عبد النبي بزاز يكتب: التجديد والتغيير في مسرحيتي "طلاسم وتراتيل"




 تشذ مسرحيتا "طلاسم وتراتيل" لمحمد الشغروشني عن البناء المسرحي الموسوم بالنمطية في التسلسل والامتداد الهادف لخلق فرجة مبنية على الإثارة والتشويق لدى المتلقي من خلال ما تقدمه من مشهديات يجسدها شخوص عبر أحداث ومواقف محكومة بصراع لقيم تتناقض أهدافها وتتباين خلفياتها.
فالمسرحية الأولى "طلاسم وأرقام" تشي بالاختلاف مند البداية لأنها تضعنا امام "ديودراما" في فضاء مشكل من قبو يؤثثه منسج قديم وناعورة، فهو مسكن لشخصيتي النص الرئيسيتين  الأخوين "ريان" و"راكان " يأويان إليه ليلا ويتخذانه محلا للحياكة والنسيج نهارا. كما أن الفصول هي عبارة عن إبحارا ت  حبلى بدلالات جمالية ، وأبعاد رؤيوية غنية بتنوع موضوعاتها وتعدد مرجعياتها التي تمتح من  تراث محلي كالجني "حديبو" في ظلمة الحمام وما يزخر به من حمولات نفسية ترشح رهبة وريبة، وحس خرافي بتشكيلات مشرعة على الغيبي في متاهاته وانزياحاته اللا محدودة، وموروث صوفي يستلهم مقام الحلول والاتحاد :"نزعت عني ثياب دنياكم ولبست شيخي ومعلمي "ص: 34،و"أنا المغزل والمنسج والناعورة..أنا القبو والقبو أنا"ص:13 مما يخلع على أدوات النسج والحياكة هالة حميمية تسمو إلى مدارج علوية تختزل عشقا باذخا وتقديرا اعتباريا يرقى إلى مراتب التوحد والانصهار .                                             
ولا تخلو لغة النص من غلالة شعرية تنضح رهافة وإيحاءا:"أنا عشق قادم من الآتي"ص 13، أو:"يا ليتني كنت فراشا هائما في فضاءات عذراء..أوسائحا في مدن من نور وأضواء،،"ص : 45.                      
وإذا كانت المسرحية تستلهم وتستوحي مكونات التراث المحلي والصوفي بعمق أبعادها وغنى دلالاتها فإنها لا تغفل استحضار محدثات التكنولوجيا كآليات للتواصل مثل الهاتف المحمول:"يخرج هاتفا محمولا من جيبه الأيمن"ص :46 .                                                                                                    
وتتميز مسرحية "طلاسم وأرقام" بطول  نفسها الإبداعي الذي تؤطره عشرة فصول/إبحارات خلاف مسرحية "تراتيل نرجس" الموسومة ب "مونودراما" تجسدها شخصية "نرجس" الوحيدة بهوية  غير محددة، وتتشكل من ثلاثة فصول/ إبحارات يتضمن  كل واحد موجتان.                                                
فبناء المسرحية الثانية يميل لتكثيف غني بنزعات تاريخية وتراثية متعددة "التيمات" والموضوعات في توسلها بلغة شعرية موغلة في الإيحاء، ممعنة في عمق الكشف وبعد الاستشراف: "آه من  سؤال اليقظة ورعشة الحنين وتعب الرحيل"ص: 78، و"يتسلل ظلي في ردهات البيت"ص: 85،وتتميز أيضا باستلهام أماكن لها ثقلها التاريخي والحضاري المجلل بهالات هيبة أصيلة وقداسة أثيلة:"يا أورشليم...ياقدس"ص:77، في مسحة شعرية شفافة أحيانا:"لزرعت ما تبقى في غيمة في القدس وحصدتها في الجليل"ص: 95.                                                                   
ويمتد الحضور الديني ليمنح النص نسغا روحيا يشحذ همم المناضلين ويضاعف من منسوب ذودهم عن وطنهم والتضحية في سبيله:" غادرني جدي بعدما صدحت مآذن القدس بدخول وقت صلاة العشاء "ص : 96 ليأخذ منحى آخر يكرس حتمية  التشبث بالوطن المغتصب مهما تعددت ضروب الجور ، وآنماط      القمع:"أأزور خطيبتي في غزة أم ألقى رفاقي في سجن عسقلان ؟"ص:   96 ، ولإغناء وتعميق النزعة الدينية يتم استلهام مقصديات التصوف في أرقى مقاماته وأسمى  مراتبه بثابت الاتحاد والحلول:"أنا نرجس وأنت نرجس"ص:90.                                                                                                    
كما يستحضر الوضع المهزوز للأمة العربية عبر أماكن تحظى بميزتها الاعتبارية والتاريخية في وجدان وذاكرة الإنسان العربي، وما آل إليه من تردي وزراية :"استغاثة  الفرات وصراخ النيل"ص93 .
ورغم جنوح النص للتكثيف فإنه لا  يخلو من ذكرالعديد من شخصيات مثقلة بزخمها  التاريخي وإشعاعها الديني والأسطوري في أبعاده القيمية الفذة ودلالاته الحضارية الراسخة والعميقة من قبيل: عشتار وبلقيس  وإيزيس وزرقاء اليمامة وكيلوباترا وشهرزاد وعائشة والبتول ومريم ...                                                
ولا يفوتنا أن نقر بطابع الاختلاف والفرادة اللذين يميزان المسرحيتين في توسل الكاتب ب"تيمات" متعددة ارتهنت لمرجعيات تاريخية وتراثية وفكرية ودينية...باصما منجزه الإبداعي بسمات تجديدية فارقة من خلال إدراج شخصيات تشذ عن الرؤية  النمطية المكرورة في ازدواجية أكثر تناغما  واندغاما ف"راكان" يتقمص دور الوالي والجندي ، ونرجس بقبعة  القاضي وبقناع الشاهد، كما أن هناك مزاوجة بين نفس شعري تراثي: "أنعوج على الديارأم الديار تعوج علينا..؟" ، و:"يا حادي العيس"ص  77، و:"أجيبوني بحق الرمل والناقة والحداء وبكاء الثكالى من يعرب وخزاعة وعواء البيداء..."ص 97، وآخر حديث يرشح رهافة ورقة : "يا ليتني كنت فراشا هائما في فضاءات عذراء.. أو سائحا في مدن من نور وأضواء" ص 45.                
كما أن مسرحية "تراتيل نرجس" بشخصيتها الوحيدة "نرجس" تجترح عتبات المسرح الفردي بعدة إبداعية متعددة الأدوات، متنوعة المقصديات بغية مد جسور من رغبة جامحة وتطلع لا محدود  لدى المتلقي لاستشراف آفاق حبلى بالمستجدات والتحولات مناوبا بين "مونولوج" يصدر عن شغف جم بالبحث والاكتشاف:"سعيت في جغرافيا الأرض شرقا وغربا، شمالا وجنوبا..لعلي أظفر بمكان بديل يأويني.. يكسو عري غربتي وتهجيري.."ص 78، وبين حث المتلقي وتحريضه على المساهمة في رسم معالم أفق انتظارمختلف ومغاير:"يحفز الجمهور على مشاركته"ص 85 مكسرا الحاجز بين الكاتب والقارئ / المتفرج لإرساء لبنات منجز إبداعي يروم الانفتاح والتشارك في أبعد حدودهما وأقصى امتداداتهما.
وأخيرا فمسرحيتا "طلاسم وتراتيل"لمحمد الشغروشني يصعب الإلمام بكل جوانبهما وموضوعاتهما في قراءة واحدة نظرا لما تزخران به  من "تيمات" متعددة ومتنوعة، وما تثيرانه من قضايا وأبعاد تمتح من رؤية نافدة وعميقة متوسلة بأدوات مختلفة ومغايرة . 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (*) محمدالشغروشني: طلاسم وتراتيل، نصان مسرحيان، مطبعة دار الوطن / الرباط : 2015.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق