زهير اتباتو يكتب: عشق لم يتم


بعد يوم طويل وشاق على شرفات الحياة، دخلت مهرولا فارا من لسعات الشمس التي جلدتني على طول ممر الحي التعيس بسياط أشعتها اللاذعة، فقابلتي طاولة ورافعة راية التحية، ما جعل رجلاي تميل إليها بانسياب، وما أن جلست على كرسي خشبي يعود من ملمسه لحضارة الأنكا أو لقرون غابرة من فرط هشاشة خشبه، حتى انسابت نظراتي بعد وعي بمن في المقهى، فها هنا على جانبي رجل يتقمص شخصية المثقف حاملا الجريدة التي لطالما تضمنت في غالب أعمدتها عناوين لجرائم بشرية، وبمحاذاته يتكئ على حائط المقهى فتى في عقده الثاني، وبأنفه علقت نظارة شمسية أعطت لوجهه وسامة وضياء...أما العموم من الجالسين فما هم إلا أبناء الحي التعساء والضعفاء، حاملين على كل ذات خرقة حائرة من الخجل لرثتها حتى انتقل خجلها لمحياهم.
وقف النادل بقامته الطويلة وقده الممدود كفارس من العصور الوسيطة، العائد من حروب خرافية، يهيأ لك أنه جاور فيها دون كيشوت ديلامانشا في مغامراته الخرافية المجنونة، فاكتشف أن الوغى ليست ساحته، بل العمل في مقهى كهذا خير ما يلائم طموحاته البسيطة. رفعت رأسي مبتسما طالبا إياه بعتقي من حرارة الجوف بكأس ماء وعصير ليمون، لعل وعسى يشفي ضمأ الجوف ويبلل ريقي ببرودة حباته البلورية التي تنساب في عادتها انسياب اللؤلؤ في عقد بهي، فهرول سريعا كأني به طبيب ذاهب لإحضار فؤاد لمريض وسط عملية جراحية...، وبين ذا وذاك انخطف الفؤاد من مكانه وزعزعت ذاتي لما ارتمت أعيني على أجمل هرة صورها الخالق سبحانه في تلك الهيأة الملائكية...آه من جمالها ومن نظراتها، بل آه من شفتيها التي حركت سواكني وأحدثت زلزالا هز مشاعري، آه ثم ألف آه مما كشفته لي تلك القطة لما ابتسمت في وجهي معلنة عن اندلاع حرب حب داخل قلبي.
قابلت النظرة بالنظرة، والابتسامة بالبتسامة، عل مرمى طاولات وكراسي كأنها مساحات حقول تبعدني عن روض بهيج، يعيد الحياة للمتأمل ويزرع البهجة في نفوس العشاق...، لكن بين كل هذه التحولات داخل حشاشتي وفق العائد من الحروب حاملا كأس الإكسير ليحيي شراييني بعدما بخرت ماءها أشعة الشمس الحارقة، وما أن ارتشفت من الكأس رشفات حتى اتسع مدى البصر، اكتشفت أن الملاك المقابل لي ليس بملاك، فصفة الملاك أقل من الحق في وصفها...
داعبت هي الأخرى فنجانها الممتلئ بالقهوة العربية الأصيلة، مقبلة ذاك الكأس من ثغره في ارتشاف لمذاقه، تمنيت لو كنت محله لتلتسق شفاهي بشفاهها ولنجعل من روحينا مزيجا في حوار عل أنغام نوتات أنفاسنا طويلة...، تمنيت ثم تمنيت لكن المنى قطع حبله بدخول أخي الأكبر مني سنا ومكانة ووقارا، فأقصرت النظر واحترمت المقام ودمرت كل ما تمنيت وتمنيت. وطأطأت رأسي تابعا أوامر من أمرني مجرجرا آمالي ورائي وعيناها على حشمتي تتدلى احتراما لاحترامي، فنحن الفقراء لا نملك إلا الأحاسيس وحتى هي في زمننا أصبحت تسلب غصبا لا إرادةً.
هرتي الجميلة لم يكتب لي أن أشرب من ثغرك ولا أن أستمتع بقرمزية عينيك...لكن اكتشفت أن الفؤاد ما زالت تراوده الأحاسيس تخالجه رغم تعاسة ما به، يا قطتي كما كتب لنا رب الأكوان هذا اللقاء فلنا بنفس الإرادة لقاء آخر في الدنيا أو في العالم الآخر..وكل شيء بالأقدار تسير وبالمشيئة تتحقق الآمال، فلنا لقاء...

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

2 commentaires:

  1. ولكم تمنيت ان لا تنتهى بي الكلمات
    فلا يسعنى غير قول الصمت فى حرم الجمال جمال..
    فدمت بكل تميز وابداع...غ

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف