حمزة لخضر يكتب: أنت طالق


مر حول كامل منذ آخر مرة رأيتك فيها داخل مكتب "العدول"..كنت تحبسين بعجرفة أنيقة دموعك خلف عينيك..لكنك لم تكوني بارعة بما فيه الكفاية لتحبسيهما مدة أطول من تلك التي كنت واقفة فيها بشموخ..أبيت الجلوس في حضرة الفراق وأنا أطالعك بصمت في لحظات الوداع تلك..أذكر جيدا كيف انفجرت باكية بعد أن نطقت بكلمة الطلاق..حررتك يومها مني ومن قضاياي التي لا تنتهي ومن حلمي الإنتحاري بأن أصبح مراسلا حربيا..ألم تكن هذه كلماتك..؟ لم تجيبيني..بقيت صامتة وهادئة..وحده سيل من الكحل من كسر لحظة الحقيقة تلك..قبل أن أسألك مرة أخرى أليس لقب مطلقة خير ألف مرة من أرملة..؟ وضعت أصبعك على شفتاي وأخرستني بلذة كئيبة "ششششش" "بعد الشر عليك" ثم دفعتني و غادرت المكان راكضة تبكين..
 عدت يومها إلى البيت لأجمع أغراضي وأرحل فلم يكن من اللائق أن أدخل معك في ماراطون النفقة وحق السكن..كنت تعرفين جيدا أنني لست دنيئا إلى ذلك الحد..فكل ما فعلته قبل زواجنا كان لأجلك أنت فقط..
 كان البيت موحشا وهدوءه يشبه هدوء المدينة عند الفجر..حتى الإطارات بدت فارغة من صورها وبسرعة حزينة اعتلت أتربة الذكرى فراش البيت..وتحول المكان إلى صوان مقفر أشبه إلى حد مخيف بصوان العزاء..لا حياة بعدك تستحق أن أحياها هنا..لقد أدركت متأخرا أنني يوم تزوجتك تزوجت الحياة بفرحتها الغامرة ويوم طلقتك طلقت الحياة بثوب زفافها..
 وقفت لساعات طوال أتأمل صورتنا التي تتوسط صالة البيت..كنت ترتدين فستانك الأبيض وتضغطين بقوة على يدي وأنا أحيط خصرك بيمناي وأبتسم بكل سعادتي الممكنة..لقد ظفرت بك أخيرا..
لم أكن أعلم أنني سأبكي تلك الصورة لوحدي وأبكي معها أيامنا وليالينا..
 دخلت غرفتنا التي شهدت أيامنا الأولى..أيام شغبنا كزوجين جديدين..أيام كنت ترشين رذاذ الماء على وجهي ساعة الفجر وحين أستيقظ غاضبا تخرسينني بقولك "تعالى معي إلى الجنة"..
 وضعت حقيبتي فوق السرير وبدأت بترتيب ثيابي بأياد مرتعشة..قبل أن أصادف ورقة مطوية بعناية داخل الثياب..كانت تلك أول رسالة منك إلي أيام كنت طالبا بالمعهد وكنت أنت تخوضين سباق المستقبل داخل مضمار الجامعة..فتحتها على عجل لأقرأ كلماتك التي بت أحفظها وأدمن رائحة مدادها العطرة..
 "إياك أن تهدي مقالاتك لتاء تأنيث غيري مرة أخرى وإلا أعدمت ربطات عنقك بغيرتي وانتحرت شوقا إليك.."
 ابتسمت بدمعة بعدها وأنا أعيد طي رسالتك قبل أن أضعها في جيب قميصي الأيسر بجانب قلبي..
 في تلك اللحظة قطع رنين الهاتف البغيض عناق ذكرياتي معك..حملت السماعة على عجل كنت آمل أن يكون صوتك عبر الأثير..كنت أموت وأحتاج لجرعة حياة منك..
"آلو أروى"..
 آلو.."أوس..معك مكتب قناة الواقع تي في..لقد تم حجز تذكرتك..هيء نفسك للرحلة غدا تسافر إلى تركيا ومن ثم تدخل إلى العراق..لا تقلق..الجيش العراقي حرر الفلوجة من قبضة الإرهابيين وأنت ستكون مراسل القناة هناك..بالتوفيق.."
 إنقطع الإتصال..وعدت بعدها وحيدا إلى واقعي وأنا أفكر في السفر..وفي الحرب الدائرة هناك..وفي موت الإنسان على يد أخيه الإنسان وفي "البتروليين" و"البيتروربانيين"..وفي ابنتنا القادمة وفيك أنت أروى..لقد كان الخوف مما يحدث هناك آخر اهتماماتي..الخوف الوحيد الذي اعتراني ليلتها هي الرحيل دون وداعك..دون عناقك..دون أن تمنحيني ترياقا يقيني بؤس الأيام القادمة وأنا بعيد عنك..
هل ستفعلينها أروى..؟
حملت الحقيبة ثم غادرت بعدها.
كنت أشعر بحقيبة سفري وكأنها فارغة تماما من كل شيء..لم أحس أبدا بثقلها مع أنني أخذت أشياء كثيرة تذكرني على الأقل بزوجتي..عطرها الخجول وألبوم صور زفافنا كاملا..لم أخلف لها ورائي سوى ذلك البيت بأثاثه الكئيب والكثير من الذكريات والجري بين الممرات..
 كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا من شهر مارس الذي زادت قساوة برودته من قساوة المشاهد المتسارعة والمؤلمة والتي كنت أتجرعها كأسا بعد آخر..لم أكن أريد شيئا سوى أن أودعها قبل أن أغادر وكنت أمني النفس لو أنها كانت إلى جانبي الآن وهي تبتسم بفخر لأنني في رحلة لأنقل صرخات الإنسانية المعذبة وأوصل رسالة من ضاع بريدهم في القصف أو ماتت حمائمهم الزاجلة حرقا بصواريخ "غراد"..
 كان علي أن أتحمل المشهد القاسي لوحدي وكأن دور البطولة هذا كتب لي خصيصا..لقد عشت لأعرف أن ثمن المراسل الحربي غال جدا..
 أوقفت سيارة تاكسي بحي النرجس الذي كان يغط في سبات خافت..وحدها أعمدة الإنارة من كانت تكشف عن رذاذ المطر الذي كان خفيفا تلك الليلة..
طلبت من السائق أن يأخذني إلى حي السعادة ومن ثم إلى محطة القطار..
 وصلت منزل أسرتها الذي بدت لي أنواره مطفأة إلا من ضوء خافت يتسلل عبر نافذتها بصمت ويحكي عن جلوسها وحيدة في تلك الزاوية..
 ربما هي الآن تراجع بدموع لحظات وداعنا القاسية..أو ربما تمزق رسائلي التي أهديتها لها في غفلة من الزمن..أو ربما تمسح قبلاتي من شفتيها وتطلق هي الأخرى أحمر شفاهها وتلعن مهنتي وعجرفتي وتشبثي بحلم كانت تراه انتحارا وكنت أراه واجبا يستحق التضحية..
 خطر ببالي في تلك اللحظة أن أرمي النافذة بحصى صغيرة وأستعيد معها ذكرياتنا أيام كنا مخطوبين..لكن كنت أخاف من ردة فعلها فحبيبتي حين تكون في حالة مثل هاته تصبح كطفلة في العاشرة من عمرها..
 ابتسمت بدمعة ساخنة جرت بسرعة على خدي لتوثق للحظة الوداع تلك ولتحكي للزمن عن حبيبين كانت تفصل بين عناقهما ستائر نافذة وزهور قد تناثرت بعشوائية أنيقة على الشرفة..
 عدت إلى سيارة التاكسي وأنا أجر أشياء ثقيلة خلفي..وفي رأسي تزدحم التفاصيل والصور ونظرات العتاب القاتل..
 كان الطريق نحو محطة القطار طويلا جدا..وكأن المدينة لم تكن تريد السماح لي بالذهاب فأمرت الطرق بأن تمتد لكيلومترات لا تنتهي..حتى الإسفلت تآمر علي ليلتها..
 وصلت محطة القطار أخيرا..لم يكن يفصل بين رحيلي وبين هذه المدينة التي تحالفت ضدي مع القدر الذي حرمني زوجتي سوى البوابة المؤدية إلى السكة الحديدية حيث كان القطار الذي سيأخذني إلى الدارالبيضاء ينتظرني..صعدت درجاته بسرعة واخترت أقرب مقصورة تضمني مع أشيائي المنهكة وتفاصيلي المتعبة..رميت بنفسي أمام النافذة وأسندت رأسي إلى زجاجها وأنا أتفحص بعيني المكان الذي كان خاليا من المسافرين لأن الفصل شتاء ولا أحد يسافر في هذا الوقت إلا معطوبي الحب وجرحى العاطفة ممن لا تقوى أمطار فاس على مداواتهم..
 أخيرا بدأ القطار يتحرك..فبدأت دقات قلبي تتسارع وكأني ذاهب إلى حتفي..والحقيقة أنه ما كان يؤلمني هو السفر إلى أرض تعاني من فائض الموت العربي العبثي على أرصفتها دون أن اودع "أروى"..
 فجأة رأيت يدا تطرق زجاج النافذة برعشة..أفقت من شرودي لأشاهد "أروى" تتحرك إلى جانب القطار وهي تمسح الزجاج بيدها..وتوجه نظرات صامتة نحوي..وضعت يدي على الطرف المقابل لها وأنا أصرخ فيها بأن تتوقف لأن الموقف كان فيه خطر عليها..
 تعالت صافرات حراس المحطة الذين تدافعوا نحوها ليوقفوها وهي تحاول التخلص من أيديهم وتلوح لي..كانت تلك هي آخر صورة إلتقطتها من ذلك المشهد الدرامي الحزين..
 من يدري قد تكون تلك هي لحظة وداعنا الحقيقة بل وربما قد تكون رقصتنا الأخيرة التي عزفت سكة القطار ألحانها بقسوة..ألحان ستعيش بداخلي إلى الأبد..ألحان ستظل عالقة بتلابيب القطار تذكر كل مار من هنا أن للمحطة مرادف واحد هو "الوداع" وللقطار إسم آخر هو "الرحيل"..

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق