محمود العكري يكتب: هلعُ الموت



في قاموسي عادة لا يعني لي الاستسلام شيئا، لذا أفضل عدم الضحك، وفي تفضيلي هذا يكون تعاملي مع جل الأمور جديا لأقصى الحدود، لكن الآونة الأخيرة شهدت تدهورا كبيرا ألمّ بجسم ونفس الغريب، حتى صرت مصدر شفقة للكثير من الذين أعرفهم وحتى الذين لا أعرفهم.
استولى الخوف والهلع على كياني، وكان نتيجة محتومة لما كنت أعمل عليه، فالفكر ليس محمود العواقب في كل الحالات، إذ قد يكون مصدرا للشقاء في كثير من الأوقات، وهذا ما تم.
 في ما مضى، أتذكر جيدا أني كنت مثالا للكثيرين، كنت بمثابة الهدية الإلاهية لهم، حيث أتعامل مع مشاكلهم برحابة صدر واسعة ولم يكن همي أنا، كان همي الوحيد هو هم وسعادتهم، ولهذا لم أرد يوما طلبا في وجه أي كان، ونلت من تلك الطلبات تجارب كبرى عن حياة الآخر، فلكل حياة ولكل قصة..
 وما كنت سوى مساعد على تحصيل الحل الذي نناله في نهاية المطاف. لكن محمودا لم يعد محمود، وانهالت عليه الضربات من كل الجهات، تصدى حتى تعب التصدي من المهمة، وبدا في الأفق راية بيضاء قريبة الصعود للسماء، فمن كان يوما عنوانا للأمل صار الآن عنوانا للألم. وهكذا غدت حياتي أكثر تعقيدا رفقة أسئلة لم أجد لها جوابا، صرت في زاوية ما أتنفس الصعداء والهلع يسكن كلي، أراني تارة جثة وتارة أخرى جثة تنحو إلى مصيرها المحتوم.
لم أكن أدري في وقت من الأوقات أن الحياة أيضا لعبة لها قواعد عليك الخضوع لها، فبنيت لي عالما حرا بلا قيود، عالما لا يعلو فوقه صوت سوى رنين الحرية المطلقة. لكن الحقيقة لا تستمر في حيز الوجود للأبد إذ تنقلب الصيغة للضد العنيد، فتغدو أنت عنوان المحطة الأبرز، حينها فقط تصير أنانيا لدرجة لا توصف، حتى وإن لم يكن للأنانية عنوان في مملكة الحرية. إن الخوف الذي يباغتك، وليس الخوف الذي يعرفه الكله، بل خوف من درجة كبيرة تضاف عليه قيمة " زائد " فيغدو خوفا مرضيا، خوفا من حدوث أشياء في الحقيقة هي لن تحدث، خوف من أنك ستموت الآن رغم أن الآن قد فات عليه الأوان ولم تمت.
هكذا تغدو كائنا أنانيا جدا، لا تفكر إلا في أن تكون، أن تستمر في اللعبة التي تحبها، أن توجد رفقة الحياة وفقط، وفي هذا الطريق لا يهم مدى إمكانية وجود الآخر من غيرها، لا يهم حتى سؤال: ما المهم؟ لأن المهم هو أن تعود دقات قلبك لنبضاتها العادية وأن تستطيع الوقوف من جديد، المهم هو أن يذهب السؤال الملعون من جمجمتك القذرة. لقد تغذيت كفاية من ينبوع الألم حتى كونت مفهوما جديدا للأنانية يتمثل بالأساس في خوفك وهلعك، حين تكون خائف أنت لا تفكر في شيء غير زوال ذلك الخوف، فقط حين تكون خائفا تصير بالفعل أنانيا، لأن الأنا وحدها من تتطاير في الهواء..
 وبغتة يداهمك المقربون منك، الذين ساعدتهم يوما، في محاولة منهم لمعرفة ما الذي وقع للغريب، ما الذي تغير من ذلك الكائن القوي الذي لا يخشى إلى هذا الإنسان الضعيف الخائف. إن التغيير الذي تتحصل عليه يكون باديا أولا عند أقربائك، عند من يعيشون رفقتك كل يوم، ولأن المحمود ليس محمودا إلا والكتاب في يده، فقد كانت قولة الأب وهو في قمة الغضب لما آل إليه الحال وتأزم الوضعية النفسية للابن الصغير الطموح: يا بني دع عنك الكتب وعش حياتك، هناك فتيات ينتظرنك، هناك حياة تنتظرك، هناك خارج مثير جدا يا بني، لم لا تنسى كل ما تعلمت لتبدأ حياة جديدة وفق غريزتك، إننا في الأخير بشر لا غير. كنت أكتفي بالقول: معك حق يا أبي، سأرى، سأفعل، الخير في ما اختاره الله..
وفي قرارة نفسي أدري جيدا أنني لست القائل، إنها فقط مقدمة لتبسيط الوضع. وفجأة تباغتني الأم وهي من شدة الخوف على ابنها المدلل لا تعلم ماذا تقول حتى: محمود، كفاك تدخينا، محمود زر طبيبا، محمود إننا نحبك ولن نعيش بدونك، قل لنا ما بك يا بني، ما الذي أصابك يا صغيري؟ لم تكن هكذا فيما مضى، لم غادرت الضحكة وجهك، لما انتحرت كلماتك التحفيزية، لم وألف لم يا بني؟؟ أضطر لقول جملتي الصغيرة التي قد تطمأن الأم على حال ابنها: أنا بخير أماه، أتعلمين أنك أجمل هدية بالنسبة لي، هيا عانقني ودعنا نضحك، كنت أفعلها وفي عينيّ بكاء يأبى الخروج.
 ليأتي الدور على أخي الصغير الذي صار ممرضا، وكم فرحت له بهذه المهنة، فيقول: أخي لا شيء بك، أنت بخير وعليك أن تؤمن بهذا، إيمانك بالأمور هو الوحيد الذي له القدرة على مساعدتك، وما دمت تدعي المرض فأنت حتما ستكون طعما لما تدعيه.. كنت أجد في كلمات أخي نوعا من المنطق، نوعا من التعقل، نوعا من التشخيص المرضي لمرضي، ونوعا من الحقيقة التي أحتاج للإيمان بها، لكنني أعود القهقرى للسؤال من جديد: وما أدرى أخي بحالي؟ ماذا لو كان يكذب؟ فأقول له: أنت لا تحس بما في داخلي، أنت لا تشعر بالألم الذي أحيا على أوتاره يا أخي.
إن الحياة محطات، لقاءات هنا وهناك وربما هنالك أيضا، أخذت منها جرعات في سن غير شرعية، فحصلت على الهدية مبكرا، وكانت هدية ليست كباقي الهدايا، هدية الألم التي لن يطيقها أي كان. إن السؤال الملعون الذي ما انفك يزور مخيلتي هو: لماذا نعيش؟ ماذا سيحصل لو مت الآن؟ ما الضامن الذي يضمن لي الحياة غدا؟ إنني أريد أن أحيا، أن أحقق ما أطمح له، لا أريد الموت، أريد الخلود، فلما الموت؟ لم علي تحمل مشقة أن أرى نفسي من هنا 40 عاما؟ ماذا لو لم أكن في ذلك اليوم المشؤوم؟ إلى أين نسير أو إلى أين تسير بنا هذه الحياة؟ هل هي رحلة النهاية أم رحلة البداية؟ ما الموت أصلا؟.
تداهمني الأسئلة من كل جهة وتحاصرني، لأجد نفسي في غرفتي وسط الظلام الأسود وقلبي يدق بأقسى سرعته، ركبتاي بالكاد تستطيعان الحركة، وعرق فوق جبيني لا يريد التوقف، والأكثر من كل هذا تلك الحرب القائمة داخل جمجمتي، كنت أنصت لها وأنا في قمة الاستسلام، لا أدري ما أفعل.. أغمض عيني وأقول: الموت ربما أرحم من كل هذا.
بعد أن قلت كتاباتي على جدار الفايسبوك، ومعها قلت حيويتي ونشاطي، داهمتني إحدى الصديقات المقربات بالسؤال: ـ محمود ما بك؟ ـ أشعر بدوار شديد، غثيان، خوف، هلع...
 أستسلم. ـ ليس من حقك أن تستسلم الآن.. ـ لم؟ ـ ماذا سيفعل ذلك الذي يعيش على إيقاع كلماتك التي تمثل بالنسبة له منبع الحياة؟ ـ وما الذي يهمني به، تبا له، لم أعد أكترث، أنا أموت، هل تفهمين؟ ـ أنت من بدأت اللعبة وليس لك الحق أن تنهيها الآن، قم من جديد، لن تموت.
أنت لا تعرفين شيئا صديقتي، لا تحسين بما أعيشه,, ـ تبا، أتمنى كل يوم أن أكون بقربك، أن أعيد لك ابتسامتك الرائعة، أن أكون معك إلى أن تعود ذلك المحمود الذي نعرفه كلنا ولا يهمني ما سيقول الناس عني، لأنك بالنسبة لي رب.
 ينتهي الحديث بقولي: أريد أن أنام، وفي الحقيقة أنا أريد أن أعيش لا أن أنام، أريد بعضا من الهدوء رفقتي.. إن الحياة صعبة الحياة، ورغم ذلك نحيا وفق القواعد التي تفرضها هي، رغم ادعاءاتنا المعقولة عن الحرية وشعارات العدالة الذاتية إلا ان الحقيقة قائمة في كون الحياة وحدها من تسير اللعبة التي نكون نحن بيادقها، فتحركنا في كل اتجاه ونحو ما شاءت رغبتها. فالحياة وطن للعقلاء لكنها منفى للغرباء، ولطالما وجدتني هناك في اللامكان رفقة عبثية وجودي الزائف أو هكذا كنت أظن، أسير ومع الصمت أتلو قصائدي التي تبعثر داخلي، فلا أسمح لأحد بترديدها ورائي لأنها تتردد وحدها بداخلي دون أي صوت.
 تستمر اللعبة، ومعها تستمر رغبتي في اللعب، نتأقلم تارة ونتحارب تارة، لكننا لا نلتقي أبدا، لأنها تمارس فعل التذكر، في حين أنحو نحو فعل النسيان، لكي أكون من جديد علي أن أنسى.. هكذا تعلن صرختي. ولأن فعل الكينونة ليس بالأمر السهل الحصول عليه، تكون الذاكرة ملكة على عرش النسيان، إن الذاكرة تحيي النسيان، وتعيد ترتيب فصوله الغريبة الأطوار، كون النسيان بدون ماهية يبقى وحيدا مع السؤال الجوهري هناك: من أنت؟ إن البداية لا نهاية لها كما لقن لنا في درس المدرسة الغبي، فكل بداية هي حياة لبدايات أخرى قادمة لا محال، ولكي تعبر واحدة عليك بالقفز نحو الأخرى، وهكذا تكون أمام محطات يجب عليك فيها أن تنسى لتحيا، أن تنسى لتستمر.
غير أن النسيان يوجد دوما في قفص الاتهام، فهو متهم كغياب! بحيث تصبح تعاسة الإنسان نتيجة مباشرة لعجزه عن النسيان، فيتحول إلى كائن يعيش دوما تحت وطأة الماضي والذاكرة، ملتفتا إلى الوراء، غافلا عما في اللحظة والحاضر من إمكانيات السعادة، وهذا ما جعلني حبيس فكرة أنني في الحقيقة لا أحيا، لا أعيش، بل فقط أتذكر الماضي الذي أكون فيه للأبد وأحاول نسيانه. في لحظات الصمت رفقة الطبيعة، كنت أجلس متأملا منظر الجمال الممتد في المكان الأخضر، وكان يعيش في سؤال يمزقني كلما مرقت عينان ذلك العنكبوت السعيد، فكنت أسأله: " أيها العنكبوت لماذا لا تخبرني عن سعادتك وتكتفي فقط بصنع خيوطك البراقة على نغمة السعادة؟ "
فيجيبني العنكبوت قائلا " إنني أنسى في كل مرة ما كنت أنوي قوله "، لأنه في الوقت الذي يستعد فيه العنكبوت للإجابة يكون قد نسي الجواب فيسكت، وهذا ما كان يثير دهشتي الغريبة. لم لا أكون مثل العنكبوت، أنسى دوما الماضي وأعيش فقط رفقة الآن في هناء وسعادة ! يحكى في العامية المصرية أنه كان هناك حشاش بطل مشهور في جميع النكت المصرية أدمن الحشيش ومثل أمام نفس القاضي عدة مرات ومن قبيل محاولة التوجه الى ضميره أو ما تبقى من ضمير، سأله القاضي: أنت بتشرب حشيش ليه؟ أجابه البطل: لكي أنسى..
فقال له القاضي تنسى ماذا؟ فأجاب: والله العظيم ما أنا فاكر. كما يحكى عن إنسان كان يعيش في أمريكا وقد فقد المعنى وكان مليونيرا حصل على كل شيء السيارة والمنزل والجاه والمرأة الجميلة والرفاهية..
لكن ضمن كل هذه المنظومة المادية الكبيرة لم يجد معنى على الإطلاق، فقرر أن يبحث عن المعنى في العقائد والديانات إلى غير ذلك من الأمور، فسمع عن جماعة كريشنا فذهب إليهم.
 وقال لهم إني أبحث عن المعنى أين الحقيقة، فقالوا له " لا إن سؤالك في غاية الصعوبة وعليك أن تذهب إلى الهند، فذهب ومكث عدة أيام في شوارع الهند إلى أن قالوا له عن أحد المتصوفين.. فذهب إليه وجلس عند قدميه وطرح عليه السؤال ـ أين المعنى؟ ـ وما هي الحقيقة؟
 فأجابه: سؤالك يا بني في غاية الصعوبة، معلمي الأكبر وحده من يملك الجواب عليه، فقال له أين معلمك؟ أجابه: في كهف كبير وسط جبال الهملايا.. فتسلق الجبل لأنه كان جادا في بحثه عن المعنى والحقيقة، إلى أن وصل إلى الكهف وبالفعل وجد هذا الرجل الذي تبدو عليه علامات التقوى والورع جالسا يتأمل فجلس عند قدميه عدة أيام إلى أن نطق.. قال له: ماذا تريد يا بني؟
 فأجاب: الحقيقة يا سيدي ! حتى أجد المعنى.. فقال له: تتلخص الحقيقة في كلمتين، نيرفانا ومانترا.. فقال له كيف أكتبهما، فأملى عليه، فقال له وما معناهما؟ أجاب: نسيت. في الحكايتين هناك عنصر أساسي يجمع بينهما، وهو للأسف عنصر جوهري، ففي جميع الحالات ما نسي ليس تفصيلات أو شيء من هذا القبيل إنما هو أمر جوهري
ويمكنني القول أن هذا الشيء الجوهري يستند إليه العالم بأسره، لذا يكون النسيان هو انتفاءنا من عالم الوجود، ليعود التذكر هو أصل وجودنا، وهكذا تستمر اللعبة إلى اللانهاية. لكن النسيان ليس سهل المنال، قد يأخذ منك كل ما تملك من قوة دون أن تحصل عليه في نهاية المطاف، لكنه فعلا محمود الأضرار، النسيان حل من لا حل له، وهكذا أخرج للعالم رفقة صرخة جديدة تقول: أيتها البشرية، أيها الناس، إسمعوا ما أقول: انسوا تعيشوا، أريد أن أنسى، من منكم يعلم معنى النسيان؟ لا أحد، إني أسير نحوه فاتبعوني.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق