فيلم 'Idiots 3' عمل كوميدي يكشف عورات أنظمة التعليم البائدة



• بقلم يسرى يحيى

يظل أمر التعليم مقلقًا لكل المجتمعات النامية منها والمتقدمة وما بينها، فمشاكل وطرق التعليم لا حصر لها والكل يرى طريقته هي الأمثل والأجدر ليستمر الصراع بين دعاة الإبداع والتجديد، وبين المستمسكين بوسائل التعليم التقليدية العمياء والحفظ الأصم.

فيلم «ثلاثة بُلهاء» عمل كوميدي يكشف عورات أنظمة التعليم البائدة، وذلك بعرض جزء من هذا الصراع في واحدة من أعتى التخصصات، وأعندها أنّه شبح الهندسة الذي عانى منه الكثيرون ومن بينهم كاتبة هذه السطور.
يبدو الأمر شبيهًا بالقصة المعروفة المروية عن الفيزيائي الدنماركي المشهور “نيلس بور”، الذي طُلب منه في إحدى الامتحانات حساب ارتفاع ناطحة سحاب باستخدام “الباروميتر” لقياس فرق ضغط الجو بين سطحين مختلفين، إلّا أنّ جوابه المعروف كان بأن نسقط خيطًا يُربط في آخره “بالباروميتر”، ثم نقيس طول الخيط لمعرفة طول الناطحة. لكن يبدو أنّ هذه الإجابة الصحيحة البسيطة والتي تفي تمامًا بالغرض أشعلت غضب أستاذه الذي لم يجد له جزاء إلّا الرسوب في مادة الفيزياء كعقاب له عن تفكيره خارج الصندوق، أو ربما لأنّه استخف -بطريقة ما- بتلك الحلول الطويلة التي تعج بها الكتب والمراجع وأوجد الحل الذي أحرج كل هذا التعقيد، وبما أنّ لقصة الفيزيائي “نيلس” بقيه معروفه سلفًا لدى الجميع  اسمح لي إذًا عزيزي القارئ أن  نسترسل مقالنا هذا مع قصة أخرى، وهي قصة فيلمنا “الثلاثة البلهاء” وهل هم حقًا بلهاء أم عباقرة؟

• قصة فيلم 3 Idiots



يجمع السكن الجامعي 3 طلاب يشتركون في المجال الدراسي ويختلفون في نظرتهم للأمور.

”فرحان” المطيع المكبل برغبة والديه في أسوار كليه الهندسة بالرغم من أنّ روحه تحلق بعيدًا في الحياة البرية يحلم بأن يصور ويرصد تفاصيلها وسحرها.
“راجو” الطالب المحب لكلية الهندسة ولكن المخاوف والتمائم تحيطه من كل حدب وصوب، وكيف لا يكون هو هذا الفتى الخائف الخائر وهو ابن بيئته التي لم يرَ منها إلّا البؤس والمرض.
”رانشو” الطالب الذي لا يشبه أحد ولا يشبهه أحد، هو بطلنا المميز “عامر خان” صاحب مذهب المرح ومعتنق وجودية الابتكار والتجديد لا يلتزم بنص أو حرف يهديه قلبه إلى عالم الآلات ليؤسس فيها سلطانه ومدرسته.
منذ اليوم الأول يتميز الطالب “رانشو” بصد عجرفة طلاب السنوات العليا بذكائه واستخدامه للمعلومات التي اكتفى الكثير بحفظها ونقلها من الكتب إلى أوراق الامتحانات ليصبح بعدها شخصيه جدلية بين من يحبه وينبهر به وبين من يحقد عليه ويزدريه.
في الحقيقة أنّ هذا ما يحدث دائمًا، فلا يوجد أحد يغرد خارج السرب علمًا أو تطبيقًا أو معرفةً، أو حتى سلوكًا إلّا ويصبح محل جدل لا يستطيع فيه الناظر للأمر عن بعد أن يميز ما كينونة هذا المختلف عن القطيع، هل هو ملاكٌ بِرٌ أم شيطانٌ مريدٌ، وقد أتحفتنا التجارب والمواقف بالكثير والكثير ممن بحّت فيهم الحلوق في محاولة مستميتة لتصنيفهم بلا جدوى.
يقلب الطالب “رانشو” مفاهيم وطرق التعليم رأسًا على عقب، مما يدفع بصديقه “راجو” بالابتعاد عنه أول الأمر؛ لأنّه يرى أنّه يقودهم بجنون إلى الفشل الحتمي.
يستمر الصراع في الفيلم بين المجدد “رانشو”، والحافظين عن ظهور قلوبهم ليتخلل هذا الصراع الكثير من المرح والتناقضات، ف إلى أي كفه يميل ويتربع النجاح أخيرًا؟

• فيلم هندي
الاستعارة اللغوية التي قتلناها استخدامًا كناية عن المبالغة والخيال المفرط وهي “فيلم هندي” تتجلى حقيقة كالشمس في هذا الفيلم، ولكن ليس من تلك الزاوية بالطبع ولكن من جانب مجتمعي آخر، فمن عايش المجتمع الهندي عن قرب ولو لفترة بسيطة يدرك تمامًا أنّ العمل يصور إلى حد كبير الكثير من ويلات وعقليات وصراعاته الحالية، فحيث أنّ هذا المجتمع يعاني من عدد سكاني مهول ومنفجر رقمًا ومعنى، فإنّه يدفع وبقوة الفرد الذائب فيه أن يجري في سباق محموم ليكون أو لا يكون ليصنع من نفسه رقمًا مختلفًا من بين هذي الأرقام الكثيرة والمكررة، و إلّا فستسحقه أقدام الراكضين.

• المتناقضات





يسلط الفيلم الضوء على كثير من المتناقضات التي تواجهنا يوميًا، وربما طول مدتها جعلتها من المسلمات، إلّا أنّ أسلوب “عامر خان” الكوميدي الساحر انتزع منا الضحكات والتساؤلات لماذا كل هذا التناقض؟
في الحقيقة كما هو منوط بدور العلم في حياة المجتمعات وهو الرقي ومساعدة الآخرين، إلّا أنّ هذا الفيلم يصور النقيض الضمني الذي نراه غالبًا في معظم الكليات، حيث يصور الفيلم تلك المعركة التي قد تبدو غير شريفه ولا أخلاقية في كثير من الأحيان، حيث يكون نجاحك فيها مرتهنًا بفشل الآخرين، لكي تنجح يجب أن يفشلوا هم، اصنع منهم طلاب فشلة، شتت انتباههم عن دراستهم بأي طريقة كانت، ثم امشِ مختالًا متبخترًا في درب النجاح وحدك (تناقض!).
الطلاب الأعلى علمًا وتفوقًا يصاحب علمهم هذا قدر أكبر من التعالي والتكبر والامتهان للطلاب الجدد، حيث ينتزعون منهم الخنوع انتزاعًا بأسلوب مهين (تناقض!).
يعبر الرائع “عامر خان” أيضًا عن النظام الطبقي التعليمي، فصاحب الدرجات الأقل يجب أن يبقى هناك بعيدًا مطرودًا في أخر نقطه من الصورة ملتصقًا بإطارها على وشك الخروج منها، رغم أنّ العلم الحقيقي لا يقاس بتحصيل الدرجات فقط والشهادات، وهذا ما أكده “رانشو” في أخر الفيلم (تناقض!).
هل يجب أن يكون أول ما يتعلمه الطلاب في أروقة الجامعات هي الأخلاق والمثابرة والضمير الحي، أم تلقينهم أنّ “الحياة تبدأ بجريمة” كما ورد على لسان عميد الجامعة والواقف على قمتها (تناقض!).
ومن أهم المفارقات والتناقضات في الفيلم وبجانب هذه العيوب كلها الإشارة إلى الحفظ الأعمى والتقليد بلا تفكير في جامعه يتوقع منها استخدام العقل فقط، حيث توجد مجموعه من القوانين بالفعل ولكن يمكن للعقل البشري أن يبتكر ألف وألف طريقه لاستخدامهم (تناقض!).
ختامًا… أظن أنّ أكثر من نصف طلاب العالم واجهتهم نفس تلك الأصبع السبابة التابعة لمدرس آلي العقلية اتهمهم فيها أنّهم لم يكونوا آلات بما فيه الكفاية ليجيبوا على سؤال الامتحان نصًا وحرفًا كما ورد في كتاب ألّفه بشر عادي لم يدعِ فيه العصمة يومًا ولا الخلو من الأخطاء، إذا سبق وأن واجهتك يومًا ما عزيزي القاري مثل هذا السبابة شاركنا ما حدث في خانه التعليقات عله يكون احتجاجًا وصوتًا عاليًا رافضًا لقمع حرية الإبداع والتفكير في المؤسسات التعليمة.

لبنى بن البوعزاوي تكتب: جَدليّة الحياة والسّعادة






إنّ روعة البيان وسحر الكلام ليعجزان عن التعبير في هذا المجال لأنّه تحدّث فيه الكثير من الفلاسفة، وقد طوقته أقلامهم أكثر من مرة، وما نحن إلّا قطرة في بحر نحاول أن نستعير بَلاغة القول وسحر الأداء وروعة البيان لنعبّر عمّا يجول بفكرنَا حول ما يتعلق بالسّعادة كمفهوم وعلاقتها بالحياة وبالإنسان على وجه التحديد. 
لكن قبل الخضم والخوض في جُزئيات الحديث عن تلك العلاقة الديالكتيكية التي تجمع بين الحياة والسّعادة، لَابدّ لنا من الوقوف عند التعريفات الجمّة التي عرفتها "السعادة" عبر التاريخ من لدن الفلاسفة، وكذَا من داخل المعجم العربي إذ؛ تنوّعت تعريفاتها واختلفت مظاهرها وتباينت من مجال إلى مجال ومن فيلسوف لآخر. ففي المعجم العربي على سبيل المثال نجد كلمة "سعادة" قد أخذت تعريف وَاحد أوحد مُوحّد تجَلى في ذلك الشّعور والإحساس بالإبتهاج والفرح، وكل ما يدخل بدوره البهجة ويحقق على غراره الإرتياح النفسي، عكس ما يثير الشقاوة تمامًا. بينما قد يبدو لنا العكس مع الفلاسفة كون تعريفاتهم لم تشاكل المعجم في حسمه للتعريف؛ بل تنوعت آراءهم واختلفت مواقفهم إلى أن بلغت حدّ التناقض، ومن ضمن هؤلاء الفلاسفة نجد "لالاند"، الذي ذهب في تعريفه للسعادة بأنها حالة رضى تام تستأثر بمجامع الوعي. في حين قد جعلها الفيلسوف "نيتشه" تتجسّد في الشعور بأن القوة تزيد وبأنه تمّ التغلب على المقاومة والسيطرة على المحيط. كما اعتبرها من جهة أخرى بأنها إحساس مُمتلئ بالحياة، وأن الإنسان السّعيد حسبه هو ذاك الذي يفيض بالحياة. ومنهم من جعلها ك"جون ستيوارت ميل"، تكمن في الحدّ من رغبات الإنسان لا في محاولة إرضائها على خِلاف الموقف القائل بأنها حال تنشأ عن إشباع الرغبات كمًّا وكيفًا.
وبما أن الجميع ينشد السعادة فما علينا نحن أيضًا إلّا أن نتساءل كذوات مفكرة تتمتع بروح عاقلة ناطقة لها من القدرة على التّفكير ما لها من الذكاء، عما السعادة؟، ونسرع في بَسط جملة من الإشكالات والإستفهامات الجُزئية حول ما يتعلّق بطبيعتها، وبنوع العلاقة القائمة بينها وبين مفهوم الحياة.
فما السعادة إذن؟ وما طبيعتها؟ وما علاقتها بطبيعة الحياة؟ وبحياة الإنسان بوجه خاص؟ وهل بمقدور الإنسان أن يبلغ السعادة؟ أم أن طبيعتها مفارقة ومغايرة لطبيعتنا كذوات إنسانية ومنه يستعصي علينا اللّحاق بها؟ أم أنها شعور وإحساس يحضر ويغيب بين الحين والآخر وبين الفينة والأخرى؟
مما لا يختلف فيه البيان أن السعادة بمعناها المتداول والمتعارف عليه هي شعور وإحساس سواء بالفرح، أو البهجة والإبتهاج، أو الإرتياح النفسي. فقد لا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا الوقوف عند لفظي "شعور" و"إحساس"؛ فإذا كانت السعادة إحساس فإن كل إحساس متغير، والمبني على المُتغيّر متغير فهو لا يتّسم بالقرار ولا بالثّبات. وإذا قُلنا أن السّعادة شعور أو إحساس بالفرح مثلًا، قد نكون بذلك أمام فرح لحظي، علمًا أنّ كل لَحظي عابر، والعابر المتغيّر متناهي، وكل متناهي هو ليس بسعادة. ولعلّه السبب الذي يفسر لنا سعي الإنسان اللّامتوقف وراء سعادته بل، وحتى السعادة نفسها لا تعرف طريقًا إليه. فالإنسان لِعدم حُصوله على السعادة تراه ينتقل حائرًا تائهًا من شيء إلى شيء؛ ومن موضوع إلى موضوع دون أن يستقر على حال، إنّه يريد ببساطة شديدة أن يسعد بقوّة ثم يموت بعد ذلك؛ حيث السبب هو تلك الإحساسات والمشاعر التي تسرع الطبيعة بقوة متوارثة عن قانون الغاب إلى مِلء العقل البشري بها من: خوف وقلق وتوتر وفزع، وكره وحقد وغيرة وحسد، واللّا اطمئنان واللّا إستقرار إذ؛ هذه المشاعر والإنفعالات لها من القوة ما تستطيع أن تبدّد به السلام الداخلي والإرتياح النفسي، لأن في الشعور والإحساس ليس باستطاعتنَا أن نحس شيئًا ما (بسعادة) مثلًا وبقلق في آن آخر، فإن كلَا الشعورين لَابدّ أن يطرد أحدهما الآخر ولا يمكن الجمع بينهما في آن واحد. لذلك كاد الإحساس (بالسعادة) ألّا يدوم أبدًا تبعًا لموقف الفيلسوف "فريديريك نيتشه"، القائل أن "السعادة الإنسانية لا تبقى طويلًا في نفس المكان". في حين نحن نقول: أنّها تعد حالة حرّة لا مقيدة، غير مرتبطة بزمان، ولا رهينة بمكان، على خلاف الإنسان الذي يشكل جزء محدود في الزمان والمكان كما سبق وبرهن عليها العالم الفيزيائي والفيلسوف الألماني "ألبرت إينشتاين" حين قال:
«Un être humain est une partie limitée dans le temps et l’espace»

وبه تكون السعادة من منظورنا الفلسفي الخاص حالة (شعورية) لا متناهية، حرة طليقة غير مقترنة بمكان ولا مقيدة بزمان. ووجه الإشكال بينها وبين الحياة والإنسان هو مشكل "ماهياتي" كون؛ طبيعة كل منهم تختلف عن الأخريات، إذ لا يوجد ثمة تجانس ولا توافق بينهم من حيث الطبيعة بمعنى؛ أنه حين نتحدث عن جدلية الحياة والسعادة، نكون نتحدث ضمنيًا عن جدلية الفان واللّامتناهي، أو بصيغة أخرى عن ديالكتيكية المتناهي واللّامتناهي:
الإنسان = فان = متناهي/الحياة = فانية = متناهية
السعادة = لا فانية = لا متناهية
(فان+متناهي) ≠ لا متناهي
إذن الحياة+الإنسان ≠ السعادة

وبالتالي فلا يمكن أن تنسب السعادة للفان المتناهي، ولا الفان المتناهي للسعادة باعتبارها ذات طبيعة مغايرة ومفارقة لطبيعة كل من الإنسان والحياة. ولعلّ هذا ما يفسّر لنا قوله تعالى في القرآن الكريم من سورة "هود":
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَات وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ. الآيةٍ 108
يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيد. الآية 105

وللتذكير فإن كلمة سعادة قد ذكرت مرتين في القرآن الكريم وقد كانتَا في الآيتين السالفتي الذكر من سورة هود، وفيهما ارتبطت كلمة سعادة بالجنة أو بما وراء الحياة، لأنها مفارقة للحياة بشكل عام ولحياة الإنسان الدنيوية بشكل خاص. ممّا يفيد أن حين يرغب الإنسان في بلوغ السعادة فمعناه تبعًا لما سبق أنه يطمح في ملامسة الطبيعة المغايرة المفارقة لطبيعته، وبه يكون قد يوقع بنفسه في المتناقضات.
فلو كان بمقدورنا تحصيل السعادة لكانت الحياة قد انتهت كونها؛ تشكل تلك الخدعة التي أخذت صورة المحرك الأساسي والدافع المحفز اللّاشعوري لنشاطات الإنسان وأفعاله وسلوكاته ونظرته للعالم والكون، حتى أضحت الرغبة في السعادة مهيمنة على أحاسيس الإنسان وعلى عقله وفكره إلى أن حلت مشاعره مقام تفكيره، وأخذ يهلك نفسه دائمًا في محاولة إشباع رغباته ظنًّا منه أنه سيحصّل –بكسر الصاد- السعادة، بينما نجده قد يهلك نفسه في محاولة إشباع جوع يولد من جديد وباستمرار.
صحيح أن إشباع الرغبات قد ينتج عنه شعور جميل يمكن إدراجه ضمن خانة المتعة والإستمتاع لكن، هذا لا يعني أن كلما تحقّقت المتعة تحققت السعادة؛ لأنّ السعادة حالة تفوق الحال الذي ينشأ عن إشباع الرغبات الإنسانية، إذ كل الرغبات مرتبطة بمعطى الزمكان بينما الأمر يختلف كليًا مع السعادة.
فالعديد من الناس يسارعون إلى جني المال انطلاقًا من الرغبة أي؛ يرغبون في المال لأنهم يظنون أن له قدرة على شراء (السعادة) لكن (السعادة) التي يجنيها المال غالبًا ما تكون قصيرة، وسرعان ما يحتاجون إلى المزيد من المال لتحصيل المزيد من (السعادة). والجدير بالقول هو أنّنا في الحقيقة نتمتع بالمال ونستمتع بالحياة، وشتان بين المتعة والسعادة.

كانت رؤيتنا الفلسفية هاته بمثابة مراجعة فلسفية نقدية لمفهوم السعادة، سعيًا إلى تقييم مصداقية استخدام هذا المفهوم "المحيّر"– بكسر الياء- داخل الحقل السوسيوثقافي.



إبراهيم ابن مدان يكتب: لأنّ قَضيّة المرأة قضيّة طَبقيّة..



لأن قضية المرأة هي قضية طبقية بالأساس..
التغيير لا يمكن أن تأتي به نساء الحرية المزيفة، أو اللّواتي يجلسن النهار وما طال وهنّ يتحدثن عن التحرش... لا وألف لا طبعًا؛ التّغيير يمكن أن تساهم فيه نساء وَاعين بحجم المسؤولية المُلقاة على عاتقهنّ، وما تمليه عليهن شروط الظرفية، ويساهمن بأدواتهنّ في صنع التّغيير جنبًا إلى جنب مع الرجل.
لأنّ قضية المرأة هي قضية طبقية، والأنظمة المستبدة لا تفرّق في استبدادها بين امرأة ورجل؛ فالكلّ يعاني لكنّها من أجل أن تجعل المرأة مغيبة عن حقل الصراع -توهمها أن المعركة الحقيقة هي مع الرّجل- وليس مع نظام رجعي، ينظر لها النظرة الاحتقارية ذاتها التي ينظر بها للرجل. هنا تسقط المرأة في الفخ بسهولة فتصدق فعلًا أن الرجل هو مصدر آلامها ومعاناتها.. فتصب عليه جام غضبها.
طبعا هذا الفخ سقطت فيه 'العصريات' أكثر من 'التقليديات'..
المشكلة لا تكمن في التحرش أو المساواة في الإرث أو حقوق المرأة، كلها أشياء مزيفة. آن الأوان أن تفهم كل امرأة تنادي بالحرية أن هذه الأخيرة لا تقدم على طبق من ذهب، بل عليها أن تنزل للميدان جنبًا إلى جنب مع الرجل من أجل تحررهم جميعًا، دون ذلك فالمرأة هي عصى بيد الأنظمة تُعرقل عجلة التّغيير. كل امرأة تتحدّث عن التّحرش أو المساواة في هذه الظرفية مهما حاولت تغطية ذلك، فهي كالأبله المفيد؛ ومعنى ذلك أنها غبية أبله وبلاهتها مفيدة للأنظمة لأنها تضعها كحجرة في طريق التغيير.
المرأة إمّا مناضلة بما تحمله الكلمة من معنى، أو غبيّة تملأ الدنيا ضجيجًا طلبًا لحرية مزيفة..!

مكيافيلي وكتاب الأمير الذي وصل تأثيره إلى هتلر وستالين

مكيافيلي وكتاب الأمير الذي وصل تأثيره إلى هتلر وستالين

Santi di Tito - Niccolo Machiavelli's portrait.jpg

* لمياء عبد السادة 

“مازلت أعيش في الريف منذ خروجي من المنفى، أستيقظ مبكرًا عند الفجر وأمضي إلى الغابة الصغيرة لأرى ما قام به الحطابون من عمل، وبعد أن أتبادل الأقاويل والشائعات مع الحطابين أمضي وحيدًا إلى أحد التلال حيث أقرأ لدانتي أو شيراك أو تبيولوس أو أوفيد، وبعد أن أتناول غداءً بسيطًا أمضي إلى الحانة حيث أتحدث إلى الطحان وصاحب الحانة والقصاب وبعض عمال البناء وأقضي معهم طيلة الوقت بعد الظهر في لعب الورق والنرد حيث نتقاتل على الدريهمات.

وعندما يحل المساء أعود إلى البيت وأدخل المكتبة بعد أن أنزع عني ملابسي الريفيّة التي غطّاها الوحل ثم أرتدي ملابس البلاط والتشريعات وأبدو في صورة أنيقة فأدخل المكتبة لأكون في صحبة هؤلاء الرجال الذين يملأون كتبها فيقابلونني بالترحاب وأتغذى على الغذاء الذي هو في الحقيقة ما أعيش عليه والذي جعل مني الإنسان الذي هو أنا. وفي وسعي أن أتحدث إليّهم وأن أوجه إليّهم الأسئلة عن أسباب أعمالهم فيتلطفون عليَّ بالإجابة. إنني لم أعد أخشى الموت أو العوز وقد تمكنت بالملاحظات التي دوّنتها من أن أضع كتابًا صغيرًا أسميته (الأمير)”.

هذه هي الرسالة التي بعثها مَكيافيلي إلى صديقه فيتوري بعد أن انقلب طالعه ونُفي عن مدينته فلورنسا حينما تولى آل ميديتشي الحكم.

من هو مَكيافيلي (Machiavelli)؟

منذ ما يزيد على الخمسين عامًا ونحن نطلق على مَكيافيلي اسم (مؤسس علم السياسة الحديث) كما يُعد أحد مؤسسي طريقة تحليل التاريخ الحديث.

وُلد مَكيافيلي في فلورنسا عام 1469م من أسرة توسكانيّة عريقة، ولم يكن من الناحية الأولى كاتبًا أو صاحب نظريات بل كان مشتركًا اشتراكًا فعليًّا في الحياة السياسيّة المضطربة وغير المستقرة التي مرت بها مدينته. عارض أحد أسلافه وصولَ أبناء أسرة مديتشي إلى الحكم ودفع ثمن ذلك أن لقى حتفه في السجن. ولم يكن المَكيافليّون موالون لتلك الأسرة بما فيهم والدهُ. تأثر مَكيافيلي بتاريخ الرومان وقرأ الترجمات اللاتينيّة لمختلف الكتب الأغريقيّة القديمة. وقد شبّ في عهد الأمير المديتشي “لورنزو العظيم” كما يسميه الفلورنسيّون والذي كان عهده هو العصر الذهبيّ للنهضة الإيطاليّة.

اُنتخب مَكيافيلي سكرتيرًا للمستشاريّة الثانيّة لجمهوريّة فلورنسا التي تشرف على الشئون الخارجيّة العسكريّة وأضحى من واضعي السياسة ومخططيها حتى أنه اُختير في 24 بعثة دبلوماسيّة من بينها أربع بعثات لملك فرنسا والإمبراطور الروماني “ماكسيميليان الأول” -وربما الأهم منهما- زعيم الحرب الإيطاليّ الشهير “سيزار بورجيا” الذي كان أحد النماذج الواقعيّة التي استلهمها مَكيافيلي في كتابته “الأمير” وهو أمير فظيع ووحشيّ حيث استدرج أعداءه إلى مدينة سينيغاليا بالهدايا ووعود الصداقة ثم اُغتيلوا جميعًا.

كل شيء كان محطِمًا تمامًا!

في ذروة مسيرة مَكيافيلي عادت عائلة ميديتشي إلى السلطة، وأطاحت بحكومة فلورنتين المنتخبة في عام 1512م وقضت على مثيري الشغب المحتملين، وبعد أقل من شهرين خسر مَكيافيلي منصبه وسرعان ما أصبحت الأمور أسوأ.

كانت قائمة المتآمرين ضد ميديتشي التي صاغها شابان فلورانتيان تضم اسم مَكيافيلي، وسُجن مَكيافيلي في زنزانات بارجيلو وسجن فلورنسا كما تعرض للتعذيب. وبعد 22 يومًا أُفرج عنه، ولم يكن هناك أي دليل على تورطه في أيّة مؤامرة.

ولكنه مُنح حريةً محدودةً فقط، وغادر مَكيافيلي إلى فيلا صغيرة كان يملكها خارج فلورنسا. وقد كتب في رسالة إلى أحد أصدقائه المقربين يقول فيها: “كل شيء كان محطِمًا تمامًا”.

شخصية مَكيافيلي وأفكاره:

تميّز مَكيافيلي بأنه لا يستخدم الكلمات في إخفاء حقيقة أفكاره فهو واضح في معانيه كل الوضوح، وقد يكون في النتائج التي يصل إليها احيانًا ما لا يُستساغ أو يُقبل لكنها على درجة كبيرة من الجلاء والبيان بحيّث تشبه اللكمة التي يتلقاها الإنسان على أُذنه.

وكان المعروف والشائع عن مَكيافيلي نفسه أن سمعته موضع الطعن والشُبهات لا سيّما وقد غدت المَكيافيليّة نعتًا يجمع من المعاني ما تحمله كلمة الشيطان “مفيستوفاليس” في رواية “فاوست” المشهورة، وقد كتب ماكولي الكاتب الإنجليزي المشهور مقالًا ضمنه فكرة تقول أن الشيطان قد أُسمي ب”نيك العجوز” لأن نيكولو هو الاسم الأول لمَكيافيلي.

ولا ريب في أن شيكسبير في روايته “زوجات وندسور المرحات” عندما أطلق على لسان أحد شخصياته قوله: “أأنا مخادع؟ أأنا مَكيافيلي؟!” لم يكن يضفي مديحًا على نيكولو.
وسأشرح فيما بعد العوامل التي أدت لأن يلحق الكسوف والخزي باسم مَكيافيلي وكتابه الأمير.

لا يهتم مَكيافيلي بتثقيف المواطنين؛ إذ أنه يعتبرهم جامدين هامدين. وليست الدولة في رأيه آداة للوصول إلى حياة طيبة، وإنما هي قوة فعالة بل وحدة ديناميكية مفتونة. ويرى البعض أن مَكيافيلي كان أقرب إلى الطريقة العلميّة من أرسطو أو غيره من سابقيه؛ فحسب رأي أرسطو ثمة شروط ثلاثة يجب أن تتوفر في كل من يملكون السلطة المطلقة في الدولة وهي:

• الإخلاص لنظام الدولة.
• الكفاءة لأداء مهام وظائفهم.
• الفضيلة والعدالة (بالمعنى الذي يتفق مع نظام الدولة). 

وعندما يتحدث أرسطو عن خير السبل للمحافظة على نظام الدولة يقول: “خير ما يصون هذا النظام هو تعليم المواطنين على روحيّة الدولة؛ إذ دون هذا التعليم تغدو أحسن القوانين وأكثرها حكمة غير مجديّة”.
لكن مَكيافيلي أحدث انقلابًا على هذه التقاليد المتوارثة؛ إذ تؤلف الدولة في عقل مَكيافيلي حقيقةً نظريةً مجردة ًبل مبدأًً ثابتًا يمثل حقيقة العلم بالأمارات والجمهوريّات! وفي هذا الكثير من الصحة والصدق.

المَكيافيليّة:

وفقًا للمَكيافيليّة فإن الغايات تبرر دائمًا الوسائل مهما كانت هذه الوسائل قاسيّةً أو وحشيّةً أو غير أخلاقيّة.
لقد فرّق مَكيافيلي تمام التفريق بين السياسة والشئون الأخلاقيّة وأكّد عدم وجود رابط بيّنهما، وهنا نجد أنفسنا قد خضنا في سلسلة من التناقضات السيكولوجيّة والتي وصل إليها مَكيافيلي عن طريق إحساسه الواقعيّ الشديد.

عندما كتب مَكيافيلي كتابه “الأمير” ومبادئه الداعيّة إلى السلطة في القرن السادس عشر كان يمثل رجل دولة في المنفى يتنقل للحصول على وظيفة في حكومة فلورنسا، كان أمله أن يتمكن سيّد قويّ -كما هو موضح في كتاباته- من إعادة فلورنسا إلى مجدها السابق.

الأمير:

كتب مَكيافيلي بخطوط عريضة الصفات التي اعتقد أنها تجعل الإنسان قائدًا فعالًا وتُعزز من القوة والنفوذ، وعلى عكس الأُمراء النبلاء الذين يتم تصويرهم في الحكايات الخرافيّة على أنهم متواضعون ونزيهون وأخلاقيّون فإن الحاكم الناجح للإمارة -كما هو مذكور في كتاب الأمير- هو وحشيّ وبربريّ وعند الضرورة لا أخلاقيّ إطلاقًا.
-كما كتب- إن القائد يجب أن يكون داهية وإذا ما أراد أمير أن يحافظ على حكمه فيجب أن يكون مستعدًا كي لا يكون فاضلًا وأن يستخدم هذا أو لا حسب الحاجة.

يقول مَكيافيلي: “من الأفضل أن تكون مخيفًا على أن تكون محبوبًا، إذا لم يكن بإمكانك الحصول على الاثنين”.
كما قال: “التجربة تُظهر أن أولئك الذين لا يحافظون على كلمتهم يحصلون على الأفضل من أولئك الذين يفعلون ذلك”.
وكتب يقول: “يجب أن يبدو الأمير دائمًا أخلاقيًا للغاية حتى وإن لم يكن كذلك”.
وأخيرًا: “يجب على القادة ألا يعتمدوا على الحظ، بل يجب أن يشكلوا ثروتهم الخاصة من خلال الكاريزما والمكر والقوة”.

وكما رأى مَكيافيلي كان هناك متغيّريّن رئيسيين في الحياة:

الحظ والفضيلة.

وقد قدّم هذا الكتاب إلى أحد أفراد أسرة مديتشي آملًا بذلك أن يدعوه للعودة إلى الخدمة العامة والجاه والمنصب وضمّنه إهداءً إلى لورنزو الجديد ولكن من المشكوك أن هذا الكتاب قد وصل إليه فعلًا. لكن مَكيافيلي لم يجد جمهورًا لعمله قبل وفاته ولم تستعد فلورنسا مجدها السابق في حياته.
تم نشر كتاب الأمير في عام 1532م (أي بعد خمس سنوات من وفاة مَكيافيلي).
وفي 1559م تم وضع جميع أعمال مَكيافيلي على فهرس الكتب المحظورة للكنيسة الكاثوليكيّة، وأدانت الكنيسة البروتستانتيّة التي تم تشكيلها مؤخرًا الأمير، وتم حظره في إنجلترا الإليزابيثيّة. ومع ذلك كان الكتاب يُقرأ على نطاق واسع وأصبح اسم المؤلف مرادفًا للمكر والسلوك عديم الضمير.

أثر الأمير:

احتفظ هتلر بنسخة من الأمير في سريره ليقرأ منه كل ليلة قبل أن ينام، ومن المعروف أن ستالين قد قرأ الكتاب أيضًا.
ووصف موسوليني الأمير بأنه “المرشد الأعلى للدولة” على الرغم من أنه وضعه فيما بعد في فهرس الفاشيّة للكتب المحظورة. كما تم العثور على نسخة منه لدى نابليون في ووترلو وقد أطلق على الكتاب اسم “كتاب المافيا” مع رجال العصابات.

ويقترح بعض العلماء أن الأمير كان في الواقع عملًا ساخرًا وكان المقصود منه بمثابة تحذير لما يمكن أن يحدث إذا تُركت السلطة دون رادع.

ورغم أن فرانسيس بيكون (عالم وفيلسوف) من بيّن أولئك الذين قدروا انعكاسات مَكيافيلي الصريحة في وقت مبكر قال: “نحن مدينون كثيرًا لمَكيافيلي والآخرين الذين يكتبون ما يفعله الرجال وليس ما يجب عليهم فعله”.

لكن أيًّا من فرسان الأدب والنقد في القرن ونصف القرن الحاليّين لم يقم بأي محاولة لتحسين سمعة مَكيافيلي، ولعل من سوء حظ مَكيافيلي أن هذا الكتاب على وجه الخصوص قد طغى على جميع مؤلفاته وأضحى المؤلَف الوحيد الذي تستند إليه سمعته، فقد كتب مَكيافيلي ثلاثَ مسرحياتٍ هزليّة، وعدة أعمال خياليّة، وتاريخ لفلورنسا، وعدد من القصائد الطويلة على مواضيع طريفة، وكوميديا مَكيافيلي وهي من بين الأعمال الدراميّة الإيطاليّة الأولى التي تجمع بين الشخصيات الواقعيّّة والهيكل الكلاسيكي المألوف اليوم، وغالبًا ما يُنظر إليّها على أنها أفضل الأعمال الدرامية الإيطاليّة في عصر النهضة.

ومع أننا نعلم -ويعلم الكثير من الناس- فإن الحياة السياسيّة وشئون الأمم تتطلب الكثير من الأساليب والحيّل والممارسات الغير نبيلة وهذا هو شأن السياسة الواقعيّة، وإن كل ما فعله مَكيافيلي في الأمير هو التعبير عن ذلك بطريقة رسميّة وصادقة وغير مشوبة إلى حد ما.

وأخيرًا لم يكن بإمكان الدبلوماسيّ نيكولو مَكيافيلي أن يحلم بأن الرسالة القصيرة عن فن الحكم الذي كتبه في عام 1513م إلى لورنزو سيكون لها حياة طويلة جدًا.
مات مَكيافيلي من مرض في المعدة في عام 1527م عن سن 58 عامًا.
ود محمد تكتب: الحب ثورة على القانون

ود محمد تكتب: الحب ثورة على القانون

بدائع السريالي 2018


الإعجاب.. قانون يحكمه العرف
الحب مخالف للعرف

النظرة الأولى.. حلال
تكفي لذبحك بالحلال

النظرة الثانية مراقبة وتتبع
لكنها تزيد من فضولك

الثالثة فيها جاذبية
قد تكون سلبية تلك النظرة أو إيجابية

الحب.. مخالف لكل هذا
الحب لا يملك أن يتبع القانون

نواميس الأرض كثيرة
كلها حول الإيمان والأمان تدور
الحب أيضا معتقد وأمان..

رحلتك بين نظرة و رفة ونبضة
بين ماض بخيل بخيل
وحاضر يضعك في خيارات القبول
أو الخوف
الحب أشرعتك للوصول

نظرتك الأولى.. خوفك.. عنفوانك
لا يخالفها العرف
الحب وحده جدير بالردة عن الأعراف
الحب ثورة على القانون..
المثقف بين غرامشي وفوكو

المثقف بين غرامشي وفوكو





- أحمد رمضان


قبل أن نتحدث أولًا عن مفهوم المثقف عند غرامشي، يجب أن نوضّح وجهة نظره في الدولة، وفكرته عن الهيمنة، لاتصال مفهوم المثقف بتلك المفاهيم، لأن غرامشي في النهاية هو ماركسي، ويحلل مفاهيمًا مثل الدولة والهيمنة، تحليلًا طبقيًا.

الدولة في النظرة الماركسية:

يقتبس لينين في كتابه الدولة الثورة فقرة لإنجلز، يوضح فيها نتائج تحليل إنجلز التاريخي لمفهوم الدولة: (الدولة ليست بحال قوة مفروضة على المجتمع من خارجه. والدولة ليست كذلك (واقع الفكرة الأخلاقية)، (صورة وواقع العقل) كما يدعي هيغل. الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره، الدولة إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع وقع في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، عن واقع أن هذا المجتمع قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها. ولكي لا تقوم هذه المتضادات، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضًا والمجتمع في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود النظام. إن هذه القوة المنبثقة عن المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك فوقه وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة.

ويعقب لينين بقوله:

في هذه الفقرة قد أُعرب بأتم الوضوح عن الفكرة الأساسية التي تنطلق منها الماركسية في مسألة دور الدولة التاريخي ومعناها. فالدولة هي نتاج ومظهر استعصاء التناقضات الطبقية. فإن الدولة تنشأ حيث وعندما وبمقدار ما تكون التناقضات الطبقية موضوعيًا في حال لا يمكن التوفيق بينها. وبالعكس، فإن وجود الدولة يبرهن على أن التناقضات الطبقية لا يمكن التوفيق بينها.

هكذا يوضح لينين مفهوم الدولة في الماركسية، ونحن هنا بصدد الحديث فقط عن فترة ما قبل غرامشي لإيضاح إضافته، ولكن يجب القول أن ألتوسير انتقد ذلك المفهوم عن الدولة، وأكمل الطريق الذي مهده غرامشي له. يظهر لنا من الكلام السابق أن الدولة:


1- ليست تعبيرًا عن فكرة مطلقة مثل فلسفة هيغل، كما في ذلك المفهوم انتقاد للمفهومالليبرالي عن الدولة.

2- نابعة من الوجود المادي ذاته.

3- الدولة ناتجة عن التناقضات والصراع الطبقي، وهي تعمل كقوة ملطفة لحدة ذلك الصراع.

4- الدولة أداة لسيطرة الطبقة البورجوازية، فالدولة هنا هي دولة الطبقة الأقوى اقتصاديًا، والتي تصبح سائدة سياسيًا.

الدولة عند غرامشي:

ينتقد غرامشي اختزال الدولة في أنها محض (آلة) أو (جهاز) ويعرف الدولة بقوله:

(ينبغي ألا تفهم الدولة على أنها فقط جهاز الحكومة. ولكن أيضًا الجهاز الأهلي (غير الحكومي) للسيطرة السياسية، أو المجتمع المدني. ولابدّ من ذكر أن الفكرة العامة للدولة تشمل عناصر نحتاج أن نرجعها إلى فكرة المجتمع المدني .. ويمكن أن نقول أن الدولة = المجتمع السياسي + المجتمع المدني، أو بتعبير آخر “سيطرة سياسية يحميها سلاح القهر”.

ويمكن القول أن للدولة شقًّا قمعيًا، وشقًّا آخر سياسيًا/ أيديولوجيًّا.

ويعرف غرامشي المجتمع المدني بأنه شبكة أفقية من المنظمات، والعلاقات المهنية تنتظم في الحياة الاجتماعية مثل: النقابات والأحزاب والصحافة والمدارس والكنيسة، باختصار كل ما هو خارج سلطة الدولة.

وفي المقابل، يموضع «غرامشي» المجتمع السياسي، بوصفه المجتمع الذي يقوم على ممارسات القهر والانضباط المباشر والوظائف التنظيمية والبيروقراطية، وفي الجمع بين المجتمع السياسي، والمجتمع المدني تظهر الدولة في شكلها الجدلي، ويكون عمادها هو الهيمنة الثقافية من ناحية، والسيطرة السياسية والقانونية من ناحية أخرى.

يقول هابرماس عن المجتمع المدني.

«الرأي العام غير الرسمي (أي الذي لا يخضع لسلطة الدولة)»، ومن خلال هذه المؤسسات يتم نشر القيم والأفكار وهي منطقة صراعات الهيمنة، فيها يتم إنتاج وإعادة إنتاج أيدولوجيا الطبقة المسيطرة من خلال تجسيد تلك الأيدولوجيا وتحقيق إجماع جماهيري، وقبول بالوضع الراهن، وبسياسات النخبة الحاكمة ومصالحها، و«جرامشي» يضع المجتمع المدني في موضع بين البنية التحتية (الاقتصادية)، والبنية الفوقية (الدولة والمجتمع السياسي) بخلاف ماركس.

عند غرامشي العلاقة بين الدولة، والطبقة المهيمنة اقتصاديًا ليست علاقة خطية ولا بسيطة، فينتقد غرامشي اختزال الدولة في شكل (أداة)، فليست هناك دولة دون سيطرة سياسية، وحلول وسطية، وعلاقات وتحالفات، فهناك منطقة وسيطة بين الحاكمين والمحكومين، تتجاوز فيها الطبقة الحاكمة المصالح الاقتصادية الضيقة، ليتم التوصل لنوع من التسوية، أو الحل الوسط، لتأكيد وضعيتها كطبقة قائدة سياسيًا، وتتم تلك السيطرة عن الطريق شبكة معقدة من الإجراءات، التي يتشارك فيها القمع، والأيديولوجيا. وهذا هو مفهوم غرامشي عن الهيمنة، فالدولة ليست فقط أداة للقمع، بل هي تخلق شبكات أيديولوجية تتمثل في كثير من المؤسسات، والأدوات التي تستخدمها في تحقيق سيطرتها السياسية.

المثقف العضوي:

يقول غرامشي: (كل جماعة اجتماعية يظهر لها وجود على الأرض الأصلية لوظيفة أساسية في عالم الانتاج الاقتصادي، تخلق بنفسها عضويًا، طبقة أو أكثر من المثقفين يمنحونها تجانسًا ووعيًا بوظيفتها الخاصة ليس فقط في المجال الاقتصادي، ولكن أيضًا في المجال السياسي).

يستخدم غرامشي مصطلح المثقف بشكل عريض، ليشير إلى كل أولئك الذين لديهم دور تنظيمي/ثقافي/أيديولوجي في المجتمع، فعلى سبيل المثل معلمو المدارس، وتقنيو ومديرو المصانع، موظفو الخدمة العامة …إلخ. مثلًا رجل الأعمال الرأسمالي يخلق إلى جانبه التقني الصناعي، والمتخصص في الاقتصاد السياسي، ومن يقومون بتنظيم ثقاقة جديدة ونظام قانوني جديد ...إلخ.

فطبيعة المثقف العضوي تكون مستمدة أولًا من النواحي التقنية للوظائف الانتاجية الأساسية، ثم يشارك هذا المثقف في المساعدة لتطوير وبناء نمط معين خاص بالطبقة التي ينتمي إليها. وبالتالي فالمثقف العضوي، هو المثقف الذي ينتمي إلى طبقته ويمنحها وعيًا بمهامها، ويصوغ تصوراتها النظرية عن العالم، ويفرضه على الطبقات الأخرى من خلال «الهيمنة»، ويدافع عن مصالحها، ويقوم بالوظائف التنظيمية، والأداتية لضمان تقسيم العمل الاجتماعي داخل الطبقة من ثم استمرارها.

————————————

فوكو ومفهومه عن السلطة:

قبل أن نتحدث عن مفهوم فوكو عن المثقف المتخصص، يجب أن نناقش مفهومه عن السلطة، حيث يتجاوز تحليل فوكو للسلطة، التحليل الماركسي التقليدي، فالسلطة ليست عند فوكو هي الدولة، إن الدولة جزء من السلطة، ولكنها ليست السلطة بشموليتها. كما ليست السلطة هي العنف والاخضاع والهيمنة، ففوكو يرى أن وصف السلطة دائمًا بشكل (سلبي) هو اختزال للسلطة، فالسلطة صيرورة تنتج ذاتها في كل لحظة، ولذا هي حضور دائم، فهي غير متركزة في مؤسسة أو جهاز معين، بل هي كما يقول فوكو متوزعة على الجسد الاجتماعي بأكمله، تخترقه، فعند فوكو لا يوجد مالك محدد للسلطة، لا طبقة، ولا ذات، لا عامل اقتصادي محدد. فالسلطة ممارسة، وليست ملكية، فالسلطة بلا جوهر، بل هي إجرائية، أو علاقة، تمارس عبر نشاط عن طريق علاقات غير متساوية، غير متجانسة.

السلطة كإنتاج:

يقول فوكو:

(يجب التوقف عن وصف مفاعيل السلطة بعبارات سلبية مثل: إن السلطة تستعبد وتكبت وتقمع وتراقب وتجرد وتقنع وتخفي. في الواقع إن السلطة تنتج، تنتج الواقع الحقيقي، تنتج مجالات من الموضوعات ومن طقوس الحقيقة).

لا ينكر فوكو الجانب القمعي من السلطة، بل هو يريدنا أن نراها بمنظور آخر، أن يكشف جوانبًا خفية منها، وألا نخترلها في ذلك الشكل، فالسلطة إيجابية ومنتجة، تنتج ذاتها أولًا، وتنتج الفرد، الواقع، المعرفة، والحقيقة. وهذا ما عبر عنه فوكو في مفهوم (الانضباط) كما وضح آلياته المختلفة.

يميز فوكو بين المثقف الكوني والمثقف المتخصص، ويتحدث فوكو عن انتهاء عصر المثقف المالك للحقيقة، والذي مثل ضمير المجتمع والعدالة فيقول فوكو:

“لقد مرت تلك الحقبة الكبرى من الفلسفة المعاصرة، حقبة سارتر وميرلوبونتي، حيث كان على نص فلسفي، أو نظري ما، أن يعطيك معنى الحياة والموت، ومعنى الحياة الجنسية، وأن يقول لك هل الله موجود أم لا؟ وما هي الحرية وما ينبغي عمله في الحياة السياسية وكيف تتصرف مع الآخرين، ...إلخ.”

يؤسس فوكو لمفهوم المثقف المتخصص، والذي هو المقابل للمثقف الكوني الذي مثلته الماركسية، والوجودية، وهو يمتاز بصفات ذكرها الدكتور زواوي باغورا منها:

1- المثقف الجديد لا يعطي دروسًا ولا يقوم بالتوجيه العام، وإنما يقوم أدوات للعمل ومناهج للتحليل.

2- المثقف الجديد هو الذي يوضح مسألة معينة، أو يبين وضعية جديدة، أو يكشف عن حالة خاصة.

3- المثقف المتخصص ليس مرتبطًا بجهاز الإنتاج، ولكنه مرتبط بجهاز المعلومات، والذي لا يمكن أن يشكل بديلًا لمعرفة العامل في جهاز الإنتاج.

4- المثقف المتخصص، هو الذي يقطع نهائيًا، مع دعوى الشمولية، والكونية، والكلية، ويمارس يقظةً سياسية، نظرية، أخلاقية في ميدان عمله أو محيطه الاجتماعي.

5- المثقف الجديد هو المحلل والناقد لأنظمة الفكر، والتي أصبحت تشكل بديهيات، والتي ترتبط بشكل عضوي مع مفاهينا، ومواقفنا وسلوكنا.

6- ليست مهمة المثقف الجديد، سَنَّ القوانين واقتراح الحلول وتقديم النصح، وإنما مهمته التحويل، أو التغيير من خلال ميدانه، وذلك بتشخيص الحاضر.

—————————

يتفق فوكو وغرامشي، في توسيع مستوى مفهوم السلطة، وكشف أوجه مختلفة منها، ففوكو ذهب إلى مناطق بعيدة، ليبين كيف يمكن للسلطة السيطرة الكاملة، ووضح في مفهومه عن الانضباط آلياته المختلفة لذلك، ولكن حضور السلطة الدائم عن طريق إنتاج ذاتها، ينفي أي وسيلة (للثورة) ففوكو يرى أن كل ما يحدث هو مقاومات، ولكن تلك المقاومات في النهاية، إذا تحدثنا، بلا فائدة، لأنها تحدث في حيز السلطة، وبسبب ذلك الحضور الدائم الذي يشبه حضور الإله، تم انتقاد مفهوم السلطة عند فوكو، حيث وصف هابرماس السلطة عند فوكو (بالمقولة المتعالية)، كما أن فوكو يرفض مفهوم المثقف المرتبط برؤية كونية، شاملة، ويرسخ لمفهوم جديد لمثقف متخصص. وعلى الجانب الآخر في رؤية غرامشي الماركسية للدولة، ومحاولته لتوضيح آليات السيطرة، والهيمنة الأيديولوجية والسياسية، تظل هناك فرصة (للثورة) فغرامشي عن طريق تأسيسه لمفهوم حرب الموقع، وعن طريق حديثه عن الحزب ووصفه له بالأمير الحديث، وحديثه عن المثقف العضوي، حاول وضع استراتيجيات يمكن من خلالها مقاومة السلطة، وإفساح مجال لحدوث ثورة للتغيير، فغرامشي أضاء الطريق عن كيف يجب الإعداد فكريًّا جيدًا، قبل أن يحدث أي تحرك مادي على الأرض.

محمد صالح عبيدو يكتب: رأي حول المثقف




الثقافة هي الطور الأول للديكتاتورية!
مثقفين نحن الدولة ولّاك، أدباء الموضة، كتاب الليل وأوجاعه. الذين يستهلّون أسمائهم بألقاب:
الشاعر، الكاتب، والبيداء تعرفه ..إلخ. في رغبة سخيفة منهم لإضفاء هيبة وبرستيج أدبي يزعمون باستحقاقهم له!
أولئك الّذين يتجاهلون الردّ على المُعقبين بحجّة أنّ جدولهم الأدبي لا يسمح لهم. ولا يعلّقون لمنشورات أمهاتهم حتى..!
أولئك الّذين يكتبون منشورات عميقة جدًّا، لدرجة عندما تقرأها تشعر بأنّها خارجة من مؤخراتهم لا أفواههم!

يقول أحدهم:
غالبًا الذين يُصبغون على أنفسهم الألقاب، هُم أسخف من أن يقرأ لهم أحد.
يضيف:
فكيف لك أن تكون مثقفًا واسم أبيك "خلف"، لا "فوكو" أو "دوستويسكي"..!
كيف لك أن تكون مثقّفًا وأنت لا ترتشف القهوة الصّباحية على تراتيل فيروز..؟!

قديمًا كان الشّاعر العربي يعيش في الصحراء، حفيان وشاوته الشّمس شوي؛ ويكتب آلاف المعلّقات من طرف الجيبة. أمّا الآن المثقّف يحتاج لبرميل قهوة وزقزقة مئات العصافير الزاجلة ليكتب خاطرة بحجم كمشة البزر!
قديمًا كان المثقّف يحاول أن يصل بكتاباته إلى عقول النّاس، أمّا الآن فالمثقف يُريد منك أن تصل إلى عقله المتحجّر بمصطلحاته البالية.

كانت هذه أزمة جفاء مجتمعية سائدة في الصراع البيو-ثيو-جيو-سيولوجي، الّذي حصل في الكاميرون إبان الحملة الفرنسية على الفيليبين. دستويسكي كتب في تلك الفترة كتابًا باللّغة الشاوية، وكانت خلاصة هذا الكتاب أنّ نظرة الكاتب والمثقّف والعميق إلى الناس الآخرين تتسم بالعدالة، التي تعطي المثقّف حقًّا في أن يعتبر الجميع في الدّرك الأسفل من النار.
وفي رواية غير مترجمة نشرت في جامعة هامبورغ لكاتبة مجهولة الهوية من جمهورية  الدومينيكان الشقيقة تقول فيها:
"لا يوجد أحد مثقّف فالآخرون قد كتبوا كل شيء..!"

يونس كلة يكتب: اليوم العالمي للفلسفة وسؤال الراهن


 أقرت منظمة اليونسكو سنة 2002 اعتماد يوم عالمي للفلسفة، بالنظر إلى أهمية هذا المبحث الإنساني في تعزيز وتثمين وتطوير الفكر البشري، انطلاقا من أسئلتها الثلاث المعروفة، سؤال الوجود، وسؤال القيم، وسؤال المعرفة والعلم، أما الغاية من إقرار  هذا اليوم فقد حددتها المنظمة في الغايات التالية:

- تجديد الالتزام الوطني والإقليمي والعالمي بدعم الفلسفة.
- تشجيع التحليلات والبحوث والدراسات الفلسفية لأهم القضايا المعاصرة من أجل الإستجابة على خير وجه للتحديات المطروحة اليوم على البشرية.
- توعية الرأي العام بأهمية استخدامها استخداما نقديا لمعالجة الخيارات التي تطرحها آثار العولمة أو دخول عصر العولمة على العديد من المجتمعات.
- الوقوف على حالة تدريس الفلسفة في العالم، مع التركيز بوجه خاص على عدم تكافؤ فرص الانتفاع بهذا التعليم.
- التأكيد على أهمية تعميم الفلسفة في صفوف الأجيال المقبلة.

 وقد حددت السقف الزمني للإحتفاء بهذا اليوم عند كل ثالث خميس من شهر نوفمبر-تشرين الثاني من كل سنة، والذي يصادف هذه السنة حدثي تتويج مريم أمجون شعلة الأمل بجائزة تحدي القراءة العربي ومنع مؤسسة مؤمنون بلا حدود من عقد مؤتمرها السنوي بالأردن، الأمر الذي يعد فرصة سانحة أمام مدرسي الفلسفة والمهتمين بالدرس والفكر الفلسفي بالمغرب، لطرح سؤال الثقافة بالمغرب وأسئلة أخرى راهنة ضمناها متن المقال، وتدارس التحديات الملقاة على عاتق سؤال القلق الفكري في هذا الهنا، إما مدرسيا، من خلال ملامسة رهانات تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي المغربي، وما مدى مساهمة الدرس الفلسفي المغربي في توسيع أفق تفكير المتعلم في القضايا الراهنة تفكيرًا نقديا يسائل من خلاله المحلي والإقليمي من الموضوعات المطروحة على الساحة؟ وإما كونيا، عن طريق إعادة فتح نقاش ما يمكن أن تقدمه الفلسفة للمجتمع من خدمات جليلة تروم إشاعة القيم الإنسانية النبيلة من قبيل المساواة، والحرية، والإخاء، ونبذ العنف، والميز العنصري، والتطرف الديني...؟
 نبتغي من وراء هذه الورقة القصيرة، وعلى ضوء الأسئلة المعلنة أعلاه التعريج على نقطتين أساس هما:
- في أهمية اليوم العلمي للفلسفة.
- الفلسفة وسؤال الثقافة.

1) في أهمية اليوم العالمي للفلسفة
 إن الغاية من إقرار يوم عالمي للفلسفة يتماشى والبعد الغائي الذي تأسست منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة من أجل إشاعته في العالم، ألا وهو بث روح السلام والأمن البشري على وجه البسيطة، وهي المهمة التي انتدبت الفلسفة نفسها مدافعة ومؤسسة لها منذ اللحظة السقراطية، ولنا في محاكمة سقراط دروس بليغة حول ذود الفلسفة والفكر الفلسفي عن الأمن والسلام البشريين، حيث جرت محاكمة سقراط، كما تعلمنا إياها محاورة الدفاع، بتهمة إفساد عقول الشباب والإلحاد، واجه بمقتضاها الرجل 500 مواطن أثيني، وتمت إدانته ب 280 صوت مقابل 220، وحوكم بالإعدام شربا للسم، لكن حب تلاميذه وتعلقهم به دفعهم إلى محاولة إقناعه بالهروب قبل وقت وجيز من وقت تنفيذ الحكم، لكن حكمة سقراط وتماهي فكره مع ما يجب أن تكون عليه حياته دفعه إلى رفض العرض، واستسلم لحكم الإعدام احتراما للديمقراطية الأثينية، وإيمانا منه بحياة بعد الموت يعيش فيها الإنسان في سلام تام مع نفسه.
 وهي واقعة تأسيسية ومؤسسة للفيلوصوفيا المدافعة عن الإنسان والإنسانية، دون قيد أو شرط، دأب عليها الفلاسفة ابتداء من سنة 469 ق.م ، وتؤكدها إنجازاتهم الفلسفية نذكر منها اختصارا، " الجمهورية" لأفلاطون، و"في السياسة" لأرسطو، و"المدينة الفاضلة" للفارابي، و"تلخيص سياسة أفلاطون" لابن رشد، و"اللفيثان" لطوماس هوبز، و"الأمير" لمكيافيلي، و"رسالة في التسامح" لجون لوك، و"العقد الإجتماعي" لجون جاك روسو، و"نحو السلام الدائم" لكانط (والتي تعد وثيقة مرجعية لتأسيس عصبة الأمم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة)، و"رسالة في اللاهوت والسياسة"لاسبنوزا، و"العالم والسياسي" لماكس فيبر، واللائحة طويلة ومتشعبة، لكن لا يهمنا هنا القيام ببليوغرافيا محترفة عن أعمال الفلاسفة في موضوعة إشاعة القيم النبيلة بقدر ما يهمنا التنبيه إلى أن اليونسكو تعيش بفضل الفلسفة، وتحي من أفضال الفلسفة عليها.
 وانطلاقا من ذلك نقول أن اليوم العالمي للفلسفة والذي تقوم بإحيائه الأغلبية الساحقة من دول العالم، هو مناسبة لإعادة وتجديد النظر في سؤال القلق الوجودي وإسهاماته الغنية في تحسين ظروف وشروط العيش الإنساني، خاصة فيما يتعلق بالأسئلة والإشكالات الراهنة من قبيل، سؤال الإيكولوجيا والخطر المهول الذي يتهدد الإنسان من جراء سيطرة الآلة على الحياة البشرية، وتزايد تدخل الإنسان في الطبيعة تدخلا مؤثرا يسهم بإطراد في اختلال التوازنات البيئية على وجه البسيطة، الأمر الذي يقضي بإعادة بناء عقد جديد مع الطبيعة، وسؤال إتيقا الأخلاق (أو الأخلاق التطبيقية) المرتبط لزوما مع سؤال الإيكولوجيا، أخذا بعين الاعتبار اهتمامها بتساؤلات فلسفية تستهدف التساؤل عن دور البيولوجيا والثورة البيولوجية على وجه التحديد في إحياء الروح الفلسفية بعد التطور المذهل الذي طبع العلوم التكنولوجية، مما سمح بإنبثاق نقاش فلسفي جديد يخص نتائج الثورة البيولوجية والتكنولوجية ومخلفاتها السلبية والإيجابية:
- إيجابيا: ببعث الروح للفلسفة والأخلاق انطلاقا من مساءلة الراهن، وقد أشار ألتوسير أيام ازدهار الدراسات الإبستمولوجية إلى هذه المسألة بالقول "لقد أبدع العلم حقا فلسفة".
- سلبيا: تأثير الثورة البيولوجية على العلاقات الإنسانية النبيلة، من قبيل الأمومة بالنسبة للأطفال الذين يتم إنجابهم عن طريق كراء الأرحام، والأطفال الذين يتم التحكم في صفاتهم الوراثية (لون الشعر والعين، والقدرات الإدراكية...).

 هي مناسبة إذن لتجديد الصلة بالموروث الفلسفي وبتاريخه من حيث هكذا أسئلة راهنة ومتجددة، لكن ليس بمعنى مناسباتي أو بمعنى أن اليوم لا يعدو أن يكون يوما وطنيا أو عالميا وكفى، وإنما إنطلاقا من روح الفلسفة الخصب، طالما أن الفلسفة ليس لها تاريخ بل هي حاضر أبدي.

2) الفلسفة وسؤال الثقافة
 لا مراء في كون الفلسفة تعيش بالسؤال وتمجده أكثر من تمجيدها للجواب، لأن السؤال لحظة من لحظات الحياة، أما الجواب فيعلن عن موت أفق الإستشارات والرغبة في المعرفة من لدن الكائن السائل، انسجاما مع شعار الفلسفة الأبدي "أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك"، الذي توسع مع المعلم الأول "أرسطو" ليضيف إلى سؤال معرفة الذات، سؤال معرفة الوجود، ولأن الثقافة تعلن نفسها باعتبارها معرفة موسعة بكل قضايا الحياة والوجود في عملية تأثير وتأثر دينامي، فإن سؤال الثقافة لا يمكن البث فصله لا عن سؤال الوجود، ولا عن سؤال المعرفة، ولا حتى عن سؤال القيم، وأن إضافة متلازمة الثقافة إلى الأصل "فلسفة" يجعل من الأخيرة رهانا مجتمعيا يراهن عليها المجتمع، بل ولابد أن يراهن، على قدرة الفلسفة والدرس الفلسفي على إعلان درس المثاقفة والتثاقف ليس باعتباره درسا انتروبولوجيا وفقط، بل بكونه درسا فلسفيا بامتياز، لتجاوز أدوات الاستلاب والتبعية العمياء.
 ولتجاوز الخلط المفهومي الذي يمكن أن يواجهنا ونحن في صدد الحديث عن الزوج المفهومي "المثاقفة والتثاقف"، نوجه ذهن القارئ إلى أننا لا نستعمل المفهوم (التثاقف) كاستعارة منهجية أحادية الاتجاه، كما كان معمولا به زمن الدراسات الإستشراقية والحملات التبشيرية التي كانت تسعى إلى نشر الثقافة الغالبة، أي الثقافة الغربية في كافة بقاع العالم، أو الجزء البدائي منه، وإخراجه من البدائية نحو التحضر، بل بالمعنى الذي يتجاوز النطاق الضيق في الاستعمال، والنظر إليه من حيث هو عملية تفاعل تستدعي أخد ما هو أفيد من الثقافة المهيمنة (أي ثقافة المدينة الرقمية)، وتكييف الموروث الثقافي الأصل (أي ثقافة الإنسان المغربي-العربي-الإفريقي)، بجعلها قادرة على مواكبة العصر غير منغلقة على نفسها، لأن فهم من هذا القبيل من شأنه إتاحة الفرصة لإيديولوجيات قديمة جامدة غير مؤهلة لإستيعاب التحولات التكنولوجية والفكرية والإتيقية المطروحة على الساحة الفلسفية اليوم للظهور من جديد، وقس على ذلك مفهوم المثاقفة.
  وأن ما يعطي لسؤال الثقافة راهنية ما، لهو الإرث التاريخاني والأنتروبولوجي، الذي حصل على مستوى نهاية القرن التاسع عشر، واكتسب مشروعيته المنهجية والدلالية في النصف الثاني من القرن العشرين، على يد علماء انتروبولوجيين من أبرزهم مايرز هيرسكوفيتش وناثان واكتيل، بالشكل الذي يسمح لنا بحكم الإختصاص  المراهنة على الدرس الفلسفي اليوم بأن يكون مواكبا للتحديات الثقافية وتزويد المتعلم والطالب بعدد معرفية ومنهجية تمكنه من التصدي للغزو الثقافي الأحادي الجانب، وهي مهمة شاقة إلا أنها مطلوبة في ذات الآن.
  وفيما يلي بعض الاقتراحات الممكنة: 
- تجاوز الطابع السجالي للدرس الفلسفي الجامعي والإنفتاح على العلوم التطبيقية تدريسا وتطبيقا.
- الانفتاح على تجارب دولية أخرى في مجال تدريس الفلسفة كالتجربة الإسبانية مثلا.
-توسيع إمكانات الاغتراف من معين المشاريع الفلسفية-الفكرية المغربية بالشكل الذي يجعلنا قادرين عن الحديث عن مدرسة فلسفية مغربية.
- انفتاح الدرس الفلسفي المغربي بالتعليم الثانوي على مجال الأخلاق التطبيقية (أخلاق المسؤولية لهانس جوناس على سبيل المثال).




حوار مع الفائز في "النشاط الأسبوعي"




* أجرت معه الحوار: فاطمة يوسف حسين



 تقديم:
- الإسم كامل: عبيدة أمجد الخيام.
- السن: أربعة وعشرين عامًا.
- الوطن ومكان الإقامة حاليًا: العراق/بغداد


الحوار:
- ما الصفة الّتي تحب مناداتك بها: كاتب/هاوي/مبتدئ...؟
  كاتب وشاعر.

- كيف عرفت موهبتك؟، وهل هناك شخص له سبب في ذلك؟
  أمّي هي من اكتشفت هذه الموهبة.

- نظرتك لمستقبلك الأدبي، كيف تتوقع أن يكون؟

  في ظل ما أعيشه من ظروف، صعب أن يكون لدي مستقبل أدبي ولكن أعمل جاهدًا ليكون لدي مستقبل وآمل بذلك، والآن أعمل على تأليف كتاب؛ لكنني أفتقد إلى الدّعم داخل بلدي، وأتمنى أن أصل لمُبتغاي.

- ماذا تعني لك الكتابة؟
  الكتابة ألم وخيال، الكتابة باختصار هي "أمّي".


- حدثني عن نفسك:
- الأشياء التي تعجبك
- نظرتك للكتابة والقراءة
بصفة عامة.
- نظرتك إلى الحياة؟

  يُعجبني كل شيء يزرع الحب والسّعادة والسلام في قلوب وأرواح الناس، تعجبني الابتسامة البريئة، العفوية، تعجبني النظرة التي تحمل الكثير والكثير من الحب، تعجبني ابتسامة اليتيم، وضحكة المُطلقة، فرحة الفتاة العاشقة.

  أمّا نظرتي للكتابة؛ لدينا مواهب رائعة لكنها فقط تحتاج الى التّطوير والدّعم وكلّي أمل بأن المستقبل سينجب لنا كتاب وكاتبات عظماء... أما القراءة؛ إذا أردت أن تكون كاتبًا مميزًا ومختلفًا، عليك أن تقرأ الكثير والكثير، القراءة مفتاح للكتابة.

  الحياة مجرد لعبة صنعها الله لطفله الصغير؛
نحن أطفاله!
أود أن نعيش هكذا أطفال عفويين بريئيين مسالمين، بقلوب نقية مليئة بالحب والسلام، هذه هي نظرتي للحياة.

- ما هي مبادئك في الحياة؟
  حب كل شيء خلقه الله يحبك الله وعباده!

- الكتّاب المفضلين لديك؟
 ابن عربي، جبران خليل جبران، الحلّاج، وليام شكسبير، نيشته، ليف شافاق..

- الكاتب المفضل الذي تأثرت به؟
  تأثرت بالحلّاج كثيرًا..

- كلمة أخيرة تود توجيهها أو نصيحة لباقي المتابعين والمشاركين؟
  في العادة لا أقدم النصائح لأحد؛ كلّ إنسان يولد ولديه موهبة معينة، لا تخجل مهما كانت موهبتك، تقدم ولا تكترث لمن حولك، اجتهد.. طوّر ذاتك، لا تقف عاري الجذع، أنت لست شجرة، أنت تملك الكثير، فقط تحتاج الإيمان، لا تخف.. أنت تملك الكثير.

- ماذا تقول لمجلة دعوة للتفكير؟
  عائلتي، أحبكم جدًا..
من هنا كانت أول إنطلاقة لي في مجال الكتابة
هنا عائلتي فعلًا..
لا أنسى أبدًا عبير، رندة، يسرى، والدكتور شاكر، ورولا الجميلة، وكثر غيرهم..
هنا يوجد الكثير من الحب والذكريات الجميلة
أحبكم، وأتمنى أن نصل لمبتغانا جميعًا، أود أن أشكر الجميع هنا على الجهود المبذولة.
هذه المجلة رائعة قدمت لي الكثير، أتمنى أن نصل لما هو أرقى وأسمى، وكما ذكرت هذه ليست مجرد مجلة، هُنا عائلتي..


- نشكرك عبيدة، ونتمنى لك المزيد من التألق والنجاح.

فيديوهات

صور