رشيد درويش يكتب: آخر الحلم وأول الليل

                 
...في الليل تستوي كل الأشياء، كأن يصير الحلم سفرا في الرؤيا والنبوءة الفاشلة، أو تمرض الذاكرة بما سقط سهوا أو عمدا من ركام الماضي، هكذا تستوي الكلمة في دفتري كلما هممت بطلب نجدتها... لا مكان للحياد في معركة العتمة، فانطلقوا للحلم أو للفرار، والليل حكاية يلفها الظلام ويغويها القمر... وهذا الدم الأحمر يسكن كل الاجساد، يختلف العرق واللون وطريقة القتل لكن الدم له لون واحد، في كل الاجساد في جسد القاتل،  وفي جسد المقتول...والقتل والحب  صيغتان للوجود و للاوجود، ففي الحب تسقط قداسة العالم، ويستأسد مجاز عينيك وفي الحب نصبح بعمر واحد، وفي الحب تضيق العبارة ويتسع الحلم...وفي القتل ينتشر السواد، ويمتد الليل، وفي القتل يأتيك نعي الجنازة، ويستأسد البكاء والنحيب...يا ولدي ستقتلك الرؤيا على صليب الذاكرة،  وستجعل عالمك أضيق من اللغة...هذه الرؤيا تنفلت من وسادة الحلم ومن عقال العادات، وقيد الخوف...أصرخ: أكلما زارتني الرؤيا وانفجر الحلم قيدني شرطي الصباح؟؟...هذا حلمي قائما فاحتفظوا بكوابيسكم واعلنوا الحداد عامين للزواج السعيد، أو لضياع بغداد واحتراقها بالأحزمة الناسفة، أو لسلامة مكة من منجنيق " الحجاج"، وعاقبوا أغنيتي الأخيرة لأنها لا تشبه "قيسا"، وقاتلوا جسدا يأكل من قيده، ويتعب جلاده،  ويدمي سوطه... هذا التائه في يم اللغة ومتاهة المعنى يسأل...  وحين أسأل عن الجهة والمسار أسقط البوصلة والخريطة وأفقد الوطن،  فأصيح يا وطني أنا وحيد شريد، والعتمة مخيفة، وهذه الأرض ترفضني، تعذبني، تدميني، تصيرني نارا لأحرق جسدي، فيرتد الصدى وطنا،  يا ولدي: اكتب إسمك .. اكتب ما تشاء أكتب أملا واحمل ألما، فالحروف قد جف دمعها وقل ملحها في هذا الزمن المعدني،  اللغة يا ولدي صارت سجنا، والكتابة يا ولدي قيدا والتفكير  يا ولدي شبهة تغضب الله والحاكم.
يا ولدي: دع عنك دفاترك واكسر أقلامك... فأنت مرفوض في مملكة اللغة، وحين ترفضك اللغة وتقتلك القوافي بين الأزمنة فأنت حر...بالمقهى غني أغنيتك الأخيرة لربما صادفتك الكاميرا...وأخطأتك الرصاصة، فكن سعيدا لنجاتك، وكن تعيسا حزينا كسير القلب لشظايا القتلى... وأنت تغني نشيدك المرفوض بحكمة الفراهيدي، فأنت لست شاعرا،.. إذا سيجت حائطا لقصائدك  بوشاح ليلى، أو تمنع عبلة، أو رقة بثينة، فأنت حر في اختيار إناثك...إذا حاصرك الشاعر والشارع والمشرع... فأنت في زنزانتك الأخيرة.
ــ الشاعر يحكم مملكة اللغة يسن قوانينها يسيج شواطئها يرسم خرائط عالمه يسبح في بحاره،  يعلن الحرب ويرثي النازحين.
ــ الشارع: طريق دائري لا يقود إلى هدف، ترشيه أشعة الشمس الخجولة ليرث الهزيمة ويعبد الله، ويسأل عن خطر اليهود على صومعة تعلق مكبر الصوت كما نعلق هزائمنا الكثيرة،  تعلقه في جيدها كقلادة وجدت سهوا مع أشلاء الشهيد.
ـ المشرع يملك حق الدعاء وحق الاستجابة، اختاره الله لحكم الضحية وقتل الشهيد  كما اختار الله اليهود لحكم الهواء، المشرع رجل حكيم ينبذ العنف ويصفق للسلام  وينام في بلاطه المولوي،...كيف ترفضون رصاصات أقل وضحايا أقل وأرض أقل؟؟؟....وكيف تنشدون لشهداء كانوا يرفضون الذهاب إلى المسجد واختاروا الميدان؟؟ المشرع رجل مثلنا، يضحك يبكي  يملك حق القتل السري وحق البكاء علانية، يساعدنا على كثم أصواتنا  كي لا نصاب بسعار التغيير أو فتنة الثورة. 
المشرع أحيانا يأمر بسجن الشاعر، وإغلاق الشارع، وإحراق القصائد.
فلا تكن من هؤلاء الثلاثة، وكن منهم جميعا...  

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق