ادريس كثير يكتب: شبح النهايات 5



· أيروتيكا هنري ميلر والسيكسيس.
ينفتح مؤلف هنري ميلر ( Sexus )  Henri Myller ( وهو الجزء الأول من ثلاثية تضم Nexus, Plexus، المجموعة تحت عنوان "la crucifixion en rose"(3) على الجملة التالية : "…j’ai le mal d’amour" ( أعاني من مرض الحب.. حتى الموت ) (ص 12). وهو حب نحتار في توصيفه، هل هو عشق وغرام ؟ أم شبق وهيام ؟
يزخر الكتاب (وهو ليس رواية بقدر ما هو سيرة ذاتية) بالعديد من المشاهد الجنسية الفاضحة لكنها الصريحة. فهل هو كتاب جنسي مجاني أم هو مؤلف إيروتيكي ؟ ما هي مميزات الكتابة أو السرد الإيروتيكي لدى ه ميلر؟
إنها كتابة لا محالة تنتمي إلى الفن، هاجسها الأساس هو البعد الفني..
منذ البداية (ص 24) يتطرق هـ. ميلر إلى مفهوم الكتابة باعتبارها فنا، "فعل الكتابة لديه علاقة له بالإرادة، فهو شبيه بالتيارات العظيمة في أعماق البحار والتي عليها أن تطفو على السطح بدوافعها الخاصة. الطفل ليس في حاجة إلى الكتابة لأنه بريء، أما الراشد فتحتاج إلى الكتابة لكي يتقيأ السم الذي راكمه في جوفه بفعل الأخطاء التي ارتكبها. إنه يريد إعادة امتلاك براءته، لو كانت لنا الشجاعة في أن نحيا وفق ما تؤمن به لما كنا في حاجة إلى تسويد هذه الأوراق، لو كنا نريد عالما حقيقيا جميلا وساحرا بإبداعاتنا لما نصبنا ملايين الكلمات بيننا وبين واقع هذا العالم... الكاتب الكبير والحقيقي لا يرغب في الكتابة بقدر ما يرغب في أن يعيش خيالاته في هذا الواقع، وأول ما يبدأ به إن هو كتب : "الألم". لا قيمة للكاتب الذي يجعل من الكتابة "سلطة" ويبحث من خلالها عن المجد. وأشياء مضجرة أخرى. العبقرية هي الاهتمام بالناس العاديين، والاعتناء بهم، منهم ومن الحياة ينهل العبقري أفكاره وكتابته، والإفادة الوحيدة من الكتابة هي إلغاء الحدود التي تفصل الكاتب عن الإنسان.
أفضل ما في فن الكتابة ليس هو تصفيف الكلمات الواحدة وبحوار الأخرى، إنما هو البدايات هو الخطوات الأولى التي تنجز في صمت، سواء في الحلم أو في اليقظة، لا أحد استطاع أن يكتب ما فكر فيه في البداية، لأن الكتابة الأصلية هي هذا الزخم البدئي الأولي.. الكتابة هيروغليات لا تستطيع نقل ما يصعب نقله. لكنها تذكرنا به أو الأصح تجعلنا نحلم به، لا أحد يستمع لبيتهوفن لو استطاع العودة إلى الأصل الذي حاول الموسيقي أن يسجله.
يتضح مما سبق أن الواقع هو المجال هو الموضوع، إنها واقعية ساذجة لكنها صريحة، صراحة دافعها عميق يدعو إلى حساسية الكتابة، حساسية يفقد فيها الفن صيلته بالحياة.
إذا صدقنا رسائل الرفض التي تلقاها هـ. ميلر لنشر أعماله ؟ وصدقنا آراء بعض النقاد سنخلص إلى القول مثلهم أن ميلر لا يعرف أبجدية الكتابة بل فن الكتابة. (ص 34/35). لكن اقتناعه بالكلمات البسيطة، وبالعمل الدؤوب، "آجورة فوق أخرى، بنفس صبر البنّاء" يبرز الحديث. ولا يكتمل، حتى يقول الكاتب كل ما دفعه إلى القول. مراجعة النص تملأ الأعين دمعا وح.... لا يصلح أن يطّلع عليه مدير المجلة، إن شهادة على اطمئنان النفس وعلى النزاهة التي لا تنطق سوى بالحقيقة والجمال. الكاتب لدى ميلر كوردة اللوتيس حين تنفتح تبهر الناس بجمالها، وتزكي النفس برائحتها. "النقد النزيه لا معنى له [ولا وجود له]، ما نحن في الحاجة إليه هو الهوى الحر دون إكراه، نار على نار" (ص 39).
الإبداعية حسب ميلر لا تختلف كثيرا عن اللعب الأبدي (ص 290) فهي عقوبة مقصودة، وتعرف كيف تخضع للقوانين، الحياة الإبداعية هي تجاوز للذات، كما جربها نيتشه في حالات الانتشاء" : "ثم انغمس وتبخر في المرآة، وقضى نحبه، متجذرا مغطى بالزهور" أدراج وأدراج مناقضة "كان قد كتب، وفجأة كل شيء بات بدون عمق، وتناثر الدماغ كحبات الزمرد تحت ضربات مطرقة الحقيقة" (ص 291).
الإبداع حرية تنفتح على اللانهائي وهذا الأخير يفسح المجال للخوف والرعب، من هنا يتغذى الفكر الذي تنقله إلى الكلمات على الأوراق، الإبداع هو العثور على الحكاية حيث يختفي المفتاح الذي ينتج الروح. الفنان المبدع يمكنه أن يكون بطلا، إلا أنه بطل من نوع آخر غير أبطال التاريخ ولا السياسة إنه بطل الحلول الخيالية، ذلك الذي يُحاول تجاوز الآلام والارتعاشات والعذابات في أعماله الفنية، عبر الفن يتم الاتصال بالواقع، ترجمة الفنان المبدع هي وعي النظام الذي يحكم هذا العالم من خلال نظام آخر فتخيل أو إنهي، النظام في العالم أو في العالم المتخيل هو المعنى، أما اللامعنى فهو عالم آخر غير عالمنا، هو الكاووس، هو الموت، هو عُمق عالمنا في الحقيقة. كلا العالمين أو التصورين هما نتيجة الإلهام، حمى الإلهام التي لا تأتي حين نتهيأ لها : بآلة الكتابة والأوراق والأقلام والإرادة.. لا شيء يأتي بهذا الشكل. لكن فجأة تنبعث رغبة عارمة في القول، انغماس كلي في الكتابة، بعيدا عن الظروف الملائمة للكتابة.. مثلها الجماع الطارئ، حينها يجب التحرك ببطئ دون تفكير مسبق ولا تخطيط مطلق، ذهاب وإياب دون تسرع "هكذا يولد الفنان ومعه الإيمان... مبدأ خلق الجمال انطلاقا من الحب..، من حب الحياة في ذاتها، ولأجلها"(ص 194).
هذه الالتماعات الرقيقة والجملية هي مجمل تصورات هـ. ميلر الفنية والإبداعية على أقل من خلال مؤلفه "Sexus". فمجانية الوصف القضائي الذي يدعونا إلى اعتبار هـ. ميلر إباحيا خليعا " لا يملك سوى الجنس في دماغه"(ص 250)، لا تصمد أمام هذه الاعتبارات النبيلة وأمام هذا الإيمان في الحب. إيمان تتلاشى فيه ثنائية العبد السيد (هيجل) وتغدو بدون معنى، (ص 317/318). لأن الإيمان في الحب هو حسب الحب، هو إكسير الحب، (ص 229)، كما جربه هـ. ميلر نفسه مع مارا- مونا التي تحولت لديه في لحظة تذكر طفولية إلى مريم الشبيهة بالمجدلية. (ص 230-231).
إن كان هـ. ميلر لا يشير إلا إشارة سريعة إلى ألف ليلة وليلة" وإلى قاتل القلوب salapaladin صاحب أحمد الكبير والذي لا يقتات إلا من البهارات والأعشاب المنعشة(ص413)، (ألف ليلة...) فإنه يفعل نفس الشيء بالنسبة إلى الكماسوترا اليابانية في شخص الطالب الياباني M.T. "إنها أحلام أفيون حقيقية، كل الجهد يعرف في المقدمات على الخصوص : موسيقي، استحمام، عود الند، تدليك، لمسات.. إراءات وإثارات.. تجعل من الاستهلاك الأخير لحظة انتشاء لا تطاق "(ص 327). كما لو أن هو الفن الروحي الذي يرفعك إلى السماء السابعة.                          
انتهت أيروتيكا هـ ميلر إلى قمة التحول ؛ حينما تحول إلى كلب لا يمكنه التعبير عن فرحه إلا بالنُّباح الذي به يختتم الكتاب (Nexus).
بعد تعب متعب، رأى هـ. ميلر نفسه في الحلم يتحول إلى كلب غزير الشعر بقوائم ممتلئة وأذنين لا نهائيتين بين قوائم عظم عظيم. فجأة تحول الحلم إلى كابوس جسد قساوته شخص لم يكل من تعذيب الكلب ضربا ورفسا و... إلى حد الموت.. لولا أن استيقظ هو. ميلر. لحظة ثم انغمس في حلم كلبي جميل، جعل منه سيدة تتنافس مع أخرى من أجل الفوز بجائزة الكلاب. وفاز بها فعلا الشيء الذي خصه بعظم جميل كهدية من السيدة، إلا أنها قبل أن تمنحه أياها، ويا للغرابة.. امتصت كل نخاع العظم حتى تركته فارغا وهمت بالرحيل دون أن يتسنى للكلب سوى النباح.
    حُسن مونتمارت يعود في جزء منه إلى التجارة المكشوفة للمؤخرات والأفخاد. لا رومانسية في الخنس حين يتحول إلى تجارة. لكنه قد يكون أخاذا ونوستالجيا في ظروف أخرى، في ظروف ضوء مغربل ومستربل أو في ما بين الواضح والغامض لا في واضحة النّيون.
(أيام هادئة في كليشي ص 11)
ü يمكن رفع مومس إلى مستوى السيدة المحترمة كما يمكنها أن تؤدي هذا الدور كما يجب. هي حالة مارا في الأيام الهادئة بكليشي. (ص 143-144)، امرأة عانت الأمرين لكنها لم تكن منذورة لمثل هذه الحرفة، تبدو أكثر طيبة من مثيلاتها وهن كثُر في مقهى المارينيان..
يتعاطف هـ. ميلر معها إلى حد التواطؤ وينصت إليها مميزا الكذب البيض من الصدق والحقيقة من المبالغة لكنه دائما متيقنا بأنها صريحة وصادقة في أقوالها.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق