أسامة الدواح يكتب: اللغة العربية هذه الأم الرؤوم

 
إن اللغة ملكة لسانية، ورابطة اجتماعية بها نتفاعل ونتواصل، فهي فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة، وحبل متين يشد بيننا، إنها أصوات كما وصفها الفقيه اللغوي "ابن جني"، ليست بأصوات وملفوظات عبثية فقط، بل لها مقصديتها، آصرة لها قوتها في لم الشمل وجمع الشتات، وكما يقول فيلسوف الألمان فيخته في حقها : "اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كلا متراصا خاضعا لقوانين. إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان".  من خلالها يعبر بها الأقوام والأمم عن أغراضهم وحاجياتهم، إنها الجسر بل القنطرة التي توصلنا إلا البعيد، والسراج الذي ينير سبيل التائه والظال، روح ثانية تسري في الأجساد، ونور يدب في الخلايا ويجعل من الإنسان إنسانا، يحيى ويتنفس على هذا الكون، مسدد الخطى، مدركا للاتجاهات، ضالعا ومضطلعا بخطوط البداية وشريط خط النهاية...
لبست أثوابا وحليا، وتعددت في بطاقة هويتك المسميات والأوصاف وحتى الجنسيات، كُنت ولازلت وستظلين علما سرمديا يرفرف فوق الحضارات والثقافات...، فهنالك نجدك في بلاد الغرب اعتليت المراتب الأولى في التصنيفات، وفزت بجميع الكؤوس والألقاب، ففيك الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات الحية، وفي قارة  ذوي العيون الضيقة نجدك هناك أيضا، وقد تزينت عيونك أيضا بجمال عيونهم، وأما في البقعة الجغرافية السوداء لونا والبيضاء روحا وجوهرا، فيك التعدد والتنوع الذي أغنى الكنز اللغوي بكل أنماطه...، فما إن حلقنا ببساط حريري أندلسي فوق الكون لمحنا نورا ساطعا يكاد يسلب من العين نظرها، ومن العقل صوابه، ومن الجوارح حركيتها.. لمحنا  اللغة - عند العرب -  إنها معجزة الله الكبرى في كتابه المجيد، وبحر في أحشائه الدر كامن، فلتتفظلوا يا سادتي بسؤال الغواصين والمرتادين للبحار عن صدفاتها...
أخذنا معولا واسترسلنا الحفر في تراب الجزيرة العربية وفي كل فلاة عربية، وجدنا بأن اللغة العربية أقدم وأعرق اللغات، جدة عجوز لازالت تتمتع بخصائصها ومميزاتها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال، مع الاستطاعة في التعبير عن مدارك العلم المختلفة، لم تؤثر تجاعيد وجهها على جمالها الأخاذ، بل زادها بهاء ورونقا وألقا، أليست هذه بمعجزة يا سادتي؟
إنها الأم الرؤوم العطوف، تربي وتحضن مجموعة من اللغات، أي التي نشأت في شبه جزيرة العرب، أو العربيات من حميرية وبابلية وآرامية وعبرية وحبشية، أو الساميات في الاصطلاح الغربي كما صرح بها أبناء نوح الثلاثة : سام وحام ويافث. فكيف ينشأ ثلاثة أخوة في بيت واحد ويتكلمون ثلاث لغات؟ تالله إنها أم تمحوا اليتم من الكون، وتزليه، فهي أم من لا أم له... فما قلناه ليس جامعا مانعا لهذه اللغة، بل هو دغدغات فقط لجسد واقف أمد الدهور الأزمان، ومحاولة لوضع وصف اختلج في الصدر وباح به اللسان...
 أود في الختام أن أدل قارئنا العزيز على بعض ما قيل في حق لغتنا العربية من أقوال لبعض العلماء الأجانب قبل العرب:
 يقول الفرنسي إرنست رينان : "اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة ". وفي نفس السياق ويقول الألماني فريتاغ : "اللغة العربية أغنى لغات العالم".
 ولا ننسا قول وليم ورك : "إن للعربية ليناً ومرونةً يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر".
 ونجد مصطفى صادق الرافعي يقول في حقها: " إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً ".
 وها هو ذا أيضا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يقول: " إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا".

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق