عبدالواحد الزعيم يكتب: قتل بالخطأ


ترهقني ذاكرتي إذ تعود بي إلى ذاك الصباح البعيد جدا؛ صباح استثنائي لا يشبه إلّا نفسه، صباح لم أقدر فيه على أن أبارح مضجعي، ولا استطعت أن أنسحب من ذاك النوم اللّذيذ، نوم أشبه بالرّعشة الكبرى التي قد يصل لها عاشقين بعد طول مدّ وجزر...
  لم أكن أعبأ بالوقت ولا همّني الآخرون متى استيقظوا، لم يكن لي ضمير ليؤنّبني، ولا كان أبي هناك ليحرمني من تلك اللحظة الإيروسية، كما نجح دائما في أن يحرمني منها؛ مرة كان يركل أسفل قدمي فيهتز جسدي النحيل بالكامل، فأصدر صوتا وأتململ في مكاني موهما إياه بأنني على استعداد لأن أستيقظ دون أن أزيل الغطاء عن وجهي، لأنني كنت أنام مغطّى الرّأس، وهي عادة أدمنتها عندما صرت أسمع لحكايات "الغول" التي تقصها الجدة على مسمعنا كل مساء، يومها صرت أكره الظلام وأهابه فأتغطى... ثم أعود لأتجمد في مكاني فيعود الركل من جديد مصحوبا بكلام لطالما ردده وبتّ أحفظه عن ظهر غيب: "كل الناس استيقظوا إلا أنت"، فأستيقظ مذعورا دون أن أنسى تقبيل يده ليتمتم هو بكلام لا أفهمه ولن أفهمه ما حييت. ومرة أخرى كان يركل وسادتي، تلك التي حرستها دائما وأبدا من أخواي كي لا يناما عليها، تلك التي كنت أحكي لها كل أسراري ما أن أضع رأسي على صدرها لتسمع هي كطبيب نفسي دون أن توقفني. وما أن تصل الركلة حتى تهتزّ الوسادة فيهتزّ رأسي الصّغير معها، فأقفز من مكاني دون أن تتسنى لي فرصة فرك عيناي بأصابعي لتزول الضّبابيّة عن الأشياء التي يقع عليها بصري لتتبدّى واضحة جليّة، ثم أركلها بدوري وأنسحب بلا وجهة دون أن أقبّل يده هذه المرّة...
  كان هذين المشهدين الدراميين يتكرّران معي كل صباح بالتّناوب، إلاّ ذاك الصّباح الذي غاب فيه الأب الذي يلعب دورا أساسيّا في المشهد. لكن سعادة ذاك الصباح لم تدم طويلا، فسرعان ما جاء صوت الأم رقيقا مناديا: "اسيقظ يا محمد فالفطور جاهز". فطورا بدويا يتألف من ثلاثة أشياء أساسية: شاي فخبز فزيت. وإذا زاد عنهم شيء ما فسيكون غالبا زيتون، أو زبدة البقرة العجوز، أو بيض مقلي. لكنّي لم أبالي لمناداتها، بل وزادني صوتها ذاك إصرارا منّي على الالتفاف حول نفسي والتّلذّذ بدفئ المكان، إلّا أن صوت الأم جاء في المرّة الثّانية آمرا ومنذرا بالضرب المبرح ما لم ألبّي طلبها. فنفضت الكسل عنّي ونهضت..
  حتى طعم الأكل كان مختلفا ولذيذا ذلك الصّباح، كانت شهيتي مفتوحة فأتيت على الأخضر واليابس كياجوجي ماجوجي. وعند الانتهاء لبست حذائي البلاستيكي المثقوب وتبعت الغنم باتّجاه الغابة، لم أكن الوحيد هناك، بل سبقونا أولاد الخال الذين ما عادوا أولاد الخال اليوم. ارتعت ولعبت معهم ذاك اليوم حد التعب، حتى الجوع لم أشعر به يومذاك.
  أتى المساء سريعا فعدنا أدراجنا، لما وصلت كان أبي قد سبقني للمنزل، لا أذكر أين قضى يومه. لم تقل الأم شيئا، قدمت لي الأكل مما تبقى من طعام الغداء. وحين جاء وقت العشاء تعشينا جميعا، وما أن انتهينا حتى وقف الأب قاصدا مكان نومه. عندها سألتني الأم سؤالا لم أستطع أن أجيبها عنه حتى اليوم، قالت:
_"ماذا فعل بك سعيد ابن خالك؟"
_ ....
أعادت طرح السؤال:
_ ماذا فعل لك.
_ ....
رفعت صوتها هذه المرة موبّخة ومنذرة إيّاي بالقتل.
_ تحدّث وإلا قتلتك.
أجبتها والدّمع ينهمر على خدّاي:
_ أقسم أنه لم يفعل لي شيئا.
فأردفت هي قائلة:
_ انتظر، أعرف ما سيجعلك تتحدّث.
كانت ترغمني على الاعتراف بذنب لم أقترفه، ولا راودني حتى في منامي.
نهضت من مكانها مسرعة واتّجهت صوب قنينة الغاز، أزالت أنبوبها وعادت إلي في صفة جلّاد لا يرحم.
قالت:
_ ألن تتحدث.
ثم صارت تهوي عليّ، وكلما صرختُ راجيّا إيّاها إلّا وازدادت شدّة ضرباتها لي، صارخة في وجهي بأن أسكت وأقول الحقّ. وما الحقّ يا سيدتي؟ أأن أقول لك بأن فلان مارس الجنس عليّ؟
  كنت أصرخ بكل ما أوتيت من قوّة، ولكن لا أحد سمع صراخي تلك اللّيلة، حتى أخي الذي يكبرني والذي بسبب ثرثرته للأم عن واقعة لا توجد في الواقع أُضرب وأُجلد، حتى هو لم يسمع صراخي، لا أدري كيف أمكنه أن يفعل بي ذلك، رغم ذلك ما لمته يوما ولا حقدت عليه باستثناء تلك اللّيلة، ولا حتى أخي الأصغر منّي سمع ذلك،  وحدها أختي البريئة كانت تسمع صراخي وبكائي، فتبكي هي أيضا، وتطلب زوجة أبيها بأن تتركني وشأني، لكن من يسمع؟
لم تتوقف عن ضربي إلّا حين شَعرت بالعياء وآلمتها يدها، ثم صرخت في وجهي آمرة إيّاي بالحديث.
قرّرت أن أقول لها شيئا فزمّت شفتيها وصمتت لتسمع ما سيقوله المذنب.
بصعوبة قلت ولا حرف قلته ملتصقا بالحرف الآخر في جملتي الأولى:
_ أ ق س م/ ب ا ل لّ ه/ أ ن ه/ ل م/ ي ف ع ل/ ل ي/ ش ي ء، كل ما حدث هو أنّني كنت ألعب معه لعبة "الغمّيضة" ولما جاء دوري لأغمض عيني كي يختبئ هو، بدلا من الاختباء رجع لخلفي وضرب بيده على مؤخرتي، هذا كل شيء.
نَظَرَت إليّ غير مصدّقة ما أقول. آه يا أمي كيف أقنعك بأن ما قلته هو ما حدث فعلا؟ وأنّني لمّا فتحت عيني وتلفتت مسرعا وجدته خلفي، صرخت في وجهه، ولكنّني لم أجرؤ على لكمه لأنّه أقوى منّي، فانسحبت وعيناي تسيلان دمعا، بينما هو ذهب مزهوا بفعلته ليخبر إخوانه بإنجازه العظيم هذا، وأنّ أخي هذا الذي أخبرك لم ير شيئا، وإنما فقط سمعهم يردّدون هذه الواقعة المعدومة في الزّمكان فحملها عن ظهر قلب.
 كان ذاك آخر يوم أحياه من طفولتي، متت مقتولا بالخطأ ذاك اليوم الذي كان صباحه جميلا جدا والقاتل أمي. آه يا أمي كيف أمكنك أن تقتلي طفلا بريئا!! وحدها أختي كانت شاهدة على فعلة زوجة أبيها. لكن المسكينة لم تجرؤ على الصراخ في وجهها ورذعها، فقط اكتفت بالتّوسّل. لكن لا حياة لمن تنادي.
  كلّ مرّة كنت أدخل في شجار مع أخي كان يرّدد كببغاء على مسمعي هذه الواقعة التي لا وجود لها والتي بسببها ضربت ضرب الحمير، فلا أجد ما أدافع به عن نفسي، تسيل دموعي إلى الدّاخل رغما عنّي، بل وكثيرا ما شككت في نفسي. أتراني شاذا دون علمي؟ ثم أعود وأطرد شكوكي هذه، وأحاول أن أكون مع هذا الأخ مسالما إلى أقصى الحدود. لكن عبثا حاولت فكل نزاع مهما كان بسيطا كان يفضي إلى إعادة جرح الجرح الذي ما شفيت منه يوما... ربما هذا ما أدّى إلى تثبيت هذه الواقعة في وعي لاوعيي، كما وأن الأم التي يشكى لها عادة، لم أكن قادرا على الشّكوى لها لتضع حدّا لهذا الجرح الذي يحدثه أخي من حيث لا يعلم، ذلك لأنّها هي من وضعت أساس هذا الجرح. فيكف إذن للمحاكمة أن تكون عادلة إذا كان القاضي على دين المشتكَى عليه؟ فضّلت الصمت طبعا على أن أشبّ حريقا جديدا في أعماق روحي، لكن ومن حيث لا أدري كنت أترك النّار تندلع وتحرقني شيئا فشيئا، وتقتلني على مهل...
 حتى اليوم لا تعلم أمّي أنّني عاجز عن الإجابة على سؤالها. حتّى اليوم لا تعلم أمي أنني فقدت حياة الطّفل الذي كنته على يدها، وأخي أتمّ فعلتها. حتى اليوم لا تعلم أمّي أنّني ما نسيت يوما لحظة احتضاري وموتي وتشييعي على يدها. حتى اليوم لا تعلم أمي أنّني أحنّ إلى طفولتي أكثر من حنيني إلى أحد. تلك الطّفولة التي لم أعشها، كلّ يوم أتمنى عودتها حتى أعيشها كما يجب.
  بدماثة الأخلاق والطّيبة تتصف أمّي، لكن في لحظة خوفها عليّ قتلتني خطأ، رغم ذلك لا ألومها فربما لو كانت ذات معرفة ما فعلت الذي فعلت، وكما يقال فاقد الشّيء لا يعطيه. ربما لِقِصَرٍ علمها فعلت ما فعلت. فمثلها لا تفعلوا أيّها المتعلّمون، وبدل جعل أبنائكم يحنّون إلى مرحلة سابقة من مراحل عمرهم اجعلوهم يعيشون كل مرحلة من مراحل عمرهم كما يجب، وأثّثوا لهم الجوّ المناسب، علّموهم فالعودة إلى مرحلة من المراحل ممنوعة بلغة التّحليل النّفسي. علموهم حتى لا تأتيهم طفولة متأخّرة، وطيش متأخّر، ومراهقة متأخّرة ووو... علّموهم فالأنا الأعلى لا يرحم بلغة فرويدية.
  ترهقني ذاكرتي إذ تعيدني إلى ذاك اليوم الجميل والمشؤوم في آن واحد، وكل مرة يدفعني إرهاقي هذا إلى كتابة هذه القصّة، وكل مرة أفعل إلّا وعدت فقطّعت أوراقها إلى أجزاء صغيرة وألقيتها في فرن، لأنني في كل مرة أكتبها كنت أشعر أنّني خنت الطّفل الذي مات فيّ، كنت أشعر أنني لم أفيه حقّه، ولا استطعت أن أعيده له في يوم من الأيّام. لكن هذه المرّة كانت مختلفة عن كل المرّات، فما أن شارفت على نهايتها حتى انهمر الدّمع على خدّاي، فوجدتني أقسم بربّ الطفولة ألا أتلفها، ثمّ جمعت أوراقها ووضعتها في محفظتي، ولكن عبثا ما حفظت، فقد نسيت أن أضع نقطة النهاية لأحكم إغلاقها، تلك النقطة المشؤومة التي لم أجدها والتي بسببها عادت حروفي لتنفلت من قبضتي، فأبقى انا وحيدا بلا قصّة، ودون تحقيق للبراءة التي بحثت عنها من خلال قصّتي هاته.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق