ادريس كثير يكتب: شبح النهايات 3


الأيــــــر/وتيكــــا

               

w استهلالات :
          - "من شر غاسق إذا وقب".
- تبرز "الأيروتيكا حين ينحسر اللباس قليلا " رولان بارث.
- "البورنوغرافيا هي أيروتيكا الآخرين " أندري بروتون.
- الإيروتيكا هي الجنس وقد أصبح فنا وإيقاعا".


إيروس هو إله الحب وكذلك إله القوة الخالقة في الميتولوجيا اليونانية، تحول اسمه إلى كوبيدون في الإمبراطورية الرومانية . حسب تيوجونيا هوزيود (القرن 8 ق.م) يكون أيروس مع كاووس ونيكس وكايا وإيريب الخمسة آلهة الأوائل. إيروس هو الوحيد الذي لم يلد، وهو جميل وخالد " معروف بذكائه وحكمته " اعتبره جون بيار فرنان المبدأ " الذي يبرز الثنائيات، والتعدد الثاوي في الوحدة". إيروس وهيروس (الرغبة) من مرافقي أفروديت  دائما منذ ولادتها.
ورد في تيوجونيا الأشعار الشعبية وهي تيولوجيا أُورفيه أن إيروس هو مبدأ الخلق، ولد من بيضة الكوصموص الناجمة عن الأثير (Ether) والعدم (Chaos).
حسب كوميديا العصافير لارسطوفان (450-385 ق.م) ولد أيروس من نيكس (الليل) بأجنحتها السوداء، وهو يملك جنـاحين من ذهب ويرمي سهامه كيفمـا اتفق. ويعتبر (Androgyne) لأنه تجسيد لصنفين الذكر والأنثى، وله قوة تستطيع جمع الأنصاف بعضها ببعض، وهو إله جميل ويحب الجمال، وكل من يمسسه يتحول إلى شاعر.
لإيروس أخ أو رفيق يسمى Antéros؛ وأخت تسمى هرمونيا (انسجام) . حين يرافقه الأخ يغدو كبيرا وحين يفارقه يعود طفلا.
 وهو يرمز إلى "رغبة الحب" بما هي مجموع الظواهر التي تثير وتوقظ الرغبة الجنسية، ومختلف التمثلات المرتبطة بها، خاصة التمثلات الثقافية والفنية.
 الإيروتيكا تختلف عن الجنسانية لأنها لا تحيل على الممارسة الجنسية نفسها الأولى تديم اللذة والرغبة أما الثانية فتستهلكها بسرعة . وتختلف عن الحب لأن هذا الأخير مشاعر وإحساسات . الإيروتيكا ترتبط بالجسد وبدوافعه الجنسية واستيهاماته عكس بعض مشاعر الحب ( كالحب الأفلاطوني وحب الأبناء و الحب العذري...). الإيروتيكا ليست هي البورنوغرافيا، هذه الأخيرة توصف عادة بالبشاعة وانعدام الحياء، لأنها تكشف عن العورات وتتجاوز الحدود. البورنوغرافيا تقزم ما هو حميمي إلى حدود نسيان الجانب الإنساني فيما يُعرض ويمارس، أما الإيروتيكا فتقلق على هذه الحدود وتترك مكانا محترما للحميمية أي لما هو خفي ولا مرئي.
الإيروتيكا ليست هي العلاقة الحرة ( ليبيرتيناج ) لأن هذه الأخيرة علاقة "فاسقة" في حين الأولى علاقة "عاشقة". "العلاقة الحرة" لا مبالية جنسيا : الإغراء، وحب الذات، والتحرر من كل الالتزامات هي مظاهر الحرية كما يجسدها دون خوان مثلا. حرية تلعب بالنار وتريد أن "تقود الثور من قرونه" (ميشال ليريس) كناية عن تقارب القوى الجنسية (إيروس) بالموت (طاناطوس). الإيروتيكا ملأى بالمشاعر الإنسانية، مبالية بالبعد الجمالي والغرامي للعلاقة.. هي تعبير عن الجانب الحضاري في الإنسان كالفن والأدب، (الأدب الإيروتيكي..). "العلاقة الحرة" نزعة فردانية منغلقة على حب ذاتها في حين الإيروتيكا علاقة غيرية، تنفتح على جسد الآخر وعلى تجربة الغير، وعلى وعيه المتخلف...
ترى ما هي الكلمة العربية التي ترادف هذا المفهوم "إيروتيكا" ؟ هل هي الحب أم الحب العُذري أم المجون أم الجنس... ؟
يبدو أننا لا نملك الكلمة المناسبة التي تُفيد إلتباس إيروتيكا وتميزها عن الجنسانية وعن البورتوغرافيا وعن العلاقة الحرة.. فلم لا نقتـرح أَيْر/وتيكا ؟ من الأير أي القضيب والذكورية. وما هي أهمية هذا الاقتراح ؟ هل يفي بالغرض ؟ أقصد هل ستمنحنا الكلمة إمكانية الوقوف على شق هائل من الأدب وأجناسه ؟ ومن الفلسفة وأبحاثها ومن الفن التشكيلي وألوانه حول ما هو أَيْروسي بالضبط ؟

· الإيروتيكا الأدبية :
هناك متـن شاسع حول ما يُسمـى "الأدب الإيروتيكي" منذ اليـونان إلى الآن. الأسطورة اليونانية بإيمـانها وخطابتها وبلاغتهـا.. جعلت إيروس بجماله وقوته ونباله يتربع على عرش هذا الأدب ؛ حتى يمتح هذا الأخير اسمه من فُتـوة هذا الفتى الإله.
ومنذ ذلك العهد والأدب يتغنـى ويتأدب بهذا الميل الذي يأبـى أن يخلـط بالحب لا العذري منه ولا الإباحي، كما يتمنـع عن أن يمزج ضمن المجون المجاني منه والمُزاحي...
عند اليونان اتسمت الإيروسية بميسم مثالي تشده الأهواء المختلفة بما فيها الهوى المثلي.. (أفلاطون والمثلية الذكورية، صافو والمثلية النسائية، أرسطوفان والمثلية بنوعيها...) وارتبطت هذه الأيروسية بتصور أسطوري للخلق، اعتبر أن البشر خلقوا ضعافا وأزواجا متلاحمة وأن زوس إله الآلهة هو الذي فصلهم وقسّمهم إلى أطراف ناقصة ما زال كل طرف يبحث عن طرفه الآخر إلى يومنا هذا.
إذا كان أرسطو، بعفته ودماثته لا يُنظر للحب يقدر ما يهتم بالصداقة وأضربها، فإن كل التيارات الفلسفية الأخلاقية باستثناء الكلبية صارت في نفس الدرب الأرسطي مع البحث عن تلاؤم الصداقة بالفضيلة وإقصاء الجنس والإيروس لأنهما لا يتوافقان وهذه الأخيرة.
 الإيروتيكا اللاتينية وإن تبنّت المذهب الأبيقوري فقد ربطته بالاعتدال (Mesure). فأوفيد (Ovide) و بيترون (Pétrone) يتغنيان بالحب بين الزوجين الحرين والمتحابين خارج مؤسسة الزواج والجنس الرخيص (الدعارة). هذا الاعتدال قد يغدو مبالغا فيه حين يعبّر عنه بطريقة صوفية تعبّدية...
نقتطف من هذا المتن الباذخ بعض العلامات المنارات للتدليل على البعد الثقافي والحضاري لموضوعة "الأيروس". منها معلمة الماركيز دوساد (أو ما يسمى في هذا الإطار السادية وتوأمها المازخوية،) كما نعرج على كتابات ومذكرات هنري ميلر ومعه أناييس نين ؛... ثم لابد من الوقوف مليا عند تجربة جُورج باطاي وعلاقة الإيروسية بالمقدس وقوة الانتهاك (القانون – الحرمات – المحرمات...).. من جهة أخرى، هل حكايات ألف ليلة وليلة" تعد في خانة هذه الكتابات السالفة الذكر ؟ وما الحكم على أشعار أبي نواس ومن معه من الماجنين الحسان؟ هل هناك "كاماسوترا عربية " كما يؤكد ذلك مالك شابل ؟ وما علاقتها حقيقة بالكامسوترا الهندية واليابانية ؟و هل هناك أدب نسائي ايروتيكي؟...
وما دمنا لا نروم البقاء فقط عند الجانب الأدبي والفني فلابد من مساءلة المتن الصباغي والتشكيلي في الموضوع وقبله لابد من معرفة كلمة الفلسفة في ذات الموضوع...

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق