أناس الكنوني يكتب: شارع التعب


أوهم روحي بالنسيان، أشتت تفكيري حتى لا أوصب بهوس الحنين، تلاحقني صور الخيبات في كل المحطات، أي قطار سيقبل على متشرد مثلي. على غير عادة غيري لا أقطف الزهور لنفسي ولا أعبث بالقلوب، ولا حظ لي في الحياة غير جمع صور الذكريات في مخيلتي، حتى قارئي سيمرض بهوس قارئة الفنجان، ولحظي عرفت قلبا، قرأت في عيونه عيون الآسى التي أحملها، فحملني شوقي إلى مصادقته، مريض بغير علة يصادق مريضا بعلة، ولأني مريض بغير علة كان لي قصب السبق في رمي حبل المودة، بأي دواء أعالج المكلوم وأنا الميت الحي، أعيش روحا بلا جسد، أحشائي كلها بدأ من عيوني تأخذني باحثا عن قبر الأمان لضمان نوم هنيء في وحشة الغياب.
الثالثة والنصف من عشية يوم الخميس ولا زلت معانقا وسادتي، ماذا أريد أن أنسى بعد؟ نسيت الوقت وأحواله،  نسيت الوجود وما يعقبه، وكل شيء حولي، نسيت من أكون، رن الهاتف تحت وسادتي، أخذته ملبيا النداء بدون أن أدري من المتصل، فسبقني المتصل:
-ألوا السلام، كيفك لباس عليك، ممكن نشوفك هاد العشية فشارع التعب.
إنه صوتها ذا النبرة المختلفة، أستطيع تمييزه بين آلاف الأصوات:
-عليكم السلام، مرحبا جميلتي كيف الحال ؟؟
أحب دائما أن يذكرني الآخر بحاله قبل أن يعرف حالي حتى أتعاطف معه في حاله، أردفت قائلا :
-طيب انتظريني قليلا أغير ملابسي وأكون هناك..
لا شهية لي لأي شيء هذا المساء، ولا حتى حديث، ارتديت ملابسا بدون أن أنتبه، معطف برتقالي على قميص أحمر وسروال بني اللون وحذاء أسود، وعطري لَكًوسْط غوج، نظرت إلى المرآة بدون أن أكترث، ثم إلى شارع التعب، خالفت طبيعة تصرفي على غير المعتاد،  وخالفت عادة الذوق عندي هذا المساء، السماء بدورها طاوعتني غاضبة من شيء ما، انتفخت أوداجها أحسستها ستبكي. أشفقت على حالها وقلت: حتى أنتي متضامنة، لا شهية لي لشيء هذا المساء ولا حتى البكاء يا سماء، فوفري علي أحاسيسك إلى المرة القادمة، نزلت بشارع التعب والعيون تحاصرني، لا آبه لأحد ولا أعرف هل ضحكوا أم عجبوا أم استغربوا، لا يهمني شيء في النهاية، أحسست أن لا وجود لها بشارع التعب، أستطيع أن أشم رائحة عطرها على بعد كيلومترات. فتبادر إلى ذهني أنها ما زالت جالسة أمام المرآة تهتم في زينتها كعادة كل النساء، إنها مثلي تماما تريد أن تحتفل بهذا الطقس المكهرب، كم هي نرجسية ترقص على جراح المناخ، المناخ منزعج هذا المساء لن يرحمها أن متأكد، طالما خانني المناخ عندما حاولت مجاراته، أخرجت هاتفي واتصلت بها:
-اهلا فينك أنا بشارع التعب، كالعادة دائما متأخرة..
أجابت بدون مقدمات، كمن أدرك تأخره في كسب رهان، فقالت:
-آسف على التأخر لقد أخذت حماما، لكني انتهيت الآن وأنا في طريقي إليك، نصف ساعة وأكون هناك..
شاع التعب، شارع مثلي أرهقته تقلبات الزمان، لا جديد به غير هذا التعب الذي استحوذ على طبيعته المناخية، السماء على غير عادتها أعنلت الحنين، فتساقط الغيث، هرول الناس محتمين تحت أسقف المنازل، وذهبت هوينا، ماذا بعد يا سماء ؟؟ لا حنين في القلب، أيحن الموتى للحياة، لا أظن ولا علم لي بمنط الغيب، ولا بأسرار السماء، فهذه بقايا جسد يقاوم التعب..
الوقت بطيء في غياب من تحدث، لكن ساعتان من الزمن مرت كلمح بصر، في انتظار قدومها كانت حبات الشتاء تغازلني وتعاتبني على هذا اللقاء وتنتعلني هواجس بمغادرة المكان، ماذا بعد الحكايات التي تجمعنا؟ وماذا بعد تعقب الأنظار لنا؟ علاقتنا جريح مع مجروح، ونزيف في فصل الحنين وبعده نمرض.. تماما لا يعقب الحنين إلا الخريف...
-آلوا أهلا فينك، أنا بشارع التعب متجهة نحوك..
-طيب ها أنا متجه نحوك..


عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق