مهند ذويب يكتب: في هِجاءِ السَمكة


يُحكى أنّ داود باشا أحدُ وزراءِ الدّولة العُثمانيّة أرادَ أن يَتَعلّم العَربية، فأحضَر أحَدَ النّحاةِ المَعروفينَ بالعِلم، وأنشأ يتلقّى عَليه دُروساً بُرهةً مِن الزّمن، وذاتَ يومٍ سألَ شَيخهُ عَن الجِنايةِ التي جَناها عمرو ليستَحقّ أن يَضربهُ زيدٌ كلَّ يوم ؟، وهَل بَلغَ عمرو مِن الذلِّ والعَجز مَنزلةً حَتى أنّه يضعُفُ عَن الإنتقامِ لنفسِه وضَربِ ضارِِبِه ؟، وكانَ يستَشيطُ غضباً وهو يسألُ شيخَه، فأجابَهُ الشيخ: أنّه ليسَ هُناكَ ضارِبٌ ولا مَضروب؛ إنّما هي أمثلةٌ يورِدها النّحاة لِتقريب المَعنى إلى المُتعلّمين.
   لَم تَكن الإجابةُ مُقنِعةً للوَزير، وأكبَر وأعظَمَ أن يَعجزَ مِثل هذا الشّيخ عَن معرفةِ الحَقيقة، فغَضِبَ وأمَرَ بسجنِه، ثُمّ أرسَل إلى نحويّ آخر، فأجابَه نفسَ الجَوابِ فسجَنه، ثمَّ أرسَل للنّحويينَ تِباعاً، حَتّى أقفَرت المَدارِس، وامتَلأت السِّجون، وأصبَحت هذا القَضيّة شُغلَهُ الشّاغِل، ثُمَّ بدا لهُ أن يَستَقدمَ علماءَ من بغداد، وكانَ رئيسُهم بمكانَةٍ من العلمِ والفِطنةِ والحَذق، فلمّا اجتَمعوا عِندَ الوَزيرِ وأعادَ عليهم السّؤالَ عَينَه، أجابَ: إنّ الجِناية التي جَناها عَمرو يا مَولاي يستَحقّ أن يَنالَ عليها العُقوبَة أكثَر مما نال، ذلكَ أنّه هَجَم على اسمِ مولانا الوَزير، فاغتَصَبَ مِنه الواو، فسلّط النّحويونَ عليه زيداً يضرِبُه كُلّ حِين (يُشير إلى زِيادة واو عَمرو وإسقاط واو داود الثانِية في الرَّسم)، فأعجِبَ الوَزيرُ بِه، وأثنى على عِلمِه وَفِطنَته. (1)
   لَيسَت هذه القِصّة محضَ ترفٍ فكريّ، ولا خُرافةً جادَت بها عُقولُ الكُتّاب، بل هِيَ ردّة الفِعلِ الطَبيعيَّة على التّشدد والتَّشدق في النّحو والصّرف، ولعلّ هذا انعَكس سَلباً فيما بَعد على المُستوى اللّغويّ، فعَزفَ المُتعلمونَ عن العَربيّة وقواعِدها، وهَجروا النَّحو والصَّرف والبَلاغة، فتَجدُ المُتكلمَ صاحِب الشّأن، لا يُميّز بينَ المَرفوعِ والمَنصوب، وبينَ المتقدِّم والمتأخر، وتجدُ الصَّحافة أيضاً ترتَكِب المَجازِر اللّغوية في كِتاباتها، وتقاريرها اليَوميّة.
   إنَّ هذا دَفعني إلى هِجاءِ السَمكة، كما هَجاها قَبلي ميخائِيل نُعيمة، السّمكة التي أغرقَنا بدراسَتها مُدرّسو النَّحو طَويلاً، فَيَقولون:
أكلتُ السَّمَكَة حَتّى رأسَها
أكلتُ السَّمَكَة حَتّى رأسُها
أكلتُ السَّمَكَة حَتّى رأسِها
بالحَركاتِ الإعرابيّة الثّلاث، وَهذا المِثال لِبيانِ استِعمالاتِ حَتّى، فيمكِن أن تَكونَ حَرفَ عطفٍ أو ابتِداءٍ أو جرٍ، ورُبما تَكونُ غَيرَ ذلكَ فأنا لا أعلمُ حقاً، ثُمّ يختِمونَ حديثَهم بأنّها – أيّ حَتّى – حَتحَتت عُقولَ العُلماء، وأنَّ الفَرّاء العالِمُ النَحويّ المَشهور في فراشِ موته قال: أموتُ وفي نَفسي شيءٌ مِن حَتّى.
   أنا لا أنكِر أنّ هذه الشّواهِد والإعرابات هي مِن المُعجزاتِ اللّغوية، لكنّني أعتَقدُ أنَ علينا الإكتفاءُ بهذا القَدر ، بَعدَ أن تَردَّت اللغةُ، وقلَّ أهلُها، فَعلى صَعيدِ اللّغة علينا التَّوجهُ إلى تَبسيطِ اللّغة وَتَحبيبِها إلى العامّة، والتّوقف عَن استِخدام الشّواهِد النّحوية المُنفرة والمُوحِشة، وإذكاءِ الأذنُ الموسيقيّة، التي تَستطيعُ تَمييز العلامَة الإعرابيّة سَماعيّاً، وتشجيعَ القراءَة، ومزجَ النّحو بالأدب المُسلي والجَميل، أمّا على صَعيدِ الأدب فعلينا الإلفاتَ إلى العاطِفة والوِجدان، والتّوقف عَن استِقدام غَريبِ الألفاظِ، وأن نَقتربَ بأشعارِنا إلى البساطَة والفَهم، وقضايا العامّةِ وهمومِهم، عَلينا جَميعاً أن نَتَكاتَف مِن أجلِ هذا، كَي يَعودَ للعَربيّة مجدُها، وكي تَتَوقفَ المَجازِر اليوميَّةُ بحقها، من الخُطباء والمُتكملينَ والصّحفيين وغَيرِهم.
    أخيراً يبقى الطّرحُ نَظرياً إذا لَم يجِد مَن يُطبقه على أرضِ الواقِع كَما طَبّقته الرابِطة القلميّة يوماً، وفي هذا يقولُ نُعيمة: " إنَّ الرابِطة القلميّة ما جاءَت إلّا لاعتِقادِها أنّها اتَّخذت الأدَبَ رسولاً، لا مَعرضاً للأزياءِ اللّغويّة، فقد كَفانا ما عِندنا من المُعجِزات اللّغويّة، وآنَ لنا أن نَتَعطّف ولو بالتِفاتَة إلى ذلكَ الحَيوان المُستَحدث، الذي كانَ ولا يَزالُ سِرَّ الأسرار، ولغزَ الألغاز، فعلّنا نَجِدُ فيه ما هُوَ أحرى بالنَّظر والدّراسة مِن رأسِ السّمكة ". (2)

الهَامِش:

1)      المَنفلوطي، مصطَفى لطفي، النّظرات، تَحقيق: إدارة النَّشر العَربي، الشّركة المَصريّة العالمية للنّشر، الجِيزة، 1991، ط1، ص 148 - 149 بِتَصرف.

2)      صَيدح، جورج، أدبنا وأدباؤنا في المَهاجِر الأمريكيّة، مكتَبة السّائِح، 1999م، ط3، ص89.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق