محمود العكري يكتب: مأساة معلمة



حلمها أن تكونَ هناك، مكانَ ذلك المستبد الذي لم يتعبْ بعدُ من مهمةِ الضرب بالعصى على مؤخرات أطفال لم تتعدى أعمارهم السابعة بعدُ! كبرت هناكَ وسطَ الجبال والغابات الموحشة المخيفة، كانَ عيباً أن تذهبَ الفتاةُ للمدرسة، مكانها البيت ومهمتها الطبخ في إنتظار الزوج.. وسطَ كلّ المضادات وقفتْ سداً منيعاً، هدفها تحقيقُ أحلامها؛ بماذا؟ عن طريق العقل الذي وهبهُ الله لها، لم تعرفْ بعد أنها عورةً ولا ناقصة عقلٍ ودين.. لا تزال صغيرة على هذه المفاهيم المقدمة. وحجتها في ذلك: تُريد تغييرَ شيء ما، تحلمُ بالأفضل، تطمحُ للأجمل.. هكذا، التقينا أول مرةٍ بالجامعة.. حكتْ لي كلّ ذلك الواقع الذي يجمعنا، كلانا قادمٌ من عمقِ الجبال، لا ماء ولا ضوء، لا صحة ولا معدات، لا شيء من أبسطِ مقوماتِ الحياةِ هناكَ موجودٌ. لربما كانَ يجمعنا أيضا نفس الحلم: أن نصبحَ معلمين أيضا وأن تعود للجبال التي أتينا منها والتي ستكون قد تغيرت بفعل الزمن لنضفي عليها لمستنا عن طريق كلّ التجارب الحياتية والمحطات التي مررنا عبرها! لم نكنْ نطمح لحملِ العصى معاقبةً للأطفال المهمشين الصغار، ظروفهم أقوى من أن تُحكى، فكيفَ لنا ونحن الذين مررنا من هناكَ أن نفكر في الزيادة من معاناتهم! كنا مقربين لبعضنا بشكلٍ غريب جداً؛ كنتُ الكافر؛ كانت المؤمنة.. أولُ من تجرأ على إهدائي هدية في حياتي كانت هي؛ هديتها كانت ' القرآن ' و ' تفسيره ' ! زاد حبي لها بشكلٍ عفويّ، والسبب أنها المحجبة الوحيدة التي كانت تجري ورائي أيامها في الجامعة.. تقول : ' أنت صريح، تقول ما تفعل، تفعل ما تقول.. لا تهمني ديانتك، يهمني الإنسان داخلك؛ لقد أثرّ فيّ أول لقاءٍ لنا حيثُ لم تستطع رفعَ عينيكَ نحوي حتى! أيّ ملاكٍ أنت يا محمود ' 2015 افترقنا، أخذ كلّ منا طريقه لكنّ الحبّ الذي كانت تطلقُ عليهِ ' حبا في الله ' ظلّ يجمعنا.. كانت بالنسبة لها تلك السنة هي الحاسمة في مسيرة حياتها، إما أن تنجحَ في مباراة التعليم لتصبح معلمة وتحقق حلمها وإما أن تخضع لسلطةِ عائلتها وتتجوز رجلا لا تعرفُ عنهُ شيئا. لسوء الحظ؛ كانَ ذلك طموحيَ أيضاً.. لكن قرارات الحكومة الجديدة المتعلقة بالتعليم كانت مجحفةً جداً ولم أتردد في رفضي لها.. لعلي كنتُ الوحيدَ الذي رفض وظل يصرخ وهذا زاد من تقويةِ عزيمتي وإصراري. اتصلت بي بعدَ مدة : ' محمود، لقد تمَ قبولي في مباراة التعليم، صرتُ معلمة ' قمتُ بتهنئتها، هي تدري موقفي من تلك القضية جيداً، لكني أحترم رأيها وما أقدره أكثر هو وضعها وحلمها.. ثمّ انقطعَ الإتصال بيننا، لم أعد أعلمُ شيئاً عنها سوى أنها صارت معلمةً وقد حققت هدفها. أين هي؟ لا يهم؛ ماذا تفعل هو المهم! اليومَ فاجئتني برسالتها، كنتُ فرحاً أيضاً بسماع أخبارها، والمهم من كلّ هذا أنها لا تزالُ حية داخل هذا الوطن.. لكن، سرعان ما انفعلت لتقول الحقيقة: ' محمود، صحيح أني كنتُ أطمح لأكون معلمة، لكن واقع الأمر الذي وجدته أمامي صورتهُ أقبحُ من أنْ تروى أو تحكى حتى لكبار السنّ ' كانت في متنهى الحزن، منتهى الغضب، منتهى كلّ الإنتهاءات الفضفاضة! سألتها عن السبب، فقالت: ' المدرسة في قمة الجبل، فيها أربع غرف، إثنان للتعليم وواحدةٌ لي لأبيت فيها والأخرى لأستاذة مثلي تبيتُ فيها، لا ضوء ولا ماء، حتى الأكل يجب أن أذهب كلّ أسبوع لمدة ثلاث ساعات لكي أشتريه من أقرب سوق أسبوعي موجودٍ هنا، أخذت أمي معي لأنني خائفةٌ جداً، لم أعد أتحمل هذا ' فهمتُ كلّ ألم تلكَ الكلمات الحقيقية، كم هو صعبٌ أن تحلم! ثم أكملت : ' في البداية كنتُ أنام على طقطوقات لم أكن أعرف ما مصدرها ' عرفتُ مصدرها، إنها طقطوقاتٌ جبلية لإنتاج الحشيش. ' لكني عرفتُ من بعد أنهم هنا يتاجرون في الحشيش وتلك الأصوات مصدرها هم، كما أنّ أحدهم قد أمسك يدي بالقوة طالبا مني رقم هاتفي.. الواقع مأساوي جداً هنا ويا ليت حلمي كانَ شيئا غيرَ هذا ' أجبتها بصوتٍ متردد : ' من رضى بالذل شعاراً سيعيشُ فيهِ حتماً أبداَ ' مرّ الوقتُ سريعاً، ست سنين في الإبتدائية بعدها ثلاث في الإعدادية وثلاث مثلها في الثانوية وبعدها أربعٌ في الجامعة لتتخرجَ وتصبحَ معلما.. يتحققُ أخيراً حلمك! لكن هل تغيرَ شيءٌ ما؟ حتما نعم؛ كنتِ تلميذة؛ اليوم أنتِ معلمة !

عن The best Food

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق