أنس زياد غريب يكتب: السحر وهوس المجتمع العربي


" السحر al magic " فن كباقي الفنون الأخرى مبني على أفكار كثيرة أصدق ما يقال عنه أنه " فن الوهم " أو " الإيحاء ". تأسس هذا الفن في القرن الثامن عشر على يد بعض المبدعين الذين راق لهم تقديم عروض لتسلية الجماهير، عبر حيل الخداع البصري واستثمار نظريات فيزيائية مجهولة للعوام، ثم إيهام المشاهدين من الأطفال والبسطاء أن تلك الفقرات الفنية، تتعلق بخرق قوانين الطبيعة، وقد روّج بعضهم أن ما يقدمونه هو عروضٌ سحرية وذلك من أجل جذب المزيد من الجماهير. اعتاد فنانو الإيحاء على تقديم مجموعة متنوعة من الفقرات التي يفاجئون بها المشاهدين، مثل: استخراج حمامة أو أرنب من الملابس ـ ألعاب ورقية غريبة ـ تقطيع أجساد بشرية وتجميعها مرة أخرى ـ إخفاء عناصر في مكان وإخراجها من مكان آخرـ تحريك أشياء عن بعد أو أشخاص منومين مغناطيسياً ضد مبدأ الجاذبية.. وقد تطورت تلك الحيل كثيراً مع تطور الوسائل التكنولوجية والمؤثرات البصرية الحديثة. وتبقى وسائل صناعة الفقرات سراً مكنوناً بين أرباب المهنة، حتى لا تفقد بريقها القائم أساسا على الغموض. يعد الفرنسي " جان يوجين روبرت هوديني (1805-1871) " رائد هذا الفن في صورته الحديثة، وكان قد عثر على كتاب قديم عنوانه ' التسالي العلمية ' فتدرب طويلاً بصورة منفردة على تلك الألعاب وطورها، قبل أن يبدأ في تقديم عروضه سنة 1840 على خشبة مسرح خاص، ليحظى بعدها بشهرة عالمية. ثم جاء بعده الأميركي " إيريك وايس (1874-1926) " وهو مجري الأصل أطلق على نفسه اسم " هاري هوديني " باعتباره امتداداً لهوديني مثله الأعلى، لكنه قام بتطوير عروضه، فصار أشهر أعلام هذا الفن. كانت معظم عروض هاري المسرحية تعتمد على التنسيق بينه وبعض مساعديه المندسين بين الجمهور، وكان هناك تعاون بينه وبين صانعي القيود والأقفال في فقرة فك القيود التي تحيط به، إضافة لاستعمال المرايا والأنفاق تحت خشبة المسرح. هاري هوديني كان صادماً لبعض الجماهير التي كانت تؤمن بما شاع في عصره من أعمال السحر وإمكانية تحضير الأرواح، وله عباره مشهورة تقول: " أنا لا أؤمن بتحضير الأرواح، ولو كان تحضير الأرواح حقيقة، لعاد هوديني إلى الحياة، وهوديني العظيم لن يعود أبدا ". ومع بداية القرن العشرين، اشتهر فنان مصري مميز جاب العالم بفقراته المميزة يدعى '" حاج علي (1892-1937) " ومن عروضه التي احتار الأطباء في تفسيرها: أكل الزجاج ـ ابتلاع المساميرـ وإخراج النار من فمه..
وكان يشرب كميّات كبيرة من الماء، ويعيد إخراجها كالنافورة من فمه، حتى وصفوه بالحاوي صاحب المعدة الغريبة.
وهو يحكي قائلاً: " لقد قمت بإقامة حيلي للمرة الأولى في الشارع، حيث قمت بابتلاع كمية وفيرة من المياه ثم إخراجها مرة أخرى من الفم، لتبدو كشكل النافورة التي تمتد من أول الشارع إلى آخره وفي أحد الأيام قام مالك المقهى بمطاردتي في الشارع، فظننت أنه يريد توبيخي ولكنه لم يفعل، بل قام بإعطائي نقوداً وطلب مني إعادة عرضي ثانية، وفي النهاية طلب مني القدوم إلى مقهاه وتسلية الزبائن ". هكذا تطور هذا الفن وصار اليوم من الفنون التي تترك العقل البشري عاجزا عن تفسيرها واصفا إياها في نفس الآن بأنها أشياء خارج نطاق الطبيعة. وللأسف الشديد، فهذا الفن لا يزال منبوذا في المجتمع العربي وغالبا ما ينظر إليه كطابو محرم شرعاً القيام به، مع العلم أنه يعتمد على خفايا وأسرار لا يعرفها سوى الممارس لهذا الفن والتي تتماشى مع كل ما هو جديد في التقنية الحديثة والعلوم المتطورة. لكن الغريب حقا، أن جلّ سكان الوطن العربي يستمتعون بالعروض الفنية التي يقوم بها فنانو السحر الغربيين، لكن حين يتعلق الأمر بشخص له هوية عربية يصير الأمر فيه نوع من التشنج ووصفه في كثير من الأحيان بأقبح النعوت!

عن The best Food

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق