محمود العكري يكتب: بساطة الفيزياء



الفيزياء؛ كلمة مشتقةٌ من الإغريق، ويعتبر فرعا من أهم الفروع الأساسية للعلوم التي نشأت وتطورت عن طريق دراسة الطبيعة والفلسفة. واليوم، نستطيع أن نعرف الفيزياء بأنها دراسة المادة/الطاقة والعلاقة بينهما. كما تعتبر الفيزياء من أقدم وأبسط العلوم التي تهتم أساسا بتفسير كيفية اشتغال الأشياء، ذلك اعتبارا أن المادة والطاقة الأشكال الرئيسية لكل ما هو موجود. في حين تعتبر العلوم الأخرى فروعا للفيزياء أو أنها انشقت منها لتصبح اليوم علوما مستقلة بذاتها. اتجهت حركة الفهم العقلاني للطبيعة في اليونان مع فلاسفة ما قبل سقراط، حيث أطلق على الفيلسوف طاليس أبو العلوم، وذلك بسبب رفضه تصديق تلك التفسيرات التي كانت سائدة في عصره والتي كان يعتبرها تفسيرات خارقة للطبيعة، ونقصد بذلك التفسيرات الدينية والأسطورية للظواهر الطبيعية، واضعا بذلك أهم مبدأ للعلوم يقول ' أن كل ما يحدث في الطبيعة له تفسير علمي '. هكذا غدا التفسير العلمي في العصر الإغريقي القديم هو المسيطر رغم الغرابة التي كانت محيطة به، حيث كان المجتمع آنذاك يعتقد ويؤمن بالأساطير والآلهة والمعجزات. أعلن طاليس أن الماء هو العنصر الأساسي ومصدر الحياة، ليأتي بعده ما يطلق عليه بالحكماء، حيثُ أرجع كلّ واحد منهم أصل الحياة لعنصر من العناصر الموجودة فعلا. فمثلا أنكسيماندريس اعتقد أن الأبيرون هي أصل الأشياء، في حين اقترح هيراقليطس أن القانون الأساسي الوحيد الذي يحكم الكون هو مبدأ التغيير وأنه لا يوجد إطلاقا شيء يبقى في حالة الثبات، بينما اعتبر بارمنيدس أن الثبات هو الذي يحكم الكون.. هكذا تعددت النظريات، لكن الأهم من كلّ هذا هو أن تفسير ظواهر الطبيعة لم يعد مقرونا بالظواهر الخارقة للطبيعة، بل بات أساسا تفسيره من منطلق علمي محض. وخلال الفترة الكلاسيكية للإغريق، تطورت فلسفة الطبيعة/الفيزياء لتصبح مجالا مثيرا للدراسة. لتبدأ الفيزياء في وضع قوانينها والتي ستحكم الكون لمدة طويلة من الزمن، فأرسطو على سبيل المثال قام باكتشاف القوانين الطبيعية وذلك عن طريق رصد الظواهر الفيزيائية، كانت أول كتابات أرسطو عن الفيزياء والتي ستعرف فيما بعد بفيزياء أرسطو، كما سيصبح بعده منهجا الفلاسفة. حاول أرسطو عن طريق بحوثه في الفيزياء شرح الحركة والجاذبية، وكان له ايمان عميق بأن جميع المواد تتكون من الأثير أو مزيج من العناصر الأربعة: الأرض، الماء، الهواء والنار. هذه العناصر الأربعة قادرة على التشكل لتكوين جميع المواد الطبيعية وفقا لأرسطو. وبعد وفاة أرسطو، أصبحت لفيزيائه شعبية هائلة ظلت لقرون عديدة في أوروبا، حيث أنها كانت النموذج الأمثل حتى مجيء كل من غاليليو ونيوتن. للفيزياء تاريخ طويل جدا، وبدونها لم نكن لنستطيع تحقيق هذا الكم الهائل من التقدم والإزدهار، ذلك أنها ساعدتنا بطريقة كبيرة على فهم الظواهر التي كانت تعتبر غامضة لتصير معروفة ولها تفسير علمي يحيط بها من كل جانب. واليوم، هناك تقدم هائل على صعيد العلوم بمختلف مجالاته، لكن يبقى لعلم الفيزياء مكانته الخاصة والمهمة جدا في تفسير كل ما يجري داخل الطبيعة وحتى خارجها.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق