أسامة الدواح يكتب: علم التحقيق في ضوء التطور التكنولوجي


إنه لا يخفى على ذي العقل الرصين أنه ومنذ أن خلق الإنسان ووجد على تراب البسيطة، وهو يحاول فهم وسبر أغوار هذا العالم من خلال تعامله مع الأشياء وكذا المدركات الحسية العديدة. إلى أن نشأت المفاهيم عنده وتطورت واتسعت رقعتها لتشمل مجالا أوسع وأرحب، حيث أصبحت الكلمات والمفردات والألفاظ تشير في أي لغة من اللغات إلى معان ورموز ودلالات وقيم، وبما أنها وجدت حول الإنسان فقد أصبح لزاما عليه التحري والتحقق ثم تقصي مكنوناتها والبحث عن لبها وماهيتها.
  لقد اقتضت فلسفة البحث العلمي أن نضع تعريفا للمفاهيم التي تؤثث فضاء التنقيب، لنرسم بذلك خارطة طريق بمعالم واضحة وشارحة في الآن نفسه، لفحوى المضمون وجوهره.
 وأول ما يستوقفنا هنا هو مفهوم التحقيق، فأصول هذه الكلمة ضارب في عرض التاريخ وله جذور ممتد في الثقافة العربية الإسلامية وليست وليد العصر كما يراها البعض، حيث تدور كلمة التحقيق في اللغة حول: "إحكام الشيء وصحته والتيقن والتثبت، ففي مقاييس اللغة يقال: ثوب محقق إذا كان محكم النسيج، وفي لسان العرب: حقه ويحق وأحقه، كلاهما أثبته، وصار عنده حق لاشك فيه، وحق الأمر يحقه حقا وأحقه. كان منه على يقين، نقول حققت الأمر وأحققته إذا كنت على يقين منه.
 أما المدلول الاصطلاحي للتحقيق والذي اتفق وأجمع عليه معظم الباحثين والدارسين المختصين في هذا المجال هو: "إخراج الكتاب على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي وذلك في عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبته إليه، وتحريره من التصنيف والتحريف، والخطأ والنقص والزيادة"، أو إخراجه بصيغة مطابقة لأصل المؤلف أو الأصل الصحيح الموثوق إذا فقدت. وقد يتساءل سائل ويقول: ما هو المراد أو الغاية من التحقيق؟
 فالهدف الأسمى من التحقيق هو أن يؤدي المحقق أداء مفعما بالصدق والموضوعية وذلك كما وضعه مؤلفه في الأصل، وتحري الدقة في إخراج الكتاب أو المخطوط. وهذا الأخير أمانة في يد المحقق إذ عليه أن يحافظ عليها والتي أوكله التاريخ بصيانتها وإعادة رسم لوحتها، من هذا المنطلق يمكننا أن نتبين الصفات التي يجب على المحقق التحلي بها:
  • الخبرة والتجربة الواسعة والتمرس بتحقيق المخطوطات، بالإضافة  إلى الدراسة المعمقة لأصول التحقيق، والدراية بالخطوط العربية المتنوعة، مشرقية، وفارسية أندلسية ومغربية...، وضبط مصطلحات القدماء في الكتابة، كعلامات تضبيب، واللحق، والتصحيح والإحالة، ثم ضبط الشكل وعلامات الترقيم وإهمال الحروف غير المعجمية، أو ما يسمى بالتعقبية التي كان يستعملها القدماء لربط الصفحات بعضها بعض نظرا لغياب الترقيم في ذلك العصر.
  • الأمانة في أداء النص، عدم التصرف بكل حرية في المخطوطات فالحفاظ عليها وعلى تراكيبها وأساليبها ضرورة حتمية، حيث يتعين على المحقق التجرد من كل  الأهواء والإيديولوجيات الشخصية والانتماءات المذهبية والطائفية  والتخلي عن فكرة الربح أو تحقيق المكاسب المادية وذلك بنحل وسرقة مجهودات الآخرين.
  • على المحقق أيضا أن يساهم ويحس بأهمية التراث البالغة في إغناء الثقافة وبناء حضارة متينة قوامها تراث وثقافة عريقة لاتشوبها شائبة. حيث أصبح لزاما عليه الدراية الكاملة بعلوم اللغة وفقهها، وذلك بضبطها نحويا ودلاليا بلاغيا، ومعرفة البيبليوغرافيات والفهارس العربية وقائمة الكتب، إلى غير ذلك من الصفات العديدة التي يجب على المحقق التضرع و التحلي بها.
حيث تمر عملية التحقيق كما حددها الدارسون بثلاث مراحل أساسية نجملها كالتالي:
  • المرحلة الأولى: المرحلة النظرية وتقوم على تجميع نسخ المخطوط والمقارنة بينها و تحديد منازل النسخ.
  • المرحلة الثانية: وهي المرحلة العملية وتقوم على التثبت من مؤلف الكتاب وعنوانه.
  • المرحلة الثالثة: مرحلة الإخراج والنشر، وهي الشاكلة أو الصيغة الأخيرة للكتاب المحقق.
     أصبحت المكتبات والمتاحف في عالمنا العربي تعج وتزخر برصيد جيد من المخطوطات، وأضحت محل اهتمام  بالغ من لدن عدد كبير من الدارسين والباحثين  سواء العرب أو المستشرقين، الذين أسالوا الكثير من المداد من أجلها نظرا لقيمتها العلمية والفنية، فقد غدت دليلا هاما وبوصلة معتمدة في تراثنا العربي الإسلامي، يسترشد بها التائه، ويستنجد بها الغريق، ويعرف بها الغريب والدخيل، فالحفاظ عليها يعني الحفاظ على الهوية الثقافية بمختلف أبعادها وتجلياتها في ظل ما يشهده العالم من تغيرات وتقلبات وظهور مفاهيم ورؤى متشبعة بقيم العولمة التي تشكل خطرا على الثقافات الإنسانية المتنوعة وتهدد أمن و خصوصيات الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها.
 من هذه الأهمية، ومع ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة، وتسارع التطور التكنولوجي، أصبح لزاما الحفاظ على المخطوطات من التلف والضياع باستخدام هذه التقنيات المتمثلة على وجه الخصوص في رقمنة المخطوطات، ثم إتاحتها إلى أكبر عدد من المستفيدين. ومن هنا فلا ضير في ذكر بعض العوامل التي تؤدي إلى ضياع وتلف المخطوطات:
  • اصفرار الورقة وهشاشتها.
  • تعرض المخطوط لعوامل المناخ من رطوبة إلى غير ذلك.
  • تجمع بعض الحشرات نتيجة للمواد اللاصقة المستعملة على المخطوط... إلخ
لقد جاءتنا التكنولوجيا الحديثة بتقنيات ووسائل متطورة، ومدت لنا يد المساعدة من أجل الحفاظ على هذا الموروث الثر، ثم حمايته من كل أسباب التلف والضياع، حيث يتم مسح شامل للأوراق، وإزالة كل الأوساخ العالقة بها، وذلك باستعمال ممحاة عالية الجودة، وأيضا إزالة كل المواد اللاصقة التي أدت إلى جذب الحشرات الضارة، ثم استبدالها بأخرى مضادة للهجوم الحشري، بالإضافة إلى استخدام جهاز "بي أتش ميتر" لقياس درجة الحموضة في المخطوط.
جهاز: بي أتش ميتر.

  ولعل هذه المعاناة التي يعيشها تراثنا العربي الثري بشكل عام والمخطوط على وجه الخصوص، هي التي أثارت حفيظة وانتباه رجال الفكر والباحثين والاختصاصيين على إحيائه وبعثه من جديد في ثوب الحداثة والحيوية.
فموازاة مع إحياء التراث، شهدت المجتمعات منذ القرن الواحد والعشرين تطورات متسارعة وتحولات جذرية في شتى مناحي الحياة، نتيجة للثورات المتلاحقة في تقنيات المعلومات التي ارتبطت بتطوير الحاسبات الآلية، وارتفاع معدلات استخداماتها وتوظيف إمكاناتها، وتطور تقنيات الاتصال عن بعد. وما تلى ذلك من تزواج تولد عنه نظم وشبكات المعلومات وصولا إلى قناعة ثابتة بأن تكنولوجيا المعلومات بمفهومها الواسع، فيها الحل الناجع للعديد من قضايا المجتمع ومشكلاته.
في سياق الواقع كانت المكتبات ومرافق المعلومات هي الأكثر تأثرا بالتغيرات التي جاءت بها تقنيات المعلومات والاتصالات، مما  جعلها مرآة تعكس صورة استغلال تلك التقنيات  المتطورة في أداء أعمالها وتقديم خدماتها، وإذا كانت هذه المؤشرات تعد الآن من قبيل المسلمات، فيستحسن أن يتم تطبيقها في مجال المخطوط العربي خاصة، أو التراث العربي بشكل عام، والتفكير مليا في الخروج بحلول جذرية للتغلب على جل هذه المشكلات وتذليل الصعاب أكثر للأجيال اللاحقة.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق