ادريس كثير يكتب: شبح النهايات 4



· السادية أو أبروتيكا البشاعة: (1740/1814)
ü دوناصيان ألفونص فرانسوا ساد ولد بباريس يوم 2 يونيو 1740، من عائلة أرستقراطية فرنسية، منذ طفولته أبان عن شجاعة باسلة وعن ذوق عارم للمجون la débauche، على امتداد 74 سنة من حياته قضى 30 سنة منها بالسجن. يؤرخ جيلبير ليلي (Gilbert Lely) مقدم كتاب ساد "أيام سودوم المائة والعشرين" (أو مدرسة الحب الحر)(1) يوم 22 أكتوبر 1785 كأول يوم لإعادة صياغة المسودات الأولى لذات الكتاب سنتان بعد ذلك أصدر كتابيه "les infortunes de la vertu" و"Aline et Valcour" في سنة 1791 أصدر باسم مستعار كتاب: "Justine ou les malheurs de la vertu". أما "La philosophie dans le boudoir".فنشرسنة  1795ومعه Lanouvelle Justine et  Juliette
ü هل مؤلفات ساد ذات طابع طبي ونفساني ؟ أم هي ذات طابع أدبي فلسفي ؟ ما هو الجمال الأدبي في مؤلفاته ؟ وما هي أخلاق وميتافيزيقا سادة .هل السادية هي حقا أبروتيكا للعنف والخلاعة ؟
في بداية المقدمة الطويلة "لأيام سودوم" (1) يصرح ساد بطبيعة الجماعة (جماعة الأربعة) التي تخطط للزواج دون مراعاة لقانون " زنى المحارم" بل خرقا له بكل برودة وسبق إصرار، وهي جماعة من علية القوم سياسيا ودينيا وماليا.
القاسم المشترك في اتفاق هذه الجماعة الثرية هو (la débauche) التي تحكي أيام سودوم حكايتها وحكاية الحب الحرُّ (le libertinage) والتويزة (l’orgie). طبعا "زنى الأقارب" لا يمنع هذا الاتفاق بل يحمسه ويغذيه، "أتعلمون ما هو ثمن الاستبداد على زوجاتنا وبناتنا في الملذات التي سنتذوقها" (ص 19).
يحكم هذا التوافق الاتفاقي قواعد صارمة لا يمكن لأي كائن كيفما كان أن يحيد عنها.....
 "أيام سودوم.." كما سبق أن أشرنا "رواية". لكنها رواية فنية من نوع آخر، غريب. يمكن نعته "باستطيقا البشاعة" كفضيلة . وهي أيروتيكا ساد. ذلك أن هذا الأخير يكره "الفضائل" العادية ويعتبر أن أكبر فضيلة هي ما خلقته فينا الطبيعة, وهذه الأخيرة زرعت فينا بذور الخير والشر، بذور اللذة والألم بذور القناعة والابتلاء.. وهذه الثنائيات كلها طبيعية غريزية. فلماذا نُغلب كفة الخير واللذة والقناعة على نقيضاتها..؟ لما لا نُعلي من فضيلة البشاعة : القتل، زنى المحارم..اللواط". ذلك أن الجمال شيء بسيط، أما البشاعة "laideur" فشيء عجيب، وكل العقول (ardents) تفضل بدون أدنى شك الأشياء العجيبة عن الأشياء الاعتيادية في مجال lubricité. (sodome 736).
ü 17 أسبوعا هي مُدة هذه العُطلة، وهذه الإقامة الغريبة من نوعها، هي عبارة عن احتفال جماعي دائم لكنه خاضع لتوقيت مضبوط ولقوانين صارمة كل من حاد عنها يُعاقب أبشع عقاب (انظر ص 90 مثلا).
ü لا يمكن أن يفسر صبر بلورة هذه الإستطيقا للبشاعة والقبح إلا العزلة والملل والضجر والزمان الضائع والفائض والسجن... فهذه الملابسات هي ما يُفسر هذا النوع من الكتابة العميقة وهذا النوع من التفاصيل الدقيقة في خطاب فاسد هجين غير خالص (impur) (ص 99) خطاب "لم يقل مثله القدامى ولا المحدثين"، لكنه خطاب يستغل فيه ساد التوجه إلى القارئ مباشرة : فينبهه، ويوجهه، ويعتذر منه.. ويطلب منه أن "يكون حكيما" (ص 100). أن يختار من هذه البشاعة ما يلائمه ويعجبه وألاّ يُدين الباقي. فالأهواء عديدة فيها ما يُعجب وما ينفر. وهي تناهز ستة مائة هوى وهوى حسب الحاكيات، لكنها كلها من تلك الأم الطبيعة. سرد وحكاية لها إخصاؤها، تبدأ دائما في بند قانون وتنهي عند واحد آخر. سرد فيه شخصيات عدة تتزاوج بمُتتالية هندسية تقريبا، في عقدة درامية مركبة، يصعب رسم بورتريهاتها بتفصيل.. لكن يمكن الاعتذار عن ثغراتها ونسيانها.. ويصرح ساد في آخر صفحة من مقدمته الطويلة بالنقط الأربع التي أغفلها ونسيها. (ص 107-108). "أيروتيكا البشاعة" في الجزء الأول من كتاب "أيام سودوم..." تمتد من الليلة الأولى إلى الليلة الرابعة عشر، كلها تنتهي بالبشاعة أو بوجه من أوجهها.  الليلة الأولى انتهت بالنفور أكثر مما انتهت بالذوق (dégoût). الليلة الثانية انتهت بافتراع زيلمير، والثالثة، باختبار واكتشاف المؤخرات المجهولة، أما الرابعة فكان فيها الاستعداد لـ infamies والخامسة اتسمت بارتكاب أيلايدا زنى المحارم مع الأبيها. في السادسة انغمس الجميع في الأوساخ كالخنانيس تلتها الليلة السابعة، ليلة العقاب والخيانة، وليلة الامتصاص الشبقي وليلة الغائط، ورائحة الأوساخ النتنة.. أما الليلة الحادية عشر فكانت ليلة البحث في البول عن.... ثم تلتها ليلة أكل الغائط.. والأوساخ الرهيبة وانتهت الليلة الرابعة عشر بالبخور واللواط... إنها نهايات بشعة لأيروتيكا من نفس النوع. وتستمر البشاعة في النهايات... الليلة الخامسة عشر تنتهي بممارسات وحشية. أما السادسة عشر فلا يمكن وصفها إنها البشاعة التي ما بعدها بشاعة..
هل الإنسان قادر على مثل هذه الأفعال ؟ أربأ بنفسي وقدرتي على التحمل في الاستمرار... حتى في قراءة "أيام سودوم"...
ü يبدو أن ساد في كل ما كتب من وقاحة ونذالة وخسة كان هدفه هو أن يتميز ؛ هو أن يقول شيئا لم يسبقه إليه أحد، عكس هـ. ميلر والذي رغم لغته القذرة.. يشعر القارئ أنه صادق، صريح، ... فشتات ين هذه الأيروتيكا وتلك...
ü رجل معزول يدعى الماركيز دو ساد سيطور نسق الأيروتيكا ليرفعه إلى أقصاه. (ص 185). سيحاول أن يستغل مزايا النظام الإقطاعي ليخضعها لأهوائه ومغالاته. أهواء جنسية لا تجعل من الأخر شريكا له إنما تجعله ضحيته. (الموت).
« Il propose l’Unicisme de ses héros », p. 186.
ü إن نفي الشريك هي خاصية أيروتيكا ساد، هي أخلاقه ! أخلاق حسب موريس بلانشو تتأسس على العُزلة المطلقة : الطبيعة خلقتنا بمفردنا،وليس هناك من صلة فيما بيننا.. ألم الآخرين لا يهمني بقدر ما تهمني رغبتي ولذتي. عُزلة يخفف من وطئتها الأدب والحلم والمغالاة. هذه الأخيرة تتنافى والعقل، وتتماشى والشهرة إلى حد القتل، كلما كان القتل راجحا قويا كلما كانت الشهوة أقوى لدى ساد. إن الحمى الجنسية هي عنف الأهواء والميولات التي لا تبتعد في شيء عن عنف الجريمة، إننا نسميها "الموت الصغير"، ضرب من الفوضى وعدم النظام. فالتعري اضطراب في طمأنينة اللباس والشهوة تعبير عن فوضى الحواس – إن أيروتيكا ساد هي " مطلب ملح للاستقلال على حساب إنكار عارم للآخر ". 
اللحظة القصية التي وضعها ساد في كتبه لا يمكن بلوغها بسهولة والتي سماها Apathie.
... إنها لحظة لا يكون فيها الوجود إلا حضورا بسيطا، ويكون الحضور عياء وتعب، يتحول فيه الوجود إلى لا معنى، إلى وجود مستحيل. هكذا تقلب المغالاة القيم إلى نقائضها وكأن ساد يريد أن ينتقم من الناظم بإشاعة الفوضى، إذا كان أمير ماكيافيلي قاسيا إلى أعلى حد فلكي يحافظ على إمارته، فإن ساد ساديا لأنه يريد المحافظة على رغبة ولذته ولكي تتم هذه المحافظة لابد من خرق العادة وخرق القوانين وانتهاك الحرمات، وهذا ما صرح به كليرويل Chairwill  صديق جولييت Juliette حين قال : "أريد القيام بجريمة تدوم في آثارها الأساسية والهامشية حتى عندما أقضي نحبي" (ص 193).
في دراسة أخرى يشير بطاي إلى علاقة ساد بالإنسان العادي وهي علاقة مفارقة. كل ما يكرهه الإنسان العادي هو ما يحبه ساد. كل ما يشمئز منه الإنسان العادي هو ما يُحبذه ساد.. وهو لا يريد في ذلك الإخضاع بقدر ما يبغي التحدي إلى حدود الاستمالة وقلب القيم خاصة قيمة الحقيقة. مقابل الإنسان العادي يرسم ملامح الإنسان الحر " المالك لأمره Souverains ". الذي لا تتحقق الرغبة والشهوة لديه إلا إذا وصلت إلى أقصى مداها وانقلبت صدها لكن في قمتها. قمتها لها صلة بالألوهية : القرابين والأضحيات المقدمة للآلهة، قرابين قاسية : هولوكوست أيروتيكا البشاعة. الإنسان العادي لا يستسيغ هذه الممارسات ومع ذلك فهي موجودة : هل يجب أن نتذكر تجربة الكوميسار ثابت ؟ !
هل يجب إحراق ساد ؟ كما دعت إلى ذلك سيمون دو بوفوار ! علما بأن ما يقزز في كتابات ساد يوجد فينا ./.
لا يمكن فصل المازوخية عن التعاقد، تعاقد ترتبط حسب جيل دولوز(2) السيطرة فيه بالمرأة المسيطرة إلى حد الهذيان.
ولد ساشر – مازوخ (Sacher - Masoch) (1835/1895) بغاليسيا وبالضبط بلامبيرج (Lamberg) من عائلة إسبانية بوهيمية، ينتمي إلى التقليد الكبير للرومانسية الألمانية، ولا يعتبر مؤلفاته من الأدب المنحرف بقدر ما يعتبرها أنسكيلوبية أو تاريخ طبيعي للإنسانية، عنونها بـ "إرث قابيل" (Le legs de CaIn) : وكان من المفروض أن تتضمن : " (الحب/ الملكية/ المال/ الدولة/ الحرب/ الموت)"، لم يستطع إتمام إلا الحب والملكية.
فالحب لديه لا ينفصل عن المركب الثقافي والسياسي والاجتماعي والإثنولوجي... لكن ذوقه في الحب يبدو غريبا، فالعضلات لديه نسوانية ولا يتصور المرأة إلا إذا كانت مُرتدية للفرد وبيدها السوط، فهي ليست سارية بالغريزة لكنها تغدو كذلك بالترويض والممارسة ولربما بالحب، أيروتيكا مازوخ تبدو سادية مقلوبة الأدوار.. لكنها بنفس الاحترام للقوانين وبنود التعاقد. أولها : أن يتحول إلى خادم وأن يُغير اسم وثانيها أن يكون بينه وبين حبيبته شخص ثالث يكون دوره الحث على الحب.. يسرد مازوخ هذه البنود ويفصلها في روايته الأولى "فينوس ذات الغرو". كرافت إيبينغ (Krafft –Ebing ) هو الذي أطلق مصطلح المازوخية سنة 1869 على هذا النوع من الانحراف "في العواطف، ضد رغبة مازوخ نفسه. فهو عكس ساد لم يكن كاتبا ملعونا، بل احتفت به وكرمته فرنسا مثلا – لكنه ضاع في النسيان بعد صوته ! للأسف اشتهرت الصفة التي نحتت في اسمه ولم تقرأ مُؤلفاته كما يجب حتى تنال شهرتها. بين المازوخية والسادية اختلافات لا يمكن أ، تسمح لهما بالتلاقي. ساد آلي في سرده وحبه بل آداتي، في حين أن مازوخ ذو ميولات ثقافية استطيقية. إن لوحات النهضة هي التي أوحت لمازوخ بالمرأة ذات العضلاتالمتنافسة. فالمرأة محبوبة لديه لأنها تشبه التمثال، قوانين وبُنود العلاقة الحميمية لدى ساد يضعها السادي ليعاقب ضحيته. فهي قواعد زجرية، أما لدى مازوخ فهي قواعد شكلية، فنية الضحية هو الذي يسعى غلى التعاقد. ضدا على مفهوم التعاقد الذي كان دوما ذكوري، فهو يرسم تعاقدا لسيادة المرأة. بطلات مازوخ لسن ساديات إنما هن (païennes) بطلات سائدات. في حضنهن دفئ قانون الطبيعة وقد رجع إلى طبيعته الأولى الأم/ الرجال أطفال لذا فهم في حاجة إلى هذه الحماية / الحرارة / الأم. الغرو رمز لهذه الحرارة.. كالتربية.
لقد كان مازوخ يحلم بالأم/ الدب، هذا ما تخيله في كتابه "تزارين السوداء" التي كانت تصطاد الدب على طريقة الأمازون، يبدو أن مازوج قد تأثر بتقسيم المراحل الكبرى للبشرية الذي اقترحه باشوفان (Bachofen) : مرحلة l’hétaïrisme ومرحلة الجينكوقراطيا Gynécocratie والمرحلة الأبيسية. فهو يشغل هذه المرحلة وقوتها ليُعيد تأسيس المرحلة الثانية. مرحلة حكم البطن الولود. وبهذا الصّنيع يعيد النظر في أهميته ووظيفة الأب كما محددها فرويد. ويزيح السُّلطة الأبوية، قانون الفالوس ليركزه في يد الأم خارج مفهوم الإحضاء، لدى ساد التعذيب والعنف هما نتيجة إيروتيكية لممارسة اللذة، أما لدى مازوخ فالعقاب مدخل لذلك.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق