مروة كريدية تكتب: من الأرشيف


ولِي مع المكتبةِ ودّ عاشقٍ .... غازلتُ فيه سكانّها
وأحن إليها اليوم... عِشْرَةَ صِبَا... وذاكرة متجذرة
 اعتدت منذ ان كنت طالبة في الجامعة اللبنانية على اعداد الأبحاث الميدانية والفكرية القصيرة منها والمعمّقة، لا لاجتهاد اتحلّى به وقتها، بل لأن كان ذلك يُعد جزءًا لا يتجزأ من المقررات الدراسية المفروضة علينا، وكان للبحث النظري منه والميداني حصة الأسد في تقييم العلامات النهائية فيها، فهي كلية ترتكز مقررتها على التطبيق الميداني قبل كل شيئ.
وكان للبحث وقتها شؤون وشجون وفنون، حيث كنا نعدّ كل شيئ بالوسائل التقليدية اليدوية، في مكتبات بدائية تشبه الى حدٍّ بعيد مكتبات القرون الوسطى .
وغالبا ما نكتب ابحاثنا بأيدينا ونجلس الساعات الطوال في مكاتب الكليّات والجامعات المنتشرة في بيروت، للحصول على معلومة بسيطة او الاطلاع على بعض المراجع والمصادر .
كانت العملية في بداياتها أشبه ما تكون بالمهمات المستحيلة ففي مطلع التسعينيات وإثر انتهاء الحرب الأهلية ، كانت الجامعات اللبنانية تنفض الغبار عن نفسها، وكان حال مكتباتها أشبه ما يكون بالمستودعات، وكانت عملية البحث في أرشيف البطاقات التي تُعرف بالكتب الموجودة عملية متعبة شاقة تسبب للباحث الربو وضعف النظر وترفع الضغط وتحرق السكر ...
كنّت أغطسُ بداخلها غطس غطّاس محترف متسلحةً بنظارتي السميكة، وبقفاز يبعد عن يدي الغبار والأرضة ومخلفات الزمن ... وأستعين بالعلي القدير أن يوفقني بإيجاد ضالتي التي غالبًا ما كنت أجدها بمحض الصدفة والتوفيق الإلهي والعناية الربانية...
أما موظفات مكتبة كليتنا العتيدة فَكنّ ثلاث؛ واحدة مطلقة لا تفتأ تشكي وتنعي طليقها الغشيم الغير مكترث بعلمها وفهمها وجمالها لذلك فهي خلعته لقلة وخبرته بالمديح والثناء عليها وقلة حيلته في التعاطي مع حوّاء ،فهو رجل يقرأ الجريدة بحضور جنابها الكريم، وهو أمر غير مقبول في عرف الحسناوات الفارغات، ويُصَنّف من كبائر الذنوب و يوضع في خانة عظائم الأمور، التي تطلب إجراءات الوعيد والخلع والتأديب .
أما الثانية فكانت عانسًا لا ترى في الرجل أنيسًا أو ونيسًا، هذا هو حال لسانها في حديثها المعلن ، فهي تشكر ربها نعمة العزوبية والحرية، أما في سِرّها المخبؤ تحت طيّات لسانها فهي نادمة متحسّرة من صميم قلبها على رجل يؤنس وحدتها ويُشعرها بأنوثتها وترزق منه بطفل يحي فيها أمومتها المسلوبة ويعطي لعمرها الضائع القيمة المرجوة ، فهي أمضت حياتها بالاشرف على صحة والدتها العجوز التي تراكمت أمراض الكون في جسدها المنهك النحيل
واما الثالثة فكانت متزوجة ولها طفلان، تعمل على إغاظة الأخريات بحديثها الدائم عن زوجها وإخلاصه وكرمه و مدى اهتمامه بها وعرفانه وتقديره لأناقتها و مفاتنها، لدرجة المبالغة في الامر مما يشعر السامع بأن في الأمر إنّ .... وأن هذا المديح ليس بريئًا ...
إذن كنّا كباحثين وباحثات ندخل الى المكتبة، التي لا تتجاوز مساحتها مئتي متر مربع لنخدم انفسنا بأنفسنا ، فيما الموظفات منهمكات في الصبحية والأحاديث النسائية "القيمة" واحتساء القهوة الساخنة، التي تُغلى في زاوية المكتبة فتشق رائحتها الشهية أنوفنا الباردة، ولا مانع من التدخين في المكتبة فهو حلال للموظفين محرم على الطلبة في ذاك الحرم الجامعي السامق..
في بداية الأمر انزعجنا من أصواتهن المرتفعة وأحاديثهن التافهة ، فطلبنا منهن على استحياء بخفض أصواتهن، فقوبل الطلب بالامتعاض وعدم الاكتراث، وتكرر الطلب وتكرر معه التطنيش وعدم الاكتراث، ومع الوقت تطورت الشكوى لتصل الى أمين سرّ الكلية، الذي اكتشفنا فيما بعد أنه زوج السيدة المصون العاملة في المكتبة العتيدة، فأنهى الموضوع على الطريقة اللبنانية ، ومع مرور الزمن ألفنا هذا الحال المعوج وأصبحت أحاديثهن يوميات مسلسل طويل وجزء من مقرراتنا الدراسية .
فنحن في نهاية الأمر طلاب في جامعة تابعة للدولة؛ أي أننا في مؤسسة حكومية في دولة طوائفية خارجة من حرب أهلية، ولا سلطة لمدير ادارة على موظفيه والفوضى العارمة ضاربة أطنابها ..........
هذا حالي أثناء البحث عن المعلومات أما صياغة البحث فقد كانت تستغرق الوقت الأطول من السهر وتستنفذ من المنزل كافة أنواع القهوة ومشتقات الكافيين .
 وبعد الانتهاء من كتابة المسودة أعيد تبيضها يدويًّا لأن الأوضاع المادية لا تسمح لي بإرسالها للطباعة التي كانت حكرًا على أولاد الأغنياء.
كانت عملية اعداد البحث مهما صغر حجمه وخف مضمومه عملية شاقة لا ترى النور إلا بعد جهدٍ جهيد وعناء طويل وقراءات واستشارات واعداد استمارات وبيانات واحصاءات و....والله المعين
تخرجت من الجامعة عن ما يقارب أربعين بحثًا ، بين نظري وميداني لاستمر باعداد الدراسات العليا ومتطلباتها التي لا تقل عن سابقتها سوى بإضافة المزيد من الدقة والموضوعية ومزيد من الابداع والقراءات...
وأنا اليوم أنظر الى أبحاثي أعيد قرائتها بمراجعها وهوامشها وأعتصر في ذاكرتي العناء الطويل والجهود المضنية ، وأطل بعيوني إلى المواقع الإلكترونية في عصر المعلومات والتكنولوجيا لأجد أن المعلومة واصلة جاهزة بأيسر الطرق وأسهلها .... فأتحسّر قليلا ثم أقول في نفسي :
 في قلبي أغنية حب ورقصة ودّ ، ولكل زمان أدوات ولكل حقبة رجال ، الأهم أن ما في داخلي من حبّ الابداع والبحث قد طفا الى الخارج بصرف النظر عن الوسائل وعنائها ، أليس هذا هو معنى "تحقيق الذات"؟؟ !!!

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق