ابن الحاج عزالعرب يكتب: قراءة في رسالة فان غوخ



رسالة مني إلي
حبيبتي لقد أسرفت كثيرا في سوداويتي، لقد تعايشت مع هذه الكلمات والمفاهيم حتى اكتسبت مناعة نفسية ضدهم، أنا رجل يا حبيبتي أقوى من تقتلني الكلمات وتحطمني، فلا تخافي علي، بل على العكس من ذلك فأنا أصنع حياة أخرى بالكلمات، لقد وجدت نفسي في رسالة  فانكوغ التي وجهها إلى أخيه ثيو قبل الانتحار، والتي أرسلتني إياها دون أن تعلمي أن وقعها علي كان بليغا، فوجدت كلماتها تقولني حرفا بحرف ونزفا بزف. وجدت نفسي مختبئ بينها بين سطورها، لذلك لن أوجه لك هذه الرسالة التي أكتبها أنا لنفسي فقط. لقد قرأت الرسالة يا حبيبتي أكثر من مرة فوجدتها عظيمة، عظيمة إلى حد أني ذهلت منها، وجدتها تعبر عن شيء بداخلي.
يتساءل فان كوغ في بداية الرسالة عن اتجاه الحياة " إلى أين تمضي الحياة به؟ "، وعن دور العقل؟ فيقول بأنه يؤدي بنا إلى الكآبة.. وهذا ما أجده يعبر عن حالتي والتي ألخصها في هذا الوعي الشقي الذي أحمله بداخلي، رغم أني أحمل عاهات المجتمع والعائلة وأخطاء الطبيعة، والمدرسة.
يقول فان كوغ بأنه يتعفن مللا لولا ريشته، أما أنا أتعفن مللا لولا أنت والكلمات التي أخطها الآن، أريد أن أصنع عالما جديدا على غرار ما أراده فان كوخ، فهو يصنع بريشته أما أنا فبكلماتي فهي كل ما أملكه، وحاستي السادسة في اكتشاف الألم إن كان هو يملك أصبعا سادسا ـ الريشة ـ في تصوير الأشياء على غير عادتها، والأمل الذي كالموج يذهب ويأتي في كل اللحظات..
في القلب أيضا مأساة تريد كلماتي أن تظهرها، أن تبوح بها، فمذكراتي ياحبيبتي قذرة، قذرة إلى حد النتانة والتعفن، فرائحة المأساة تفوح منها، والبؤس. دائما يسألونني: لم أنت متشائم إلى هذا الحد؟ أجيب: أنا أيضا لا أدري...اسألوا العظماء عبر التاريخ، اسألوا: شوبنهاور، نيتشه، بودلير، هيدغر،راسل، اسألوا...درويش،أمل دنقل، توماس ستيرانز اليوت.. اسألوا الفلاسفة والشعراء، اسألوا كل من حمل هم الوجود، كل من كان في قلبه قضية، كل من لم يكن الحظ  والقدر إلى جانبه، كل  من كان يعاني في صمت، كل معذبو الأرض.. ففي الألم خصوصية عظيمة لا أجدها في الأدب العاطفي اللين والرطب، فالألم يطهر الذات الإنسانية، فأنا أجد في تصوير الألم لذة عظيمة كما وجد فان كوخ الجمال في الأشياء القبيحة.
أتدري ما فعلته بي رسالة فان كوغ يا حبيبتي؟ لقد أبكتني كثيرا وأنا وحدي في غرفتي مع موسيقاي الهادئة التي تعزف على أوتار الحزن. آه، كل الأشياء العظيمة تنبع من الحزن حتى الموسيقى الجميلة ما هي إلا أحزان في شكل نغمات وليس في شكل كلمات. كيف يقرر هذا المجنون بالحياة أن ينهي حياته بنفسه وهو الذي فهم سر الحياة؟ هل فعلا يا فان كوغ لن ينتهي البؤس من العالم؟
كيف صورت (أرسولا) الشقية سعيدة تقفز بابتهاج، أما أنا فأقول لك عقلك الشقي هو الذي خلق لك كل هذه الأفكار، وهذه السحابة من الأحزان التي تحيط بك؟ إلى حد أوصلك الآمر إلى الانتحار؟ هل فعلا كل من يحمل عقلا يحمل هما؟ هل فعلا كلما ارتفعت درجة العقل ارتفعت درجة المعاناة؟
ماذا قصدت بالربيع؟ لم غادرت باكرا في أوج اشتعالك؟ فعلا يا فان كوخ" كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقا بها [الحياة]."
كتبت هذه الكلمات في منتصف الليل وأنا غارق في التأمل والتأسف على حياة هذا العظيم، فعلا أحسست بشيء تحرك داخلي، حقا العقل ينتج الكآبة.... 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق