أمل مصطفى مصري تكتب: رجلٌ-مع وقفِ التّنفيذ-



قد ترينني للوهلةِ الأولى مادّةً دسمة للكتابةِ عنها؛ قضيّةً للنضالِ ضدّها تمنحُكِ شخصيّةً ما -أيًّا كانت-، أو ربّما في نهايةِ الأمرِ لا ترينَ فيّ سوى رجل " شرقيّ "؛ رجل من الدرجةِ الثّانية! 

فردٌ أنا من هذا المجتمع "الذّكوريّ"، كأحمرِ شفاهكِ وشعركِ الطّويل، كانخفاضِ ضحكتكِ الفاتنة؛ مُحاطٌ بمعاييرٍ وُضعَت لي مُسبقًا، ولا أملكُ صلاحيّات -أتفوّق بها عليكِ- لأغيّر أيّ شيءٍ مهما يكن..

مذ ولدتُ والجميعُ ينتظرُ خروجَ رجلٍ لم يُخلَق فيَّ بعد، لازلتُ أذكرُ وأنا في الثانيةَ عشر من عمري كيف كان الجميعُ يبدي سخريّةً إزاءَ كلّ تصرّفٍ طفوليّ أقوم به؛ اللّون الورديّ الّذي لطالما أحببته ولم أستطع يومًا أن أرتديه لأنّه لونٌ "أنثويّ"، صوتي الرّفيع والّذي كان مصدرَ سخريّةٍ دائمة لزميلاتي ووالدي، والدي الّذي لايزالُ صدى صوته الخشنِ في أذني وهو يقول : "خلّيك رجال!" 

رجلٌ؟ ما الرّجل؟! 
لم أكن أستطيعُ حقًّا تحديد معنى هذه الكلمة البغيضة في تلك الفترة؛ والّتي كانت أقبح فترات حياتي؛ حين أظلمَت سمائي الأخيرة واختفت ابنةُ الحيّ الّتي كنت ألعبُ معها، فجأةً ومن دون استئذانٍ انقلبَ شكلُها تمامًا، لم يعد من المسموحِ لها البقاءَ معي، كانت هي تكبرُ وتكبر..
وأنا لا أزالُ صغيرًا! 

كانت والدتي -وإلى الآن- تفتخرُ بعددِ الفتياتِ اللواتي أعرفهم، هل "تفتخرُ" هي الكلمة المناسبة؟ 
لستُ أدري، إنّما تلك الابتسامة العريضة والضحكات المتتالية كانت توحي لي بذلك، حتّى أثناء جلساتها مع خالاتي؛ كانت تبدو لي وكأنّها تقول: انظروا إلى ابني الدُنجوان كَم هو -رَجل-!

بطريقةٍ ما أمسيتُ أسعى إلى زيادةِ ما في رصيدي من نساءٍ، لم أعد أستطيعُ رؤيةَ أيّ فتاةٍ غريبة على وجهِ الأرضِ إلّا في غرفةِ النّومِ؛ صديقاتي في الجامعة وجميعُ زميلاتي في العمل، قد يراودُك الاشمئزاز الآن من هذا الرجل الشرقيّ المتخلّف، غير أنّها وبصراحةٍ شديدة -يا سيّدتي- الحقيقة؛ عينُ الحقيقة! 

أمّا الحقيقةُ الثّانية يا عزيزتي أنّني لستُ عديمَ المشاعر كما تصفينني دومًا، -نعم، قد أكون همجيًّا بعض الشيء-، إلّا أنّني أحببتُ، أحببتُ حقًّا بكلّ ما بقلبي من عاطفة، خطيئتي الكُبرى الوحيدة كانت وبكلّ وضوحٍ: الثقة. 
نعم، كنتُ عاجزًا عن الثّقة بأيّ أنثى كانت، حتّى شقيقتي وخطيبتي فيما بعد، كنتُ عاجزًا عن الوثوقِ بنفسي!

تجربتي مع الحبّ أليمةٌ وسخيفةٌ في آنٍ معًا؛ كنتُ أحشرُ كلّ أنثى عبرت قلبي في الزّاوية بداعي الاختبارِ والتحقّق، وهكذا..من استسلمَت تخلّصتُ منها، ومن رفضت تخلّصت هي منّي، كباقي الرجالِ أنا انتظرتُ أمّي حتّى عثرت لي على فتاةٍ بالمواصفات المطلوبة وفق معاييرٍ ساذجة -لا بدّ أنك تعرفينها-: الأوّل؛ كلّما زادَ عرض القماش وطوله زادَ الشّرفُ وزادت العفّة! 
الثّاني؛ كلّما كان الصّوت -والذّكاء- منخفضًا، وكلّما كان الخروج من البيت قليلًا تكونُ الفتاة "خامّ" أكثر؛ هكذا قالت لي والدتي. 

مهما يكن؛ ستبقينَ أنتِ تسخرين من انفصامي العجيبِ هذا، وسأبقى أنا أتحدّث عن تحرّر المرأة وحقوقها على الملأ لأعود وأصفعَ وجه أختي لأنّني سمعتها تجري مكالمةً مع شاب من دُفعتها؛ لأنّني وقبل وصولي بدقائق قليلة كنتُ في مجلسٍ مع مجموعة شبّانٍ نستمعُ -سويّةُ- إلى مكالمةِ واحدٍ منهم وبطوننا تكاد تنفجرُ من شدّة الضّحك. 

 أندريه كونت سبونفيل: مفهوم الأخلاق

أندريه كونت سبونفيل: مفهوم الأخلاق



  ترجمة: حسن بيقي



“من الأفضل للمرء أن يكون غير راض على ما حوله مثل سقراط على أن يكون راضيا عن كل شيء مثل خنزير أو مثل أبله. وإذا كان للأبله أو الخنزير رأيا مخالفا، فان سبب ذلك هو معرفتهما بجانب واحد من المسالة، بينما يعرف الطرف الأخر وجهي المسالة معا”. 

  - جون ستيوارت ميل


إننا نرتكب خطأ في حق الأخلاق حينما نروم حصر مجالها في دائرة الزجر أو القمع أو الإدانة. ذلك أن مثل هذه الأفعال العقابية موكولة إلى المحاكم والشرطة والسجون، ولا أحد يراها تنتسب إلى المجال الأخلاقي. سقراط الذي وافته المنية في السجن كان أكثر حرية من قضاته. ربما هذا هو الأفق الذي تبدأ منه الفلسفة مثلما تبدأ منه الأخلاق بالنسبة للجميع، ولا تفتأ دوما في الاستئناف: هنا في هذا المجال، مجال الأخلاق، تكف العقوبة بالذات أن تصير ضربا من الإمكان، ويغدو القمع فاقدا لأي نجاعة، بل إن أي إدانة، على أية حال إدانة خارجية، هي عديمة الضرورة. تبدأ الأخلاق إذن حينما نكون أشخاصا أحرارا، بل أنها الحرية ذاتها وقت محاكمة ومقاضاة نفسها.
أنت ترغب مثلا في سرقة أسطوانة أو لباس في متجر…غير أن عيون الحراس تتعقب خطواتك أو جهاز المراقبة الإلكترونية يترصد حركاتك أو تحوطك يعزى ببساطة إلى الخوف من أن يقبض عليك وتتم معاقبتك بل وإدانتك… إن مثل هذا السلوك أخلاقيا لا ينسب إلى النزاهة في شيء بقدر ما هو سلوك مشروط بحسابات نفعية، سلوك مهمازه الحيطة لا الشعور الأخلاقي. لأن خشية الشرطي نقيض الفضيلة، بل ليس في هذا التصرف من مناقب الفضيلة إلا الحيطة والحذر.
لكن خلافا لذلك توهم أن بحوزتك الخاتم السحري الذي أثار حكايته أفلاطون، الخاتم الشهير لجيجس Gygès الذي بمقدور سحره أن يجعلك كائنا لامرئيا.. لقد شاءت الأقدار أن يسوق الخاتم السحري إلى الراعي الذي صيره لامرئيا كلما أبرم بسبابته جوف الخاتم أو خارجه حالما يرغب في أن يعود مرئيا. إن جيجس Gygès، المعروف بدماثة خلقه، سيغدو عاجزا عن مقاومة المفعول السحري الكامن في الخاتم. وبالتالي سيجعل من هذه القوة السحرية أداة في خدمة منافعه الخاصة حيث تمكنه من التسلل خلسة إلى حرم القصر، وإغواء الملكة، واغتيال الملك، واستيلاء على سدة الحكم. يمكن إذن استخلاص من فحوى الحكاية كما هي واردة في كتاب الجمهورية أن الطيب والشرير، أو من حيث اعتبارهما كذلك، لا يتمايزان فيما بينهما إلا من حيث الحيطة أو النفاق. وبعبارة أدق، لا يتمايزان إلا من حيث الأهمية اللامتكافئة التي يوليانها لنظرة الغير أو بحسب مقدار مهارة كل واحد منهما في إخفاء الطوية. إذا كان خاتم Gygès في ملكية هذا الشخص أو ذاك فلن تعثر على شيء يمايز بينهما، لأن ”كليهما ميال إلى نفس الغرض”، وهذا ما هجس في نفوس البشر أن الأخلاق وهم أو رياء أو خوف مزدان بالفضيلة. إذ يكفي للمرء أن يحتجب عن الأنظار حتى تتهاوى المحظورات كلها عنده إلى درجة أن لا شيء يشغله سوى مجاراة لذائذه أو مصالحه الأنانية.
هل يمكن تصديق ذلك؟ بالتأكيد هناك اقتناع آخر مغاير لدى أفلاطون. لكن لا أحد مطالب منه أن يكون أفلاطونيا… على أساس أن الإجابة الوحيدة التي يستمد منها المرء قيمته هي التي تقبع في بواطن ذاته. توهم، من باب المران الفكري، أنك مالك للخاتم السحري. ماذا أنت فاعل به؟ وما أنت غير فاعل؟ هل ستستمر مثلا في احترام ملكية الغير، في صيانة حميميته، أسراره، حريته، كرامته، بل وحياته ؟ لا حق لأحد أن ينوب عنك في الإجابة : هذا سؤال يخصك وحدك، بل ويشملك. كل ما لا تقوى على فعله -لكن قد تأذن به لنفسك حالما تتوارى هيأتك عن الأنظار- مرده بالأساس إلى الحيطة والنفاق أكثر منه إلى الأخلاق. ومن جانب أخر فمواصلتك فيما تأمر به وتنهى عنه، وأنت لامرئي، إرضاء لنداء الواجب لا بدافع المنفعة هو وحده الذي يكون حقا شعورا أخلاقيا. روحك هي التي تكون على المحك مثلما تكون أخلاقك كذلك حيث تكون فيه الذات في مقام محاسبة ذاتها. وماذا عن أخلاقك؟ إنها ما تلزم به نفسك من أوامر ونواه دون أن تكون مملاة بتأثير من نظرة الغير أو جراء تهديد براني، بل تكون صادرة  باسم تصور معين عن الخير والشر، عن الواجب والنهي، عن الجائز وغير الجائز، بل عن الإنسانية وعن نفسك في آخر المطاف. وبعبارة ملموسة: الأخلاق جملة قواعد يمتثل لها المرء حتى وإن كان كائنا لامرئيا وجبارا.
هل هذا يجعل المرء يقترف أشياء كثيرة؟ أم يكتفي بالنزر القليل منها؟ إنك أنت من يحق له اتخاذ القرار. هل ترضى لنفسك مثلا في حالة قدرتك على إخفاء هيأتك أن تدين بريئا أو خيانة صديق أو اغتيال طفل أو اقتراف أفعال الاغتصاب والتعذيب والقتل؟ إن الجواب لا يتوقف إلا عليك، ولا يتوقف أخلاقيا إلا بما يصدر عنك من جواب. آلأنك غير حائز على الخاتم؟ هذا الأمر لا يعفيك عن التفكير، ولا عن إصدار حكم، ولا عن التصرف. إذا كان هناك فرق أخر واضح بين النذل والنبيل، فذلك لأن نظرة الآخرين ليست كل شيء، ولأن الحيطة ليست كل شيء. هذا هو رهان الأخلاق ووحدتها الأسمى: الأخلاق هي تعالق مع الغير، لكنه تعالق من الذات إلى الذات. فأن يتصرف المرء أخلاقيا معناه أن يأخذ بعين الحسبان مصالح الآخرين، إلا أنه تصرف ”منزه عن الآلهة والبشر”، بحسب تعبير أفلاطون. وبعبارة أخرى هو فعل منزه عن أي وعد أو وعيد، ودون حاجة إلى نظرة أخرى مغايرة خلا نظرته الخاصة. أهو رهان؟ مهلا لقد خانني التعبير بما أن الجواب يتوقف مرة أخرى بك. فالأمر يتعلق بالاختيار لا بالرهان. فأنت وحدك تعلم ما يجب فعله، ولا أحد بمقدوره أن يقرر مكانك. إنها فرادة الأخلاق وعظمتها: المرء لا يستمد قيمة ما يفعل من خير أو ما ينهى من شر إلا إذا كان فعله الأخلاقي منزها عن أي منفعة –رغم عدم وجود أي شخص آخر على الإطلاق– عدا جلب فعل الخير.
إنها روح الاخلاق عند سبينوزا: ”على المرء أن يتصرف بشكل جيد وان يتمسك بالفرح”. هي روح بلا تكلف ولا زيادة. كيف يمكن أن تشعر بالحبور وأنت لا تعير أدنى تقدير لنفسك ؟ كيف تقدر ذاتك دون إدارة حكم نفسك، دون إلجامها، ودون تجاوزها؟ الكرة في ملعبك كما يقال عادة، لكن الأمر ليس لعبة، ناهيك عن أن يكون مشهدا استعراضيا. إنها حياتك عينها: فأنت تكون، هنا والآن، حسب ما يصدر عنك من أفعال. فمن غير المجدي أخلاقيا أن تحلم بأن تكون شيئا آخر غيرك. قد نأمل الغنى، الصحة، الجمال والسعادة… لكن أن نأمل الفضيلة هو عين العبث. فأن تكون نذلا أو طيبا هو أمر منوط باختيارك أنت وحدك لا غيرك: قيمتك تقاس بالضبط بحسب ما تشاء.
ما الأخلاق؟ إنها جملة أوامر ونواه تلزم المرء الامتثال إليها، امتثال لا يراد منه الرفع من تحصيل سعادته أو عيش حياة رغدة، وإلا سيغدو سلوكا أنانيا، بل يتعلق الأمر بأن يأخذ المرء في الحسبان منافع وحقوق الآخرين، وأن يظل مخلصا لتصور معين للإنسانية ولتصور عن ذاته، بل حتى لا يصير كائنا نذلا. الأخلاق تجيب عن السؤال”ماذا يجب علي أن أفعل؟”: إنها جملة واجبات. أو بعبارة أخرى هي أوامر أعترف بمشروعيتها حتى وإن جازفت بخرقها شأن أي شخص أخر. إنها القانون الذي ألزمه على ذاتي أو ما يجب أن أفرضه عليها دون مراعاة نظرة الغير أو انتظار وعد أو وعيد.
يقترن موضوع الأخلاق بالسؤال: ”ماذا ينبغي علي أن أفعل؟” هو سؤال لا تصله صلة بالسؤال: ”ماذا ينبغي على الآخرين أن يفعلوه؟”. إنه البون الذي يميز تماما الأخلاق عن النزعة الأخلاقية. يقول آلن: ” لم تكن الأخلاق أبدا من أجل الجار”. ذلك أن الشخص الذي ينشغل بواجبات الآخرين لا يعتبر أبدا سلوكا أخلاقيا وإنما هو سلوك الوعاظ. فأي سلوك أقرف من سلوك الوعاظ؟ وأي خطاب أعبث من خطاب الوعاظ؟ الأخلاق لا تستمد مشروعيتها إلا في صيغة ضمير المتكلم المفرد، لأن قولك مثلا لشخص ما: “يجب عليك أن تكون كريما” ليس دليلا على  أنه سيتحلى بفضيلة الكرم أو مخاطبته أيضا: ”يجب عليك أن تكون شجاعا” ليس دليلا على أن فعله  سيظهر بمظهر الشجاعة. لأن الأخلاق لا تستمد قيمتها إلا من أجل الذات، كما أن الواجبات لا تزن قيمتها إلا من أجل الذات. أما الآخرون تكفيهم الرحمة والقانون في تدبير شؤون حياتهم.
علاوة على ذلك: من منا له القدرة على أن يعلم بالنوايا، والأعذار، ومزايا الغير؟ أخلاقيا لا يجوز لأحد أن يحاكم إلا من قبل الله، إن وجد، ومن قبل الذات، وهذا أمر يفي بالغرض. هل سبق أن كنت أنانيا؟ أو جبانا؟ هل سبق لك أن انتهزت فرصة ضعف الآخرين ومحنهم وبراءتهم؟ هل سبق أن كذبت أو سرقت أو اغتصبت؟ أنت أدرى جيدا بأحوالك، وهذه الدراية التي لك عنك، والتي دأبنا على نعتها بالضمير، هي الحكم الوحيد، الوحيد في جل الأحوال، الذي يشغل بالنا أخلاقيا. وماذا عن شأن المحاكمة؟ وعن شأن الذعيرة؟ وعن شأن العقوبة الحبسية؟ إنها ليست إلا عدالة البشر، ليست إلا قانونا وشرطة. فكم من الأنذال يتمتعون بالحرية؟ وكم من الأخيار قابعون في غياهب السجون. قد يجوز للمرء أن يكون على وفاق مع قواعد المجتمع وهو بالتأكيد أمر ضروري. بيد أنه لا يعفيه من أن يتوافق مع ذاته، ومع ضميره الذي يعتبر حقا القاعدة الوحيدة.
هل هناك من الأخلاقيات بقدر ما هنالك من الأفراد؟ أبدا. إنها المفارقة الأخلاقية التي لا تستقيم إلا في صيغة ضمير المتكلم المفرد، لكن على أساس كوني، وبعبارة أخرى تشمل كل كائن إنساني (بما أن كل كائن إنساني هو ”أنا”). إنها على الأقل الطريقة التي يمكن أن نعيش بها. نحن نعلم جيدا أن هناك أشكال أخلاقية متباينة مستمدة من التربية المتلقاة، ومن المجتمع أو من روح العصر الذي نعيش فيه، ومن الأوساط التي نرتاد إليها، ومن الثقافة التي نتعرف من خلالها على أنفسنا… بهذا المعنى لا وجود إذن لأخلاق مطلقة، ولا أحد بإمكانه الوصول إليها على الإطلاق. لكن عندما أصد نفسي على اقتراف الوحشية، والتمييز العنصري، وارتكاب القتل، أعلم كذلك أن المسألة ليست قط مسألة مفاضلة، والتي تتوقف على أذواق الأشخاص، إنها قبل أي شيء آخر شرط استمرار الحياة وصون كرامة المجتمع، أي مجتمع، بل الإنسانية والحضارة.
إذا دأب الناس كلهم على الافتراء فلن يكتب لأحد أن يحظى بثقة شخص آخر، لأن المرء قد يجد نفسه غير قادر حتى على الكذب (بما أن الكذب يفترض سيادة الثقة حتى بالنسبة لمن ينتهكه)، وبالتالي سيصير كل تواصل عبثيا وفاقدا للجدوى.
إذا استمرأ عموم الناس النهب ستؤول الحياة في مجتمعاتهم مستحيلة وبئيسة: فقدان مزيد من الملكية، فقدان العيش الرغد، ونفاذ ما يسرق...
إذا كان الكل ميالا إلى الاقتتال سيكون مآل الإنسانية والحضارة الضياع. فلن يتبقى منها أي شيء سوى سيادة العنف والخوف، وبالتالي سنصير جميعا ضحايا القتلة إلى حد سنكون بدورنا على شاكلتهم…
إنها ليست سوى افتراضات لكنها تضعنا في قلب مبحث الأخلاق. هل تريد إدراك ما إذا كان هذا الفعل أو ذاك فعلا خيرا أو فعلا مدانا؟ يكفي أن تسائل نفسك عما سيقع لو تصرف الناس كافة مثل تصرفك. لنضرب مثلا أن طفلا رمى عنوة علكة على الرصيف: ” تخيل- يقول والداه- لو أن الجميع تصرفوا مثل تصرفك: أي قذارة ستلطخ حياتنا جراء هذا السلوك، أي قرف ستلحقه لنفسك وللآخرين!” تخيل أنهم نهجوا سبيل الكذب والاقتتال والسرقة والاغتصاب والاعتداء والتعذيب.. كيف يمكن أن تشاء انسانية على هذه الشاكلة؟ كيف يتأتى لك أن ترضاها لأطفالك؟ ولماذا تعفي نفسك مما تريده؟ لابّد إذن أن تمتنع عن أفعال تستنكرها عند الآخرين أو التخلي عما يوافق الكوني، أي ما يتوافق مع الفكر أو العقل. إنها النقطة الحاسمة في مبحث الأخلاق: الأمر يتعلق بالامتثال الطوعي للقانون الذي يظهر لنا أنه يصلح أو يجب أن يصلح للجميع.
ذاك هو المعنى الثاوي في الصيغة الكانطية الشهيرة التي تتعلق ب”الأمر القطعي” كما صيغت في مؤلفه “أسس ميتافيزيقا الأخلاق”: “تصرف فقط وفق القاعدة التي تجعلك تستطيع أن تريد في نفس الوقت منها أن تصير قانونا كونيا”. بمعنى أن نتصرف وفق ما تمليه علينا الإنسانية عوض أن نتصرف وفق نزوع “الأنا الصغير المحبوب” ( cher petit moi)، وأن نمتثل لأوامر العقل عوض مجاراة الأهواء والمصالح. فالفعل لا يكون خيرا إلا إذا كان المبدأ الذي يدعن المرء له (قاعدته)، يستطيع أن يصلح في مجال الحق للجميع: فأن تتصرف تصرفا أخلاقيا معناه أن تتصرف بالطريقة التي تمكنك من أن ترغب، بلا مواربة، لكل فرد أن يمتثل لنفس المبادئ التي تدعن لها. وهذا يتقاطع مع ما روح الأناجيل أو روح الإنسانية (نجد عبارات رديفا لها في الديانات الآخرى)، مثل ما ذكره روسو في “القاعدة الرائعة”: ”عامل غيرك مثلما تريد أن تعامل”. كما يتلاقى أيضا، بشكل أكثر تواضعا ووضوحا، مع روح الشفقة التي عبر عنها، مرة أخرى، روسو في صيغة هي أقل كمالا لكنها ربما أفيد عن سابقتها: ”قم بالسلوك الخير بأخف ضرر ممكن بالنسبة للغير”. إنها دعوى إلى أن نعيش على الأقل جزئيا في توافق مع الآخر أو بالأحرى مع ذواتنا، أي بوصفنا ذواتا نقرر ونفكر. وبتعبير ”ألن” أن يحيا المرء بوصفه: “وحيدا على نحو كوني”. إنها الأخلاق عينها.
هل لابد من أساس لإضفاء المشروعية على الأخلاق؟ ليس الأمر حتميا ولا ممكنا بالضرورة. هل يحتاج المرء إلى سند من أجل إنقاذ طفل غريق؟ أو إلى سند لمحاربة حاكم مستبد لا يتوانى في اقتراف جرائم الذبح والقمع والتعذيب؟ إن الأساس الذي سيأتى لضمان قيمة قيمنا، سيؤول حقيقة غير قابلة للدحض: هذا سيتيح لنا البرهنة على مدى صوابنا من بطلانهم، حتى مع أولئك الذين لا يتقاسمونها معنا. لكن ذلك يجب أن يستند، قبل أي شيء آخر، على العقل، وهذا ما ليس بمقدورنا فعله. يا لها من برهنة من دون مبدأ قبلي تحتاج قبل كل شيء للبرهنة عليه؟ ثم أي أساس هذا -الأمر يتعلق بالقيم- الذي لا يفترض مسبقا الاخلاق ذاتها والتي يزعم أنه يؤسسها؟ كيف نبرهن للفرد أنه على بطلان حينما يعلي من شأن الأنانية أكثر من الكرم، ومن الرياء أكثر من الصدق، ومن العنف والقساوة أكثر من الرقة والشفقة..، وما عسى أن يجلب له ذلك من فائدة؟ بل وما جذوة الفكر لمرء لا يفكر إلا في ذاته؟ وما قيمة البعد الكوني لشخص لا يحيا إلا من أجل ذاته؟ وما تتوقع من إمرء لا يتردد في تدنيس حرية وكرامة وحياة الآخرين أن يفي باحترام مبدأ عدم التناقض؟ لماذا يجب أن نتوفر قبل أي شيء آخر على العدة اللازمة لنتمكن من محاربته ثم دحضه؟ بما أن البشاعة لا تدحض نفسها مثلما أن الشر لا يدحض نفسه، سنكون في أمس الحاجة إلى الشجاعة منه إلى الأساس لمقاومة العنف والوحشية والبربرية. بل إننا في حاجة- حتى نكون صادقين حيال أنفسنا-إلى مزيد من الاستجابة للمتطلبات والإخلاص منه إلى السند. وعليه إن الأمر يتعلق بألا يحط المرء من قيمة ما صنعته الانسانية بنفسها وبذواتنا. وفي صيغة استفهامية: لماذا نحن في حاجة أصلا إلى أساس وضمانة؟ كيف سيكون ذلك أمرا ممكنا؟ الإرادة تكفي. وهذا أفضل. ”تقتضي الأخلاق -حسب آلن- أن يعرف الإنسان بأنه روح، وبهذه الصفة يكون ملزما بشكل مطلق: لأن النبل قوة ملزمة. لا يوجد شيء آخر في الأخلاق ما عدا الإحساس بالكرامة“. إنها نداء لاحترام الإنسانية في ذاتها وفي الآخر. وهذا ما لا يمكن أن يتم دون رفض، دون بدل مجهود، وبدون صراعات. فالأمر يتعلق برفض جزء قابع في ذاتك لا يفكر أو بالحري لا يفكر إلا فيك. أي يتعلق الأمر بأن ترفض أو أن تتجاوز في كل الأحوال العنف الثاوي في كيانك والأنانية الطاغية على نفسك والسفالة الملازمة لوجودك. وهو اختيارك بأن تكون رجلا أو امرأة، وأن تكون جديرا بذلك.
ورد على لسان أحد الشخوص للروائي الروسي دوستويفسكي الكلام التالي: “لو كان الله غير موجود لكان كل شيء مباحا”. طبعا لا، بما أن المرء، مؤمنا كان أم غير مؤمن، لا يسمح له القيام بفعل ما يشاء، بما في ذلك الأسوأ، لأنه سيكون غير جدير بمقامه!
المؤمن الذي لا يحترم الأخلاق إلا أملا في نعيم الجنة أو خشية عذاب جهنم، لا يمكن أن يعد مؤمنا فاضلا: لن يؤول إلا مجرد كائن أناني طماع ومتحوط. الشخص الذي يكتفي بفعل الخير ابتغاء جلب خلاصه الخاص، كما ورد تقريبا في شرح كانط، هو فعل منزه عن الخير وفاقد لخلاص نفسه. بمعنى آخر، أن الفعل لا يكون خيرا أخلاقيا إلا إذا تصرف المرء تصرفا،كما قال كانط أيضا، ”منزها عن كل شيء مأمول”. ضمن هذه الرؤية نستطيع النفاذ أخلاقيا  إلى صلب الحداثة، بل إلى العلمانية ذاتها (بالمعنى الإيجابي للكلمة: المعنى الذي يمكن أن يكون فيه المؤمن لائكيا شأنه شأن الملحد). إنها روح الأنوار: روح بايل، فولتير وكانط. إن الشيء الذي يؤسس الأخلاق ليس الدين، بل الأخلاق هي التي تؤسس بالأحرى الدين وتبرره. ليس لأن الله موجود معناه أنه ينبغي علي أن أتصرف تصرفا طيبا، بل لأنني يجب أن أتصرف تصرفا طيبا بحيث يجعلني محتاج- لا من باب أن أكون شخصا فاضلا، بل من أجل الهروب من اليأس- إلى الأيمان بالله. كما أنه ليس لأن الله أمرني بأن هذا الشيء خير، بل لأنه خير جاز لي أخلاقيا اعتباره أمرا صادرا من الله. هكذا فالأخلاق لا تمنع المرء من التصديق بالدين، بل هي بالحري من تقوده، حسب كانط، إلى الاعتقاد به. لكن دون أن يعني أن الأخلاق تتوقف عنه ولا أن تختزل فيه. وحتى وإن كان الله غير موجود أو ثبت عدمه بعد الموت، فليس معناه إعفاء المرء نفسه من تأدية واجبه أو بعبارة أخرى: أن يتصرف المرء تصرفا إنسانيا.
كتب مونتن: ”ليس هناك ما هو أجمل وأكثر مشروعية من إعداد الإنسان إعدادا حسنا وبالشكل المطلوب”. إن الواجب الوحيد هو أن يكون المرء إنسانا (بالمعنى التي تكون فيه الإنسانية لا فقط مجرد نوع حيواني، بل حصيلة تراكم حضاري)، مثلما أن الفضيلة الوحيدة هي أن يكون إنسانا، ولا أحد بمقدوره أن يحل مكانه.
إن هذه الأمور لن تقوم مقام السعادة، لهذا السبب ليست الأخلاق كل شيء، كما أنها لن تحل محل الحب، لهذا السبب أيضا ليست شيئا مهما. بيد أن أي سعادة لن تعفينا عن الأخلاق، بل إن أي حب لا يكفي دونها: بهذا المعنى تبقى الأخلاق دوما أمرا ضروريا لدى الإنسان.
إن الأخلاق هي التي تمكن المرء، من حيث كونه ذاتا حرة- عوض أن يظل حبيس الغرائز والهواجس- أن يعيش حياة حرة مع الآخرين. لهذا فالأخلاق هي هذا المطلب الكوني أو في جميع الأحوال القابل لأن يكون كونيا، والذي أوكل إلينا شخصيا أمر رعايته. فمن خلال إعدادنا للرجل والمرأة إعدادا جيدا، سنساعد الإنسانية على صناعة نفسها. وهذا شيء ضروري، لأنها في حاجة ماسة إليك مثلما أنت محتاج إليها!

علم الجهل أو الأگنوتولوجيا «Agnotologie»




- سعيد هادف

الأگنوتولوجيا (Agnotologie)، مقتبسة من الكلمة الانكليزية (Agnotology)، المنحدرة من اللسان الإغريقي وتتكون من السابقة (a) وتفيد النفي، وكلمة (gnôsis) وتعني المعرفة وكلمة (logos) وتعني الدراسة أو العلم.
الأگنوتولوجيا، أو علم الجهل، علم  يعنى بدراسة الإنتاج الثقافي للجهل. وقد صاغ هذا المصطلح  مؤرخ العلوم روبرت بروكتر (Robert N. Proctor) عام 1992، ومنحه رؤية جديدة لدى تيار تاريخ العلوم وجعل من الجهل ذاته موضوعا للدراسة. بدلا من ذلك السؤال التقليدي، ما هو العلم؟ (السؤال الكلاسيكي للابستيمولوجيا) أو ما هي الظروف الاجتماعية والتاريخية لمعرفتنا؟ (السؤال الكلاسيكي للسوسيولوجيا وتاريخ العلوم)، هذا المؤرخ انطلق من السؤالين التاليين: كيف ولماذا “لا نَعْرف ما لا نعْرف”؟ بيد أن الشروط متاحة من أجل تحصيل معرفة موثوقة ومأمونة الجانب. ووفقا لهذا المؤلف، فإن علم الجهل ليس فقط دراسة الجهل، ولكنه يعني أيضا دراسة الممارسات التي تسمح بإنتاجه.
كما يشمل هذا المفهوم الإنتاج الثقافي للجهل – كما هو شأن البيولوجيا التي أحاطت في وقت واحد بدراسة الحياة وبالحياة نفسها. علينا أن ندرك أن الجهل ليس مجرد فراغ يتم تعبئته بالمعرفة ولا حدّا لم يعبره العلم بعد. هناك سوسيولوجيا الجهل، سياسة الجهل؛ لها تاريخ وجغرافيا – ولها بشكل خاص- جذور وحلفاء أقوياء. صناعة الجهل لعبت دورا هاما في نجاح العديد من الصناعات. ذلك أن الجهل قوّة، وهي قوّة لا يمكن مجابهتها إلّا بعلم الجهل عبر تحليل الميكانيزمات المعرفية القادرة على بث روح الارتياب في الرأي العام، وخاصّة تلك الطرق الّتي تستخدمها جماعات الضغط عندما تكون مصالحها مهددة بفعل الاكتشافات العلمية.
يتعلق الأمر بأن ننظر إلى الجهل ليس فقط بوصفه أمرا محتوما، أو كمحصلة ضروريّة من أولويات برامج البحوث لدينا، ولا حتى كفشل جزئي للنسق التعليمي، كما يريده نموذج “الإفلاس” (deficit model)، ولكن أن ننظر إليه بوصفه ناتجا أحيانا عن فعل ما (action).
يمكن إنشاء الجهل من كلّ العناصر، من خلال استراتيجيات التضليل، والرقابة، أو يمكن صيانته من خلال استراتيجيات الطعن في مصداقية العلوم ومن خلال فاعلين أفرادا أو جماعات، سواء كانت دولة، مؤسسات أو جماعات الضغط …
أن نصوغ السّؤال، نفتح بالتالي آفاقا غير مطروقة في مجالات متنوعة مثل صناعة التبغ، الأمينات  والاحترار المناخي، واستخدام بعض أنواع البلاستيك، وهجرة الخبرات من المستعمرات إلى الميتروبولات واضطرابات الغدد الصمّاء، الخلايا الجذعية، وكثير من الأمراض الناجمة عن مواد الاستهلاك التي لا تحترم معايير الجودة ولاسيما في البلدان المتخلفة.
في مجال الفكر والسياسة لدى النخب العربية والناطقة باللّسان العربيّ، أن نصوغ السؤال، سنعرف لماذا لم نعرف أسباب تخلفنا وسنعرف كيف لم نعرف، ومن ثمّة سنعرف أن قسطا وافرا مما كنا نعتقد أنّه علم هو في حقيقته أسوأ من الجهل.
الجهل أصل كلّ الشرور كما قال أفلاطون، بسبب الجهل ينجم الثراء الفاحش والفقر المدقع بشكل محايث، وينجم الطغيان والخضوع بشكل محايث، وبسببه قد ينجم الاستبداد أو الفوضى. الجهل هو أساس الفساد وعدو الإبداع/الخلق، الفساد السياسي، الفساد المالي، الفساد الفكري والروحي، الفساد السلوكي والفساد الأيكولوجي.
يجمع كلّ المشتغلين في الحقول المعرفية أن المعضلة الكبرى الّتي تهدّد المجتمعات، أمنيا وتنمويا، وتحرمها حقها في التطور، بل تحرمها من الاضطلاع بواجبها في فهم شروط التطور عبر الاستعانة بالمجتمعات المتحضرة، هو أنّ نخب هذه المجتمعات لم تتحرر من الجهل، وهذا هو العامل الأول الذي يجعل المجتمعات الّتي لم يتأسس فيها علم الجهل تستمر رازحة تحت أوهام المعرفة، لأنّها لم تتمرس بالعلم الّذي يكشف لها مواطن جهلها.
لاحظ سقراط أنّ النّاس يعيشون مغمورين في ظلمات الجهل بينما يتوهمون أنّهم يعرفون كلّ شيء فلا يترددون في الإفتاء في أي شأن وإصدار الأحكام على أي أمر، وبالتّالي يعملون على تعميم الجهالة.
لم يكن سقراط يدعي الحكمة بل كان يتظاهر بالجهل، ويطلب من الآخرين أن يسعفوه بما لديهم من معرفة، فيوقعهم في الفخ، ومن هذه الوضعية الّتي يورطهم فيها يضعهم أمام جهلهم وجها لوجه، ومن ثمّة يحرضهم على التعلم.
لقد لاحظ سقراط  أنّ النّاس  في كلّ مكان وزمان  يتداولون الألفاظ ذات المساس الجذري بحياتهم، دون أن تتحدّد معانيها بدقّة في أذهانهم مثل ألفاظ: العدل والظلم والشّرف والعار والمثل العليا والقيم والأصالة والحقّ والباطل والخير والشّر … فكان سقراط يطلب من النّاس أن يحدّدوا  معاني هذه الكلمات وغيرها تحديداً دقيقاً. لأنّ الإدراك الصحيح  يتوقف على هذا التّحديد الدقيق. كما أدرك بعض العلماء من ذوي الرؤية الفلسفيّة من أمثال برتراند راسل وكارل بوبر وباشلار ونيتشه وهايدغر، بأنّ التّصورات السّابقة للعلوم تقف عائقاً منيعاً في وجه المعارف الممحصة وعن رأي باشلار يقول الدكتور فؤاد زكريا في كتابه (نظرية المعرفة):  يرى باشلار أنّ نمو العلم يحدث من خلال صراع مستمر مع الخطأ؛ فالحقيقة العلميّة خطأ تمّ تصحيحه، فليس ثمّة قيمة كبيرة لتلك الحقيقة الّتي تظهر منذ البداية واضحة ساطعة متميزة عن كل ما عداها. بل إنّ الخطأ كامن في قلب الحقيقة.
وكان تشارلز ديكنز قد كتب عام 1848، متحدّثا عن صرامة القضاء مع الأطباء غير الأكفاء وتعويضهم لمرضاهم الّذين يتسبّبون لهم في عاهات مستدامة، مُنبّهًا ومتسائلا عن مصير مئات الآلاف من العقول الّتي شوهتها إلى الأبد الحماقات الحقيرة الّتي ادّعت تكوينها. ويعلّق (Thomas De Konink) الّذي أورد ملاحظة ديكنز، في كتابه (الجهل الجديد ومشكلة الثقافة)، قائلا: «والحقارة المجرمة تتعمم اليوم وتخترق كل مكان، والعقبة الرئيسيّة أمام “إصلاحات” الثقافة… هي هذا الجهل الجديد الّذي يؤثّر في ثقافة محيطنا».

حازم الياسين يكتب: أحتضر وما زلت أنتظر!




أكتبُ لكِ وانا أعلمُ أنكِ ربما لم تفهمي ولن تشعري وإنكِ ما زلتِ مصممةً على البعدِ، مهملة كلُ أحرفي وكلماتي، أحاسيسي التي تذهبُ هدرًا على الأوراقِ. ماذا أفعل؟
بالله قولي لي؟ ها هي الحياة حطمت كلُ مراكب النّجاة حولي، لم أعتدْ أنا على تقلباتِ الحياة واضطرابات الأقدارِ، قلبي الصغير هو كونكِ ونبضكِ يا سيدة الغيابِ.
انصتي لي... أنا متعبٌ حقًا ولكن ما زالَ قلبي يرفضُ استبدالكِ بأيّ أنثى ولم يستطعَ قلمي التوقف عن كتابةِ اسمكِ.
حبيبتي أحتاجُ إليك، إلى أحضانكِ، إلى أنفاسكِ، أمنحيني ما أريد وسأمنحكِ قلبي وروحي لتبقي قربي، ما زلتُ الى هذه اللحظةِ أحبكِ، يأخذني كل شيءٍ بعيدًا عنكِ وأحبكِ.
يهزمني الزمان وأحبكِ، تائهٌ أنا على مفترقِ الطرق أفتشُ عنك.. أيُ طريقٍ أسلكه يوصلني إليكِ عشرةُ آلأف غدٍ خرجَتْ من حياتي البارحة!ط! وما زلتُ أقول غدًا سنلتقي، غدًا!
تأتي تلكَ الغيمةُ وتبللُ القلبَ المعطوب، أتدرين أنني أتلاشى عن الأنظار رغمَ وجود جسدي كما لو أني كنتُ كائنًا هُلاميًا!
ها أنا أكتبُ والحزنُ يمشي بأوردتي بدلًا من الدم، والدموع تتساقط لو كان الكون عطشٍ لارتوى، ضرباتُ قلبي أصبحت كَوخز الإبر، كمن ممرضة حديثةُ التعلمِ تعطيها ولكِ أن تتخيلي الوجع.
أي اللغاتِ أحتاج لتفهمي أني أحبكِ وأنتِ كلُ البلاغات والصورِ والنثر، حتى بلفظِ اسمُكِ تروقُ القوافي، تزهرُ مجازاتِ الوتر.
هذا عشقي متمردًا لا يعترف بجغرافيةِ البلدان ولا بتاريخ الزمان، رغم طولِ المسافات لستُ يائس ولا زلتُ أنتظر، وأنتظر أن تتحقق أمنياتي التي طلبتها من الله على أملِ اللقاء المُعلقَ بالسماءِ.
قصائد للشّاعرة الهنديّة الكنديّة "ريتا جو"

قصائد للشّاعرة الهنديّة الكنديّة "ريتا جو"


” فقدت كلامي
لقد فقدت حديثي
الكلام الّذي أخذته بعيدا
عندما كنت فتاة صغيرة
في مدرسة Shubenacadie.
انتزعته بعيدا:
أنا أتكلم مثلك
أعتقد مثلك
أنا أبدع مثلك
القصة المسرعة، عن كلمتي.
إنّني أقول قولي بطريقتين
حديثي حديثان
لكنّ طريقتك أقوى.
لذا، برفق، أمدّ يدي وأطلب
أن تدعني أجد كلامي
حتّى أجعلك تعرفني”.
تزوجت ريتا من فرانك جو في عام 1954 وقاما معا بتربية عشرة أطفال في منزلهم في ايسكاسونا في كيب بريتون – نوفا سكوتيا. في الثلاثينات من القرن العشرين، بدأت جو في كتابة الشعر من أجل التّصدي للصور السلبيّة للشعوب الأصليّة الموجودة في كتب الأطفال. كتاب – قصائد ريتا جو -، من عام 1978، كان أوّل كتاب منشور لشعر الميكماك من قبل مؤلف ميكماك. توفيت ريتا جو في عام 2007 عن عمر يناهز 75 عامًا بعد أن عانت من مرض باركنسون. وبعد وفاتها وجدت بناتها مراجعة لآخر قصيدة لها “أغنية أكتوبر” مطبوعة على الآلة الكاتبة. تقول القصيدة:
“في اليوم الّذي أكون فيه حزينة،
أذهب مرّة أخرى إلى الغابة
حيث تتمايل الأشجار،
والأذرع الّتي تلمسك كصديق،
وصوت الريح المتوحدة مثلما أنا وحيدة؛
تهمس هنا، وتهمس هناك:
تعال وكن صديقي”.
*               *                  *
– قصائد ريتا جو من ديوانها
قصيدة – أقاليم مجهولة –
” في ساعات الصباح الأولى
أظل مستلقية وأتساءل
في محاولة لفرز الأحلام
من أجل تحديد طبيعتها
فهي تخدم قاعدة للحكم
بالنسبة لإيمان الشّخص
فالأحلام وجدت
لكي تحمل إلينا رسائل
وتخبرنا عن أجزاء من النهاية
البيئة الّتي تحيط بنا
توجهنا في الحياة
تماما كما كان يفعل شعبنا
في الأزمنة البعيدة
وهذا صحيح بالنسبة للرّوح
وبالنسبة للطفولة
أحيانا
تكون الصورة الكاملة سعيدة
لكنّ القلق يحتلّ جزء منها
وهذا يعتمد على روح التّساؤل
والعزم على كسب القلب
ومن أجل ذلك أحبّ أن أقرأ
فالصور إذ تلعب بالذّهن
في رحلته إلى الأقاليم المجهولة
تلهمه اكتشافات جريئة “.
*            *             *
قصيدة – التعصّب شيء يمكن الاستغناء عنه –
“دخلت إلى محلّ في المدينة
وجيوبي مثقلة بالنّقود
احتياجاتي مثل أيّ شخص آخر
وأردت أن أشتري بسرعة
البائعة في المحلّ
رأت وجهي وثيابي الخشنة
قدميّ في حذاءين من جلد الحيوانات
وغطاء رأسي يصل إلى جبيني
فكّرت البائعة سريعا بالهنود الفقراء
ولم تشعر أنّني أحسست بالمرارة
لكنّني بلطف استدرت
وغادرت المحلّ
وبحثت عن محلّ اخر
حيث جميع المحاسبين يبتسمون
ولو كانت ابتسامات مؤلمة
اشتريت وغادرت وجيوبي قد فرغت
التعصّب شيء يمكن الاستغناء عنه
خذني كما أنا
مع نقودي ومع هويتي ”
*             *              *
– قصائد متنوعة:
قصيدة – وطننا في هذا البلد
عبر الرياح الّتي تهب من التلال
والثلج فوق الحقول.
والهواء البارد.
أحبّ أن أفكّر في حياتنا الأصلية،
فضولية، وحرّة
أنظر إلى النجوم
ترسل الرسائل الجليدية.
عيناي تريان الوجه البارد للقمر
يلقي شبكته على الخليج.
يبدو
أنّنا مثل القمر –
ولادة،
نموّ بطيء،
ثم التلاشى، للظهور مرّة أخرى
في دورة لا نهائية.

حيواتنا تستمر
حتى نصبح كبارا في السن وحكماء .
ثمّ النهاية.
لا أكثر،
ما عدى
أنّنا نترك
إرثا لا يموت
*        *        *

– الكلمات لم تعد تحتاج
معاني واضحة.
الأشياء المخفية تنبع من إرث ضائع.
لا حكاية في الكلمات تمنعنا من رغبتنا، وجوعنا،
الحرية التي عرفناها.
تراث الشرف
يحافظ على آمالنا.
ساعدني في البحث عن المعنى
المكتوب في حياتي،
ساعدني لأقف مجددًا
طويل القامة  وعظيما.



*           *            *
ريتا جو

هيباتيَا.. قُربان التّنوير



- إميل أمين

من يملك الحقيقة المطلقة؟ الجواب يترتب عليه معرفة من لهم الحق المطلق في محاكمة البشر، والتاريخ الإنساني زاخر بقصص بشرية توضح لنا مقدار المأساة التي صاحبت التسلط والفوقية الفكرية، وما أدت إليه من ضحايا ذهبوا قرابين في طريق الأحادية الذهنية، عل الإنسانية تستفيد من تقدماتهم البشرية، ودمائهم التي سفكت على مذابح الأصوليات المتطرفة، عند كل الملل والنحل، ومن القديم إلى الحديث. أحد الأمثلة التي يمكن لنا أن ندلل بها على إشكالية حرية الفكر، في مقابل الجمود الأرثوذكسي بالمعنى العام، وليس بالإشارة إلى طائفة دينية بعينها، يتمثل في مأساة «هيباتيا»، الفيلسوفة السكندريَّة التي اغتيلت بطريقة وحشية في عام 415م.

قبل الدخول في عمق القصة، ينبغي الإشارة إلى أن المعلومات والصراعات الذهنية التي دارت من حولها كثيرة ومتضاربة، ما بين مؤرخين، وكتاب، ونقاد، ولاهوتيين، ولهذا جرى تشويش واسع حول الأبعاد الحقيقية لمأساة «هيباتيا». ونحن هنا لا نناقش الخلافات التاريخية، أو الاتهامات المتبادلة ما بين أطراف متصارعة لأغراض ومآرب شتى، وإنما جل القصد الوقوف على مأساة الإنسانية التي تدعي امتلاك النور الساطع والحق الكامل، حتى وإن مضى ذلك الادعاء على جثث المختلفين في الدرب، والسائرين في طرق الاجتهاد والإبداع الذهني.

آراء متضاربة 
لم يصل إلينا من سيرة «هيباتيا» الكثير، والقليل يفيد بأنها ولدت عام 370 ميلادية بالإسكندرية، ونشأت في تلك المدينة الكوزموبولتية، وتلقت القسط الوافر من علومها عن يد أبيها الفيلسوف وعالم الرياضيات «ثيون»، أحد أفضل الفلاسفة الذين عاشوا في منتصف القرن الرابع الميلادي. 
الذين أحبوا «هيباتيا» عبر التاريخ، أشاروا في كتاباتهم إلى مثال نادر للفيلسوفة التي جمعت بين علوم وآداب الشرق والغرب، وتنوعت مداركها بين الفلسفة والرياضيات، وتتلمذ على أيديها مسيحيون ويهود ووثنيون، وينسب إليها صناعة أفضل أسطرلاب لقياس الفلك في زمانها.
أما الذين يمقتونها مثل الكاتب والمؤرخ المصري «يوحنا الينيقيوسي» في كتابه «Chromicle»، أو تاريخ مصر والعالم القديم الذي كتبه عام (690م)، فيسردون مشهدها كالتالي: «ظهرت في تلك الأيام في الإسكندرية فيلسوفة وثنية اسمها هيباتيا كرست نفسها في كل الأوقات للسحر، وأضلت أناس كثيرين بخدعها الشيطانية». 
هل كان سبب مأساة «هيباتيا» الصراع بين السياسة والقداسة؟
كثير من الروايات التاريخية تقول بأن هناك صراعاً ما كان دائر في تلك الأيام ما بين حاكم الإسكندرية الوثني وبين كبير القبط أو البطريرك، والمختلف من حوله، وهل هو كيرلس أم أحد غيره. بيد أنه لا يهم هنا الشخص بقدر الفكرة، فما يذكره النيقيوسي هو أن «هيباتيا» «كان لها حضور طاغٍ عند حاكم المدينة، والذي درج على إكرامها إلى أبعد حد، لأنها قد أضلته بسحرها، وقد توقف عن حضور الكنيسة كما كان معتادًا... وهو لم يفعل ذلك فقط، بل جذب الكثيرين من المؤمنين إليها، وهو نفسه استقبل غير المؤمنين في منزله». 
لكن البحث المعمق عن هيباتيا يشير إلى أن اتهامها بالسحر على هذا النحو أمر لا يقبله العقل الناقد، فعلى سبيل المثال تشير الموسوعة البريطانية إلى أن هيباتيا «شاغلت وشاغبت مئات المفكرين طوال ألف وستمائة عام، وكتب عنها مئات الكتب، وجميعها ذهبت إلى القول بأن هيباتيا، وإن كانت وثنية، إلا أنها كانت ذات منطق وسلوك محترم، وكان كل الذين يعرفونها يكنون لها الاحترام، بمن فيهم حاكم الإسكندرية، كما أن قاعة أكاديمية الإسكندرية الرومانية تمتلئ، عندما تحاضر هيباتيا، وحين تشرح فلسفة أرسطو وافلاطون بنوع خاص، بل إنها كانت تتجرأ على الخوض في مسائل عميقة يحسبها بعض من اللاهوتيين نزقاً فكرياً، أو ضرباً من ضروب الردة عن الإيمان، موضوعات من عينة... «من أنا؟ ومن نكون؟ وما هو الخير والشر؟».

صراع الوثنية والإيمان
فهل دفعت «هيباتيا» ثمن الصراع بين الوثنية أو عبادة الأوثان التي كانت قائمة في مصر في ذلك الوقت، وبين المسيحية التي دخلت البلاد عام 42 ميلادية على يد مرقس الرسول؟ 
الجواب يحتاج إلى قراءة طويلة، لكن في اختصار، نشير إلى أن المصريين عرفوا طوال عدة آلاف من السنين العشرات بل والمئات من الآلهة والأرباب، ولا تزال معابدهم في الكرنك جنوب مصر، وفي مدن أون وهيليوبوليس، وتل العمارنة، والأشمونين، شاهدة عليها. 
هنا وفي هذا السياق لم يكن من اليسير أن يختفي تأثير مصر الفرعونية، حتى وأن أقبل جل المصريين على اعتناق المسيحية وبخاصة في المدن الكبرى مثل الإسكندرية، التي كانت حافلة باليونانيين وهؤلاء لهم آلهتهم ومعابدهم المقدسة، فيما كان الرومان هم حكام مصر الفعليون بأشكال مختلفة وبقايا كثيرة للأوثان التي كانوا يدينون لها بالولاء، وذلك قبل أن يصدر الإمبراطور «قسطنطين» ابن الملكة «هيلانة» ما عرف عام (313) بـ«مرسوم ميلانو»، والذي أعلن فيه حياد الإمبراطورية الرومانية بشؤون العبادة، ما أزال العقبات أمام الممارسات الدينية للمسيحية والديانات الأخرى، وفتح الطريق أمام المسيحية تحديداً للاعتراف بها كدين رسمي للدولة الإمبراطورية، وإن لم يكن ذلك بالضرورة يعني تغيير العقليات التي درجت على عبادة فينوس، والتشفع بـ«جيوبتر»، أو الاستنجاد بـ«مارس» إله الحروب، إلى آخر منظومة آلهتهم.
تكاد دراما «هيباتيا» والمحاكمة الجنائية الظالمة التي عقدت لها في عقول بعض من «رعاع المسيحيين» ـ والتعبير هنا وارد في بحث للأنبا بيشوى السكرتير السابق لمجمع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصر - تكاد تكون صراعاً بين المطلق والنسبي، بين المقدس والمسيس، وربما تكون شحنت صدور هؤلاء بضغائن تجاه الفيلسوفة الأفلاطونية الحديثة التي استطاعت أن تثبت نفسها بجدارة في أي محفل أكاديمي، وقد كان من الواضح أن الحاكم الروماني ارتد عن إيمانه المسيحي، وهو المدعو «أوريستوس» تحت انبهاره بها، لاسيما وأنهما كانا يظهران كثيرا بصحبة بعضهما بعضًا، ومن هنا نشأ في عقولهم، أنها هي السبب في تأجيج نيران الغضب وإشعال مواقد الكراهية تجاه البطريرك القبطي «كيرلس».

التطرف المسيحي
مأساة «هيباتيا» أنها ذهبت ضحية الصراع الذي لا يزال محتدماً في أيامنا بين المطلق والنسبي، فقد كانت الفيلسوفة مفكرة متميزة في شرح الفلسفة، تمضي في طريق الإبداع وتتجنب الاتباع، درجت في مجالها العلمية على طرح الأسئلة التي تدعو للتفكير العميق، والتطرق إلى كل ما هو ليس مألوف، ما يعني أنها كانت مجددة وخلاقة تنظر إلى الشؤون الدنيوية بعين النسبية، وتتقبل الرأي والرأي الآخر، ولا تضع سداً أو حداً أمام قدرة العقل البشري على التخليق ونسج الخيوط وبسط الخيوط الفكرية.ُ 
في المقابل، يذهب البعض إلى أن المسيحيين الأوائل في مصر كانت تأخذهم الحمية لدينهم الجديد، ومن هنا ولدت جماعات ذات طبيعة راديكالية فعالة في إيمانها، ترى أن القديم لابد وأن ينزاح دفعة واحدة، بما في ذلك الآلهة الوثنية وعبادها، وإن أنكر البعض الآخر تلك الروايات.
غير أن حوادث تاريخية بعينها جرت بها المقادير في القرن الرابع الميلادي وتحديداً في مدينة الإسكندرية، تشي بأن «المطلق الديني» لم يكن له أن يقبل الشراكة مع «النسبي السياسي أو الفلسفي»، ولهذا تم اقتحام العديد من المعابد الإغريقية والرومانية، وهدم التماثيل وحرق الأبحاث العلمية والخرائط التي انتمت إلى العصر الوثني. 
وفي رواية أخرى تنكر صلة المسيحيين بالعنف على هذا النحو الإجمالي، تقول بأن الأقباط الذين قبلوا الإيمان المسيحي استطاعوا تحويل الشعائر والطقوس الفرعونية إلى المسيحية، وتمثلوها في صلواتهم الجديدة، واحتفالاتهم الدينية، فعلى سبيل المثال فإن اللحن الأهم الذي يستقبل به كبير القبط في بدء الصلوات والمعروف باسم «أبؤرو» باللغة القبطية، أي «يا ملك السلام» باللغة العربية، لم يكن إلا اللحن الفرعوني عينه الذي كان يستقبل به الفرعون الأعظم «رمسيس الثاني» لدى دخوله معبد الكرنك في مدينة الأقصر جنوب مصر. 
على أنه يمكن للمرء أن يتقبل فكرة وجود بعض المتزيّدين والمغالين في إيمانهم الجديد، الذين حاولوا إثبات أنهم ملكيون أكثر من الملك، وقد كان من الطبيعي أن تنتشر بينهم دعوات الفتك باليهود والوثنيين من الرومانيين على نحو خاص، وكذا الاعتداء على ممتلكاتهم وسلبها إذا قدر لهم إلى ذلك سبيلًا.

المطلق والنسبي
كانت «هيباتيا» على موعد مع القدر المتصادم ما بين المطلق والنسبي، والمطلق لا يقبل التعددية، فإما الإيمان وإما الموت، على خلاف النسبي القابل للقسمة ولهذا فصراعات النسبي، صراعات قابلة للتفاوض ومن ثم من الميسور حلها، وعلى الضد من ذلك، فإن المطلقات تنفي الآخر إلى أبعد من الحياة، حيث الموت كان يترصد فيلسوفة الإسكندرية.
ليس في إمكاننا التأكد من دقة المكان الزمان الذي توقفت فيه عجلة التاريخ بالنسبة لـ «هيباتيا»، إذ يقول البعض إن ذلك جرى في إحدى ليالي الصوم الكبير، أي في أوج المد الروحي للمؤمنين، وكأن الزخم الإيماني المطلق استوجب ردة فعل مطلقة، تقضي بإنهاء حياة «هيباتيا»، تلك التي امتدت إليها الأيادي في الظلام، لتطرحها أرضاً، وبمنتهى القسوة تجرها جراً إلى صحن «كنيسة قيصرون» في أحد أحياء الإسكندرية، ويبدو أن المصريين الذين عرفوا الذبائح البشرية، قد أعادوا الكرة مع «هيباتيا» التي تم ذبحها وتقطيعها إرباً إرباً كما يقال، وتالياً تم تجميع جسدها وحرقها، انتقاماً منها لإفساد الحاكم وجموع الشعب بأفكار ضالة مضللة.
تكاد قصة «هيباتيا» تلقي بظلالها على عالمنا المعاصر الذي عرف في السنوات القليلة المنصرمة ظاهرة «تنظيم الدولة الإسلامية» داعش، أولئك الذين اعتبروا أنفسهم «أصحاب الحق الإلهي»، يذبحون، ويحرقون ويغرقون، من يتجاوز رؤاهم وأفكارهم في محاكمات سوف يقف الزمان لها لاحقاً بالمرصاد ليدينها وفاعليها أيضًا.

إنصاف العلم 
غلبت الهيمنة عند المتطرفين دينياً تجاه حياة «هيباتيا»، لكن فاتهم أن أفكارها وفلسفتها لم تمت بموتها، وإن كان الذي وصلنا عنها وعن مؤلفاتها القليل، إذ أحرق هؤلاء الغوغاء كافة كتبها ومخطوطاتها كي لا يبقى لها أثر. 
قضى على «هيباتيا» على أمل أن تموت أفكارها، غير أن العلوم اللاحقة أكدت من جديد أن «هيباتيا» كانت على صواب في الكثير من تجاربها لاسيما علاقتها بعلم الفلك، الذي اعتبروه ضرباً من ضروب الكهانة الوثنية، بالضبط كما سيحدث مع جاليليو بعد نحو ألف عام تقريباً على موتها الملودرامي. قدمت «هيباتيا» بموتها المأساوي، مهراً للإنسانية الساعية في طريق التنوير، وقد سعى سعيها لاحقاً عدد من رواد التضحية البشرية، في مواجهة أصحاب الأفك، مثل: جان دارك، وراشيل كوري، شهيدات التطرف واللواتي فتحن الطريق واسعاً أمام المرأة ودورها بنوع خاص في مسيرة الحرية والإنسانية والتنوير. 
قصة «هيباتيا» تخبرنا بأن تحت جلد كل أيديولوجي، مهما كانت هذه الأيديولوجيا، يقبع إرهابي، ينتظر لحظة التمكين التي تتحدث عنها الجماعات الأصولية للانطلاق في طريق الذهنية الأحادية، وإقصاء الآخر، بل أكثر من ذلك أنها تضعنا أمام حقيقة العنف المستخلص من الأديان والمعتقدات في حال «لي عنقها»، الأمر الذي يجعل القتل وسفك الدماء أمراً مرغوباً ومحبوباً. لعل النظر في قصة «هيباتيا» الجوهر، لا الحواشي ولا الروايات المختلفة والمختلقة، تدق ناقوس الخطر لحال العالم الواقع تحت زيف الاستعمار الأيديولوجي تارة، والديني تارة أخرى، ما ينذر بتكرار مأساة «هيباتيا» مرات عدة في قادم الأيام.

نورالدين عزار يكتب: المخ البشري كون خفي


استطاع الأخصائي المشهور في جراحة المخ والأعصاب "بينفيلد penfied" في الثلاثينيات أن يجري جراحات في المخ لعلاج المرضى بنوبات الصرع. وقد إستخدم بينفيلد أسلوباَ فريداَ يتمثل في تمرير تيار كهربائي بسيط في المخ بهدف تنشيط بعض المراكز فيه. وبالرغم من أن هدفه الرئيسي كان العلاج، فقد إكتشف من خلال جراحاته على المخ الكيفية التي يعمل من خلالها العقل.
فمثلا لاحظ أن تنبيه المخ في بعض المناطق الحسية أو الأعصاب يستثير الاستجابة في الأعضاء الجسمية أو الحسية المقابلة، وأن تنبيه منطقة أخرى من المخ يؤدي بالمريض إلى تذكر أحداث قديمة نسيت مند فترة طويلة.
لم تحلل معرفة وجود ممرات كهربائية تصل الدماغ بالجسم منهجيا حتى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما بدأ الدكتور وايلدر بينفيلد في العمل على مرضى الصرع، الذين يعانون غالبا تشنجات ونوبات مرهقة يمكن أن تهدد حياتهم.
 كان الخيار الأخير بالنسبة إليهم هو إجراء جراحة دماغية، تضمنت إزاحة أجزاء من الجمجمة وكشف الدماغ.(وبما أن الدماغ لا يملك حساسات ألم، يمكن للمرء أن يكون واعيا خلال العملية بكاملها، لذا إستخدم بينفيلد مخدراَ موضعيا فقط خلال العملية...).
إذ لاحظ الدكتور بينفيلد أنه عندما حرض مناطق معينة من قشرة الدماغ بقطب، إستجابت أطراف مختلفة من الجسم لذلك. أدرك فجأة أن بإمكانه أن يرسم علاقة واحد- واحد بين مناطق معينة من قشرة الدماغ و جسم الإنسان. 
والأكثر من ذلك، فقد وجد بينفيلد أنه عندما قام بتحريض أجزاء من الفص الصدغي عاد مرضاه فجأة لتذكر ذكريات نسوها مند زمن بطريقة واضحة جدا. 
صدم عندما تكلم أحد المرضى فجأة خلال عملية جراحية على الدماغ "كانت مثل.. الوقوف أمام الباب في مدرستي الثانوية.. سمعت والدتي تتكلم على الهاتف، وتخبر عمتي لتأتي إلينا في تلك الليلة". أدرك أنه كان يتحسس الذكريات المدفونة عميقا في الدماغ.
وعندما نشر نتائجه في العام 1951، أحدثت تحولا آخر في فهمنا للدماغ.
وحصل اختراق أخر خلال فوضى الحرب، خلال التاريخ، وضعت مبادئ دينية عديدة تحرم تشريح جسم الإنسان، مما أعاق بشدة تطور الطب. ولكن في الحروب، بوجود عشرات الآلاف من الجنود الجرحى الذين يموتون على ساحات المعارك، أصبحت الحاجة ملحة للأطباء لتطوير أي معالجة طبية فاعلة. خلال الحرب الدنماركية – البروسية. 
في العام 1864، عالج الطبيب الألماني غوستاف فريتش العديد من الجنود بجروح عميقة في الدماغ، ولاحظ بالمصادفة أنه عندما لمس منطقة معينة من نصف الدماغ، إرتعش الجزء المقابل من الجسم. برهن فريتش بصورة منهجية بعد ذلك أنه عندما حرض الدماغ بالكهرباء، فإن النصف الأيسر من الدماغ تحكم في الجانب الأيمن من الجسم، والعكس صحيح.

“الجنس المقدّس”.. علاقة الرّجل والمرأة من منظور هندوسي

“الجنس المقدّس”.. علاقة الرّجل والمرأة من منظور هندوسي


- رسلان جاد الله عامر


بادئ ذي بدء أقول إنّه لا حياء في العلم.. والموضوع الّذي سأتحدّث عنه بإيجاز هنا .. هو موضوع علم وفكر وثقافة، وهو يتعلق بمسألة “الجنس المقدس” (sacred sex) عموما.. وبجزئها الهندي خصوصا، فرغم الانفتاح الهائل في العالم الحديث، ما زالت الغالبية في مجتمعاتنا العربية تعيش منغلقة العقل والبصيرة  في ماض سحيق خارج حدود هذا العصر! فإن تحدّثوا بشكل ما عن الهندوس رموهم بالشّرك.. وبعبادة البقر.. واليوم أضيفت إلى هذه التّهم تهمة “عبادة الجنس” من قبل بعض أشباه العارفين المتعصبين، الّذين لا يعترفون بالآخر!
فما سرّ هذه المسألة؟

هنا لابد أن أقول موضّحا نقطة مهمّة.. وهي أنّ الاعتراف بالآخر لا يعني تبنّي موقف الآخر، ولا موافقته على عقائده وآرائه، بل يعني فهم وتفهّم الطّريقة الّتي يفكّر بها ورؤية الحقّ من وجهة نظره، ولكن هذا لا يعني بتاتا أنّنا بتنا ملزمين بوجهة نظره هذه، بل يمكننا الاستمرار في اعتباره مخطئا.. ولكن دون أن ندينه أو نهينه على خطئه، لأنّه لا يتعمّد الخطأ، إن أخطأ، بل يخطئ عن حسن قصد في مسعاه نحو الحقّ والصّواب!
أمّا في ما يتعلّق بمسألة الجنس المقدّس، فهذه العقيدة تعود في جذورها إلى “عقائد الخصب”(Fertility Cults) ، الّتي  كانت منتشرة في الماضي البعيد، وكانت تقدّس الخصوبة في الوجود والحياة ككلّ، وتنظر إلى الوجود كلّه وكأنّه عملية حمل وولادة، ولذلك شاع في ذلك الزّمن تأنيث الألوهة، وشخـِّصت الألوهة بشخصية الإلهة الأمّ الّتي أنجبت الوجود ..كما تنجب الأم البشريّة الطفل، وعلى مستوى الأسرة جعلت قضية الإنجاب هذه المرأة ربّة الأسرة وسيّدة المجتمع، ولذلك يطلق على ذلك العصر عادة تسمية “العصر الأمومي”.
وقد عرف في تلك العقائد تقديس الجنس والأعضاء الجنسية، الّتي أصبحت رموزا مقدّسة، وهذا عائد لارتباطها الوثيق بقضية الإنجاب والتّناسل، الّتي لم ينظر إليها بدورها نظرة بيولوجيّة محضا.. بل اعتبرت متكاملة مع مسألة الحبّ الّذي لا غنى عنه لجذب الأقطاب المتخالفة إلى بعضها البعض لتتّحد فتثمر!
لكن هنا يصبح كلا من العضو المذكر والعضو المؤنث والاتّصال الجنسي، لا مجرّد مفاهيم جنسيّة محصورة بالكيان البشريّ، بقدر ما هي مبادئ خصبيّة كونيّة، وهي من هذا المستوى الخصبي الكوني العلواني تنعكس على الإنسان بصفته أرقى أشكال الكائنات، لترتبط بأعضائه الجنسيّة ونشاطه الجنسيّ كأعضاء خصبية ونشاط خصبي، يتكامل مع الحبّ في تجديد الوجود والحياة الإنسانيّة في إطار عمليّة وجود الكون واستمرار التّجدد الكونيّ الشّاملة والدّائمة!
هذه الفكرة استمرّت وتطوّرت لاحقا في الهند.. وأضيف إليها عامل وحدة الوجود (pantheism)، الّذي لا يفصل الألوهة عن الطبيعة.. ويرى الإله جوهرا للكون كلّه وغير مفارق له، ويتجلّى في كلّ مظهر من مظاهره، وفي ذروتها الإنسان، وبذلك تصبح العشرة الجنسيّة اتّحادا مقدّسا لأنّها تتمّ بين أرقى أشكال التّمظهر الإلهيّ في العالم .. مجسّدا في كلّ من الرّجل والمرأة!
فـ «في الهندوسيّة، الجنس هو سماوي. وهو واجب إلزامي لأنّه مسؤول عن الإنجاب والتّقدم المنظّم للخلق. دون جنس، لا توجد أيّة إمكانيّة للولادة من جديد أو للخلاص أو لاستمرار أعمال الله الأبدية»([1]).
وهذه العقيدة ما تزال مستمرّة حتّى اليوم في أكثر من مذهب، أشهرها مذهب التانترا (Tantra) الهندي!
يسمّى الاتّحاد الجنسي الطقسي في التانترا “مائتهونا” (maithuna)، والعضو الأنثوي “يوني” (yoni) والعضو الذكري” لنغا” (linga) أو ” لنغام” (lingam)، وهما رمزان مقدّسان، كما أنّ المائيتهونا بدورها مقدّسة!
لكن كلا من المائتهونا واليوني واللينغا لا تنحصر في المستوى البشريّ كيانا ونشاطا، فهي تدلّ على أقطاب كونيّة، فاللينغا يمثّل القطب الذكري مشخّصا بالإله شيڨا، فيما يمثل اليوني القطب الأنثوي مشخصا بالإلهة شاكتي، قرينة شيڨا، ومن خلال تواصلهما الجنسي تتمّ عملية الخلق والتّكوين.
وهذا التّمثيل الأسطوري يأخذ معنى أكثر رمزيّة وتجريدا في الفكر الميتافيزيقي التانتري، فيصبح شيڨا دالا على المبدأ الفعّال أو الوعي الكونيّ التجاوزيّ، وشاكتي دالّة على المبدأ المنفعل أو الطّاقة الكونيّة الكامنة، والمائتهونا هي عمليّة الفعل والتّفاعل الخلاّقة بين الوعي والطّاقة.
هنا لا يوجد أي شكل من أشكال الشهوانيّة أو التّهتك أو المجون، بل يتم ّرفع علاقةٍ إنسانيّة حيويّة جوهريّة إلى رتبة التّقديس، بسبب معانيها الرّفيعة.. وليس بدافع المتعة واللّذة الحسيتين مستهدفتين بحدّ ذاتيهما، لكنّهما طبعا تعتبران نتيجة مباركة لهذا الطّقس المقدّس السّعيد!
التّهتك والمجون لا مكان له في التانترا.. والتانتريون يرون “المائتهونا” خطوة مرحليّة على طريق النرڤانا، أي التّحرر والانعتاق النهائي([2]) من العالم الأرضي إن جاز التّعبير، لذا يجب على الإنسان السّاعي إلى الاستنارة والكمال أن يتخلّى في مرحلة مّا من نضجه الروحيّ عن الجنس، كما يتخلّى الطفل عن حليب أمه، إلّا أنّ هذا الأمر لا يجب أن يتمّ بالقسر والجبر، بل بالتّطور التدريجيّ، وفي سكينة وسلام ، لكن على الإنسان ألّا يرغم نفسه عن الامتناع عن العشرة الجنسيّة، بل عليه القيام بها طالما أنّه يشعر بالحاجة إليها .. إلّا أنّه يجب أن يفعل ذلك دوما مؤمنا أنّه يفعل فعلا مقدّسا.. يجب عليه أيضا أن يتجاوزه بدوره إلى درجة أعلى في القداسة!

ويمكن إيجاز المبدأ التانتري في العلاقة مع الجنس، بأنّه طالما أنّ الجنس هو قوّة طبيعيّة كبرى في تكوين الإنسان، وهي من الإمكانية بحيث يمكنها أن تدفعه في سبل الشهوانيّة واستغياء المتع، وهذا إن حدث فسيحرف الإنسان عن طريق الحياة الصحيح، المتمثل في السّعي إلى الاستنارة وترقية الذّات وتحقيق التّحرر الكونيّ، كما أنّها أيضا من القدرة بحيث تستنزف طاقة الإنسان وتبقيه في حالة صراع داخلي يمنع تزكّي ذاته وتحقيق الاستنارة المقترن والمشروط بالسّلام الداخليّ التّام، إن هو حاول تجاهلها أو قمعها وكبتها، وهي قطعا لن تتجاهله، لذا يجب عدم تجاهل هذه القوّة، وتلبيتها بالشّكل الصّحيح، الّذي لا يتناقض مع مسار الارتقاء الاستناريّ الذاتويّ، ولكن بما أنّ الغاية القصوى لهذا المسار هي تحقيق التّحرر من الوجود الأدنى، الشديد الجزئية والسطحيّة والعبثيّة، والاندماج التوحدي مع الوجود الكليّ الأسمى، فهذا التّحرر يقتضي التّحرر السلمي من كلّ الحاجات والشّهوات، بما فيها الجنس، وهو حاجة مقترنة برغبة!
وللتّحرر من الحاجة الجنسيّة، وهذا لا يتحقّق بالطبع بكبتها، ولا يتمّ أيضا بالاستمرار بتلبيتها حتّى ولو بشكل مشروع ومنظّم ومنضبط، فلا بدّ من إعداد آلية مناسبة لهذا الغرض، لا تبقي الجنس محرّكا لاستهلاك طاقة الإنسان سواء على صعيد تلبيته أو على صعيد معالجته بقصد التّحرر منه، لذا ذهبت التانترا في منحى مختلف كليا، بل سلكت الطّريق المعاكس، وقرّرت تحويل الجنس نفسه إلى محرّك ارتقائيّ، ومصدر لانتاج الطاقة المنمية للذّات الإنسانيّة، ليساهم الجنس بذلك بدوره في ترقية الإنسان وإيصاله إلى الذروة التحرريّة، الّتي يتحرّر فيها من كلّ احتياجاته، سواء منها الطبيعيّة أو الخارجة عن المسار الطبيعيّ، بما فيها الجنس نفسه!
ولهذا الغرض طوّرت التانترا منظومة من الطّقوس الجنسيّة المتكاملة، الّتي يمكن أن نصفها بأنّها “يوغا جنسيّة”، والغاية منها – حسب وصف أحد معلّميها- ليس  تحقيق مزيد من الجنس، بل مزيد من اليوغا، اليوغا التنمويّة الارتقائيّة التحرريّة للذات الإنسانيّة([3])! وبهذا الشّأن يقول أوشو: «كلّ الصفات الإنسانيّة موجودة فيك، كلّ الاحتمالات. الجنس العادي صحي في حدّ ذاته، ولكن في ظلّ الكبت والقمع سيتحوّل إلى مرض. من السّهل التّحرك إلى العالم الإلهيّ من الحالة الطبيعيّة للعقل، أمّا التّحرك إلى الألوهيّة من العقل العصبي، فصعب جدّا، وبمعنى مّا مستحيل. أولا عليك أن تصبح صحيا وطبيعيا. عندها ستكون هناك فرصة لتجاوز الجنس»([4])، ويرى أوشو أن السّاعي الصّادق والمجدّ لتحقيق الاستنارة بشكل صحيح، يجب أن يكون عند بلوغه الثانية والأربعين من العمر قد وصل درجة من النّمو تجعله غير محتاج لممارسة الجنس([5])!.
تَعِد التانترية من يمارس التّهتك والفجور بدرجة عميقة في الجحيم .. لكنّنا نحن عموم العرب والمسلمين عموما نتفوّق في الشّطارة في إلقاء الإدانات المجانيّة والجزافيّة على الآخرين، مكتفين عادة بأوهى الأسس – وجلها أوهام – لاتّخاذ مواقفنا، ومعفين أنفسنا من واجب مراجعة أنفسنا في ما ندين الآخر عليه، وغير مسائلينها عمّا لدينا من خطل وخور في هذا الشّأن، ليكون لدينا في المحصلة خيار ذاتي شديد البؤس، وموقف من الآخر أشدّ منه بؤسا، وهذه هي حقيقة وضعنا الجنسيّ في علاقتنا مع ذاتنا وموقفنا من الغير!
أمّا الغرب الأوروبي الأمريكي فقد شوّه العلاقة الجنسيّة في استهلاكيته، وجعل كلا من الرّجل والمرأة سلعة استهلاكيّة رخيصة للآخر!
الغرب سلعن الجنس، نحن لم نفعل ذلك، لكنّنا عموما شيطنّا الجنس .. وقرنّاه بالعيب والعار والرذيلة، وحاصرناه إلى أبعد الحدود.. ثمّ تكالب معظمنا عليه بشكل مسعور غير آبه  بما يعتبره رذيلة وفاحشة!
وفي الختام لا بدّ من القول إنّنا نحتاج إلى وقفة صادقة وجريئة مع أنفسنا، ومراجعة ومحاسبة أنفسنا بعقلانيّة وشفافيةّ أوّلا، وبعدها علينا أن ننظر إلى الآخر بنفس الدرجة من العقلانّية والشفافيّة والصّدق.
وشخصيا، رغم أنّي لا أومن بمعتقدات الهندوس.. ولا أنتمي إلى أي دين أو مذهب ديني آخر، فمنهجيتي هي الفلسفة العقلانيّة الّتي تقوم على العلم والمنطق، إلّا أنّي أعترف بأنّ رؤية التانترا للعلاقة الجنسيّة هي أجمل وأنبل رؤية رأيتها على الإطلاق في هذا المجال!
لكنّ الكلام هنا يتمّ فقط عن العقائد وليس عن الوقائع، وليس عن المجتمع الهندي المعاصر ككلّ، الّذي ما يزال يفتقر بشدّة إلى واقع جنسيّ صحيّ في إطار ما يعانيه من تخلّف عام، رغم ما لديه من إيجابيات عقائديّة موروثة في هذا المجال، ورغم ما تشهده الهند المعاصرة من انفتاح وتطوّر!
أما الغاية من الكتابة في هذا الموضوع فيمكن إيجازها في ما يلي:
1- غاية معرفيّة ثقافيّة، تسعى إلى تقديم المزيد من المحتوى المعرفي عن تجارب ونتاجات الثّقافات الأخرى!
2- غاية موقفيّة، تهدف المساهمة في تصحيح صورة الآخر المختلف وفهمه بالشّكل السّليم، وهذا ضروري من أجل تجاوز حالة رهاب الآخر وشيطنته ومعاداته، والوصول معه إلى حالة من الحوار الثقافيّ المعافى، المتكامل جوهريّا مع حالة أعمّ من التّعايش والتّفاعل الإنسانيّ البنّاء، القائم على أسس راسخة من وعي واحترام الاختلاف، والتسالم العلائقيّ مع المختلف!
3- غاية إصلاحيّة، وهي مرتبطة بتربيتنا وثقافتنا الجنسيتين، وهما – كما لا يخفى على عارف صادق – في حضيض إنسانيّ، بما فيهما من كبت وقمع وعيب وتشويه وحرمان وتناقض، كحال كلّ جوانب حياتنا الأخرى، والتّعافي من هذه الحالة المرضيّة الحادّة والوصول إلى “صحّة جنسيّة” ثقافيّا وتربويّا، يقتضي منّا الاستفادة من تجارب الآخرين التاريخيّة والعصريّة في هذا المجال، وهذا لا يعني بالطبع تقليدهم واستنساخ ما توصّلوا إليه، ولكن معرفة وفهم ما لديهم تثري مخزوننا المعرفي في هذا المجال، وهذا بدوره يمكنه أن يشكّل حافزا للتّغيير والتّطوير، وعونا على التّجديد الابتكار.


*****
[1]– Jayaram V. , https://www.hinduwebsite.com/hinduism/essays/sex-and-gurus.asp
[2] –  تجدر الإشارة هنا إلى أن الهندوسية يغلب فيها استخدام مصطلح “موكشا” (Moksha) كتسمية لهذه العملية، فيما يقترن مصطلح نيرڤانا (Niravana) بالبوذية أكثر رغم تقارب المفهومين.
[3]– Yogani, Tantra: Discover the power of  pre-orgasmic sex, AYP Publishing, Nashville, Tennessee, U.S.A. and London, England, U.K, 2006.
[4] –  أوشو، التانترا.. الطاقة والنشوة، ترجمة مكسيم بيان صالحة، دار نوافذ للدراسات والنشر، دمشق، 2012، ص 29.
[5] –  أوشو، المرجع السابق، ص 93
نيتشه وشوبنهاور: في الرّحمة تيموثي ج. ماديغِنْ

نيتشه وشوبنهاور: في الرّحمة تيموثي ج. ماديغِنْ


- ترجمة ياسين عشور


يسلّط تيموثي ج.ماديغن[1] الضوء على مفهوميْ الرّحمة والشفقة عند شوبنهاور ونيتشه مشيرًا إلى بعض المحطات من حياتهما وأسباب انفصال نيتشه الفكري عن شوبنهاور. (المترجم)

نص الترجمة:
“أنتَ تريد لو بالإمكان- وليس ثمّة أكثر جنونًا من “لو بالإمكان”- إلغاء المعاناة، ونحن؟ -يبدو حقًّا أننا نفضّل زيادتها وجعلها أسوأ ممّا كانت عليه في أيّ وقت مضى!”
– نيتشه، ما وراء الخير والشر
كان مقدّرًا لفريدريتش نيتشه أن يصبح قسّيسًا لوثريًا كما كان والده وجدّه من قبله. وقد غرق منذ نعومة أظفاره في بيئة مسيحيّة ونشأ في عائلة من النساء التقيات اللاتي كنّ يشجعنه على قراءة الكتاب المقدّس وأعمال اللاهوتيين البروتستانت. حتّى أنّه حصل على لقب “القس الصغير” لشدّة ورعه. من كان ليتوقّع أن هذا الشاب التقيّ سيكبر ويصبح أكثر أعداء المسيحيّة شراسةً ومؤلّف كتاب يحمل عنوان “نقيض المسيح”؟
حينما كان بحثُ نيتشه القلق عن المعرفة يقوده إلى الانفصال النهائي عن نشأته الورعة، كان عثوره -مصادفةً- على كتابات الفيلسوف آرثر شوبنهاور (1788-1860) أحد الأسباب الأساسيّة لرفضه الدّين. عندما كان نيتشه طالبًا في جامعة لايبتزغ في خريف عام 1865 اقتنى نسخةً من كتاب شوبنهاور “العالم إرادةً وتمثّلًا” من متجر لبيع الكتب المستعملة. “لا أدري أي روحٍ همست لي: خُذْ هذا الكتاب إلى البيت”، كتب هذا في سنوات لاحقة، لكن قراءته الكتاب غيّرت حياته. “لاحقًا في المنزل”، يكمل نيتشه “اتّكأت في ركن الأريكة رفقة كنزي الجديد، وأذنتُ لهذه العبقريّة الديناميكيّة البئيسة بأن تعملَ فيَّ. “كان نيتشه بمواجهة رؤية للعالم لم تخطر على باله من قبل- رؤية ملحدة صميمة. وبالفعل، كان نيتشه يدعو شوبنهاور أوّل ملحد نزيه في الفلسفة الحديثة.
بينما كان شوبنهاور نفسه قد غادر الحياة منذ خمس سنوات (لحسن حظ نيتشه، فالفيلسوف الهرم لم يكن يحتفي بالأتباع، وكان من المحتمل أن يقابل رسائل التقدير بازدرائه وسخريته المعهودة)، كان هنالك في ألمانيا الكثير من المعجبين الذين شاركوا نيتشه في تقديره، وكان من أبرزهم الموسيقار المثير للجدل ريتشارد فاغنر (1813-1883)، الذي كان سعيدًا بمعرفة اهتمام الشاب بالفيلسوف الذي كان يزعم قراءة أعماله كلّ ليلة. فاغنر، الذي أرسل إلى شوبنهاور بعض مؤلّفاته الموسيقيّة، كان محظوظًا لعدم معرفته بعدم تقدير هذا الأخير لها، على سبيل المثال، عندما كتب فاغنر في سياقٍ مّا من أحد مؤلّفاته “يسقط الستار”، كتب شوبنهاور إلى جانبها معلّقًا/متهكّمًا “بعد أن كاد الأوان أن يفوت”.
وبالرغم من ذلك، لم يكن نيتشه القلق ليبقى متبعًا لشوبنهاور أو صديقًا لفاغنر. سنة 1876 فاجأ كوزيما فاغر، زوجة الموسيقار، برسالة يعلن فيها رفضه تعاليم شوبنهاور. لقد قطع نيتشه مع أحد جوانب فلسفة شوبنهاور الأكثر إلهامًا لفاغنر- التأكيد على الرحمة.
إنّ الرحمة، أو الشفقة (Mitleid) التي دافع عنها شوبنهاور هي الأساس الحقيقي للأخلاق بدلا من القواعد العقلانيّة أو الوصايا الإلهيّة. يتكوّن السلوك الأخلاقي من إدراك حدسيّ مفاده أنّنا كلّنا تجلّيات ل”إرادة الحياة”. لقد شعر بأنّ الديانات الكبرى جميعها كانت محاولات للتعبير عن هذه الحقيقة الميتافيزيقيّة، لكنّها جميعًا فقدت هذه البصيرة بسبب الخلافات العقديّة التي لا تنتهي. ما يوحّدنا جميعًا هو إدراك أنّ هذه الحياة نفسها تتضمّن معاناة لانهائيّة خلال السعي نحو أهداف لا تُدرك أبدًا. سعيٌ يؤدي  في نهاية المطاف إلى موت عبثيّ.
من الأفضل ألّا نوجد على الإطلاق، كما ذكر شوبنهاور، لكن بما أننا أحياء (بسبب رغبة الإرادة العمياء المستمرّة في إدامة الأنواع)، علينا على الأقلّ أن نلتزم أخلاقيًا بعدم زيادة المعاناة. يجب أن نتحلّى بالصبر والتّسامح وأن نظهر الإحسان تجاه رفقائنا في المعاناة. إنّه موقف مثير للإعجاب، لكنه غير منسجم مع تصرّفات رجل كان يستمتع بإهانة خصومه، ويتشاجر مع أمّه شجارًا عنيفًا حتى قطعت علاقتها به، واُتّهم بدفع مؤجّرته من أعلى الدرج حتى سقطت أرضًا. ومع ذلك، كما أشار شوبنهاور نفسه، علينا أن نحكم على النظريّة على أساس جدارتها وليس على أساس زلّات ممارسيها.
بينما كان نيتشه يشير منذ البداية إلى شوبنهاور بوصفه “الأخلاقي الجدّي الوحيد”، شعر بالحاجة إلى الابتعاد عن عقيدة الرحمة التي توصّل إلى اعتبارها ضربًا من التنسّك غير مقبول. لقد كان موافقًا على أنّه ثمة إرادة حياة كامنة في الوجود كلّه (فضّل تسميتها بـ”إرادة القوة”)، لكن، خلافًا لشوبنهاور، لم ينكص عنها. لقد توصّل نيتشه إلى اعتبار الرحمة ضعفًا وليس فضيلةً يجب الاعتناء بها.
في نظر نيتشه، ينبغي أن نتجاوز “الشفقة”. إن إظهار الشفقة تجاه الآخرين يعني معاملتهم بازدراء. من الأفضل أن نشجّعهم على مواجهة مصاعبهم ومصارعتها قدر الإمكان. كان نيتشه يرى أن المسيحيّة ديانة شفقةٍ مؤسّسة على صورة إله ينزف ويعاني. لقد قام بمقابلتها بالديانات الوثنيّة في اليونان القديمة وروما وآلهتهم البطوليّة التي كانت تستمتع بخوض الحروب وقصص الحبّ.
ليس من الجلي بأي حال أنّ ما أدانه نيتشه باعتباره شفقةً هو الشيء نفسه الذي دعاه شوبنهاور بالرحمة، وقد قُدّمت محاولات للتقريب بين رؤيتيهما. لكن نظرًا إلى تطوّر نيتشه كفيلسوف، كان من الضرورة بالنسبة إليه أن يقطع مع إنكار شوبنهاور السقيم لإرادة الحياة واستسلامه المتشائم بسبب اعتباره المعاناة شرًّا. كان نيتشه (الذي كان معتلّ الصحّة، وغير معترف به اجتماعيًا وفقيرًا مما أدى إلى جعل كَدَرهُ الشخصي أشدّ مما اختبره شوبنهاور صاحب القوة والشهرة والثراء) ينظر إلى المعاناة باعتبارها نتيجة حتمية للصراع من أجل الإنجاز.
ومع ذلك، ورغم انتقاده القاسي لشوبنهاور (أسلوب كان شوبنهاور ليثني عليه حتمًا، لأنه هو نفسه كان معروفًا باستخدامه للهجوم الشخصي)، استمرّ نيتشه في اعتباره “معلّمًا عظيمًا”. لقد أشاد دائمًا بهذا الملحد الألمعيّ الذي ساعده على الانفلات من ربقة اللاهوت وعلى إدراك أنه ثمة طرائق أخرى يمكن اتباعها في رحلة البحث عن المعرفة. لقد أشاد نيتشه -بطريقة غير مباشرة- بهذا المشاكس الفظّ في مصنّفه الرئيس، هكذا تكلّم زرادشت (1883-1885). لقد حثّ الحكيم زرادشت أتباعه على مغادرة حَرَمه والمغامرة بأنفسهم وحتّى على مساءلة التعاليم التي قدّمها إليهم.”إنها لمكافأة سيئة للأستاذ” ، يقول زرادشت، “أن يبقى التلميذ تلميذًا إلى الأبد.” لقد كرّم نيتشه معلّمه العظيم شوبنهاور عبر محاججة رؤاه ومن ثمّة خلق فلسفته الخاصة.


******
[1] تيموثي ج.ماديغن Timothy J.Madigan (ولد 1962)، فيلسوف أمريكي حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بافالو نيويورك، معروف بتوجهاته الإنسانويّة العلمانيّة، يرأس تحرير مجلّة Free Inquiry، له عدّة كتب نذكر منها: “مسألة الإنسانويّة” (1991)، “الله والفلاسفة” (2008).  (المترجم)
*****
المصدر: مجلّة “الفلسفة الآن”، العدد 29، أكتوبر/نوفمبر 2000
Philosophy Now, Issue 29 : October/November 2000
Nietzsche & Shopenhauer On Compassion by Timothy J.Madigan

فيديوهات

صور