نصر الدين شردال يكتب: قلب أعمى


قبيل العصر، توقف نبض الباص في آخر محطة وسط  فاس، فهبطت، واتجهت مع 
صديقتي نحو شارع محمد الخامس، ثم جلسنا على كرسي الحديقة قبالة التمثال البرونزي للأسد الأطلسي، وبعدها تركتني وحيدة وانصرفت.
لم يبق غير نصف ساعة على لقائي الموعود به، أبدو متوترة، وقلبي يخفق بشدة، وذاكرتي سرحت : لقد كان تعارفي عليه عن طريق الخطأ، حيث اتصل بي في احدى ليالي الشتاء السنة الماضية، ثم ألف صوتي و ألفت صوته إلى أن صار اتصالنا شبه يومي، وكان صوته حنونا و خارقا يتسلل إلي في الهزيع الأخير من الليالي الطويلة، وبدأ يلح عليّ باللقاء، لابد أن هذا الصوت يخفي وراءه إنسانا كاملا تحلم به أي امرأة، كنت أغني له، وكان يقول لي أن صوتي دافئ وعذب رقراق كأنه ماء عين في قريته الجبلية، يتدفق فيحي الحقول، وكان صوته وشعره الذي يقرؤه علي كناي جلال الدين ينوح بشوقه الحزين، لقد تسلل إلي وشدني إليه شدا، يبدو لي أني أحبه رغم أني لم أره، قيل أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا ... 
أخرجني من سهوي هاتفي الذي يرن، فتحت الخط، فجاءني صوته الحنون: 
ــ أهلا ليلى، أين أنت ؟
ــ أهلا، أنا على كرسي الحديقة، أنتظر قدوم الأسد، عفوا، قبالة تمثال الأسد ألبس فستانا أحمر، ونظارة سوداء، وفي يدي عصا بيضاء 
.
وفجأة رآني، وظل متجمدا في مكانه،" ربما اصطدمت مجرات في كوكبه"، أو ربما خانه الحلم في اللحظة الحاسمة، وبعد لحظة تقدم نحوي بخطى ثابثة، مدّ يداه للسلام، فأخطأتها وبقيت يدي في العراء، ثم أمسك يدي ولقمها وردة بلون قميصي، جلس أمامي ، ورحنا ننسج عباءة الكلام.
أمسك بيدي، وتشابكت أيادينا حتى التعرق، و أصبحنا كجسد واحد، ومشينا معا غير آبهين بزحام المدينة. 
كان مسكونا بالشعر، أخبرني أنه ينجز رسالة جامعية في التصوف الشعري تحت اشراف شاعر في ظهر المهراز، حدثني عن المجاطي والسرغيني والكنوني، وعن فاس القصيدة، حتى خيل لي أن هذه المدينة مسكونة بأرواح الشعراء، وأن عناقيد البهاء تتدلى من فوق كل باب. 
ولجنا رواق محمد القاسمي في ساحة المقاومة، وراح يؤول لي بعض اللوحات الانطباعية التي كان اللّون فيها يصرخ في وجه الزائرين بلا معنى، وتحسسنا معا منحوتة خشبية ملساء، كانت يداه تنزلق على يدي، فتتشابك ونشكل معا منحوتة نابضة بالحياة، يغمرني بجناحيه كأني عصفورة شردتني الرياح والأمطار، وبين الفينة والأخرى يسوي خصلة ثائرة من خصلات شعري، يداه ناعمتان تتفتحان وتفتحان لي الأفق.
خرجنا من الرواق ( ويا ليتني ما خرجت) ومشينا يتأبط  ذراعي، وأحف قامته المديدة، أمسك بالعصا البيضاء في يدي اليسرى كي أطرد نوايا الناس، لا حاجة لي بها بعد اليوم، فقد أصبحت عيني في قلبي، وقلبي في يد هذا الشاعر الذي يتأبطني شعرا، ويحلق بي في ملكوت الخيال، أطلب منه أن يقول في مدحي قصيدة كما كان يفعل في اللّيالي الخوالي، فيرتجل لتوه:
فِي كُلّ دفقة
فِي كُلّ دمعة
أنتِ القصيدةُ الّتي تتشكلُ في جسدي
أنتِ فاسُ، والقدسُ، والأندلس
أنتِ الموّال المجّنح، بالشوق يسافر بي إلى بلدي
وكل ما فيك لذة العذاب
أنت في القلب رؤيا
لكن عيناك حجاب ...
أستحسن القصيدة، وأرد عليه: 
 " أتحبني و أنا ضريرة
وفي الدنيا بنات كثيرات" 
ـــ أنا لا أحب شعر نزار، ويضيف : كان عليك أن تخبريني أنك عمياء ؟
ـــ الحب ليس أعمى،أليس لك قلب؟ هل قلبك أعمى؟ هكذا أصرخ في وجهه دون أن يجيب، كان صمته تتهاوى له صروح ذكرياتي وأحلامي و كل ما استشرفت من آمال.
ثم يحاصرنا الزحام والضجيج، فتخطر بيننا طفلة دمشقية في عمر الزهور، شقراء الشعر، قمحية اللون كسنابل حمص، تفاحة توشحت بحجاب،خصلة من شعرها المخملي ثارت على حدود الحجاب، وتدلت على عينين زرقاوين كعيني زرقاء اليمامة، تشعان بحزن عميق عميق، تحمل في يديها جواز عبورها،وفي قلبها جرحا غائرا كجرحي، تتنقل بين المارة كنحلة بين الزهيرات، فتجود عليها بعض الأيادي بالرحيق، تستعطفنا  فأمد يديها ببعض الدريهمات، وتتوارى في الزحام.
اجتاحتنا موجة بيضاء من الأساتذة المتدربين، ألهبوا حماسنا بشعارات تندد بوضعهم، وجوههم فقدت حيويتها قبل الأوان، لكنهم كما الصخر ... تركوا في نفسه شجى، فأخرج ولاعته وأشعل سجارة أطفأ بها غضبه، وبدأ يسرع الخطى وينفث الدخان في السماء، وأنا أتمسك بثيابه كجارية تتوسل أميرا.
خلق عذرا بأن أمه جاءت من الجبل، وتنزل بالمستشفى الجامعي، وعليه أن يذهب إليها قبل حلول الظلام.
كانت الشمس كجفني امرأة جرحها العشق، وهي تذرف آخر عبراتها الحمراء على جبل"زلاغ"، ومع احتضارها يرخي الظلام سدوله على جسد المدينة وقلبي.
وقفنا أمام محطة الباص، حيث سيوصلني إلى حينا الشعبي في تخوم المدينة
تحرك الباص، أقلعت النظارة، كنت أراه من خلف النافذة، لوحت له مودعة، لم أكن عمياء،( كانت هذه فكرة صديقتي) بينما ظلّ هو واقفا مصدوما كقصيدة بلا  معنى، لم أكن عمياء ، لكن قلبه كان أعمى.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق