عبلة قدوار تكتب: بقعة الدواليك 2


صباح مشرق يعمه شيء من الريح الخافت على  غير عادته  في تلك المنطقة الجبلية القاسية , التي إن هبَت ريحها فحتما يمكنها أن تقتلع أشجار المناطق السهوبية , ليهمس عبر ثقوب الجداران والأسطح ليبارك الأولاد على أول يوم دراسي لموسم جديد , حالة من الفوضى بين أفراد عائلة هارون وكأنّه العيد قد أتى .
فعائشة ولأن ّاليوم  هو أول موعد لها مع مقاعد الدراسة,  كانت قد أجّبرت والدتها أن تلّبسها ملابسها التي لم تكن جديدة فهي قد أرتديت  , لأنّها كانت لابنة عمَها التي قد التحقت بمقاعد الدراسة العام الماضي , ولأنّها ملابس مدينة عنابة ستكون ملابس ثمينة بالنسبة لأولاد القرية , وبهذا اليوم لم يبق بالبيت إلّا خديجة وهارون الذي كان يغط في نوم عميق .
خرج الأولاد وهم يركضون منتشرين كل إلى وجهته , اختار كمال ألا يترك عائشة حتى لا يتعرض لها الأولاد المشاكسون ولا تضيع طريق المدرسة ... بينما عائشة لا تزال فرحة بملابس ابنة عمها خاصة وأن أغلب الأطفال لا يرتدون ملابس جديدة فلا تنفك تتباهى به عند كل طفلة تلتقي بها , وتتشارك معهم في غبطة اليوم وهم سيلتحقون بمقاعد الدراسة, فحين وصلا عند باب المدرسة وقف جمال لجانب أخته , لم يفارقها في انتظار جرس الدخول , في هذه الأثناء ناداه صوت من بعيد .
ـ  كمال تعال إلى  هنا .
وقد كان الصوت صادرا من جمع للصبيان . لوّح لهم ثم نظر لأخته .
ـ عائشة أترين مريم ابنة الجيران هناك , ستكون معك في الصف ... اذهبي وقفي معها .
ـ إلى أين ستذهب ؟ .
ـ أصدقائي هناك.
ـ لكن أريد البقاء معك .
ـ لا تزعجيني أكثر لا يوجد من يلتهمك هنا كلّهم تلاميذ مثلك.
ـ سأذهب معك .
سحب كمال يده من يدها واتجه لأصدقائه , تاركا عائشة بمفردها لكنّه وما إن وصل إلى أصدقاءه حتى استجمعت شجاعتها واتجهت نحو مريم ونسيت أمر كمال تماما .
رن جرس الدخول , ليفتح حارس المدرسة الباب وأخذ يحاول جعلهم يدخلون بهدوء , لكنّه فشل لأنّ المدرسة بالنسبة لأطفال قرية نائية , تنعدم فيها أدنى وسائل الترفيه والمتعة جنّة الفردوس لا يمكن أن يكون لها مثيل , يأخذون في الركض عبر ساحتها الخالية من كل شيء , عدا أشجار الصنوبر بجوانبها , تلك الأشجار التي شهدت العديد من أيام من درسوا بها , أيام اجتماع  التلاميذ تحتها لأجل أن يصغوا لإنشاد طفل تم اكتشاف صوته , أو التزاحم لأجل لعبة يجمعون فيها أكبر عدد من الأقراص التي تستعمل للدراسة , وحين يطلّ فصل الربيع تزهر أنواع أخرى من الأشجار أمام قاعات الدراسة , أزهار صفراء تتمتع بها الفتيات في رسم أجمل المنازل على تراب الساحة . ودورات المياه المعدومة النظافة على مدار السنة , مخلوعة الأبواب فتشرع كل تلميذة في جعل نفسها حاجزا يستر صديقتها لقضاء حاجتها , وتتم العملية بالدواليك , بينما الذكور ولأنّهم منذ الأزل لا يملكون قانونا للحياء في قضاء حاجتهم دونما تردد,  فيفعلونها وينطلقون بالساحة مرحين .
 ويتوسط تلك الساحة سارية للعلم على منصة صغيرة بالكاد تحمل أقدام من وقف لرفع أو إنزال العلم , وهم يتساءلون عن موعد الغداء ليكون لهم نصيب الدخول إلى المطعم الذي سيحضون فيه على قطعة خبز صغيرة وقطعة جبن أو حبة بيض , وصحن صغير من المرق وقد يحدث أحيانا ويحصلون على نوع من الفواكه , وكلّ هذا من الأمور التي لا يمكن لهم التخلّي عنها لأنّهم يشتركون فيها وهنا تكمن المتعة .
في غمرة الفرح تلك يصفق أكبر المعلمين ليصطّف التلاميذ لتحية العلم وهذا أول ما يتعلمونه , فالمعلم يقف تلك الوقفة التي تعلّمها أيام الخدمة الوطنية و أيام كان تلميذا بالمدرسة , فيقلّده التلاميذ , بل حتى أنّهم يتعمدون أن تصدر الحركات والأصوات دفعة واحدة , وحتما هذه اللحظات هي أجمل اللحظات التي يستبشر لها المليون والنصف مليون شهيد , بل حتى أنّهم ينزلون من السماء ليرفرفوا فوق الملائكة , والعبرات لا تنفك تغادر تلك الأحداق , فرحا وهياما بهم , فيتمنوا أن يهتفوا في أذانهم بأن مرحى لهم أن استشهدوا في سبيل الوطن , وأن الحياة إن منحت لهم مرة أخرى سيضحون بها لأجل هذه اللحظة وهم يرفرفون فوق أولائك الملائكة .
وعندما ينتهون من تحية العلم يتوجهون وفق إشارة معلم كل صف , عائشة لم تعرف أي اتجاه تتجه , فحاولت اللحاق بكمال لكنّ معلمه منعها , فاجتاحتها رغبة في البكاء .
المعلم : صفك هناك يا صغيرتي عند تلك المعلمة .
ـ لكنّي لا أعرف أحدا هنا عدى أخي كمال ؟.
ـ عند المعلمة ستتعرفين على زملاء سيصبحون إخوة لك ولن تنشغلي بعدها  كمال.
تشجعت عائشة وتوجهت نحو صفها , وحين دخل زملاؤها , دخلوا دون نظام أخذين في تصيّد المقاعد الأولى , وحين انتهى كل ذلك دخلت المعلمة , وبعد أن جعلوا الصمت يزول تكلّمت معلمتهم .
ـ معلمتكم ليندة ... وسنمضي أيام السنة معا ... نتعلّم الأشياء الجميلة ... حيث ستتعلمون الكتابة والقراءة والرسم والموسيقى .
تلميذ من الصف : وكرة القدم معلمة ؟
ـ طبعا ستلعبونها لكن لن تكون مقررة لكم في الدراسة .
بعدها أخذت تتعرف للأسماء التلاميذ , وتطلب منهم بعدها أن يخبرها كلّ واحد فيهم عن حلمه في المستقبل , وبعد أن أكملت معهم ساعات اليوم الأول أخبرتهم أن أماكن الجلوس ستتغير من الغد حسب الطول والحالة الصحية لكلّ تلميذ.
عمر بينما عائشة تراقب الأوضاع بصفها يقف منتظرا دوره بطابور البلدية , لأجل المصادقة على أوراق الخدمة الوطنية  , وقد كان طابورا جعل من عمر الثاني والأخير به , أما زينب وحيزيه ومباركة كنّ على مقاعدهن بالثانوية حيزيه وزينب بالمرحلة النهائية بعد أن رسبت حيزيه مرتين في امتحان البكالوريا ,أما مباركة فهي بقاعة شعبة التسيير والاقتصاد السنة الثانية , وهن الآن يقضين وقتهن مع باقي التلاميذ في التعرف على أساتذة الموسم الدراسي الجديد بين من ألفوا رؤيتهم العام الفارط وبين من قد تم تعيينه بالثانوية حديثا .
هذا اليوم ليس للدراسة بل لإخبار بعضهم كيف كانت عطلة الصيف , ووضع لائحة لقائمة الاستخبارات التي بدأت اللحظة في الأحداث والحركة التي تعمّ الثانوية , ليمضي ذلك اليوم , وقد  خارت قوى التلاميذ من حرارة المساء بعد  أن داعبت قطرات المطر شعيرات جلدتهم , ليعود السكون لشوارع القرية وقد همدت الحركة مثلما همدت عائشة كلّيا في فراشها , بعد التعب الذي انهال على جسدها , لكنّها لم تستطع أن تسيطر على رغبتها في أن تصف فرحتها لزينب ومباركة وعمر , فبمجرد استيقاظها أخذت تحكي وتعيد دون توقف ما رأت وما حدث لها بالمدرسة .
بدأ صداع الرأس يجتاح رأس هارون لكثرة ما يطلبه المعلمون والأساتذة من التلاميذ , ويتمنى لو يطلبون كراسا  لكلّ تلميذ , ورغم إلحاح أولاده إلا أنّه يماطل في شراء الأدوات طمعا في أن تعطيهم المدرسة ما يحتاجون , على اعتبار أنّه لا يملك عملا حكوميا , دون أن يلقي بالا إلى أن ما تعطيه المدرسة هو الشيء القليل من متطلباتهم , لتبقى حرب الأدوات قائمة في بيت هارون طول العام الدراسي .





استقرت الأيام على حالها وحان موعد ذهاب عمر إلى تأدية واجبه الوطني , عمر الذي كان يسمع من رفاقه أن أهلهم يسعون بكلّ جهدهم لحصولهم على الإعفاء لأن أمهاتهم لا يقدرون على مفارقتهم , مع معرفة أبائهم مقدار العذاب الذي سيتعرضون له هناك , لأنّهم لم يحصلوا على شهادات عالية , بينما هارون لم يحرك ساكنا بل ترك ابنه يحضر أوراقه ويلزمه بأهمية الواجب الوطني , على اعتبار أنها خطوة تصقل المرء  ليكون رجلا صلبا لا يخشى شيئا ,  فهو عندما ذهب لتأدية الخدمة الوطنية لم يترك أحدا يقوم بإذلاله , رغم أنّه لم يعرف المدرسة يوما , كما أنّه جعلهم يحتارون في أمره فاعترف له قائده أنّه ورغم دراساته العليا إلا أنّه لم يتمكن من مكره وعناده , لأن هارون لم  يطأطئ رأسه لأحد وعلى ابنه أن يكون كذلك .
رجولة ...هكذا اقتنع عمر بها وهو خارج من منزله اقترب من أمه وقبل رأسها , وطلب منها أن تدعو له دائما , أما أخواته البنات اللواتي أتين من بعيد لتوديعه ومع من هنّ دائما معه صنعن ملحمة من البكاء على أخيهم , تجعل الأرض القاحلة وإياهم سهوبا وافرة للحياة , يعانقّنه ليودعّنه , وربما أملا في أن تصله ورقة العفو هكذا هدية من الله , لأنّ علاقة الحب التي جمعتهم , هم من أعطوا لها الحياة وليس هارون أو خديجة , فقد أنشئوا علاقة قوية بينهم لا يمكن لأحد أن يحدد فصولها إلا قلوبهم التي قرّرت الخروج من صراع والديهم حتى يتمكنوا من العيش بطمأنينة .
ترك أمه وأخواته داخل البيت ليجد جمع أصحابه وأخيه أحمد ليودعوه بموكب رجولي , ويمنحوه القوة وشرف هذا الواجب , وهو يركب السيارة تناديه عائشة وتطلب منه أن يحضر لها أنواع الحلوى , يلوح لها بيده فيلمح والده الذي يتوارى خلف جدار البيت لأنّه غريب الأطوار في التعبير عن أحاسيسه, فكلّما غادر أحد أولاده للزواج أو سفر طويل لا يودعه بل يختفي , السيارة انطلقت وعمر ينظر لوالده , ويتذكر ما أوصاه متمنيا أن يكون قويا مثله حتى بالمكر والحيلة المهم أن يكون الأقوى حيث لا مكان للضعفاء .
من داخل البيت كانت البنات يودّعن عمر من ثقوب النافذة والسيارة تضمحل وسط الطريق .
زينب : جميلة أنظري إلى خالد ألا يبدو وسيما بزي زفافه .
جميلة تنظر للجمّع الذي تفرق حتى لا يظهر اهتمامها , إلى أن ردّت مليكه .
ـ مبارك له , اختار من أحبته دائما على أن يبكي أطلال جميلة .
جميلة وهي تأخذ مكان بجانب من الغرفة : عن أي أطلال , أنا لم أرفضه لغروري بنفسي , بل نظرته الضيقة لوجود المرأة دفعتني بأن أرفض طلبه للزواج .
همّ الجميع لأشغاله بينما زوجة أحمد بكر هارون اقتربت من جميلة وقالت .
ـ أخبريني بصدق ألم تحبيه ؟
نظرت لها جميلة بشيء من الحياء المتعال .
ـ لو كان هناك حب بيننا لما ذهب وتزوج أخرى بعد شهر من رفضي النهائي له.
 ـ لكنك رفضته فلما ينتظر ؟.
مباركة : أمركما عجيب كنتما منذ لحظات تواكبن مناحة عمر , وبمجرد أن توارى عن الأنظار أخذتما خالد موضوعا .
ذهبت مليكه لشرب القهوة بينما جميلة توجهت  إلى غرفة النوم رامية بنفسها على الفراش,  لتأخذها ذاكرتها إلى تلك الأيام وهي تجيء وتروح إلى المدرسة , والشخص الوحيد الذي ألفته أيامها هو خالد الذي لا ينفك يعدها بالزواج منذ أن وقعت عيناه عليها , يبني أحلامهما دون أن يكون لها دخل في ذلك , وتلك الأيام الجميلة غادرت الذاكرة بسرعة حين غزت صورة رفضها له لمجرد أنّه أخبرها بعدم الحاجة للدراسة ولا للعمل , فالمرأة يحقّ لها أن تعيش لأجل زوجها , ورغم عودته مرارا كانت ترفضه لأجل نفس السبب .
استيقظت من تلك الذكريات متنهدة .
ـ مهما تغاضيت عن الأمر , فلن أجد شخصا أتقن الحب كما فعل خالد, وأنا لم أرفضه لشخصه بل لأحلامه في سيّدة بيته.
بحركة حشرية لعائشة ينقطع سيل أفكار جميلة وهي تلحّ بأن تسرّح لها شعرها لأنّ موعد المدرسة قريب , تتناول جميلة وسادة وتضعها على رأسها .
ـ اذهبي لأمي لتسرح شعرك.
ـ أنت تعرفين أن أمي تؤلمني وأنا أخاف من تمشيطها لشعري .
جميلة : اذهبي واطلبي من الأخريات ذلك .
انصرفت عائشة بعد أن ذكَرت  جميلة بقسوة الوالدة وهي تمشط شعر إحداهن , لأنّها لا تتخلى عن المشط إلا إذا تيقنت أن خصلات الشعر كلّها باتت في اتجاه واحد وترتيب دقيق , كأن غراء الأحذية قد سكب عليه , وكذلك حال أيام الاستحمام , رغم أن الأوساخ تغادر أجساد أولادها إلا أنّ التعذيب الذي يتعرضون له يجعلهم يتصورون لحظات الاستحمام تلك مع جلاد النار , الذي لطالما كان البطل الشرير في كل الحكايات , وذلك لأن ّموعد ممارسة طقوسها الشرسة يكون قد حان , والذي كان يتجدد دائما كل أسبوع في حياة تلك العائلة , لكنّ ذلك لا يعني أنّها كانت منبعا للشراسة فقط , وإنّما كانت فواصل تلك المواعيد مغمورة بالحب والحنان وهي تحاول أن تصغي لأولادها وتشاركهم شيئا من الحكايات المرحة لما يحدث لهم في المدرسة وفي الشارع , كما يجدونها غاية في اللطف والنعومة في ليال السمر التي كانت تجمع أفراد العائلة الزائرين ليال لطالما اختلفت أماكن إقامتها .
اجتمعت العائلة اليوم لأجل وداع عمر وهو ذاهب لتأدية محور الرجولة كما أخبره والده , محور ينبغي أن يكون للوطنية فهو لأجل الوطن وتربية النفس لأجل حبه , إلا أن هارون لم يمنح أولاده قاعدة تدلّ على هذا الحب لأن قاعدته في الحياة هي أن الرجل ينبغي ألا يطأطئ رأسه لأحد , حتى وإن اضطر لممارسة أساليب المكر والخداع , أما الوطن فليس لهم لأنّه لم يمنحهم شيئا , ولطالما تسألن بناته عمّا يمكن للوطن أن يمنح غير الحرية والكرامة في مسكن أمن بين حنايا ضلوع هادئة ودافئة لوطن مليء بالسلم والوئام , لأنّه أم فقدت ثدييها جراء الاستغلال التي تعرضت لها , ورغم ذلك صارعت كل العواصف وأفردت أجنحتها لأولادها وغمرتهم بالسكينة , ليتمكنوا من العيش على قدر بساطة القلوب , هذا ما يمكن للأم أن تقدمه , وعلى الأولاد أن يكتشفوا ثرواتها ويحفظوها لأنّها عورات أمّهم ولا يجوز إباحتها لأنّها لهم ولا يمكن لأم أن تمنع أولادها وتعطي لغيرهم .
لازالت الأرض  تدور حول نفسها ليأتي موعد الغروب , وتجتمع العائلة على طبق الكسكسى وفي حرب الملاعق بالصحون وإقبال الأيادي على قطع اللحم وأكواب اللبن والمشروبات تتبادل العائلة أطراف الكلام لمختلف المشاغل اليومية, لتتعالى بعدها عبارات حامدا على النعمة والتحسر على غياب عمر . 
يتناول أحمد هاتفه وبعد بضع رنات يسمع صوت عمر : أهلا أحمد .
ـ كيف الحال عندك ؟
ـ كما تعلم أنا الآن عند بيت عقبة, وقد تناولنا الكسكسى في العشاء ونحن ذاهبان الآن إلى المقهى.
ـ تقول لك أمك أنها أعدت لنا الكسكس كذلك  ,وأن عليك أن تهتم بنفسك وتسلّم على نفيسة والدة عقبة .
خديجة : هات الهاتف لأكلمه .
أحمد وهو يناولها الهاتف : لاشك أنك تسمعهم الجميع يريد أن يكلمك , لكن رصيدي غير كاف لذلك , كلّم والدتك لكن لا تطل , فأنت تعلم ماذا يحدث حين تأخذ في الكلام عبر الهاتف . 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق