عبد المنعم كموني يكتب: أبو حامد الغزالي: الفيلسوف الذي قوض الفلسفة

أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام وإمام المسلمين ،عالم الأصول وركيزة المتكلمين ،مهدم الفلسفة ومسفه الباطنية وشيخ كل مريد متطلع إلى ترقي درجات التصوف، هو رجل الشريعة والحقيقة ،يحترمه العامة ويبجله الخاصة ،هذا في العالم الإسلامي، أما عند المستشرقين ، فهو فيلسوف الإسلام ورجل الفكر الحر في      لحظات الظلمة إبان العصور الوسطى، فكره وحياته درس وجب تلقينه للناشئة، ونبراس كل باحث عن طلب المعرفة، فهو مخلص الإسلام والأمة الإسلامية من شراك التشدد والشكلية إن على مستوى الشرع أو الدين. 
إن بحْثَ الغزالي عن اليقين والحق، جعله يستقصي كل طريق وينشد كل سبيل، فبدأ بدائرة المتكلمين ، ولما لم يطفئوا لهيب قلقه وشغفه المعرفي، بعد أن عجزوا عن الإقناع أمام الفلاسفة، تساءل إن كانت الفلسفة سبيله الجديد ومطيته لبلوغ المعرفة؟،كما أنه لاحظ عجز المتكلمين عن مواجهتها ، بل وردهم جاء « مجرد كلمات معقدة مبددة، ظاهرة التناقض والفساد.» ، فانبرى لدراستها عامين متتالية بعصامية مفرطة ودون توجيه إلا من رغبة  الوصول للمعرفة والحقيقة، إضافة إلى العلم المسبق أنه لم يوجد قبله من صرف الهمة والعناية لدراسة الفلسفة من علماء المسلمين. ولهذا ظل «مواظبا على التفكير في ذلك العلم بعد فهمه( في سنتين)، ثم سنة أخرى» يعاوده ويردده حتى سبر أغواره وغوائله واطلع على ما فيه من خداع وتبليس وخيال، فانبرى للرد عليه وهو المطلع عليه بلا  شك. ومن هنا تجدر الإشارة أن المقال لن يتطرق إلى سجال الغزالي مع الفلاسفة وتكفيرهم وزندقتهم لأن الحديث في هذا الأمر مستفيض والدراسات السابقة أعطت الأمر أهمية كبيرة وقتلته بحثا لدرجة الموضوعية واللاموضوعية، لكن – قارئي العزيز- سنتبع منهجية طرح السؤال الجانبي الموصل للب القضية المدروسة، وذلك بتساؤل فحواه: هل الرجل كان صادقا فعلا في  بحثه واطلاعه حول الفلسفة ومعرفتها فقط، أم أن اتخاذها وسيلة الوصول للحقيقة والمعرفة كانت الذريعة واللكمة الحديدية الموجهة بحنو وحريرية لوجه الفلسفة والفلاسفة ؟؟.
الإجابة عن السؤال تضعنا أمام مواقف ثلاثة، تجمل أغلب الآراء المتحدثة في الشأن، أولاها أن غياب الحقيقة في مرتع المتكلمين فرض على الغزالي البحث عن بديل مجدٍ، فاستقر على الفلسفة، وهو ما صرح به في مقدمة كتابه " مقاصد الفلاسفة" حين قال : « اني التمست كلاما شافيا في الكشف عن تهافت الفلاسفة وتناقض آرائهم، فرأيت قبل بيان تهافتهم أن أقدم كلاما وجيزا مشتملا على حكاية   مقاصدهم من غير تمييز بين الحق والباطل، وأورده على سبيل الحكاية مقرونا بما أعتقده من أدلة لهم» ، وما يعزز هذا الرأي ، قول المستشرق الألماني دوبوير    (De Boer) في كتابه  "تاريخ الفلسفة في الإسلام"                                               (Geschichte der philisophie in Islam.1901) : « إن الغزالي درس الفلسفة ليجد طريقا للخروج من الشكوك التي اعتورته وأنه أراد طمأنينة القلب وتذوق الحقيقة العليا»ص 150. ومن خلال هذين المنطلقين تأكيد ‘لى مقصدية  الغزالي في اتخاذ شط الفلسفة ملاذا لحقيقة مفقودة.
وفي المقابل، نجد الموقف الثاني القائل بأن دراسة الفلسفة كانت وسيلته للتفنيد والدحض، والغريب أن نجد ذلك في اعتراف مباشر منه ، في القسم الثالث من مقدمة كتابه " تهافت الفلاسفة"،  إذ يقول : « ولذلك أنا لا أدخل في الإعتراض عليهم (الفلاسفة) إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت، فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعا به»ص5. وايضا قوله في نهاية مسألة ( بيان تلبيسهم أن الله صانع العالم وأن العالم صنعة) :« فإن قال قائل: فإذا أبطلتم مذهبنا فماذا تقولون أنتم؟،قلنا:نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض ممهد، وإنما غرضنا أن نشوش دعاويهم وقد حصل »ص 32. وفي قوله هذا تأكيد صريح وإظهار مقصدي مبرر ومباشر.
إلا أن موضوعية الدراسة تفرض علينا اتخاذ البين- بين في القول بإفراط أو تفريط موقف الغزالي نحو الفلسفة أو الفلاسفة، وقد وجدنا في قول الدكتور عمر النجار  صواب الأمر و موضوعية التحقيق ، فهو يرى أن الغزالي اطلع على الفلسفة كباحث في الأول، لكنه لما وجد الحق « نابيا عنهم ، أراد الرد عليهم في التهافت، ولكنه اضطر قبل ذلك أن يبين  لهم أنه فهم كلامهم وعرف  لفظه ومعناه، حتى يأتي بعد ذلك نقده نقد الواثق العارف لا نقد الجاهل المتسفسط ،كما فعل  كثير من المتكلمين » اعترافات الغزالي. 75. والحقيقة تقال، إن الغزالي في نقده وتكفيره أو زندقته للفلاسفة و تبديعهم ( من البدعة) اتخذ منهج العارف المطلع قبل الحكم، بل والمقنع، وليس المتحدث المتسفسط الراغب في الهدم دون البناء.
عود على بدء، عمل الغزالي هذا رسالة مفتوحة و دعوة لكل طالب علم إلى ضرورة الدراسة والمعرفة الكافية قبل إصدار الحكم، فالباحث عن فساد أو صحة أي علم ،لن يتم له البحث والتقصي الرصين منهجيا ومعرفيا إلا إن سبر مغاوره تفصيلا وتدقيقا،  حتى " يساوي فيه أعلم الناس بأصله، بل يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع  عليه صاحب هذا العلم " ، وعندئذ يكون جديرا بادعاء فساد هذا العلم  أوصحته.
   

  
  

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق