناضل السياسي الملتزم والمتسامح،  فكان المفكر المنفتح على التيارات المختلفة والفلسفات المغايرة، حيث كرس حياته للإنسان، في رفع الظلم عنه، ونشر حقوق الإنسانية، ونقل المجتمع نقلة نوعية من مجتمع لا يتم فيه تداول السلطات ولا يعرف حقوق الإنسان، حيث نجده وثق تلك الأفكار في كتابه "حفريات في الذاكرة".
ساهم الجابري في تنوير الشباب المغربي بعلوم الفلسفة عن طريق طرحه كتب "من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي" أو كتاب "رؤية تقدمية في مشكلاتنا الفكرية والتربوية"، حيث تأثر بمؤلفاته كثير من الأجيال في المغرب في أثناء إتمامهم المرحلة التعليمية.
استطاع محمد عابد الجابري عبر سلسلة نقد العقل العربي القيام بتحليل للعقل العربي
استطاع محمد عابد الجابري عبر سلسلة نقد العقل العربي القيام بتحليل للعقل العربي عبر دراسة المكونات والبنية الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين، ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي وهو من ابتكر مصطلح "العقل المستقيل"، وهو ذلك العقل الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرىK وفي نهاية تلك السلسلة يصل إلى نتيجة مفادها أن العقل العربي بحاجة اليوم إلى إعادة الابتكار.
كان للجابري دور كبير في المغرب في الصحافة العربية، فكان المنشط الأساسي لها بكتاباته في جريدة "المحرر" (أول جريدة باللغة العربية في المغرب في السبعينيات)، حيث بدأت تدخل مفاهيم جديدة على الصحافة، لتكون الجريدة بفضل عمله صحيفة مؤسِسة لتكون صحيفة المعارضة في المغرب.
كرمته اليونسكو لكونه أحد أكبر المتخصصين في بناء الفكر العربي المعاصر
توفي الجابري عام 2010، بعد أن صدر له 30 مؤلفا في الفكر المعاصر، كان "نقد العقل العربي" من أبرزها، كما نال العديد من التكريمات خلال مسيرته، منها تكريم اليونسكو له لكونه أحد أكبر المتخصصين في بناء الفكر العربي المعاصر وقامت بمنح ميدالية ابن سينا.
عبد الوهاب المسيري في الرحلة الفكرية
كان برجوازي الطبقة، مصري الطابع، فكانت بالنسبة إليه منظورًا ينظر منه للمجتمع
ولد المسيري عام 1938، كان لنشأته أثرًا كبير في تشكيل بذوره، حيث يقول عن نفسه بأنه ناشئ من البرجوازية الريفية، أي المجتمع المحافظ المتمسك بالأصول والقيم لأطول فترة ممكنة، وكذلك الرأسمالي المقدر للثروة، كان برجوازي الطبقة، مصري الطابع، فكانت بالنسبة إليه منظورًا ينظر منه للمجتمع.
كان من ضمن ما شكل ذلك المنظور، سياسة الروح الوطنية للتحرر من الاحتلال الإنجليزي في مصر في ذلك الوقت، ليبدأ بعدها المسيري في البحث عن الحق والمعرفة، فكان خلال ذلك متمردًا، لا يخضع بسهولة لكل ما هو سائد ما دامت لا تقدم له إجابات شافية، ليمر في رحلة أسماها رحلة الشك إلى اليقين أو الرحلة من الإلحاد إلى الإيمان.
كان انضمامه للحزب الشيوعي جزءًا من تجربته التي أصقلته، اكتسب عن طريقها خبرة معرفية في الوقت الذي هيمنت فيه الماركسية من جهة على الفضاء المصري في ذلك الوقت، ومن جهة أخرى هيمنة الإسلام الحركي ممثلًا في جماعة الإخوان المسلمين.
كان انضمامه للحزب الشيوعي جزءًا من تجربته التي أصقلته
آمن المسيري بأن الشيء يُفسر بكليته وليس بجزئيته، ولا يمكن تفسير أي شيء من خلال بُعدٍ واحدٍ، ففي فترة الانفتاح الاقتصادي في مصر، رأى في المنهج الإسلامي خلاصًا للإنسان من هموم الحياة المادية، ليجد في النهاية مكانًا في حزب الوسط.
أغنى المسيري المكتبة العربية بالكثير من المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية، تنوعت بين الموسوعات والدراسات والمقالات، من أبرزها "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد" التي تصنف ضمن أهم الموسوعات العربية في القرن العشرين.
آمن المسيري بأن الشيء يُفسر بكليته وليس بجزئيته، ولا يمكن تفسير أي شيء من خلال بُعدٍ واحدٍ
ومن كتبه البارزة أيضًا "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة"، "الفردوس الأرضي"، "الحداثة وما بعد الحداثة"، "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان"، كما ألف عدة قصص وديوان شعر للأطفال، وترجمت بعض أعماله إلى عدة لغات كالفرنسية والفارسية والبرتغالية والتركية.

المهدي المنجرة يمين الصورة و إلى يساره علي شريعتي
"عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم، واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، ولكن خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات، وفى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية فى حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه، بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب، لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس". المهدي المنجرة
المنذر بآلام العالم
"الكل هو الأنا، وأنا هو الكل" جملة مشهورة للمفكر والفيلسوف المغربي المهدي المنجرة الذي يوصف بمنذر العالم بآلامه، والمفكر المستقبلي، فكان تركيزه على تعليم الأطفال، وتأسيس الإنسان العربي وتنشأته نشأة صحيحة من البداية، حيث بدأ تلك الفلسفة منذ كان بالثانوية، بعد ملاحظته للضغوطات التي تقولب أفكار الطلبة منذ صغرهم، وخصوصًا تلك الأفكار التي تجبر الطلبة على احترام وحب الاحتلال الأجنبي للبلاد.
تسبب عناده مع الهيئة التعليمية في المغرب في طرده من التعليم، فكان الحل بالنسبة لوالده هو إرساله للولايات المتحدة ليتم تعليمه هناك، فكانت محطة مهمة في حياته، خصوصًا بسبب تأثره بالمفكر المغربي المهدي بن عبود مؤسس الحركة الوطنية للنضال من أجل استقلال المغرب والجزائر من خلال حزب الاستقلال.
المنجرة وانشغاله بمصير الأمة العربية

اتهم المنجرة الاحتلال الفرنسي بقولبة عقول الشعب العربي المُحتَل
انشغل المهدي المنجرة بمصير الأمة العربية، ربما بدأ هذا يشكل نقلة جذرية في حياته، حينما أتم دراسة الدكتوراة في العلوم السياسية في محطته التالية لندن، لتكون أطروحته لإتمام تلك الدراسة عن "الجامعة العربية" منذ تأسيسها وبعد مرور عشرة أعوام على ذلك التاريخ، أي حتى عام 1955.
على الرغم من أن وجود المنجرة في الغرب مدة كبيرة من حياته، سمحت له ببناء مفاهيم نقدية تجاه الحضارة الغربية، وعلى الرغم من اعترافه بأن فرنسا كان لها دور أيضًا في تكوين مداركه الفكرية، فإنه لم يغيّر رأيه تجاه الاستعمار الفرنسي، واتهمه اتهامًا واضحًا بأنه الاحتلال الأكثر تأثيرًا على عقول الشعب العربي الذي احتله، والذي نجح كثيرًا في قولبة عقوله كما شاء.
الثقافة المُستقلة والاعتماد الذاتي في التنمية
كان المهدي المنجرة واضحًا في موقفه بالنسبة للثقافة الغربية، لم يؤمن قط أنها مناسبة لتكون مادة للمُحاكاة، بل ركز فلسفته على الثقافة المستقلة والاعتماد الذاتي في التنمية وليس التقليد، حيث تبنى فكرة أننا أحرار، ونحن المسؤولون الوحيدون عن مستقبلنا، ولا حق لأي قوة خارجية أن تفرض علينا مستقبلنا.
كان المهدي المنجرة واضحًا في موقفه بالنسبة للثقافة الغربية، لم يؤمن قط أنها مناسبة لتكون مادة للمُحاكاة
تنبؤ المهدي المنجرة بحال الدول العربية
في حديث للمهدي منجرة بعنوان "الدراسات المستقبلية" يقول فيه إنه من خلال عمله في الأمم المتحدة، وجد أن القيم الثقافية والاجتماعية داخل تلك المؤسسة هي قيم مبنية على القيم المسيحية واليهودية عن علم ودراية تامة، ولكن تلك لم تكن العراقيل الوحيدة أمامه في أثناء عمله هناك، بل وجد أن العراقيل الأساسية تأتي من حكومات بلدان العالم الثالث وليس من الأمم المتحدة، حيث إن تلك الحكومات تدري جيدًا بأن الغرب يحميها، وهي دونه تسقط، ولهذا ستطيعه وتخضع له دومًا حتى ولو جاء ذلك بالدمار، وسترون ذلك في المستقبل.
كان للمهدي المنجرة مواقف واضحة مع ما يُسمى بـ"الليبرالية المتوحشة"، وطبيعة التنمية المعتمدة على البنك الدولي، حيث تنبأ بدوره مع الباحثيين المستقبليين صعوبة تسيير حقبة القرن الـ21 بمؤسسات أُنشئت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، حيث آمن المنجرة بأننا نحتاج مؤسسات مختلفة تمامًا تضمن الانسجام والتوافق فيما بينها.
الذلقراطية
من خلال ذلك المصطلح استطاع المنجرة التنبؤ بالثورات العربية قبل حدوثها بسنوات من خلال كتابه "انتفاضات في زمن الذلقراطية"
كان للمنجرة أطروحات سبق الفلاسفة والمفكرين إليها، مثل أطروحة "صدام الحضارات" وكذلك ابتكر العديد من المصطلحات في مجال الدراسات المستقبلية منها "الذلقراطية" تلخيصه بـ"الذل"، أنه شر قديم يعود بقوة ليُهيمن على العالم، فقد غدت المهانة شكلًا للحكم ونمطًا لتدبير المجتمعات محليًا وعالميًا.
من خلال ذلك المصطلح استطاع المنجرة التنبؤ باللثورات العربية قبل حدوثها بسنوات من خلال كتابه "انتفاضات في زمن الذلقراطية" الذي يلقي الأضواء الكاشفة على الأوضاع المتردية في الوطن العربي وعن هجمة الاستعمار الجديد عليه.
يقول المنجرة في كتابه "المهانة":
"يعيش العالم العربي الخوفقراطية، إضافة إلى التفقيرقراطية الذي أصبح نظامًا للتدبير والحكم أيضًا وأولوية الجهلقراطية والكذبوقراطية والشيخوخقراطية”.
من أبرز مؤلفات المنجرة كتاب "نظام الأمم المتحدة" و"من المهد إلى اللحد" و"الحرب الحضارية الأولى" و"حوار التواصل" و"انتفاضات في زمن الذلقراطية" و"الإهانة في عهد الميغا إمبريالية"، وآخرها كتاب "قيمة القيم"
انتهى الحال بالمهدي المنجرة إلى المنع من الخطاب في الساحات الكبيرة، ونقلها إلى البيوت والصالونات التي لا تتسع لعدد كبير من الجمهور، لتنتقل بعدها منتدياته ومحاضراته إلى الفضاءات الإلكترونية، حتى أصيب بوعكة صحية أفقدته القدرة على الحركة والكلام، حتى رحل المفكر العظيم وعالم المستقبليات العربي في صمت.
علي شريعتي من النضال إلى الاغتيال
"نحن نعاني من استعمار خارجي واستعمار داخلي، فمشكلتنا في الثورات أننا نطيح الحاكم ونُبقي من صنع ديكتاتوريته، ولهذا لا تنجح أغلب الثورات، لأننا نغيّر الظالم ولا نغيّر الظلم".
تغذى علي شريعتي على الفكر، وجعل منه قوت يومه، وعلى قدر إيمانه كانت إبداعاته، فكان المفكر الذي دافع عن الإسلام الثوري والتنويري، فعُرف كشخصية إشكالية، فكان من رواد الثورة الإسلامية في إيران.
وُلد شريعتي في عائلة علمية في خراسان في إيران، وكان والده من أكثر الشخصيات التي شكلت حياته فيما بعد، فكان يؤمن بتعيين القرآن كمرجعية، لذلك نجد له أيضًا مؤلفات كالاقتصاد الإسلامي والولاية والنبوة في القرآن وكتاب التفسير الجديد للقرآن.
اعتُقل "شريعتي" كثيرًا، وحُذر مرارًا من قبل نظام الشاه محمد رضا بهلوي ذلك لانخراطه في حركات ذات طابع سياسي وثوري
فكان لهذا الفكر الملتزم أساسًا محوريًا في حياة علي شريعتي فيما بعد، فكان محبًا للعلم، وسافر في بعثة تعليمية إلى فرنسا نال فيها الدكتوارة في علم الاجتماع وعلم الأديان، يُقال إن تلك البعثة كانت من تدابير الشاه، ليبعده عن البلاد آنذاك عام 1959.
صور لـ "علي شريعتي" في الثورة الإسلامية الإيرانية
اعتُقل شريعتي كثيرًا، وحُذر مرارًا من قبل نظام الشاه محمد رضا بهلوي ذلك لانخراطه في حركات ذات طابع سياسي وثوري، ولكن هذا لم يمنعه من الدفاع عن كل ما آمن به، فكان يقاتل على ثلاث جبهات مختلفة، جبهة الاستبداد السياسي وجبهة اليسار الانتهازي وجبهة الرجعية الدينية أو "الدين التقليدي"، وطرح الإسلام الثوري الأصيل كبديل مطروح.
كان يحلم شريعتي بالوحدة بين السنة والشيعة، ونجح في كونه منبرًا لاستقطاب فئات مختلفة من المجتمع، كان أكثرها الشباب، وهذا أشد ما أقلق السلطات منه، فطاردته، واعتقلته، وأغلقت منابره التي احتضنت فئات الشباب والتي سُميت حينها بـ"الحسينية" التي كانوا يلقبونه فيها بـ"معلم الثورة الإسلامية".
"عندما يلبس الظلم لباس التقوى، تولد أعظم فاجعة"
علي شريعتي
بعد اعتقاله مرة أخرى، وبعد الضغط الشعبي للإفراج عنه، سُمح له أن يغادر إيران متجهًا إلى لندن عام 1977، ليوجد مقتولًا في شقته بعد وصوله هناك بثلاثة أسابيع، وتشير الدلائل إلى اتهام نظام استخبارات الشاه في تلك الوقعة.
من أهم مؤلفات "شريعتي" كتاب بناء الذات الثورية، "أن تبقى مخلصًا للثورة هو أن تبني ذاتك وتكافح في سبيل هذا البناء"، هكذا يلخص شريعتي الأمر، كما كان كتاب "مسؤولية المثقف" أحد الركائز الأساسية التي بنى شريعتي مشروعه عليها، أما الكتاب الأشهر فهو "النباهة والاستحمار" يتوسع فيه شريعتي في نسبية القضايا الثقافية.
من أهم مؤلفات شريعتي كتاب بناء الذات الثورية
يذكر ميشيل فوكو المفكر الفرنسي في مقاله "لم يحلم الإيرانيون؟" فقرة عن علي شريعتي يقول فيها إنه الحاضر الغائب، فكان شبحه حاضرًا في الثورة الإيرانية، فكان اسم شريعتي يُذكر في إحدى المظاهرات جنبًا إلى جنب مع اسم الخميني.
من أقوال شريعتي المعروفة: "انظروا إلى أنظمتنا التربوية والاجتماعية، لقد حقّرونا إلى حد أصبحنا لا نؤمن فيه بقابليات قدراتنا، فنحن عاجزون عن الانتقاد وحتى الكلام"، ربما يتفق معه المهدي المنجرة في ذلك النسق، فمنذ كان يحدد الغرب مستقبلنا، أصبحنا بلا هوية، وبلا حق في تحديد المصير.

لا تتوقف القائمة عند هؤلاء فحسب، بل تطول وتتنوع مع كثير من الفلاسفة العرب الذين ساهموا بشكل كبير في تشكيل الفكر العربي المعاصر وتبصير الأجيال الحديثة بالعلوم الفلسفية وإنشاء مناهج خاصة بهم غير مُقلدة أو تمت محاكاتها للنماذج الغربية، وعلى الرغم من جهودهم في ذلك، ومرور الزمن على رحيلهم، فرحيل الجسد لا يعني أبدًا فناء الروح، فالأهم العودة لتلك المناهج لنتوقف عن تجاهلها قبل فوات الآوان.

فيديوهات

صور