محمد أبضار يكتب: حفل ختم القرآن-عرس القرآن-(تامغرا –ن- القرآن)

لقد تعددت طرق الاهتمام والتحفيز على حفظ القرآن الكريم لدى المغاربة، وكثيرة هي المواسم والمناسبات والاحتفالات التي يقيمها المغاربة لحفظة القرآن في بلدنا –المغرب- الحبيب في حواضره وقراه، وفي شماله وجنوبه، شرقه وغربه، إذكاء لروح المنافسة فيما بينهم، وتكريما لهم على اجتهادهم، ومكافأة لتفانيهم في حفظ كتاب الله العزيز.
وإن كان هناك من حدث يلقى العناية لدى طالب القرآن، فإنه ذلك الذي يتوج فيه الطالب حافظا للقرآن الكريم أمام الجميع، ويكون ذلك ايذانا بتبوئه مرتبة ودرجة ليست كسابقتها.
ويمكن القول أن حفل ختم القرآن بالحفظ في اللوح بالطريقة التقليدية المعروفة في المغرب، يسميه البعض بالدارجة "عرس القرآن"، ويسمى بالأمازيغية "تامغرا ن القرآن"، والذي خصصناه بالحديث في هذه الورقة، يعتبر من أهم المناسبات لدى طلبة القرآن وأكثرها تأثيراً وتأثراً فيما بينهم، وأعَـمّها فائدة، فهي تلقى ترحيبا منقطع النظير من طرف الخاصة والعامة.
ومما يدل دلالة واضحة على اهتمام المغاربة بهذه العادات وترسيخها حتى ارتقت لتكون من الثوابت العرفية ما تحدث عنه ابن خلدون رحمه الله في خصائص أهل المغرب "ولعل أهم تلك الخصائص هي المتعلقة بمحورية القرآن الكريم في حياتهم الدينية ونظمهم التعليمية، وما لهم في حفظه وتحصيل علومه من النبوغ الذي لا يضاهيهم فيه شعب من شعوب ديار الاسلام"، على كل المستويات تقريباً فمحاسنه أكثر من أن تُذْكَر، كما أن منافعه التعليمية والتحفيزية أشهر من أن تُحْصَى فهي كثيرة وظاهرة للعيان ومشهود لها عند عوام الناس فضلاً عن خاصتهم.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن هذه الختمة القرآنية (أسوفغ)، إذا تأملتها جيدا تجد أنها مجموعة من الختمات الكثيرة العدد، لأن الخاتم (الحافظ) أثناء تكراره للقرآن في اللوح بقصد الحفظ، تجده قد تلا القرآن مرات ومرات، عملا منه بالمثل القائل : "كل ما تكرر تقرر"، لذلك فإن احتفال الناس هذا قد يحصل به من الثواب كما لو حضروا الختم القرآني مرات عديدة.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:" عَلَيْكَ بِالْحَالِّ الْمُرْتَحِلِ" قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ:" صَاحِبُ الْقُرْآنِ يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَهُ ثُمَّ يَضْرِبُ في أوله كلما حل ار تحل". قُلْتُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ أَنْ يجمع أهله...عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا.
ومن الشكليات التي يتطلبها يوم الاحتفال هذا والتحضير له تحضير اللوحة وتزويقها وزركشتها بالطريقة والألوان المناسبة، وتحضير الفرس وتسريجه، وإلباس الطالب المحتفى به (سلطان الطلبة) لباسا أبيض أنيق وسلهام في مشهد مهيب أشبه ما يكون بالعرس أو أكثر.
يقول (شيخ الجماعة بسوس) العلامة المختار السوسي متحدثا عن عادات الإلغيين أهل بلده في طريقة احتفالهم بمن ختم القرآن :
"متى ختم التلميذ القرءان تزوق لوحته بأبيات شعرية مهلهلة تستدير بأواخر البقرة "آمن الرسول إلى آخرها" ويذهب مع التلميذ كل طلبة القرية وهو في لباس جميل، يدورون به في القرية ويزيرونه مشهدا يتبرك به ثم يكتب كل واحد من الطلبة في اللوحة كلمة من حزب الرحمن ثم تقام حفلة يحضرها الطلبة عند أبى التلميذ فيختمون القرآن على العادة. وهذه الحفلة لا تتجاوز يوما واحدا كالعرس نفسه. لأن الإلغيين مقتصدون لفقر بلادهم."
ويضيف أن شيخ التلميذ هو من يعطي الاذن والانطلاقة للتهيئ لهذا الحفل والاعداد له: "متى أعلن أستاذ المسجد لتلاميذه فإنهم يحملون لوحة مزوقة بآيات من القرءان ويغلفونها بزيف أحمر أو أرقط فيجعلونها فوق قصبة فيحملها أحدهم فيدورون أمام الديار بقفة كبيرة يضعون فيها الزرع الذي يعط لهم من الديار, والنساء يتبركن باللوحة والتلاميذ يرفعون أصواتهم بنشيد خاص لهذا الموقف فيه تمجيد القرءان وحملته" 
وإنها لمن أصول العادات الحميدة المتجذرة، والضاربة بجذورها في عمق التاريخ المغربي، والتي ينبغي لمعلمي القرآن ومدرسيه العمل على بعثها و إحيائها في بلدنا الحبيب، ذلك أن هذا الاحتفال الراقي بما يقدمه من منظر رائع، وتحصل به حالة نفسية مزهوة لدى المحتفى به، تبعث على المضي قدما في التفنن في القرآن و إتقانه، وتؤتي أكلا قد لا يؤتيه كثير من الأساليب التربوية التي يلجأ إليها معلمي القرآن الكريم، كالضرب المبرح و كثرة العتاب واللوم والتوبيخ بين الأقران للتلميذ ...، وغيرها من الأساليب التي يعرفها تمام المعرفة من هم في هذا الميدان، مما يسبب –لا قدر الله- في غالب الأحيان نفورا من حفظ القرآن فيكون ذلك سببا وحائلا دون إتمامه لمسيرته.
وإن من الخصائص النفسية للطفل أو الشاب في مقتبل العمر، أنه يحب الظهور بمظهر المتفوق أو الماهر بين أقرانه التلاميذ، ولم لا في وسطه الاجتماعي ككل، خاصة في عرس احتفالي كعرس القرآن (تامغرا-ن- القرآن)، مما يذكي فيه جذوة الاهتمام والمثابرة أكثر، بيد أننا عادة ما تستهوينا المنافسة إذا كان يعقبها التتويج وأن يحتفى بك على أعين الناس وعلى رؤوس الأشهاد، وحتى تشرئب الأعناق إلى تبوئه مكانة كبيرة في مجتمعه، وحتى يشار إليه بالأصابع وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] قَالَ:"لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النّهَار، وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار" مُتَّفق عَلَيْهِ.
ومما يدخل في حكم التتويج والاحتفال بحافظ القرآن أن شيخه وأستاذه الذي ختم عليه القرآن يزيد من تكريم طالبه المحتفى به لكن بشكل آخر وبطريقة أخرى تختلف هذه المرة على سابقتها حيث تكون الأولوية لخاتم القرآن في أن ينوب عن الإمام "شيخه" أثناء غيابه في الصلوات الخمس، كما ينوب عنه في مناسبات اجتماعية أخرى، كما أن الفقيه يقوم باختبار حفظ تلميذه بتقديمه للصلاة بالناس خاصة في التراويح.
"وكانت هناك إمامة الغلمان الذين يحفظون القرآن ويختمونه في تلك السنة من أي سنة من السنين، فإذا تم حفظه في أي وقت من أوقات السنة، ظل ينتظر حتى يأتي شهر رمضان، فيحضر إلى الحرم ويحضر معه شيخه الذي حفظه وأبوه وزملاؤه الذين يحفظون معه وبعض الأقارب والأصدقاء، فيقوم الغلام بصلاة التراويح ويقرأ القرآن الكريم كله في أثناء الشهر أو أقل بسماع شيخه والحاضرين فيكون بمثابة اختبار له وشهادة منهم على حفظه ثم يعمل له والده حفل ختم القرآن، كلٌّ حسب اقتداره ومجهوده." 
ومما تتوق له همم وأفئدة الكثير من الطلبة القرآنيين –على سبيل المثال لا الحصر- أن يحظو من معلميهم وأساتذتهم بأن يقلدوهم مسؤولية من المسؤليات داخل المدرسة القرآنية التي حفظوا فيها القرآن الكريم، كأن يكون مقدما للطلبة مثلا، أو مكلفا بتدبير مؤونة الطلاب في المدرسة، أو بتصحيح ألواح الطلبة ومساعدة الفقيه في ذلك، أو غيرها من المهمات التي تظهر للمتتبع العادي على أنها تكليف فقط، لكنها بالنسبة للطلبة فيما بينهم، ولمن ألقى باله وهو واع وشهيد، أن ذلك تكليف وتشريف، بل وسام وأي وسام.
وقد يبذل والد الغلام الشيء الكثير في هذا الحفل فرحا بحفظ ولده للقرآن خاصة إذا علمنا أن دلالة كلمة (عرس/تامغرا) تحمل  في الوعي وفي المخيل الشعبي المغربي كل معاني إظهار الفرح والسرور، وإشهاره بين الناس.
يقول الأستاذ الحسن طالبون في مقدمة تحقيقه لكتاب : تحصيل المنافع من كتاب الدرر اللوامع في أصل مقرأ الامام نافع للشيخ أبي زكرياء يحي ابن سعيد الكرامي الجزولي السملالي السوسي "ومن المشاهد الاحتفائية المثيرة ... أن يوم الختم القرآني لا يكون مشهودا بالنسبة للتلميذ فقط، بل يشاركه فيه اللوح الذي يكون في زينته القصوى حين يزدهي بزخرفاته المثيرة وزركشاته الجذابة التي تشعر بأهمية الذكرى وبروعة الحدث، بل هناك يحدث انعكاس وتجاذب وتمازج بين جمالية اللوح و آيات البشر التي يطفح بها محيا المحتفى به." 
ويكتب اللوح يوم الختم على أشكال مختلفة من الزركشة احتفاء بالحدث وتشجيعا للراغبين في الوصول إلى تلك المرتبة من رفاق الخاتم وزملائه في المسيرة القرآنية...ويطوفون بها في المنطقة مرددين بلسان واحد مختلف أهازيج و أراجيز تعجب السامعين وبذلك يكون يوم الختم مشهودا. 
وفي بعض المناطق المغربية تبلغ درجة الاحتفاء بذكرى الختم القرآني إلى أن تسمع هتافات الفرحة والابتهاج في الوسط الذي يحيط بالتلميذ الخاتم، وتتزايد الفرحة حين يركب على الفرس ويطاف به في المنطقة، حيث يتبع بأناشيد معينة تشجيعا له ولزملائه على الجدية في المسيرة القرآنية.
وختاما نقول إن فرحة هذا الاحتفال والسعادة التي تغمر طلبة القرآن في ذلك اليوم المشهود لا توصف بل تعاش لحظة بلحظة حتى تجد كل من حضر يستشعر ذلك، وكما قيل:"ليس من رأى كمن سمع"، وليس من عاش لحظات ومعاناة ختم السلكة حفظا، كمن حضر للاحتفال فقط فانبهر لذلك المظهر الرائع، ويمكن القول كمسك للختام لهذه المداخلة المختصرة والمقتضبة، أن مثل هذه العادة ينبغي التمسك بها وتربية النشء الصاعد على حب القرآن من خلالها، فلو لم يكن لهذا الحفل إلا الدلالة على التمسك بالقرآن الكريم وحفظه وحبه لكفاه فخرا وجمالا وبهاء.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق