أسامة الدواح يكتب: الكتابة بالألم وألم الكتابة في سيرة "أن أكون" الغيرية للكاتبة وفاء مليح

 
لقد تعددت الأفعال الإنسانية والفاعل واحد، ونتجت عن هذه الأفعال أسباب ومسببات تمخضت من رحمها نتائج وعواقب منها الإيجابي والسلبي، وهذا ما يعطي للحياة طعمها الخاص، فالشيء دائما يتحدد بنقيضه.
  إن الكتابة على سبيل المثال لا الحصر، فعل كوني أولا ثم فعل إنساني خالص ثانيا، سواء خطت أحرفه أنثى أو ذكر، حيث تحضر الكتابة بشتى أنواعها وبجميع تقاسيم وجهها في مجال الإبداع وفي غرفة العمليات القيصرية أيضا، بغية مساءلة الواقع أو استنطاق التاريخ وما إلا ذلك من مواقع حضورها وبروزها، تارة باسمة وتارة تنزف ألما، وتارة أخرى تنثر بذور الحب والسلام والوئام، حينا يصير الحبر نقاطا من دم، وحينا آخر تصبح الريشة منزوعة من صدر الكاتب/ة، وحينا يصبح القلم زارعا الحروف على أرض فلاة لتحضر وتعشوشب.
 لقد قدمت لنا الكاتبة المبدعة وفاء مليح طبقا دسما من خلال سيرتها الغيرية "أن أكون" والتي سردت عبر صفحاتها سيرة الشهيدة المناضلة "سعيدة المنبهي"، لتبرز ملامح القهر والمعاناة  والألم التي تجرعت مرارتها طويلا، وذلك بالكشف عن ما هو مستور وغير مباح داخل المجتمع المغربي، وأيضا أزاحت الستار عن حياة مليئة بالمغامرات والمجازفات والتضحيات الجسام التي ركبت بساطها "سعيدة المنبهي" لتكون لسانا ناطقا باسم الشعب المقهور والمغلوب على أمره.
 تحركت آلة الكتابة عن هذه المناضلة، والكاتبة كلها ألم وأمل بأن تكون قد استطاعت وتمكنت بالفعل أن تتحدث بلسان "سعيدة"، وأن تدع المتلقي يعيش ويتفرج على هذا الشريط المصور عبر الكلمات المحبوكة بأحداث ووقائع صيغت في قالب سردي أدبي رائع، ينم عن حنكة الكاتبة في مجال السيرة الغيرية.

"سعيدة"، اسم لا يمكن أن نقول عنه على مسمى، بل هو اسم يعكس ضده، لم تذق طوال مسيرتها في الحياة طعما لمعنى السعادة، وإن ذاقته فهو عبارة عن لذة آنية ومؤقتة، تتلاعب بها رياح الخريف كما تتلاعب بأوراق الرمان الخفيفة اليابسة.
طريق النضال والمقاومة طريق صعب وعسير، فكيف لامرأة جعلت من الجامعة موطنا وأرضا خصبة، ومرتعا رثا لتقول كلمة لا في وجه الطغاة والظالمين، وتجعل من الألم ظلا ظليلا يرافقها أينما حلت وارتحلت أن تكون سعيدة؟
عندما نبحر في مياه هذه السيرة المحبوكة على نار هادئة، نستشف بكل وضوح وبيان مدى الألم الذي تخلل أحرف الكاتبة وفاء مليح، لأن هذه السمة هي من السمات المميزة في كتابة السير الغيرية، فالكتابة بالألم وتقمص الوجه الحقيقي للشخصية المحورية والرئيسية أمر لا يمكن استسهاله البتة.
ألم الكتابة والكتابة بالألم، ثنائية جدلية وتعبير عن تبادل الأدوار على خشبة الكتابة، فالألم حاضر بتركيبه النحوي و الدلالي والإيحائي.
لقد جعلت المرأة البوح نقطة انطلاق لكل صرخاتها وآهاتها، لتكسر سلطة بطريركية من داخل المجتمع الأبوي، الذي شكل لها في حقبة من الحقب نقطة سوداء قاتمة لطخت فستانها الأبيض. وتقرب الهوة بينها وبين الرجل عبر الفعل الإنساني ألا وهو الكتابة.
استشهدت "سعيدة" تاركة صرخة لازال صداها يرن في آذان كل الغيورين على أحوال هذا الوطن الجريح، و لازال ألمها ألما ساريا في دماء وقلوب كل المناضلين الشرفاء، فلولا الكتابة لما شاطرناها ألمها وما كان ليخيب أملنا في حياتها التي لفظت أنفاسها وهي تـتـنبأ بغد مشرق وحياة سعيدة لأبناء وبنات وطننا الحبيب.
 

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق