محمود العكري يكتب: لعنات السلام



يعيشُ الإنسان على هذه الأرض منذ آلاف السنين وفي كل هذه السنين لم يخلو العالم من الحروب سواء كانت إقتصادية إجتماعية دينية طائفية إلى غير ذلك، ثم نقول ببلاهة إننا نسير نحو بناء مجتمع متحضر! 
أي مجتمع هذا الذي لديه قابلية الإستعداد للحرب أكثر من أي شيء آخر! 
دمار شامل، يأس، أزمات نفسية، قتلى، مشردين، فقراء وأغنياء، شيوعيين، مسيحيين، إسلاميين، هندوسيين، بوذيين.. شتى الطوائف مستعدة للحرب لكي تأكد شيئا واحدا فقط: أنها هي الحقيقة. 
لكن متى كانت الحقيقة مبينة على العنف والصراع والتدمير؟ 
في مجتمعنا المعاصر صارت اليوم تتردد كلمة " السلام " كثيرا، وربما هذا الإستعداد للسلام أيضا يوجب وجود الحرب. 
ما الذي وصلنا إليه في نهاية المطاف عبر كل هذه التجارب القاسية؟
ربما الشيء الأكيد هو أننا استطعنا بناء إنسان عاجز على أن يكون إنسانا.. وهذا راجع إلى فشل الأنظمة العالمية اليوم التي تقود العالم نحو مصيره المحتوم، نحو النهاية، كل نظام عالمي يحاول السيطرة على الآخر ويحاول إقناعه بأن إديولوجيته هي الحق لا غير. 
لكن هذا يزيد من شدة الخناق بين رؤساء هذا العالم السوداوي ويزيد بالتالي من المساهمة في بناء إنسانية عدوانية لا غير والهدف هو الإستحواذ، الأنانية، الجشع، الحقد، ومزيدا من كراهية الآخر المختلف! 
ثم نأتي ونقول: من أين خرج لنا هذا الأمر؟ 
في حقيقة الأمر لم يخرج من أي مكان، بل خرج منا ونحن من نتحمل مسؤولية ظهوره. 
فالدول سواء كانت فقيرة أو غنية تسعى دائما للعتاد والحصول على القدر الممكن من الأسلحة! 
والسبب هو حب السيطرة بالقوة على الإنسان وحرمانه من حريته الفطرية التي خلق رفقتها.. 
نولد أحرارا، لكن لا نلبث كثيرا حتى نصير ذلك الإنسان الفتاك، سواء تعلق الأمر بالفكر أو بالقوة، النتيجة واحدة: أن نسيطر على زمام الأمور. 
ما سمعنا لحد اليوم ورغم كل تجارب المأساة التي مرت منها البشرية على مدى قرون ولو بدولة واحدة سعت للسهر والمناداة بالسلم، في حين أن الإستعداد للحروب كانت ولا تزال من بين أول المسائل التي تشغل كل الحكومات العالمية، فهل هذا حقا ما يريده الإنسان؟ 
إننا اليوم نفقد الأمان والراحة النفسية والحصول على التوازن حتى في حياتنا البسيطة العادية التي نحيا داخلها، ونتساءل ما السبب! من أين أتى عدم الأمان هذا! 
إنها مسائل جد معقدة لأننا لسنا طرفا فيها ولكننا مشاركون في اللعبة بطريقة ما، تواجدنا في هذه الحياة كفيل بأن يشحن عدوانيتنا ويزيد من حقدنا للآخر الذي هو نحن في نهاية الأمر وهذا بسبب واحد: الجميع يريد فرض إيديولوجيته على الجميع، والجميع يرى أن الجميع لا شيء، إننا في حقيقة الأمر لا شيء، وهذه ربما هي الطامة العظمى في عالمنا المعاصر، نولد لنكبر بطريقتهم فنصير مثلهم ولا نقف لحظة تأمل واحدة نسأل فيها: هل نحن هم هؤلاء؟ 
لقد إستحوذنا على الطبيعة، على التكنولوجيا، على الإقتصاد، على كل المنظومات.. لكننا لم نستطع أبدا أن نتحكم في غرائزنا الحيوانية وفي حبنا للسيطرة، وعلى ماذا؟ على الإنسان. 
لقد صرنا نعيش في عالم عبثي نرى فيه آلاف الموتى كل يوم والسبب هو الحرب اللعينة التي تخاض في الخفاء، والتي يترأسها حكام وملاك هذا الكون، بيد أننا لا ننفي أننا خارج تيار مجرى هذه التفاهة، إننا فيها ومنها ولها وإليها.
 فيها نصرخ صرختنا الأولى، ومنها نحاول بناء ذواتنا على أذواق مريضة، ولها نعد بالمضي قدما مع كل ما هو كائن، ولكن نهاية اللعبة أننا لا نعي أن الأرض التي منها جئنا إليها سنعود. 
غير آبهين بأن جوهر الحياة ليس هكذا أبدا، إن الحياة تتطلب التغيير المستمر، تغييرنا نحن، تعويضنا بإنسانية لها أفق آخر غير الذي نطمح له، أفق ينحو نحو الحب والعطاء لا نحو النبذ والكراهية التي علمنا ولا زلنا نتعلم كل يوم درس من دروسها.
لكن كيف لفاقد الشيء أن يعطي الحب؟ أن يبدي رغبته للسلام، لتغيير أفق نظرتنا ووعينا إتجاه العالم الذي لا يوجد فيه غيرنا. 
نعيش كل يوم على أمل لن يتأتى إلا بالتصادم والتشاحن ولا يبالي أحد لمصير جمالية هذا الكون الفسيح الجليل، لا أحد، ربما لأننا لم نعد أطفالا ولا نستطيع العودة للحظة البراءة الأولى، لأنها السبيل الوحيد الذي من خلاله نستطيع رفض كل هذا الدمار الذي يخلقه حاضرنا الآني الذي لا آن له.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق