ادريس كثير يكتب: شبح النهايات 1






استهلال:
- " النهاية الأخيرة للعالم تكون حين يشبع الفكر ذاته بذاته [...] حينها يعود مفهوم الروح إلى ذاته ويتحول إلى موضوع نفسه الخـاص. هكذا فالتقدم ليس تقدما لا محدودا إلى ما لا نهـاية... إنما هُناك نهـاية: العودة إلى الذات. إنها حركة دائـرية: حيث تبحث الروح عن روحها".( هيجل. العقل في التاريخ، ص. 212 )
1- تقديم: الالتباس
من المفاهيم الملتبسة أيما التباس، في الفلسفة الحديثة والمعاصرة مفهوم " النهاية "؛ فهو في الفرنسية fin بمعنى نهاية وbut بمعنى غاية. وبعبارة أخرى هو النهاية كغاية (  eschatologie ) والغاية كنهاية (téléologie  ) كما ترادف في الفرنسية دائما، الحدود والموت mort وlimites..
ستحمل الفلسفة معها هذا الالتباس أينما حلت وارتحلت..
أما في اللسان العربي فالنهاية هي غاية الشيء وآخره، نهاية الدار حدها.
انتهى بصري عنهم بمعنى انقطع عنهم. النهاية هي الغاية. وطرف العراف الذي في أنق البعير.
النهاية: هي الخشبة التي تحمل عليها الأحمال.
النُّهى: العقل لأنه ينهي عن القبيح. ناهيك عن فلان، كافيك به.
سدرة المنتهى: أي يُنتهى ويُبلِغُ بالوصول إليها ولا تُتجاوز (لسان العرب، م 15) ص: 343 وما يليها.) وهي شجرة ورد ذكرها في القرآن الكريم..
في ليلة الإسراء والمعراج، عندما ارتقى سيدنا محمد ص بواسطة المرقاة وهي سلم موصول بين الأرض والسماء دُرجه من ذهب ونصه فضة. رأى عجائب كثيرة منها شجرة عظيمة جدا اسمها " سدرة المنتهى ". أصلها في السماء السادسة وتمتد حتى تصل إلى السماء السابعة ثم إلى ما شاء الله، وهي شجرة جميلة جدا أوراقها كبيرة كآذان الفيلة وثمارها كالقلال أي الجرار الكبار ويخرج من ساقها أنهار عظيمة لذيذة المذاق يحوم حولها ويغشاها فراش من ذهب وأنوار عظيمة.
وللسدرة ثلاثة أوصاف: الظل المديد والطعم اللذيذ والرائحة الزكية.
مفهوم النهاية لدى كانط: التاريخ الإنساني " هو مسرح أحداث متتالية ": حروب، كوارث، أمراض، اتفاقات، اكتشافات.. فهل هو تتابع عبثي للأحداث؟ أم أن التتابع فيه من السرد ما يمنحه معنى واتجاها؟ هل هناك من تطور وتقدم في هذا السير أم أنه تحقيق لقصد خفي؟ باختصار هل للتاريخ من هدف؟؟ أيمكن أن نأمل في تاريخ كوني أم أن التاريخ سيبقى تواريخ جزئية متفرقة؟ هل للتاريخ نهاية وما هي نهايته أو غايته؟
إن فكرة تاريخ كوني لدى كانط صيغت في مقال سنة 1784*. سياقه التاريخي هو سياق الأنوار: اكتشاف قارات جديدة، حرب استقلال أمريكا، الحركات الأولى للثورة الفرنسية. إنها مرحلة متقلبة تدفع الإنسان إلى التساؤل عن الأسئلة المصيرية.
سيضع كانط الإنسان في قلب هذا العالم، وسيفترض حريته وإرادته الحرة انطلاقا من قدرة العقل الإنساني على التصرف. وبهذا يمكن للإنسان أن يمنح معنى للعالم المحيط به.
لكن هناك صعوبات جمة في تحقيق هذه المهمة. أولاها أن التاريخ يهم كائنات حرة يصعب تقنين سلوكاتها وتصرفاتها. غير أنه حين نقول إن الأشياء تخضع لقوانين طبيعية فإننا نستعمل لغة استعارية. ذلك أن النجوم لا تتبع مداراتها لأنها تعرف القوانين، الإنسان بمفرده يدرك ذلك. فالقوانين ما هي إلا علاقات بها نُدرك الأشياء. لذا يجب أن نميز بين معرفتنا للواقع وبين الواقع ذاته. وعليه إذا كان التاريخ يتبع قوانين طبيعة فإنه لا يلغي في ذلك حرية الإنسان.
الصعوبة الثانية: من المستحيل على المؤرخ أن يعرف كل الأحداث التاريخية الخاصة والجزئية. وإذن لا يمكنه أن يقدم معنى عاما للتاريخ. فإن أردنا أن نُقدم تصورا عاما للتاريخ علينا أن نقوم برؤية كلية شاملة لتاريخ البشرية. بهذا يكون التاريخ كونيا.
الصعوبة تأتي هذه الفوضى؟ لماذا لا يمكن للإنسان أن يكّون مجتمعا سليما واحدا؟ ذلك أن الإنسان ليس حيوانا وليس كائنا عقلانيا كلية. هذه الازدواجية تمنعنا من التفكير في معنى موحدا للتاريخ. لذا يجب النظر إلى تاريخ وكأنه تحقيقا للطبيعة الإنسانية.
لا يمكن للإنسان أن يرسم هدفا لتاريخ الإنسانية لأنه عاقل؟ فعقله ما زال غير كاف أمام شراسته، لذا يفترض كانط أن في طبيعة الإنسان غاية يمكنها أن تُعبّر من عدوانية الإنسان. هناك إذن طبيعة إنسانية خاضعة لقوانين طبيعية. هي ما يمنح للتاريخ معنى واتجاها معينا.
بناء على هذه الفرضيات يقترح كانط أطاريح قابلة أن تقدم لنا تصورا متكاملا عن تاريخ كوصموبولوتي كوني.
1- الطبيعة البشرية كونية. كل ما في الطبيعة وجد لهدف ما وغاية ما. إذن التاريخ يسير نحو قصد معين. بدونه تكون الطبيعة بما فيها الإنسان عبثا لا يمكن التفكير فيه.
2- الإنسان عقل وغريزة، كلاهما في حاجة إلى ترويض وتربية لا تكفي هذه الأخيرة الإنسان في صقل غريزته ولا في ضبط عقله، لأن حياته قصيرة، لذا يجب رفع هذه المهمة للبشرية جمعاء جيل بعد جيل تنتقل فيه الأنوار من هذا إلى ذاك.
3- للإنسان العقل واليد. هذه الأخيرة هي مبتدأ ومنتهى التربية والكفاءة والتقنية. هي التي تساعد العقل على النمو والتطور. تمنحه العيش الرغيد، ويمكنه أن يقدر نفسه أحسن تقدير واستحقاق – والتقدير هذا هو مدخل لكل الأخلاقيات المشجعة للتضحية فيما بين الأجيال كونيا.
4- الإنسان تطحنه الحروب، وهو في حاجة إلى تهيئ الحرب إذا أراد السلم، والحروب تتطلب النفس والنفيس. لذا من مصلحة الدول (الأمم) تهيئ شروط المفاوضات لمنازعاتها. ومن مصلحتها تهيئ مجتمع أممي وبلورة قانون دولي. ليتم تجاوز القوة ويحتل محلها القانون. يتأسس المجتمع الإنساني لأسباب ذاتية ( السلطة، الهيمنة ) لكن صياغة قوانينه في قالب أخلاقي قد يتم احترامها لذاتها.
5- في هذا المجتمع الإنساني الأممي لا تتوسع قدرات الناس الطبيعية إلا إذا كانوا أحرارا. لكن هذه الحرية لا يمكنها أن تكون لا محدودة. فحدودها هي حرية الآخرين. ولتحقيق هذا الانسجام لابد من " تنظيم مدني بعدالة كاملة " أي الدولة. قوة عمومية تتجاوز القوى الخاصة. لكن هل يقبل الإنسان الحد من حريته؟
أجل، لأن في حالة الطبيعة ما هو سائد ليست الحرية إنما الفوضى والاقتتال.. لكن في المجتمع المدني الدولة تقنن السلوك بالقانون وتدفع الناس إلى إشباع رغباتهم بطريقة حضارية.
6- كيف يمكن تأسيس الدولة ؟ بسن القوانين لتطبق وترعى مصلحة الناس. وهذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلا السيد الإنسان. هل هو واحد؟ ( الملكية المطلقة ) هل هو كثير ( الديمقراطية ) هل هو نخبة ( الأرستقراطية )؟ معضلة القائد لا حل لها: لابد من قانون لاستقامة الناس ولابد من ناس مستقيمين للسهر على القانون. هل تكفي فلسفة الحق والإرادة والكوصموبوليتية ؟
7- كيف يمكن تأسيس هذا المجتمع الأممي؟ صدفة هذا عبث، لابد من غاية (téléologie ) لنمنح تاريخ الإنسانية معنى. وإلا مكثنا في إطار بلادة راعي (Arcadie) أو في حالة حرب درامية دائمة. "مهما تحضرنا قد نبقى في عتبة الأنانية لذا لابد من أخلاق ومن إيتيقا (الأوامر القطعية..).
8- التاريخ هو تحقيق تصميم طبيعي مضمر: إنشاء دستور سياسي تام، هذه النهاية ليست نظرية بل هي عملية، بوادرها قائمة وقت كانط: تكامل وتقارب الدولة الأوربية، الأنوار، الازدهار الاقتصادي الصناعي التبادل التجاري الحر.. الليبرالية الاقتصادية... هكذا فالحرب الاقتصادية أنفع من الحرب العسكرية. هدف التاريخ منظمة أممية كونية كصموبولوتية.
9- هدف التاريخ ونهايته حسب كانط هو: " التوحيد السياسي الكلي "؟ هذا الأمر ليس تنبئاً إنما هو تحليل فلسفي للتاريخ ( كما سيفعل هيجل !). تجاوز الحالات الخاصة المحلية لإدراك الكوني؛ تجاوز تاريخ الصراعات والتفرقة – لأجل تاريخ أجمل من التاريخ الماضي.
هناك إذن نهاية للتاريخ لا بمعنى حده وموته وإنما بمعنى غايته وقصده وما يؤول إليه. في مقال قصير آخر تحت عنوان: " نهاية كل شيء "* يتحدث كانط عن الزمان والخلود ونهاية العالم. منطلقا من القول المأثور بصدد فقيد ما: " إنه يغادر الزمان إلى الخلود " (دار البقاء). (ص 107). هذا القول لا معنى له إذا كان المقصود بالخُلود.. زمان مستمر لا نهائي. فالميت لن يخرج ويغادر الزمان أبدا. فهو على الأصح ينتقل من زمان إلى آخر. يجب أن يعني الخلود نهاية كل زمن يجعل الإنسان يدوم دون انقطاع. لكن هذه الديمومة ستكونُ مقدارا لا يمكن مقارنته مع الزمان العادي ولا يمكن أن نكوّن عنه أي مفهوم. اللهم إلا إذا كان مفهوما سلبيا. هذا القول المأثور يثير الرعشة، لأنه يقود رأسا إلى هاوية لا يمكن الرجوع منها، كما يثير فضول العقل من الناحية الأخلاقية لأنه يُشير إلى نهاية كل شيء، نهاية تعني بداية خلود يدوم طويلا.
النهاية الحقيقية لكل شيء هي يوم القيامة. (في الألمانية يقال ليوم القيامة اليوم الشاب  واليوم الأخير) آخر يوم فيه زمان وحساب. نهاية العالم تبدو في سقوط النجوم من أوتادها، وانهيار السماوات من عليائها وزلزال الجبال من جذورها.. هذه النهاية غير مفهومة لدينا على المستوى الفيزيقي إنها هي كذلك على المستوى الديني والأخلاقي.
يشير كانط إلى تصورين قديمين حول مسألة الخُلود، تصور الموحدين (Unitaires) الذين يمنحون الخلود في اليوم الآخر لجميع الناس. وتصور الثنائيين (dualistes) الذين يقتصر الخلود عندهم لبعض المختارين والباقية تساق إلى جهنم. مغزى هذه الإشارة هو مقياس ومعيار الحساب: الأخلاق والعقل العملي.
لماذا ينتظر الناس نهاية العالم؟ لعدة أسباب (ص 112). الأول يؤكد ألا معنى للحياة بدون محاسبة، وإلا كانت الحياة مسرحية عبثية لا دلالة لها. والثاني يشير إلا أن الحياة عبارة عن فساد (عالم الكون والفساد) فمن الحكمة وضع حد وبطريقة مخيفة لكل هذا المسخ.
 وفي ملاحظة هامشية يعلق كانط على أن الحديث عن نهاية العالم لا يخرج عن ثلاث أقسام كبرى هي:
1- النهاية الطبيعية لأي شيء وفق الأغراض الأخلاقية والتي يمكننا فهمها في هذا الإطار.
2- النهاية الصُّوفية (المافوق طبيعية) لكل شيء، وفق أسباب فاعلة. إنها نهاية لا نفهم فيها شيئا.
3- أخيرا نهاية ضد طبيعية (مقلوبة) لكل شيء نهاية نتسبب فيها نحن بعدم فهمنا للغاية القصوى.
- الأولى : هي التي لخصناها سابقا، أما الثانية فنعثر عليها في يوم القيامة (Apocalypse) (5,6X) : حين يصيح الملاك بأن الزمان سيتوقف، إذا كان قصد الملاك أن أي تغير لن يحدث لأن التغير يتوقف على الزمان، فهذا محال، فيوم القيّامة تغير هائل. وإذا كنا نحاول فهم هذا القول بانتقال من العالم المحسوس ومقولاته إلى العالم المعقول ومقولاته المختلفة فإننا سنقع في التناقض. أما إذا اعتبرنا الخلود نهاية النهايات.. فإننا سنقع في غياب كل شيء الفكر والإحساس كأننا دخلنا مجالا لا شيء يحدث فيه، يبقى هو هو: آخر فكرة آخر شعور.. وكأنها التعديم المطلق. (لاوتسو) كنهاية سعيدة خالدة صوفية.
- الثانية: نهايات الإنسان تتراوح بين الجنون والحكمة، كل تدخلات الإنسان المختلفة قد تضر بالسير العادي للقدرة الإلهية، للطبيعة، لذا لا يجوز للإنسان أن يرسم مشاريع لتحقيق نهاية الأشياء بل ربما عليه أن يتجنب القيام بالعديد منها. يعترف كانط بصعوبة المسألة وخطورتها. لكنه يرى في المسيحية جملة مبادئ يمكن للإنسان في نظره أن يتشبث بها: على رأسها الاحترام (le respect)، واستحقاق المحبة، وعزة النفس، والكرامة.. إذا خرج الإنسان عن هذه الحدود وطلب نهاية الأشياء بمشاريعه فالدجال له بالمرصاد (antéchrist): حيث تنقلب النهاية في كل شيء إلى ضدها (ص 123).
النهاية عند كانط هي نهاية التاريخ والعالم حيث تكون الحقيقة كلها حاضرة في تحول "العقل النظري" إلى "عقل عملي" تام./.
ما هو التاريخ ؟
في كتابه "العقل في التاريخ"* يقسم هيجل (1770/1831) هذا العلم إلى ثلاثة أصناف، الصنف الأول هو التأريخ الأصلي كما مارسه هيرودوت وتيوسديد اللذان اهتما بالأحداث وسردها.
والصنف الثاني التاريخ التأملي وهو الذي يسمو بالحدث التاريخي ويعالج الأحداث الماضية وكأنها راهنية كما فعل تيت – ليف.
والصنف الثالث هو التاريخ الفلسفي الذي يهدف إلى معرفة الفكرة في التاريخ ويحاول إدراك دور العقل في توجيه التاريخ. ليس للتأمل الفلسفي من غاية وهدف سوى القضاء على الصدفة أو العشوائية.
المفهوم العام لفلسفة التاريخ هو العقل، بل هو مادتها. وقوتها اللانهائية (ص 47)، العقل هو غاية ذاته، هو الغاية النهائية لحياة الشعوب، لا يقصد هيجل بالعقل الإنساني أو العقل الذاتي الآداتي، إنما يقصد به العقل الإلهي، المطلق بلغة الفلسفة، ولا يمكن فهم التاريخ فهما أمينا إلا باعتباره صيرورة عقلانية. تتجلى هذه الأخيرة في كونية التاريخ، التي لا تنحصر في المظاهر الطارئة ولا في تعداد الخواص بقدر ما تندرج في الوحدة الملموسة المسماة الروح. (روح العالم) (Weltgeist). " إن هذا الموضوع الملموس في تطوره الضروري هو موضوع الفلسفة حين تعالج التاريخ " (ص 52).
أول مقولة في هذا التطور هي مقولة التغير الدائم التي يخضع لها الأفراد والشعوب والدول. في التغير جوانب سلبية، تثير حزننا، كالأنقاض التاريخية، (بقايا قرطاج، روما، أثينا..) والاقتتال الطاحن.. لكن من الموت تظهر حياة جديدة، هنا يمكن الإشارة إلى الفنيق (Phenix) الذي ينهض حيا من رماده. (ص 54). فإذا كانت عودة الحياة لدى الشرقيين تمس الجسد فإن عودتها لدى الغرب تمس الروح وقد أصبحت شابة. جدلية الروح هذه تمنحها القوة والوضوح المساهمين في عمل التاريخ أو بناء التاريخ كعمل متماسك في نهايته توجد غاية نهائية (ص 55).
العقل لدى هيجل ليس هو العقل القديم (كما هو لدى أناكساغوراس) أو ما يسمى "بالنوس" (Nous)، ولا هو القدر.
القدر المسيحي.. الأول "النوس" وحسب انتقادات أفلاطون وسقراط، ما هو إلا أسباب خارجية كالهواء والأثير.. وحتى حين تغرق هذه المفاهيم في التجربة يتحول النوس إلى فكرة مجردة لا تحرك حتى نفسها, الثاني هو العناية الإلهية التي تحرس بدايتنا ونهايتنا.. لكنها في اللغة الدينية تبقى عامة غير ملموسة. أما العقل حسب هيجل فهو مطبق على مجموع أحداث العالم ، على التاريخ على الميولات والأهواء والرغبات وعلى الأبطال..
ونظرا لتشابه العناية الإلهية (في المسيحية) بالعقل (لدى هيجل)؛ فقد سمى أبحاثه وأقواله في هذا الإطار باسم التيوديسيا (la théodicée): (ص 67). مهمة هذه الأخيرة كما حاول ذلك ليبنتز هي الفهم الذكي لوجود الشر أمام الوجود المطلق للعقل.. يجب فهم وجود الشر بما فيه الشر الأخلاقي في الكون وذلك بتصالح العقل معه في التاريخ. هناك جدلية في علم اللاهوت هذا تسمح لنا بإدراك الشر (السلب) باعتباره لحظة من سيرورة الإيجاب..
ينتصر فيها العقل حين يستدمج نهاية الحكمة الخالدة سواء في ميدان الطبيعة أو في ميدان الروح الواقعية المؤسسة في العالم. الروح (هي الفكرة = (فكرة الله وإرادته شيء واحد) والفكرة هي الوعي (وعي الوعي كموضوع لذاته) والوعي هو العقل. (ص 70). التاريخ الكوني يتم في الروح باعتبارها مادته ومجراه، والكوني يتضمن الطبيعة الفيزيقية والطبيعة السيكولوجية. وما يجمع الطبيعتين هو الوعي الذي ينطوي بدوره في الروح. والروح المفكرة هي العقل.
ــ من أهم خصائص الروح الحرية. إذا كان جوهر المادة هو الجاذبية فإن جوهر الروح هو الحرية. هذه الأخيرة هي الحقيقة الوحيدة للروح. تتجلى لنا حين تفكر الروح في روحها وتدركها كموضوع (ص 77)، أي تتحول الروح إلى " شيء في ذاته" (en soi)، منسلخة من "الشيء لأجل ذاته". الجدل هو الذي يُفسر لنا هذا الانتقال (تفاعل الشيء مع نفسه وانبثاق التركيب من نفي النفي).
من تجليات الروح الظاهراتية الشعوب. وروح الشعب (Volksgeist) هي أخلاقه وقوانينه، وتقاليده ودينه.. الأبطال هم من يُجسد هذه الروح ويرفعونها إلى مقامها الكوني. لكن "مكر التاريخ" يتخلى عن الأفراد حتى ولو كانوا أبطالا ليحفظ روح الشعب الذي يتضمن خائليا في ذاته كل الصيرورة التاريخية.
نهاية التاريخ أو غايته هي تحقيق الإنسان الكلي، عمل الإنسانية برمتها في التاريخ الكوني، وهذه هي الحرية. "إن التاريخ الكوني هو التقدم نحو الوعي بالحرية وبضرورتها" و"الحرية هي اختفاء البؤس والشقاء، وتصالح الذات مع العالم حين يصبح منبعا للإشباع والتعرف على الذات واختفاء كل تناقض وتعارض".
الشرقيون (نمط الإنتاج الأسيوي) حسب هيجل لا يعرفون معنى الحرية ؛ مجسدة في الروح وبما أنهم لا يعرفونها فهم ليسوا أحرارا. كان من بينهم رجل واحد هو الحر هو رجل الجبال الجبار. وإن ظهرت الحرية لدى اليونان كوعي فإنها كانت تهم مجموعة من الناس فقط. وهذا ما يفسروجود العبودية في تلك الديمقراطية اليونانية. الذين سيعرفون قيمة الإنسانية كوعي حر هم الجرمان عن طريق المسيحية. هم الذين أدركوا أن الإنسان حر لأنه إنسان وهذا الإدراك كان ثمرة لتربية مضنية ساهمت فيها الروح الجرمانية بكل ما أوتيت  من حكمة وشعر وأنوار.
إن موت روح شعب ما ينبع من ضعف ونقص سياسي، عادة ما نسميه العادة. وهذه الأخيرة فعل لا يلاقي معارضة. ولا نشعر فيه بعمق ولا بامتلاء، إنها وجود خارجي أمبريقي لا ينجذب بعمق الأحداث. إنها رتابة وضجر. لا جديد فيها تحت شمس العادة.
ما هي العناية النهائية التي تتغياها الإنسانية ؟ (" 95، هيجل) وتتبعها الروح في العالم مرفوعة بقوة لا نهائية مطلقة ؟ إنها الروح نفسها ولا شيء غير وعي ذاتها، هناك هوة ساحقة بين أغراض وأهداف الروح الشعبية وبين هذه الغاية القصوى. لكن الروح تتجاوز هذه الهوة بامتلاكها للعالم عبر وعيها بموضوعية أو بتحوله إلى مفهوم موضوعي. وحين تتلائم الموضوعية بالضرورة الداخلية تبرز الحرية.
« L’esprit doit donc parvenir au savoir de ce qu’il est vraiment et objectiver à savoir, le transformer en un monde réel et se produire lui-même objectivement » (p. 96).
هكذا فالتاريخ الكوني هو تمظهر للسيرورة الإلهية للروح في أعلى مراتبها : هذه المراتب هي أخلاق الشعوب وثقافتها وفنها ودينها وعلمها... كل هذا العقل حين يركب في أعلى عُلاه يعطينا الفكرة، فكرة الله والخير.
الوسائل التي تحقق هذه الغاية القصوى حسب هيجل هي:
ــ الأفعال الإنسانية كما تظهر لنا في حاجات الناس وأهوائهم واهتماماتهم. إن الناس لا يفعلون الخير أو قلة هي من تنذر نفسها لذلك، أما عامة الناس فتحركها أهواؤهم وإشباعها، وحب الذات أوما يجمله هيجل في الأهواء (passions). حين نتأمل هذه الأهواء ندرك حجم الشر والظلم والحُطمة في العالم. لكن بهذه الأهواء تتحقق المطالب والمبتغيات والأطماح (؟) يجب أن نهتم، ثم نرغب ثم نشبع، ثم نقرر طبيعة الفعل هل هو عمل مباشر أم تأمل غير مباشر. هذا الأخير هو الفكرة ذاتها والأهواء هي الأيادي العاملة أي الوسائل وما يجمعها هو "الحرية والأخلاق" (ص 106).
حديث هيجل هذا هو (ربما) ما سيسميه فوكوياما بالحديث عن الإيطوس (caractère) والباطوس (passion)، هذان المفهومان لا يمكنهما أن يحققا الروح إلا بمفهوم سياسي آخر هو "الدولة". لأن هذه الأخيرة هي ما يحقق المطلق والكوني بجمع الفردي والخاص في الكوني والعام. الجمع هو العقل الموحد للتاريخ الكوني. إن الفرد الذي يسعى (قيصر مثلا) إلى تحقيق هدفه الخاص، يحقق بالتالي الهدف الكوني المطلق، فهو من الأبطال.. والأبطال في فعلهم هذا يسقطون كالقشور أمام المطلق، وهم غير واعين ببعدهم اللانهائي هذا. إنه مكر التاريخ كوسيلة من وسائل التحقق الكوني للتاريخ (ص 106). الأبطال أو الرجال العظام هم لحظة في تطور الفكرة وإن لم يدركوا ذلك لأنهم رجال عمل وفعل وليسوا فلاسفة. فهم يشعرون بروح العالم ويريدون تحقيقها كما فعل الأسكندر أو القيصر أو نابليون (ص 124)، لم يكونوا سعداء لكنهم حققوا المفهوم. إن أهواء وميولات هؤلاء العظماء هي التي تحقق المطلق. الهوى لديهم هو الفكرة هو العقل (ص 125) ومكر العقل يقول هيجل هو " أنه يترك الأهواء تلعب دوره؛ فإن كان هناك من ضياع لا يمس العقل ولا مكره "(ص 129).
وأيضا من الوسائل المحققة لمفهوم الروح المسؤولية. من مسؤولية الإنسان أن يعرف الخير والشر وأن يتحمل مسؤوليته في الاختيار، لأنه كائن حر عاقل متخلق.
ما هي المواد المختلفة لتحقيق المفهوم؟ إنها الدولة ودولة الحق والدين والأوجه المختلفة للحياة الشعبية..
فقط في الدولة يعيش الإنسان حياة متوافقة مع العقل (ص 136) وعلى التربية أن تموضع الإنسان وتخرجه من ذاتيته إلى إطار الدولة. لأن حقيقة الإرادة الفردية والإرادة العامة تتجلى فيما هو كوني أي في القوانين التي تحكم الدولة. "الدولة هي الفكرة كما توجد فوق الأرض " (ص 137)، إنها " روح الشعب ".
ابد من الإشارة إلى طبيعة الدول نظرا للأخطاء وسوء التفاهم الممكن بهذا الصدد خاصة بالنظر إلى نهاية التاريخ. هيجل يدافع عن الدولة باعتبارها تجسيدا للحرية. وبالتالي يرفُض كل التصورات غير المؤسسة كتلك التي تتحدث عن حالة الطبيعة (état de nature) (ص 141).
هذه الأخيرة هي حالة الظّلم والجور وليست حالة الحق الطبيعي أو الحرية. وتلك التي تشير إلى السلطة البطريركية إلى سلطة العائلة المحكومة من طرف الأب (الباطريارك) وأخلاق العائلة.
مقابل ذلك يدعو هيجل إلى دولة الحق التي لا تتأسس على حالة التوحش ولا تتأسس على الحب والقـرابة إنها تـلك التي تتأسس على الوعـي والإرادة والمعرفة (ص 145). أي على القانون والحق اللحظة العقلانية هي تجسيد الدولة الحق (نفسه).
- قوة هذه الدولة من قوة ما ميز شعبها وقوة الشعب المميزة هي النظام الحقوقي، والحقوق المدنية والصناعة والعمل والفنون وكلن أساس الدين. الفن العلم الصناعة الشجاعة والدين هي تجليات كبرى لروح المطلق وليس فقط "للروح القدس". " دين شعب ما، هو وعيه لما هو كائن ؛ لما هو سامٍ في الوجود" "ص150). هذا الوعي هو جوهر ما هو كوني. هو الله، الله كروح مفارقة لما هو طبيعي.
طبعا هيجل يدافع... هنا عن المسيحية، ويعتبر أن الحقيقة الدينية هي وحدة الذاتي والموضوعي (المسيح ابن الله)، كما يعتبر أن الروح في الديانتين اليهودية والإسلامية روح فارغة (هكذا !).. (ص 152) تبدو متأثرة في نظره بالأفكار التركية (!).
يتبع


* - E. KANT : Idée d’une histoire d’un point de vue cosmopolite, in. « http://fr. Wikipedia. org/w/index. php?
* - E. KANT : La fin de toutes choses. Tr. Françoise Prnst. Flammarion. Textes, 1994.
* - HEGEL : la raison dans l’histoire introduction à la philosophie de l’histoire, tr. Kostas papairannou, 10/18. 1965.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق