رشيد درويش يكتب: الرؤيا الكاشفة في شعر محمد السرغيني





رافق محمد السرغيني عملية تحديث القصيدة المغربية، ورافقها في كل مراحلها التطورية، موجها ومساهما في هذا التحديث، نقدا وابداعا، وتعد ثروته/وثورته الشعرية مجالا خصبا للتجريب والخلق الفني، كما تجسد القصيدة عند محمد السرغيني مشتلا للرؤيا الكاشفة، وتتبع الرؤيا الشعرية عنده تتطلب الاستعانة بمراجع الحضارة  والمعرفة الانسانية، بحكم أن الشاعر أسكن قصيدته كل أنواع المعرفة البشرية حتى أنه  وكما يقول " نجيب العوفي " يبقى " الاقتراب من محمد السرغيني هو اقتراب من فكر متعدد ومتجدد، كما هو اقتراب مباشر من مشهدنا الابداعي والثقافي، على امتداد خمسة عقود كاملة وحافلة من الزمان " ويمكن تحديد هذه المراجع في الآتي: المعجم الفلسفي، المعجم الصوفي، والمعجم التراثي سواء الشعري أو التاريخي/ الديني. 
فالشاعر متح من منابع المعرفة، وتشبع بالأفق الإبداعي الخلاق، جامعا بين ثقافة الشرق والغرب، فقد درس في فرنسا والعراق، مما ولّد هذا التقاطع المعرفي في القصيدة " السرغينية " عبر شحن الجملة الشعرية بأفق رؤيوي يغلب عليه طابع الغموض واللبس، هذا الغموض يجعل الحكم على طبيعة المضمون في الخطاب الشعري عنده صعبا، في غياب ثقافة حضارية وتاريخية شاملة.
شعر محمد السرغيني شعر رؤيوي بامتياز، وعليه ينطبق قول أدونيس: " لعل ما نعرف به الشعر الجديد هو كونه رؤيا "، حيث نجد الرؤيا الكاشفة لأعماق الذات المبدعة، حاضرة في كثير من دواوين وقصائد الشاعر، وفعل " رأى " المقرون بتاء المخاطب نجده يؤثث فضاء القصيدة عند الشاعر، متجاوزا بذلك إمكانية الادراك الكائنة عند بقية الناس، وتخطيها لحواجز الموجودات، وتجاوزها للحواس الموزعة بعدل بين البشر، ليتجاوز السرغيني هذا الادراك السائد عند الناس إلى الادراك أو الرؤيا الباطنية الكاشفة، يقول في قصيدة " بردها وسلامها ":
شبحا رأيت علامة الماء  
ورأيت أن مشيمة الصلصال فارغة. خلاصة ما يعاف الطير
    ....
في أسمائها وبعض دم الغزال. قراءة ممكنة
إذا اختفت الفراسة في الثمالة. غير الماء استعارته وعاشرها
معاشرة الكفيف لسرعة الصوت. استراح وما استراح
قرح تكلس في عضام الحائط الصوتي/ سن اليأس أحوج ما
يكون إلى الطفولة
ورأيت شيئا لا يقال

إن كثافة  المدلولات، وشساعة المساحة التي حازها الفعل " رأيت " وهو فعل ماض نابع من الحواس الباطنية في لحظة يتجاوز فيها محمد السرغيني رؤية الإنسان العادي ـ رؤية العين المجردة ـ إلى الرؤيا الباطنية، يقول الدكتور بن عمارة: " وعندنا أن استعمال الاشتقاق في زمن الماضي، ينسجم مع مفهوم الصوفية للرؤيا، فهي مشاهدة قلبية مرت وانتهت، وتركت أثرها في نفس الصوفي الذي يبقى في شوق الى استعادة تجربتها، معبرا عن شوقه بمحاولة التذكر والاسترجاع " وهذا ما يبوح به المقطع الشعري أعلاه، بحيث نجد في الرؤيا " السرغينية " حركية ارتدادية تنتقل من رؤيا التجسيد إلى " رأيت شبحا " إلى رؤيا العجز عن التفسير، " رأيت شيئا لا يقال "، سواء كان هذا العجز في اللغة التي لم تستطيع التعبير عن هذا الرؤيا، أو عجز الشاعر أمام هول المرئي، فالشاعر يصرح بعدم استطاعة القول/ اللغة، على احتواء المدلول/المرئي، إنه عجز الذات الشاعرة أمام عالم متكلس/ متحجر، فاق في  تكلسه وتحجره إمكانات اللغة التعبيرية، وهذا العجز أو هذا القول الشعري " رأيت شيئا لا يقال" هذه العبارة تتناص بشكل دقيق للغاية مع عبارة شهيرة للصوفي  " محمد عبد الجبار النفيري ": " كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة " فأي لغة وأي تعبير يليق بهذا البوح؟ إنه عذاب الرؤيا وضيقها، وجبروت المرئي وهو له وهو الذي أفحم الشاعر أمام اللغة ومنعه من القول، وهو الشاعر الذي يعيش في هذا الزمن المعدني، الحافل بالتناقضات، إنه عذاب الرؤيا وجلال فيوضتها الصوفية.
إن القصيدة عند محمد السرغيني رؤيا، والرؤيا عنده تتجاوز العالم الحسي إلى العالم الباطني والماورائي، عبر تشغيل الحواس الباطنية، يقول في نفس القصيدة :

شبحا رأيت علامة الماء
ورأيت في دمها الكتابة كالتوابل للحواس، وسيلة التقدير
للموروث، فاخترت الإمارة للأمير.

تتجسد هنا الرؤيا " السرغينية " في تجاوز دور الحواس البيولوجي، إلى دور استكشافي عبر اختراق الأفق الممكن والغوص في باطن الأشياء، إنها تأكيد على كونها خلق وتجاوز، فكيف يرى الإنسان ما بداخل الدم؟ يقول في قصيدة " الحارس والمقبرة ":

ورأيت أسرابا من القيمرون عابرة مزججة الحواجب والعيون
تخفي زعانفها شروط تدرن الرئتين: وعثاء الرحيل
ودلالة الأسماء في الجسد.

يتجاوز السرغيني في هذا المقطع أسماء الأعلام باعتبارها رموز معرفية ممكن ومتاحة للجميع، ليصل إلى دلالتها العميقة ليس تلك الدلالة المحددة بين الدال والمدلول والتي سبق أن عرفها اللساني السويسري " دي سوسير" بكونها علاقة اعتباطية تجمع بين الدال والمدلول، فالسرغيني يعمل على إفراغ اللغة من معناها المتداول ليعيد شحنها بمدلولات جديدة تعبر عن عمق الهوة الكائنة بين الرؤيا القادرة على اختراق المستويات الثلاث  للزمن ( الماضي، والحاضر، والمستقبل )، وبين الرؤية المقتصرة على العين / الحواس.
ويبقى أن نشير بحذر شديد إلى أن القصيدة عند محمد السرغيني هي قلق رؤيوي، تمزج بين المحلي والعالمي، ما أعطى لقصيدته العالمَة تفردا في المنظومة الشعرية العربية المعاصرة بصفة عامة والمغربية على وجه التحديد، والرؤيا الشعرية عنده تجاوز مستمر لأفق  وخلق للمعنى، عبر تشكيل اللغة في سياق دلالي جديد، يحبل بالحلول العرفاني للعالم في ذات الشاعر، وهو الشاعر الذي يتلذذ بعذاب المتلقي، يقول في رسالة له بعثها إلى محمد على الرباوي، وقد أوردها محمد الديهاجي في كتابه: " حداثة النص الشعري قراءة في شعرية المضايق " يقول محمد السرغيني: " وإن زرت فاس فزرني وعندها سأعذبك بما أكتب الآن ".
نستطيع أن نقول في ختام هذه المحاولة النقدية، أن محمد السرغيني اختار أفق الخلق الفني والشعري متجاوزا برؤياه نمطية الإبداع العربي، عبر تفجير العبارة الصوفية الخلاقة، معلنا بذلك أن رؤيته الشعرية هي تجاوز النمط والقفز على العرف الشعري العربي سواء منه القديم أو الجديد، فشكل القصيدة عنده  لا يقف عند قالب معين، بل نجد الشاعر وفي مسيرته الابداعية الحبلى، قد بدأ رومنسيا ثم انتقل إلى قصيدة التفعيلة بشكلها المعروف، وفي ديوانه من فعل هذا بجماجمكم إلى ديوانه " فوق الأنقاض تحت الأنقاض " وباقي الدواين الحديثة، اختار لها شكلا أقرب إلى شكل القصة القصيرة جدا ، والتي اخترنا تسميتها ب قصيدة " الشذرة "، والتي ألزمها السرغيني بالتحليق في سماء الإنسان وتحولاته الفكرية والرؤيوية.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق