زينب زمزم تكتب: أعرف امرأةً تحب الوطن



 تركت ثروة العائلة وتزوجت جندياً، هامت به فعشق الحرب أكثر منها.. وعاشت ترتبُ وحدتها وحدها على غطاءِ سريرٍ ضيق، وطاولةِ طعامٍ و كرسيٍ واحد، يبكي المنزلُ كلما صحى الموت في المعارك، فتجففُ الأرضَ بالمناديل وتنشرها على قلبهاِ حتى تفرغَ من الحزنِ كل مرة... وهكذا حتى يغفو الموتُ مرةً أخرى..
 ترممُ بالرسائل والصور، الجدرانَ التي شققتها نشراتُ أخبارٍ تتجاهل تراكمات شظايا الأرواح و كسرات قلوب البشر المتصدعة، و تذكرنا بالحصيلة النهائية للموت بموجزٍ ونصف خبر، وبعض الأرقامِ الفوضوية، تبتسمُ ابتسامةَ السياسيينَ الثقيلة، وتعِدُ بانتصاراتٍ و أوطان كاملة.. تشتُمُ قشور التفاح وتغضُّ عدساتها عن ديدان الخل الكثيرة المتكاثرة..
 أعرف امرأةً، أمضت سنين الحرب تخيط تشققات البشر بإبرة و قلم، وتلصق الأسلحةَ بسواعدِ الجنودِ بضمادات طبّية.. تحيكُ لهم أعلاماً بصنارةٍ و خيوطٍ قاسية.. تعدُهم بها في المساء، وتبيعها في الصباح مع فراغات الرصاص لأولِ بائعٍ متجول ٍيفتتح صباح الشوارع، لتشتري الخبز لأطفال الحرب.. وكلما أذّن الموت في السماءِ، كانت تزيل عن شرفتها شظايا القذائف، وبقايا أرواح البشر والأحياء والشوارع، وتزرع في كل فراغة رصاص متساقطة، قطفة حبق.. وفي كل قذيفةٍ فرغت من الموت، ياسمينة..
كان زوجها جندياً.. ورث  الحروب المحلية والعالمية عن آبائه وأجداده، جاب كل ساحات معارك الوطن.. فكانت كلما عاد الجنديُّ المطواعُ من معركةٍ وهمَّ بالمغادرة، ترسم ظله بدمعةٍ ونصفِ ابتسامةٍ على الجدار، تثبّته بقبلة، وتبكي عندما يرحل ويترك خلفه خيالاً مظلم، وخزانةً مليئةً برائحة المعارك والبارود..
كم تمنّتْ لو أنها تملك الخبرة للعزف على أوتار الحروب المتساقطة من الحدود والسماء، لو أنها تستطيع إغلاق نوافذ الموت في كل الشاشات والصحف والبرامج الثقيلة على سمع البسطاء..
 قرّرَتْ أن تحتال على الحرب.. و كلما طالت أعناق الموت السماء، كانت تجر زوجها بحبلِ غمازاتٍ وقبل، وكأسِ نبيذ.. تعلّمَتْ أن الحربَ لا تنامُ ولا تغفو.. فقط تموتُ في خدر وطن.. وأن لاشيء يكتمُ أصواتَ الحربِ عن التأوّه في منزلٍ عجوزٍ بارد سوى حيلُ امرأة، تتقن الرسم على خراب المدن، في ليالي القصف الطويلة..
 وأيقنتْ أيضاً، أن الفراشَ في الحرب لا يتسع لجثتين معاً، فكان على زوجها أن يموت أولاً في ساحة قتال، بانتظار النصر.. ثم تموت هي بساحة مدينة، بانتظار الوطن..
 مات الجندي في الحرب، وقررت الحكومة أن تكرم العائلة، فلفته بعلم ملون، وأطلقت له رصاصتين الى السماء، وأغنيةًٍ وطنية، ونجوما˝ ليزرعوه في تربة خصبة.. أصبحتِ المرأةُ ربَّ المنزل، وصار المنزل غابة، وهي شجرة.. بقيت جذورها معلقةً بالأرض، وفشلَتْ أوراقها بالصُّمودِ في مهبِّ الحرب، فتقاسمتها سماءُ وحدودٌ غريبة.. وراحت تجمع أطفال المدينة، تهدي أكاليل ورودٍ لهم، ورصاصتينِ للوطنِ ولعدو الوطن، وتعلمهم قبل أن تتقشّر عنها أغصانها، أن الوطن يحتاجهم، في أوقات السلم والحرب معاً، وأن عليهم أن يتعلموا استخدام السلاح وتحديد الأهداف والأعداء بذكاء، أكثر من انشغالهم بالهواتف الذكية والآيباد..
ولم تدرك... كم كان عليها أن تستجمع من ذاكرةٍ وقطعةِ وطن، حتى أصابها زهايمر.. بسبب التقدم بالانتظار....

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق