روبير​ ​الفارس​ ​يكتب:​ ​ماذا​ ​قلت​ ​لطفلـىَّ​ ​"لياندرا​ ​وفيلوباتير"​ ​بعد "مذبحة​ ​الكنيسة​ ​البطرسية"؟



رغم سيل بيانات التعزية والاستنكار والشجب إلا أنه وفعليا لا يوجد كلام قادر على تخفيف الأوجاع والأحزان عن قلوبنا، وخاصة نحن الذين نقف أمام أطفالنا المرعوبين عاجزين عن شرح حكمة الله القدير خلف هذا الحادث.
ودعونى أقترب منكم فى وصف حالة أطفالى الذين لا يقنعهم أى كلام والسلام، منذ وقوع مجزرة البطرسية وهم يلهبون قلبى بأسئلة بريئة، ولكنها قاسية جدا ويزيدها وجعًا بعض رجال الدين المسيحى الذين استكانوا إلى تبرير الجرائم بمصطلحات من نوعية «كوننا كنيسة شهداء، وهذا هو دورنا التاريخى أن نموت ونحن نبتسم»، أو يزيد فزعهم أحد الأساقفة الكبار فى السن وهو يقول «إننا على وشك عصر جديد من عصور الاستشهاد».
فى البداية أنا عندى طفلان «لياندرا- ١١ عاما» و«فيلوباتير -٧ أعوام»، وقد تابعا الحادث عن قرب، لأن «لياندرا» تدرس فى كلية رمسيس للبنات التى كان من بين الشهداء عدد من التلميذات بها، وسؤالهما الأول: «أين كان بابا يسوع – السيد المسيح - وقت المجزرة؟ ولماذا لم يحم الأطفال وهو الذى قال إنه يحبهم وكانوا يجلسون على قدمه مسرورين؟».
الإجابات التقليدية أن بابا يسوع اختارهم ليكونوا معه فى السماء ويفرحوا بحياة الملكوت مع القديسين والأبرار، فيقول «فيلوباتير»: ولماذا يختار موتهم بهذه الطريقة المؤلمة وبالتقطيع والدم؟ لماذا لا يموتون مرتاحين؟
أحاول أن أقترب منه، أقول إنه لم يختر هذه الطريقة، بل اختارها إنسان شرير، فتقول «لياندرا»: لماذا لم يمنعه؟
أقول: لأنه أعطى لكل شخص الحرية فى صنع الخير أو الشر.
يسألنى الصغير: هل هو مسلم؟ أقول: نعم.
يسأل: لماذا يكرهنا المسلمون يا بابا ونحن لم نفعل لهم شيئًا؟ أقول: إن المسلمين ليسوا هم كل هذا الرجل الشرير، أنت لديك أصدقاء مسلمون وترى أصدقائى أيضا وتسمع اتصالاتهم وهم يطمئنون عليكما، فتعود «لياندرا» لتسأل: لماذا لا يخاف من يفعل ذلك من الله؟ أقول: إن قلوبهم قاسية، وهناك أفكار شريرة تجعلهم يظنون أن هذا الفعل جيد.
ويعود «فيلوباتير» ليسأل: وما ذنب الأطفال الصغار دول مشافوش حاجة لسه فى الدنيا؟
أشعر بالإرهاق، وأحاول الوصول إليه: لم يتركبوا أى ذنب على الإطلاق، بل كانوا يسمعون كلام المسيح ومن ضمن كلامه أنه طالبهم الآن بالحضور إليه فى السماء، قالت «لياندرا»: أصبحت أخاف من الكنيسة ولا أريد الذهاب إليها، أقول: إن المسيح موجود فى كل مكان، والكنيسة ليست مخيفة، تدخلين المطبخ لمساعدة ماما صح؟ قالت: نعم، وهناك «النار» فى المطبخ، وبالرغم من ذلك تشعرين بالاطمئنان لوجود ماما ووجودى معك، فدعينى أسالك، ماذا لو كنت تشعرين بوجود المسيح أيضا؟ إنه مصدر كامل للأمان، ونحن فى يده فى المكان الذى يختاره.
قالت «لياندرا»: أنا لا أحب الاستشهاد ولا الدماء، فهل يغضب منى يسوع لذلك؟ قلت: لا، المسيح أيضا يحب الخير والجمال والفرح ولا يحب الآلام لنا، ولكن الأشرار هم الذين يفعلون ذلك، وعندما يفعلون هذا فإن المسيح يعطى مكافأة لأولاده الذين تألموا بأكاليل، ويستقبلهم فى السماء بنفسه، فقد جاء لتكون حياتنا أفضل، وعندما يصنع البعض الشر لا يرضيه ولا يوافق عليه بل هو يرفضه ويعاقبه بالنار، أما الشهداء فهو يمسح دموعهم ويأخذهم فى حضنه.
قال «فيلوباتير»: لماذا يوجد شر وأشرار فى الحياة؟
قلت: أنت تحب قصص المغامرات والسحرة، وفى هذه القصص يوجد أشرار، ويوجد طيبون، لأن هناك حرية أعطاه المسيح للناس، وكل شخص يختار طريقه، فقالت «لياندرا»: ولماذا لا يخاف الأشرار من بابا يسوع ويدخلون بيته الكنيسة؟ قلت: لأن الشرير لا يعرفه، والشرير هذا يمكن أن يوجد فى كل مكان، ليست الكنيسة فقط، مثل ما يكون فى قصصكم، هناك حرب مستمرة بين الخير والشر.
قال «فيلوباتير»: أنا خائف، قلت: الخوف أمر طبيعى كلنا نخاف وهذا ليس عيبا، ولكن الغلط أن يجعلنا الخوف لا نمارس حياتنا العادية فنصلى فى الكنيسة ونذاكر فى المدارس ونركب المواصلات، ونسير حتى نصل إلى نهاية القصة، إما أن نكون مع الخير فننتصر وإما مع الشر فننهزم، وقالت «لياندرا»: ولماذا لا يقضى الله على الشر والأشرار ونرتاح؟ قلت: الله فعل ذلك فعلا، ولكن فى السماء، أما هنا فهناك حرية اختيار على الأرض، أنت تخافين من الظلام والعتمة ولكن الظلام هذا من نظام الحياة، هل تتخيلين وجود الشمس والنور طوال اليوم كيف ترتاحين إذن وكيف ينام الناس؟ الموت نوع من النوم، ولكنه طويل وحسب إيماننا فالذى يموت هنا يقوم فى السماء ليمارس حياة أخرى بلا آلام ولا أحزان ولا دماء.
أسئلة طفلىّ لا تنقطع ولا أزعم أننى أقنعتهما بشيء، ولكن حاولت فقط أن أزرع بعض الاطمئنان، ولعل الله الرحوم قادرا أن يطمنئهما بلمسات حانية أقوى من الكلام، خاصة وقد رأيت أثر حزن صديق لابنى «فيلوباتير» بالمدرسة، ويدعى يحيى أظهر حزنه وتعزياته له بصورة بريئة صادقة، جعل «فيلوباتير» يقول لى: «المسلمون طيبون يا بابا».

                                                         

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق