موسى الرمو يكتب: تمثال موسى ورأس صطيف



كان في بيتنا غسالة على شكل برميل لونها أبيض وهي من الغسالات القليلة في حارتنا بتلك الفترة، كانت أمي كلما أرادت أن تغسل غسيلا طلبت مني أن أبرش للغسالة ( لوح صابون غار ) حتى تضعه أمي بالغسالة لتنظيف الغسيل وكأن الغسالة كائنا لا تأكل الصابون إلا مبروشا،
كنت أستمتع جدا بهذا الطلب فقد كنت أمارس هوايتي المفضلة وهي النحت كل ما طلبت أمي ذلك، فبعد كل وجبة غسيل كنت أنهي تمثالا من الصابون.
في يوم ما جاءت جارتنا أم صطيف زيارة الى بيتنا مع ابنها صطيف لكي تتوسط عند أمي حتى أنفذ وظيفة لابنها صطيف معي بالصف الخامس فقد طلب الاستاذ من جميع الطلاب وأنا منهم عملا فنيا منفذا من مادة الصابون.
صطيف ولدا مشاغبا جدا وأنانيا وكسولا ولا يعرف صنع أي شيء ويريد أن يقدم للمدرسة منحوتة كالتي نفذتها أنا حتى يحصل على درجة عالية ويريد أن يقول أنه هو من صنع التمثال.
وافقت لكن بشرط أن يعطيني صابونتين غار أصنع له واحدة تمثالا وأخذ الثانية لي وآخذ ( البرش ) الناتج عن صنع التمثال لتستخدمه أمي في غسالتنا وأن أكتب اسمي على التمثال، هذا شرطي،
وافقوا بدون تردد، أنا لم أكن أريد أن أصنع له التمثال ولا أريد صابونته ولا ( البرش ) لكنني أعرف صطيف وأعرف أنانيته، قالت أمي يا بني أنا لا أريد ( البرش ) ( الله يغنينا عنو سويلو الصابونة وخلصنا مشان خاطر خالتك مو مشانو )
بدأت بنحت التمثال كان يراقبني صطيف كيفما تحركت.
كان صطيف يعتقد نفسه ذكيا جدا ويمكنه الحصول على ما يريد بالحيلة ويعتبره ذكاء، لكنه تأكد له هذه المرة أن لا قيمة لكل ألاعيبه.
حين شاهد التمثال منتهيا جن جنونه وحاول خطف التمثال من يدي أكثر من مرة،
فكرت عندها وبشكل جدي أن أعيد له الصابونتين وابقي عندي التمثال.
قالت أمي يا بني أعطه ما يريد واتركه يذهب
وكنت أعرف أن صطيف سيذهب غد الى المدرسة و يخبر الأستاذ والطلاب أنه من صنع التمثال، وهذا ما لا أحبه أن يكون، قلت له سوف أكتب اسمي على التمثال، ثم اعطيك اياه..
قال لي اكتب اسمك أسفل التمثال وليس من الامام وأنا سوف أقول للاستاذ والطلاب أنك أنت من ساعدني بصنع التمثال لا تخاف.
طبعا لم يكن يقل الحقيقة.
وأنا أعرف أنه محتال وأنه لن يخبر الطلاب بأنني من صنع التمثال وأنه سوف يجد طريقة لمسح اسمي من التمثال.
حفرت اسمي من الجهة السفلية للتمثال عميقا ( واحد ونصف سنتم ر) فأنا لا أريد أن يسرق أحدا تعبي أو أن يتسلق على أكتافي.
رأيت أن التمثال يشبه تمثالي الذي أريد تسليمه غدا وهو شيخ وله لحية و يرتدي عمامة.
ولم أنسى أنه أ
حضر أمه واحرجني أمام أمي واجباري مكرها على صنع التمثال له بإحتياله مستغلا هذه النقطة. وتناسى مواقفه السيئة الشريرة معي ومع زملائنا بالصف ولو عرف زملاؤنا أنني من صنع له التمثال لغضبوا مني وعاتبوني.
قررت أن أغير بالتمثال قليلا.
حلقت للتمثال لحيته وبدأ صطيف بالصراخ وبدأ ( بالچط والنط ) ثم قشطت شاربي التمثال ثم نزعت العمامة عنه حتى أصبح التمثال أصلع وتغير شكل التمثال بشكل نهائي زاد صراخ صطيف أكثر وأكثر حتى تدخل الجميع لمساعدته وأخذوا التمثال واعطوه له وهو غاضب.
في الصباح التقينا جميعا في المدرسة وسلم كل طلاب الصف منحوتاتهم التي كانت عبارة عن كؤوس ومنافض سجائر مصنوعة من الصابون كانت الأسهل عليهم أما صطيف قدم من التمثال رأسه فقط كان التمثال بحجم حبة الزيتون هذا ما تبقى منه بعدما حاول الاقتطاع من أسفل التمثال لازالة اسمي وكان كل ما قص جزءا كان يبقى اسمي موجود حتى قص كتفي التمثال ولم يبقى سوى الرأس  مع هذا فقد أعجب المعلم برأس التمثال المتبقي و
قال المعلم أن أجمل تمثال هو تمثال موسى ورأس صطيف. 
لكن الطلاب لم يصدقوا ولم يقتنعوا أن صطيف هو من صنع التمثال ﻷنهم يعرفونه جيدا ويعرفون أنه لا يمكن أن يصنع مثل هذا وبقي عندهم انزعاج حيال ذلك.
ومن كثر كلام الطلاب والتشكيك بتمثال صطيف انتبه اﻷستاذ لعمل صطيف.
و قال اﻷستاذ إذا علينا أن نعمل مقارنة مسابقة بين موسى و بين صطيف وذلك عبر نحت مباشر لهم الاثنين أمام طلاب الصف لنرى من هو الافضل، كانت غاية الاستاذ هو التأكد من كلام الطلاب وأن يتأكد أن صطيف هو من صنع التمثال.
فرح الطلاب كثيرا بفكرة اﻷستاذ.
اعطى الاستاذ لكل منا قطعة صابون وبدأنا بالنحت أمام الطلاب كانت هذه فكرة رائعة تعيد لي اعتباري فانا لا احب المتسلقين.
صطيف طلب مني بصوت منخفض بأن أساعده وأن أبدل بالصابونة بعد ان قطعت شوطا وقاربت على الانتهاء، طلب مني مرارا وترجاني فلم أعره اهتماما، بقي مكانه ينكش بالصابونة كمن يحفر في أنفه.
انهيت تمثالي والذي يشبه التمثال الذي سلمه صطيف لكن هذه المرة بكتفين وكتبت اسمي من الامام و ليس من الأسفل واعطيته للأستاذ امام الطلاب وبدأ الطلاب جميعا بالتصفيق.
نظر الاستاذ والطلاب الى التمثال الذي نفذته والى التمثال الذي سلمه صطيف وشاهدوا الشبه الكبير وعرفوا أنني من عمل التمثال لصطيف.
أما صطيف غافلنا ونحن في غمرة الفرحة وضرب تمثالي كسره وهرب وتأكد الجميع أن المعروف في غير مكانه كمن ينحت في صخر..!!

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires:

  1. الله يوفقك انشاء الله
    اخي موسى انتا دائمن تنحت لانا قصصى من تاريخنا الماضي البصيط
    وتبهرنا بلوحاتك التي تجمع الماضي والحاضروالمستقبل في ئان واحد
    أتمنا لك التوفيق والنجاح الدائم

    ردحذف