ادريس كثير يكتب: شبح النهايات 2


الدولة تتأسس على الدين (154)، يقصد بها هيجل تمثيل الدولة للدين ورجاله وإلا بقي في المستويات السابقة على دولة الحق. " عندما نقول الدولة تتأسس على الدين، وأنها تمد جذورها فيه، فإننا نريد القول أنها تخرج منه (ص 154) وترتفع عنه.. فمبادئ دولة الحق هي بعد ذلك مبادئ صالحة في ذاتها ولذاتها (ص 154). " الدولة هي إذن كل عفوي لكن في طبيعة أخلاقية"* (ص 164).
يسير التاريخ نحو الأفضل إنه تاريخ يتقدم في التغير والتطور والتحول تسعى الروح إلى الكمال. التغير حركة دائرية، تكرار لنفس الشيء، حلقات تدور وداخلها يتم التغير.
- الأولى هي مرحلة المباشرية التي تصادف انغماس الروح في الطبيعة.
- والثانية مرحلة خروج الروح من حالتها الأولى اكتسابها الوعي بحريتها، لكنه وعي غير تام لأنه ما زال متأثرا بمباشريته للطبيعة رغم انسلاخه عنها، الثانية ترتفع فيها الروح إلى الحرية الخالصة الكونية (حيث يكون الإنسان حرا كإنسان).
هذه المراحل يجسدها هيجل في الحضارات الأربعة ويشبهها بالإنسان. اللحظة الأولى تشبه روح الطفل (ص 185) حيث تكون الروح متحدة مع الطبيعة – إنها لحظة الحضارة الشرقية اللحظة الثانية ترتبط بالعالم الإغريقي واستقلال الروح عن الطبيعة وبروز الحرية غير الكاملة من جهة وبالعالم الروماني حالة رجولة الروح ونضجها في شكل كروي هو الدولة من جهة أخرى – وهي اللحظة الثانية. أما الرابعة فيجسدها العالم الجرماني أو العالم المسيحي، إنها لحظة شيخوخة الروح، حين تنطفئ الروح في مفهومها. فتتحقق النهاية بمعنييها : الغاية والتمام.
لا يهتم هيجل بالمرحلة البدائية أو حالة الطبيعة كما لا يهتم بما قبل التاريخ، التاريخ يبدأ لديه لما يدخل العقل في العالم. في شكل وعي وإرادة وفعل (ص 191). التاريخ يؤلف بين الجانب الذاتي والجانب الموضوعي في شكل سرد وأحداث. ولا أهمية لهذا السرد ولا لهذه الأحداث بدون دولة (ص 196). ولا يمكن لهذه الأخيرة أن تتأسس على المقولات الشكلية كالأخلاق والعبقرية والشعر... مطروقة بهذه الصيغة العامة الفارغة. يجب أن تُجمع في مفهوم الثقافة وأن تعتبر عن خصوصية شعب وتتأملها الفلسفة بعين المفهوم. لروح الشعب نهاية وغاية نهائية، لا يمكن لروح شعب ما أن تبرز أكثر من مرة في التاريخ (ص 211/212). هذه نهايتها، أما غايتها فهي أن تتموضع تلك الروح وتدرك ذاتها. أي أن تمنح ذاتها وعي المطلق (ص 213).
التاريخ – هو أيضا – عند هيجل، الجغرافيا، مأخوذة ضمن الشروط الطبيعية لتأسيس التاريخ الكوني وتجسيد طبيعة العقل والروح المطلقة.. فأعالي الجبال ليست هي السفوح والنجود وليس هي السواحل. " إذا كانت السهول والجبال تغرس الإنسان في الأرض وتقلص من حريته.. فإن البحر يدفعه إلى ما وراء هذه الحدود، ويدعوه إلى حرية لا حدود لها " (ص 228). كما يميز في العالم بين عالمين العالم القديم والعالم الجديد.. ويفصل الحديث عن مميزات وخصائص هذا العالم مقابل ذلك. " فأمريكا هي إذن بلد المستقبل حيث فيها ستظهر حِدَّة التاريخ الكوني في التنازع بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية. إنه بلد الأحلام... " عكس العالم القديم الذي قال نابليون عن جزء منه : " أوربا الهرمة هاته تضجرني "(ص 242). وهو قول ينطبق على كل العالم القديم بدءاً من إفريقيا (ص 245) إلى آسيا (ص 269)*.
جغرافية التاريخ هاته تُقدم لنا لوحة عامة عن الفكرة والمفهوم والعقل والروح والوعي. فيها رُسمت المسالك التي نهجها التاريخ الكوني : تشرق الشمس من الشرق، النور الشمسي هو الكوني أمام ذاته. يتجسد في الشمس حيث الإعجاب والنسيان اللانهائي للذات في الصفاء الناشئ ومع صعود الشمس مراقيها يتحول النظر إلى الطبيعة وإلى الذات : الروح تحاول رؤية ذاتها ووعي نفسها.. في المساء تتحول الشمس إلى نور باطني إلى وعي وهاج ذاتي. هذه الصورة أو اللوحة هي مسار التاريخ الكوني في الجغرافيا الكونية. بهذا يقول هيجل : " التاريخ الكوني يسير من الشرق غلى الغرب "(ص 280). أوربا هي النهاية وآسيا هي البداية. هناك شمسان : الخارجية تنهض من الشرق، الداخلية تنهض من الغرب.
نهوض هذه الأخيرة شكلت نهاية التاريخ في جرمانيا حسب هيجل حيث انصهرت اختلافات العالم المسيحي بالعالم العلماني (Séculier)، (ص 296) وحيث لم تعد الروح غريبة عن الدولة، وحيث نهاية الإنسان ستتحقق تارة في أمريكا وتارة أخرى في اليابان حسب ألكسندر كوجيف.


* - ص 154، إشارة ذكية إلى خطر هجوم الدين على الدولة (!).
  - ص 155، ص 159، إشارة للإسلام/ وص 182.
* - الإشارة إلى المغرب (فاس) ص 246.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق