قراءة في الديوان المشترك ( قـد يعـود مـرة أخـرى ) بقلم: حسين الساعدي


بمبادرة رائعة من ( مجلة الأداب والفنون ) وبإشراف مباشر من قبل الدكتور الأديب (علي حسون لعيبي)، صدر عن (دار المتن للطباعة)، الديوان المشترك بجزئه الأول لمجموعة رائعة من الشعراء والشواعر والذي حمل عنوان ( قد يعود مرة أخرى )، الذي يعد باكورة أعمال، مجلة الأداب والفنون.
احتوى هذا الديوان على ستين نصاً شعرياً توزعت هذه النصوص بواقع نصين لكل شاعر وشاعرة، قدم له الشاعر والكاتب الروائي ( جابر محمد جابر ) في مقدمة اتسمت بكثافة المعنى وجزالت اللفظ، مشيراً الى الدوافع التي تدفع الى أبتكار الفرص الناجعة للخلاص من واقع مستشري به الفساد وصل الى مفاصل المشهد الثقافي بكل تفرعاته، حتى غدى العمل المشترك في جمع النصوص الشعرية في عمل موحد، تقليداً ثقافياً، متعدد البيئات ومن مختلف البلاد العربية.
تجربة الديوان المشترك ليس بالتجربة الجديدة بل سبقتها تجارب أخرى، وهي تجربة إبداعية شجاعة متصالحة مع كافة المدارس الشعرية وتنوعاتها، ينبغي أخضاعها للكثير من البحث والنقد وردود الفعل المختلفة للنقاد والشعراء والمهتمين بالأدب من أجل أنضاج هذه الولادة المزدوجة لتجربة شعرية، يمكن أن ننقذ من خلالها الواقع الثقافي من تبعية السياسة المغلفة بنظم أيديولوجية وفي ظل نوايا تريد السوء بالكلمة الحرة الواعية المستقلة وبعيداً عن الأهداف التجارية والتسويقية. إن هذه التجربة ستكون موضع أهتمام من قراء الشعر ونقاده وأنها بداية لتأسيس أفق جمالي غير مسبوق سواء من منظور التشكيل أو الدلالة أو طريقة توليد التصور وما تكشفه القراءة الممعنة من علاقة تكاملية فيما بين هذه النصوص الشعرية جميعاً ومن عناصرها المشتركة. يبنى العمل الشعري المشترك على لغة وأسلوب وتصوير يغري الأخرين بقراءته. بدءا من عناوين نصوصه ومع القراءة الأولية للديوان، تبدو للقارئ وهو يسبر بعض أغواره من خلال شواهده النصية، الخطوط العريضة التي تشكل نسقه البنيوي وعلى مستويات متعددة. إن التداخل في نصوص ديوان( قد يعود مرة أخرى ) يجسد جمالية الأتساق والأنسجام في نصوصه الشعرية، توافق في الرؤى. وهذه خاصية جمالية يندر حضورها في بعض الدواوين الشعرية مثلما نراها تحضر في هذا الإنتاج الشعري المشترك. وهي كذلك جمالية تمتد على مساحات نصوص الديوان المترابطة فيما بينها عضوياً ودلالياً. فهي تتسم بالتنوع اللغوي والتعدد الصوري. مع القراءة الأولى للنصوص الشعرية تُكشف للمتلقي أبعاداً أسلوبية وفنية متميزة تجعل للديوان قيمة لغوية وكثافة رمزية جديدة تضاف إلى النتاج الشعري العراقي خاصة والعربي عامة. نرى في نصوص الديوان أن اللغة الشعرية واضحة، فهي لا تلجأ إلى الغموض، الذي يلجأ إليه البعض في الكتابة، وكأن الغموض عندهم يشير الى تميز الشاعر وعبقريتة! إن النص الشعري أكبر وأشمل من وزن وقافية، هو شعور وصور ومجاز وابتعاد عن التقليد، إضافة الى أنه مفاجأة ودهشة فإذا لم تتحقق هذه المفاجأة والدهشة في نفس المتلقي فهو ليس شاعرا. إذن النص الشعري يمثل رأس مال الشاعر، وهو تعبير عن إحساسه وشعوره، ضمنها تجاربه وخبراته، وأختار له أجود لفظ وأعذبه، حتى صار لديه بمنزلة نفيسة من الصعب أن ينسى مجهوده فيها. إن تجربة الديوان الشعري المشترك حتما سيكون لها قيمتها البيانية واللغوية ومضامينها بغض النظر عن الغرض منها و درجة جودة نصوصها، فهذه التجربة سوف يكون لها دلالاتها المتنوعة الأغراض. واليوم مع توفر ووفرة وسائل النشر والحفظ وتبادل المعلومات، والكم الكبير من الشعراء والشعر وكثرة ما يلقى من منصات المنتديات الشعرية وتشابه بعضها ببعض حتى التقارب والتطابق، أدى هذا إلى تراخي في ضبط هذه الوفرة من الشعر، كما أدى ذلك إلى تشتته و تفرقه. ولا شك أن المهتمين بالشعر والأدب حريصون كل الحرص على تحري الدقة والتوثيق ولا يقبلون التهاون في ذلك، والنص الشعري بغض النظر عن جودته، ومتانة مضمونه، نرى الشاعر يرتبط به لأنه انعكاس عما يجيش في نفسه من إحساس، قبل أن يدخل دائرة المتلقي، وبعد أن يتم عرضه وتداوله في المجالس والملتقيات الأدبية يعود صدى تأثيره على الشاعر نفسه ويشعر بردود الفعل حوله ويطمح في الرضا عنه وقبوله. ما سأقوله في هذا الديوان الشعري المشترك لثلاثين صوتاً شعرياً - شاعرةً وشاعراً - هو انطباع شخصي بحت لا يرقى الى النقد الأكاديمي. الدخول الى مثل هذه المتاهة مغامرة ٌفوق طاقتي. إلا أن نصوصه المختلفة الأشكال حفزتني على الكتابة عنه بعض الشيء. هؤلاء الثلاثون إسماً أشعلوا شموعهم، بفضل مبادرة الدكتور علي حسون لعيبي، وأصدروا ديواناً مشتركاً ينم عن تفاوت التجارب والإصرار على إيصال رسالة الشعر الى الاخرين. نعم لكل شاعر من هؤلاء الشعراء الثلاثين نبرة خاصة تميزه عن سواه. فالنصوص تعكس عمق تجربتهم ورؤيتهم للحياة كأن الشعر لديهم هو الحياة. فالبناء الفني لقصائد الديوان شكل وحدة متكاملة. فالتجارب الشعرية قد تتشابه في الهمّ الوجودي والعاطفي والوطني والذاتي والاجتماعي، بشقيه التفاؤلي والتشاؤمي، ولكن تختلف في الذات المعبرة عن شخصية الشاعر. فكل شاعر فيهم عبارة عن وجود وكينونة قائمان بذاتهما.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق