مفيدة صماري تكتب: البيوتكنولوجيا: لمحة موجزة



انتهى القرن العشرون بقفزة هائلة في العلوم الكلاسيكية كالطب والكيمياء والفيزياء، وبدأ القرن الحادي والعشرين بتطبيقات علمية جديدة، يعود تأسيسها العلمي الى القرن الماضى، ولكن تألقها بدا واعدا مع بدايات القرن ال21. من أهم هذه العلوم الحديثة هو علم " البيو تكنولوجيا "حيث ورغم حداثتها استطاعت أن تحجز مكانتها في المجال العلمي لما قد تحمله من مفاجآت ساحرة في السنوات القليلة القادمة.

ماهي البيو تكنولوجيا؟

 تتمثل البيوتكنولوجيا أو التكنولوجيا الحيوية في استخدام شيء حي لصنع أو تطوير منتج مفيد.. أي أنها تعتمد بالأساس على علم الأحياء ويتم استغلالها فى مجموعة متسعة من مجالات أخرى متعددة ومختلفة.
وقد ظهرت بوادر هذا العلم في النصف الأول من القرن العشرين، على بعض التطبيقات البسيطة في مجال الزراعة، إلا أنه لم يتحوّل الى علم واسع التطبيقات الا فى النصف الثاني من القرن العشرين.

ماهي التطبيقات التى تشملها هذه التقنية؟

التقسيم الحديث لهذا العلم، يتكون من أربعة فروع ارتبطت جميعها بألوان معيّنة للدلالة عليها، وهي:

ـ التكنولوجيا الحيوية الحمراء Red Biotechnology :

ترتبط خاصة بالمجال الطبي، حيث تشمل إنتاج الأدوية والمضادات الحيوية من الكائنات الحية كما تستخدم وحدات ال"DNA " في قضايا إثبات النسب والطب الشرعي..
وتشمل أيضا العلاج الجيني المتمثل في معالجة الأمراض الوراثية بالكشف عن الجينات المتضررة وتعديلها، بالاضافة الى امكانية الحد من ظاهرة نقل الأعضاء، عن طريق زراعة أعضاء جديدة باستخدام المحتوى الوراثي للمريض.

 ـ التكنولوجيا الحيوية الخضراء:
تشمل المجال الزراعى، من تطبيقاتها إنتاج النباتات المعدلة وراثيًا عبر التحكم في أحجام وأشكال الثمار والنباتات بشكل عام، وزراعة الأنسجة، وتصنيع المبيدات الحشرية غير الكيميائية والأسمدة الحيوية، وغيرها من التطبيقات التى تركز على الزراعة، وبالتالى تؤثر بشكل هائل على أساليب تطوير صناعة الغذاء من خلال مضاعفة كميات المحاصيل واختزال الوقت اللازم للنمو.
 ـ التكنولوجيا الحيوية البيضاء White Biotechnology :

وهي من أكثر التطبيقات انتشارا، إذ تشمل المجال الصناعي.. وتتمثل في استخدام الكائنات الحية لانتاج مواد كيميائية مطلوبة في معالجة الأنسجة، والجلود، وإنتاجج البلاستيك القابل للتحلل، إضافة الى التصنيع الدوائي وإنتاج الفيتامينات.

 ـ التكنولوجيا الحيوية الزرقاء Blue Biotechnology  la biotechnologie bleue:

‏ هذا النوع  يتعامل مع عالم البحار والكائنات البحرية، وتركز على مختلف الاستخدامات التقنية في عمليات البيولوجيا والعضويات البحرية. وأهم شيء في هذا المجال هو دراسة العضويات البحرية في المحيطات.

بشكل موجز البيوتكنولوجيا تستخدم في المجالات التالية:

ü     الصناعة الكيميائية والصيدلانية.
ü     صناعة المواد الغذائية والمشروبات.
ü     صناعة معالجة مياه الصرف الصحي والقمامات والغازات الضارة.
ü     منشآت الأبحاث الطبية ودراسات العلوم الطبيعية.
ü     تطوير الأجهزة والمنشآت التقنية الحيوية وتوزيعها وإعطاء المشورة الفنية فيما يتعلق بها.

البيوتكنولوجيا سلاح ذو حدين؟

 التكنولوجيا الحيوية  تعتبر سلاح ذو حدين حيث أنه إذا تم تطبيقها على نواحي علمية مفيدة للبشرية ستنتج تقدما هائلا في المجال الصحي والغذائي والصناعي، واذا تم استخدامها لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية، فستؤدي الى خراب مميت يؤدي الى الرجوع بالبشرية قرونا الى الوراء.

البيوتكنولوجيا وتاريخها:
 
أصبحت التكنولوجيا الحيوية النسق الذي يسير عليه العالم حيث انها قامت بغزو مختلف المجالات، فاصبحت بذلك مطلبا أساسيا لمختلف مجالات العلوم بصفة خاصة, وفي المجالات الحياتية بصفة عامة. حيث يقوم هذا المجال بالأساس على استخدام التقنيات الحديثة، لتعديل الخاصيات الوراثية للكائنات الحية من أجل تحقيق أقصى استفادة منها.
تعود جذور هذا العلم  إلى القرن 19 حيث بدأ استعمالها في تخمير البيرة، ثم تطورت مناهجها ليتم استعمالها فيما بعد في التخمير الصناعي. وقد ساهم ظهور الهندسة الوراثية في جعل " البيوتكنولوجيا " تحتل المقدمة  في طليعة  العلم. اذ يعتبر " جوشوا دربيرج " الداعم الأكثر جرأة لهذا الحقل الناشئ. وفي عام 1978 ومع ظهور تركيبة الأنسولين البشري، أثبتت تطلعات " دربيرج " صحتها لتعرف بعد ذلك " البيوتكنولوجيا " الصناعية نقلة نوعية وتقدما ملحوظا.
 أهم التطبيقات والإنجازات في هذا المجال: توالت التطورات في هذا الاختصاص، ففي عام 1988 تمت الموافقة من قبل " إدارة الغذاء والأدوية الأمريكية " على أول بروتينات من خلايا معدلة وراثيا ليتم استعمالها  كأدوية، وكانت هذه نقطة التحول الكبرى في تاريخ " البيوتكنولوجيا ".
تعتبر " البيوتكنولوجيا " من أهم سمات القرن الحادي والعشرين، فقد تعددت انجازاتها وتطبيقاتها في مختلف المجالات، وخاصة فيما يتعلق بعلاج الأمراض الوراثية، إنتاج الأدوية، تحسين المنتوجات الغذائية، وحماية البيئة.
- على الصعيد الطبي:
لقد ساهمت الهندسة الوراثية في تحقيق تقدم ضخم فيما يتعلق بتشخيص الأمراض وطرق علاجها. ففي عام 1973 تمكن  بعض العلماء من عزل أول "جين"، وهو الجين المسؤول على إنتاج الأنسولين. ليتم بعد ذلك صناعة أول أنسولين بشري من البكتيريا. ثم تلاحقت بعد ذلك الإنجازات والتطبيقات الدوائية، حيث تمكن العلماء من إنتاج لقاحات مضادة لأمراض الملاريا، وداء الكلب، والالتهاب الكبدي، وغيرها من المستحضرات الطبية بالاضافة الى إنتاج عدد من الهرمونات لعلاج بعض الأمراض كمرض القزم الوراثي..كما ظهر ما يعرف بالصيدلة الحيوية، والتي تعتمد على تطوير بعض الخضروات والفواكه، كالموز والطماطم لاستخدامها كلقاحات صالحة للأكل. ومن التطبيقات الطبية أيضا استخدام الهندسة الوراثية في التحقيقات الجنائية، كما ساهم تحليل الحمض النووي في الكشف عن بعض الأمراض قبل ظهور أعراضها وخاصة مرض السرطان والإيدز.
ـ على الصعيد الزراعي
تنوعت الإنجازات وتعددت التطبيقات التي ساهمت في ازدهار المجال الزراعي, تحسين وتطوير نوعية المحاصيل والمنتجات الغذائية. فقد بدأت التطبيقات في هذا المجال سنة 1982 بعد ما  تمكن العلماء من إنتاج أول نبات " مهجن "، لتتوالى بعد ذلك الإنجازات من خلال إنتاج نباتات مقاومة للأمراض الفيروسية وللحشرات. كما استطاع العلماء إنتاج نباتات تحمل خصائص، مثل القدرة على مقاومة الحرارة والملوحة، وعمل الباحثين على تحسين القيمة الغذائية للمحاصيل وزيادة إنتاجيتها, اضافة الى تصنيع المبيدات الحيوية لمقاومة الحشرات، وإنتاج الصبغات الطبيعية ومكسبات النكهة، والطعم، والرائحة، وغيرها من المواد...
ـ على الصعيد البيئي:
مثل مختلف المجالات الاخرى تمكنت البيوتكنولوجيا أن تضع بصمتها على مستوى حماية البيئة فكان لها أثر كبير في حل مشكلة التلوث البيئي خاصة من خلال إنتاج أنواع من البكتيريا القادرة على التهام المخلفات النفطية في مياه البحر، وغيرها من الملوثات كالعناصر المشعة. كما توصل الباحثون إلى إنتاج بكتيريا محللة لفضلات مياه المجاري ورسكلة بقايا الفضلات بطريقة ذكية و آمنة.
ـ البيوتكنولوجيا عربيا:
تعددت الإنجازات التي حققتها " البيوتكنولوجيا "على الصعيد العالمي، ولكن مع الأسف الشديد لم تستطع الدول العربية منافسة الدول الاخرى أو حتى مجاراتها هذه التطورات، فحتى يومنا هذا يعد هذا المجال مهمشا ولا يلاقي اهتماما جديا في هذه الدول.
إذ أن التحدث عن هذا التخصص في المجتمعات العربية يعد  ضربا من ضروب الخيال العلمي مع العلم أن كل تقنياتها وانجازاتها واقعية بحتة في الدول المتقدمة التي تعنى بهذا المجال, إن تطبيق هذه التقنيات ممكن جدا في الدول العربية، ولكن غياب بعد النظر في سياساتها يشكل عائقا كبيرا أمام التقدم  دون التحدث عن  الاستنساخ والأسلحة البيولوجية فهي تبقى أفكارا رئيسية في افلام الخيال العلمي.
حقيقة يعتبر الاعتماد على هذا العلم بعيد المنال في مجتمعات روتينية التفكير غارقة في وحل الكسل والنمطية القابعة فيها, مجتمعات ترى نهضتها في  تبعيتها للغرب.
كما ذكر سابقا " البيوتكنولوجيا " علم متطور و تعد سلاحا ذو حدين, ذلك أن ما تقدمه " البيوتكنولوجيا " قوة هائلة، ولكن يبقى الاستفهام حول التحكم في هذه القوة, فأي يد ستتحكم في هذا العلم؟ وهل ستساهم الدول العربية في تقدم هذا العلم فقط من خلال لعب دور فأر التجارب؟

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق