فاطمة أنجار تكتب: بدون انتماء



كأنه في سجن شفاف أو صندوق زجاجي.. لا يكاد يسمع شيئا رغم كل الصخب الذي يملأ العالم.. عيناه لا تكف تركز في الفراغ، يرى كل شيئ ولا يرى شيئا.. يحاول أن يفهم ما الذي حدث فجأة،
كيف سقط من الذروة الى الصفر!
تلك التفاصيل الصغيرة لم تعد تستهويه!
وكيف غذا صعبا عليه أن يتمنى!
كانت حياته تمضي و كل يوم يمر فيها ينحت فيه شيئا صغيرا..
تنحت فيه الأيام وتنحت.. ثم بعد بضع مائة شهر وجد نفسه مجرد كتلة لحم يملأها قلب أجوف فارغ إلا من الخيبات والغصات والألم..
وتلك الوخزات بين صدره والشفة يحسها كل لحظة يعود فيها لدواخله. صار مجردا من كل شيئا، حتى الأفكار غادرته تباعا.. فقد كل انتماء.. صار لقيطا وحيدا لا يربطه بالحياة غير الهواء الذي يسري فيه. هو ينام ويسيقظ ويعمل ويعيش لكن بإرادته فقط، وليس بمحظ رغبته..
هو يعيش ليس لأنه يرغب بذالك، لكن ليقنع نفسه بأنه ليس بهذا الجبن والضعف ليترك الحياة تهزمه. أن تتنازل عن حياة لا تعجبك و تنسحب منها شجاعة..
"كان يؤمن هكذا "
لكنه لا يجرؤ.. لذا غطى عن خوفه برأي نقيض ومتداول.
يود كثيرا لو يكون أكثر جرأة ويواجه الحياة ويفصل كل شريان يربطهما، لكنه ينكر ذاته.. أو ذاته تنكره. يتمسك بالحياة رغم كل الغضب والسخط الذي يعتريه على أمل أن يعود له انتماءه، أو يحصل على انتماء آخر..
كأن ينتمي لمكان معزول ليس فيه من يضطهده، أو لحجرة صماء لا حول لها على خذلانه.. أو الى أغنية لا يسأم منها مهما سمعها من مرات. كان يمكن أن ينتمى لنفسه فقط، لكن حتى نفسه تخدله وتصارعه..
كل عقود الثقة بينهما قد بطلت، وآخر من يستطيع أن يثق به هو ذاته فهي تعاكسه دوما و تخدعه. أحيانا ينادي اسمه بصوت عال حتى يحس بقليل من الانتماء لدواخله.. لعلها ترأف عليه يوما وتحتضنه.. أو ذات يوم يعتاد ببساطة الحياة بلا انتماء. لا يدري إن كان هناك في العالم من يحيا حياة طبيعية بلا انتماء..
فحتى هوية الشخص مرتبطة بمكان يمسى وطنه، فإن لم يكن له وطن يعترف به صار مجهولا ونكرة.. حتى الثقافة لو جردت من وطنها تختفي وتندثر~~ ما قيمة الشيء إذا وهو مجرد من وطنه؟
" هذه هي قداسة الانتماءات " بالنسبة له، لم يكن وطنه أرضا ليغيرها بأخرى، ولا شيئا ماديا ليحصل على عوضه.. لكنه كان روحا. وطنه كان روحا يحكمها منطق أناني جدا، فصارت هي ترغب وهو يمتنع..
حتى طغى المنطق على الروح وطرد من وطنه. وها هو الآن يتخبط في فراغات، يعيش حياته كفيلم دراماتيكي صامت..
يتأرجح بين الموت والموت، على أمل أن يجد ما بين الموتين وطنا ينتمي إليه.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق