هشام كجوت يكتب: خط البداية


استيقظت على آهات هاتفي، تخبرني ببزوغ موعد اﻹستيقاض، هي السابعة صباحا.. أصبحت أحب هذا التوقيت بعد أن كرهته، ما أجمل دغدغات النوم التي يرميك بها وأنت تحاول فتح رموشك الثقيلة إذانا بميلاد جديد.. كل ليلة ألقي بأذني فوق المخدة أتساءل هل أفتح عيناي من جديد؟ خرجت بخط متثاقلة إلى الخارج.. فاصطدمت عيناي بأشعة الشمس الساطعة، فتعذر علي فتحهما كسجين أرضعته غياهب الزنزانة لسنوات، استعنت بظل يدي حتى جمعني والسطوع نسيج اﻷلفة، تبا لهاتفي خانتني عقاربه من جديد، لم تكن القرية مختلفة في تلك الفترة عن مثيلاتها، السكون هو سيد المكان إلا عن أصوات حيوانات تتمرد عن سلطته بين الحين واﻵخر.. هي مجرد أصوات تنحب إذانا بالظهيرة وشمسها الحارقة.
استدرت على نحنحة مصحوبة بسعال قوي سببه صقيع البرودة في الصباح، إنها أمي الحبيبة قد انتهت من نقاشها اليومي المتواصل مع حظيرتها أجود ما يمكن القول عنها كوخ يجمع الكل تحت سقف واحد (دجاجات،خراف وبقرة وحيدة..) ألقت علي تحية الصباح، لطالما عودتني على كسلي بدلالها الدائم وإلا فشتان بين الظهيرة والصباح، ونحن جالسين على مائدة اﻹفطار، رفعت اﻹبريق عاليا فتهاوى منه الشاي الذي استولت عمامته البيضاء على النصف العلوي للكأس، فداعبت أنفي رائحة نبتة أزير، تحسستها بنهم مغمضا عيناي، لاحظت أمي ذلك وقالت: رائحة هذه النبتة لا يعرف قيمتها إلا من ترعرع وكبر في حضن أزير... كانت إشارتها كافية ﻷوقن أني مجرد ضيف ينتظر قطار الرحيل، وما النشوة العابرة إلا طيف لنشوة خاصة لا يعرفها إلا المستقر اﻷصلي، أما الرحيل فهو للضعفاء أمثالي، صحيح أني ولدت في رحم أزير ولكني لم أترعرع كفاية في أحضانه واختل شرط الرعاية... كانت الساعة الوحدة ظهرا عندما تسللت بين شقوق أزقة قريتي متجها إلى منبع العين (عين القصبة) كما يسمونه، في طريقي مررت بمحاداة الساقية العتيقة التي توحي مساحتها الخالية من الماء بتراجع الصبيب وانكماشه، استرسلت المسير عبر الزقاق الطويل مسود الظل والتهب وجهي سرب من الباعوض مزجت اليد بانحناء قليل كي أتفاد الهجوم، ابتسمت مخاطبا قالو عنك (درب الناموس) ولم أصدق.. في الأفق القريب من المنبع رمقت زمرة من النساء يزاوجن بين الغسل والقهقة في جو ملئه العون ولعب الدور بإتقان كلبوءات ينضمن الصفوف للإنقضاض على فريسة مغرية ،وانسل صوت إحداهن بعويل (تماوايت) الحارق:
يا عصفور اﻷعالي..
ابسط جناحيك..
بالشوق نخط التحايا..
علك لمعشوقي أنت ساعيها..
صوب تخوم الترحال..
أخذني هذا الصوت البلبلي نحو اﻹبحار في تعاليم الترحال الشاهقة، لا لشيء إلا أنه أيقض في نفسي تورم الذكريات، هي من اتخذت اﻷمانة اسما لها فخانت اﻷماني والأمالي، هي من جعلت من الحياة محامية داعبتني حتى وقعت على عقد اﻹعدام، هي حبيبتي... ما أغرب شطحات الدهر فهو مستعد ﻷن يشترينا في هوان جزرنا ويبيعنا في خصب مدنا.. بل يسكب نخب سكرنا ويكون أول المعاتبين.. ضاجعت الكثيرات.. كلهن أنت، لا يفوح منهن سوى رحيق عطرك المثمل، وما إن أنتهي حتى أستفيق، فيزكمني عطرك.. لتختفين وتصبح ذاكرتي سراب.. ها أنا ألقي أذني فوق الوسادة ليسقط من بين يداي جهاز التحكم في ذاكرتي.. وغادرت الجدول.. نحو بصيص النسيان.. آهات هاتفي تفوح ضجيجا لا تجزعوا.. إنها السابعة صباحا أحببت هذا التوقيت بعد أن كرهته.. وعقارب الهاتف لم لم تعد خائنة.. فاقتليني بخيانتك.. أثلجي صدري. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق