عبلة قدوار تكتب: بقعة الدواليك 1








بمجرّد أن اقتربت سرعة السيارة من منحدر الجبل الذي يعتبر الحدّ الفاصل بين الحياة التي تربط الإنسان بالإنسانية، وأيام الدواليك التي ستضطر خديجة لمسايرتها، والمضي قدما تعدو وإياها دون أن تتجرأ وتتخطاها وتضيف لها وقعا... لأن ذلك محض جنون أو مجلبة لصداع الرأس، لأن خديجة بالرغم من أنها تخطت حدود الأمومة لطفل أو طفلين بعد العشر ولادات، إلاّ أنّها لم تتجرأ يوما على الوقوف عند عتبة باب منزلها لتنادي بأحد أولادها عند الحاجة، فذلك خرق لقواعد المنطقة، وتوسم لحظتها في خانة الملعونات والخارجات عن الأدب، وفي مرحلة ما من حياتها الزوجية حقّقت مفهوم أن وراء كل رجل عظيم امرأة شرسة، لأن زوجها هارون كان رشيد تلك الأيام لسكان القرية وكذلك أبناءه، فقد كان الرجل الكامل في كل أدوار الحياة...
خديجة وهي تنزل ذلك المنحدر تغادر الإنسانية داخلها، وتحلّ محلها الشراسة، واعتبار الأمومة حلما لن يتحقق لأولادها السبعة جميلة عمر زينب مباركة كمال عائشة حيزيه، وهم عائدون للدّيار من عطلة الصيف في مدينة عنابه، عطلة تمكن البحر فيها من أن ينجّيهم من كبت لأحاسيسهم ورغباتهم في ظلّ الصراع القائم بين خديجة وهارون الرشيد، هذا الأخير الذي كلّما يمرّ الزمن يعجز أولاده عن فهم تفكيره ومنهجه في الحياة. والسيدة خديجة لا تتخلى عن لحظة دون أن تحط ّمن قدره كما كانت تفعل وأولادها الذين قد زفّت منهم للحياة الزوجية نصيبا، بينما سافر البعض لإيجاد حياتهم بعيدا عن ذلك الصراع الأهلي، والذي لم تنطفئ ناره يوما، بينما أطفأ الكثير من أحاسيس الأبناء، وحقّهم في الوجود لأجل وجدانهم، وليس لأجل طقوس هارون وخديجة، وقد  برمجوا منذ تكوينهم أنّهم خلقوا ليكونوا الذخائر التي يقذف بها كل من خديجة وهارون بعضهما البعض.
فخديجة وهي تنزل المنحدر، حدث وأن أتتها حالة من رقّة الأمومة تعترف لأولادها أنها لأجلهم تعود لهذه القرية، فيتبادر إلى ذهنهم أنهم أعز ما تملك فيمنحونها الطاعة لكلّ أمر، لأنّها لم تعلّمهم يوما كيف يمنحونها حب الأبناء، وحين تغزوها شراسة خديجة تلّعنهم لأنهم وجدوا فجعلوها تذّل بالعودة إلى هارون والعيش مع ذلّه وكأنها خياراتهم في الوجود، وكما اعتادت منذ الأزل تأخذ في لعنة والدها الذي توار تحت التراب في العام الثاني من زواجها، في كونه السبب الرئيسي في ذلّها لأنّه كان مرارا يرجعها لهارون على اعتبار أن الأيام ستجعله رجلا عاقلا، لا يمدَ يده على زوجته كما أنّه سيتخلى عن البخل لأجل أولاده.
مات الجدّ وما كان على أحفاده مع مرور الزمن واكتشافهم لهذا الجرح الرهيب داخل والدتهم ـ  صراع هي الوحيدة المتسببة فيه ـ إلاّ أن يدعوا لجدَهم بالرحمة لأنّهم لم يتعرفوا عليه ليحبوه، فأشفقوا على حاله تحت التراب والشفقة مقدار قريب إلى المحبة، لأنّهم لم يتقبلو من والدتهم ذلك، ولطالما  رأوها ورغم  الذي يحدث لها من مهانة وإذلال من هارون إلّا أنّها لا تنفك أن تكون سجادة يمشي عليها.
وهم يكبرون تعلّموا كيف يعدمون حقوقهم وهم تحت رعايتها وأن يشعروا بالشفقة عليها، لأنّهم ورغم أنّها صرحت لهم بأنّها لا تحتاجهم بقدر حاجتها لهارون لأنّه هو الذي ستكمل دربها وإياه إلّا أنّها لم تقدر على أن ترضى بالاعتراف النهائي لحبّها له وهي تلعنه كل لحظة ولا أن تستدرك كل وقتها وتعلَم أولادها كيف يعبّرون عن حبّهم لها.
تنزل السيارة المنحدر، وبعد دقائق تتوقف عند باب بيتها، ينشغل هارون بإيقاف محرك السيارة، بينما أخذ الأولاد في النزول فرحين بالعودة إلى منزلهم، وبمجرد نزول عمر يصرخ لفرحه بالترميم الذي لحق مصلى القرية، تعالت عبارات الفرح والإعجاب بين الأولاد، والوالدة بصوتها المسيطر دائما.
ـ أدخلوا المنزل... ما يفرحكم في قرية النحس هذه، إنها كسعدكم وسعدي تبقى مشئومة، وإن غيروا كل ألوان البيوت.
انصاع الأولاد لأمرها ودخلوا المنزل بعد أن فتحت زينب قفل الباب، ليدخلوا أمتعتهم في حين لا يزال هارون منشغلا بمحرك السيارة.
خديجة تحبط مخططه في لحظة معبّرة فيها عن إشفاقها لحال أولادها وغيظها.
ـ هذا والدكم عند الحاجة إليه  ينشغل بأمر ما إلى أن تنتهي الأعمال... لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل.
يتفرق الأولاد لشؤونهم داخل المنزل، عمر وهو ابن الثامن عشر يتوجه مباشرة إلى جهاز الكمبيوتر ليتفقده، ويصرخ مطالبا بالإسراع في إعداد القهوة.
أخواته البنات يعلّن تمردّهن ويرددن: ـ المطبخ أمامك نحن متعبات كحالك ـ مالك ومال هذه الشطارة.. الغبار يملأ المكان وأنت تسرع لفتح الكمبيوتر.
أما كمال فقد أسرع ومباركة وعائشة إلى شجرة الكرم بالحوش لقطف ما بقي عالقا في أغصانها، وفي قمّة الالتذاذ يدخلان الغرف تارة، ويتمتعان بتسلق الشجرة تارة أخرى، مثيرين لذة البقية لما يحصلان عليه من حبات الكرم، وما هي إلّا دقائق حتى تخور قواهم ويأخذ كل واحد مكانه لينام فيه،  بعد أن تفقد الجميع الأفرشة بحثا عن عقارب وحيّات، مستسلمين لنوم التعب إلى أن غابت الشمس، وحين استيقظوا كانت زينب ووالدتها قد أعدّتا العشاء، في حين قد خرج الوالد لطلب الماء من مصالح البلدية لكنّه لم يجد من يحضر له الماء، فاضطروا لاستعمال الماء القديم بعد غليه جيدا.
عائلة هارون من العائلات القليلة المحظوظة في مغادرة تلك القرية في فصل الصيف، وإن كان الأمر مرات لا يتجاوز الأسبوع كما حدث هذه المرة، وقد كان أولاد القرية يحسدونهم على ذلك، لأنّ حظَهم وهم أولاد القرية كان في بركة الماء التي تتحجر في موطن ما من الوادي، قد تجفّ أحيانا جراء الحرارة أو قد يكونوا امتلكوا حوضا للسباحة داخل أحد البيوت في شاكلة صهريج من الطوب يستعمل عادة لتخزين الماء، لكن أهل ذلك البيت قد رحلوا ولم يفكروا في تعطيل حنفية بيتهم، أو كما كانت تفعل خديجة لأطفالها حين تجمع الماء في زاوية من الحوش وتتركهم يمرحون فيها.
أولاد خديجة كانوا يعتبرون الذهاب بعيدا عن القرية أمرا مقدسا، لكن ومع مرور سنوات عمرهم يكتشفون أنّهم ورفقة والدتهم التي تبقى تصب جام غضبها في عدم تحصيل ما تريده من هارون على أولادها، سواء بالقرية القاحلة أو بمدينة عنابه أو جيجل بمنزل في أفقر الأحياء تبقى سطوتها، تبقى تمرّر سخطها من بخّل هارون، ذلك البخل الذي اقتنع أولاده أنّه ليس حبا في المال وإنّما حبا للتباهي أمام أصحابه والأغراب، فيسّرف في ماله دون النظر لحاجات أولاده، تلك الحاجات التي كانت تمنيهم والدتهم بها حين يساعدونها في التقشف داخل البيت، فأي درجة بعد البخل يمكن أن توصف بها والدة الأولاد بعد بخّل مقتنص شخصية هارون الرشيد.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق