رضوان العمري يكتب: كأس لا تنضب

                                
  كان يرتشف الكأس السوداء كل دقيقتين، يرمى بنظراته ذات اليمين وذات الشمال، ثم قهقه وحده جالبا كل الأنظار إليه.. حس بهول ما صنع فتلونت وجنتاه بالأحمر والأصفر، فعبس وطأطأ رأسه مادا يده اليمنى إلى الكأس الباردة وارتشف شبه شربة أخرى وأطلق الدخان...كان يجلس كعادته في زاوية المقهى وحيدا منتصبا مثل طائر البوم، يحوم بعينيه السوداويتين في كل أرجاء المقهى مستغلا قامة عنقه الطويل.
        كان المقهى ممتلئا بالأساتذة والطلبة الذين يستعدون للامتحانات، يجلس الصنف الأول في باحة المقهى يتصفحون الجرائد ويملئون الشبكات ويتبادلون أطراف الحديث مع زملائهم..، بينما يعتكف الطلبة داخلها ملتفين حول الأعمدة الكهربائية ومنغمسين في حواسبهم الذكية، كانوا يتوزعون على شكل أزواج ذكر/ أنثى، يصمتون لوقت طويل ثم يهمسون فيما بينهم بلغة لا يفهمها هو: "إنها اللغة الفرنسية " يتمتم متحسرا على عدم فهمه ما يقولون. مشكلته هي كونه استطاع التعرف على كل من يجلس في المقهى، كل باسمه وصفته،  بينما لا أحد منهم يعرف عنه شيئا، أو حاول حتى الالتفاتة إليه. يشير إليهم مائدة بمائدة: الفتاة الشهباء تحب صاحب الشعر الطويل، يلقبه في نفسه مبتسما "طرزان" وهذا ذو العيون الزرق يحب تلك الجميلة، يلقبها "منار"... إلخ. يحاول جاهدا أن يتواصل مع أحدهم سواء كان شابا أو شابة، لكن يتريث قليلا وينظر في مرآة هاتفه  إلى وجهه المتعب بقسوة الطبيعة والذي تخطه ندبات ومسالك ووديان، فلونه يتأرجح بين الرمادي الخافت ولون التربة الحمراء "الحمري" كما يسمى في منطقته، كأنه قطعة أرضية حرث نصفها وترك نصفها الآخر معشوشبا، ثم يتفحص ملابسه الفضفاضة والواسعة على عادة أهل عشيرته، وقارن بما يلبسه الآخرين من ملابس أنيقة ووجوه مشرقة تعطرها عذوبة الابتسامة ونصاعة الأسنان. يعتليه شك كبير في الحصول على صديقة، غير أنه كان مصرا على المحاولة، ثم ينظر مجددا للمرآة ويبتسم فإذا بأسنانه التي تشبه ما بقي من كأس القهوة السوداء تبرز نازلة عليه بردا وسلاما، يردد خافتا: "إمههه"، ثم يشعل سيجارة أخرى ويلعق عسل القهوة السوداء...  
        استمر حاله هكذا مدة طويلة، لكن ذات صباح مشرق قرر أن يشتري قلما ومذكرة، وارتدى بذلة أنيقة،  مشط شعره وغسل أسنانه، وبكر إلى المقهى المنشود، أخذ جريدة وبدا يوهم الناس بأنه مثقف: يقلب بين صفحات الجريدة ويدور القلم بين أنامله، فجأة، دخلت المقهى فتاة لم يسبق له أن رآها هناك، اقتربت منه وهو يفحص تثاقل مشيتها مع قفزات نهديها البارزتين على سطح صدرها العاري، انسل لعابه وابتلع السيجارة التي كانت بيده،  وصاح صارخا: "كارسون" أسرع وانظر ماذا تريد الآنسة؟ لم يلتفت له النادل. ثم انتصب واقفا وناولها العصير الذي طلبه لأول مرة عوض قهوته المعتادة، وناده مجددا ناولني عصيرا أخر." سمعه النادل واقترب منه وقال له غاضبا: "أنت تكلم زوجتي يا كلب، خذ المنديل والعق لعابك، كنت متأكدا بأن وجهك لا يصلح له إلا قهوة سوداء".

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق