عبد الكريم الساعدي يكتب: مسوخٌ وعناكب


الطريق الآتي من عمق سحيق يمضي وحيداً، يحبو بكامل تعرجاته وانكساراته نحو الغرب، وسط صحراء مسكونة بمسوخ وعناكب، يبحث عن ملاذات تبدّد وحشته، تغيب عنه ملامح الحياة كلّما اقترب من سيطرات تتواطأ مع الظلمة، تجوس بعيون ذئب ظلال العابرين، عيون ملبّدة بإسفلت الطريق، مرّ مرغماً بها، بقايا قرى وأطراف المدن التحفت آخر ضوء للنهار. وبين خرائب ذات مساء يتخذ شكل الحجر، كانت الظلمة تهبه قبوراً لا شاهد لها، الصحراء بكامل زينتها تتعرى، تكشف عن وجهها، يتخطفها عشق الدم، تطلق مع الريح شهوتها، تزأر كحيوان مفترس: - أبا قتادة. - نعم أيها الأمير. - استلم مهمتك، عدّهم. - أمراً وطاعة. إنهم سبعة. يرن صخب المنية بوحشية، يحملق في وجوه الضحايا بازدراء واستخفاف: - حقّق معهم، جردهم من أشيائهم، ثم أغرس مخالبك في كلّ جزء من أجسادهم، عند الفجر مطالب بسبعة رؤوس. - سمعاً وطاعة. انتشر الفزع بين الضحايا، تعالت صيحاتهم، سقطوا في هوة لا نهاية لها. وما إن سقط قرص الشمس خلف الأفق، كان للرعب قامة سدّ بسحبه الغائمة كلّ مواطن الأمل، ربطوا الضحايا بما تبقى من تكبيرات ما زالت عالقة بأسنانهم النخرة ربطاً محكماً، ركلتها وجوه ملثمة بأقدامها، سحبوهم مثل خراف أعدت للذبح إلى ظلام ينحدر من خلف التلال. الصريخ يتعالى، يعانق السماء بالتوسل والدعاء. كان أبو قتادة سادياً بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ذا وجه أقتم وفم يفيض عواء، يتلذّذ بصراخهم ورعبهم، يطلق ضحكات عالية تنم عن عطش قديم إلى الانتقام. هدأ لحظة من لعبته، صوّب نظره نحو خمسة ملثمين، التهمت عيناه خطوط الموت: - تناوبوا على حراستهم حتى منتصف الليل. في زاوية غرفة مختنقة بأجساد عارية، ترتجف بالموت، يسقط الأنين داخل ظلمة تزدحم بهوام وحشرات حول بقايا جثث وبقع دم متجمدة، لا شيء سوى همهمات وأصوات مرتعشة بالخوف تجلجل في سكون الفراغ. كلّ جسد يتشكّل قبراً لا باب له، الحارس الملثّم خلف الباب غارقاً في وحل نوبته. يتسرّب إلى مسمعه نداء محفوف بالرجاء والهوان: - الله يخليك، اسقنا القليل من الماء. وما إن تعلّقت عيناه بملامح الضحية حتى تسمّر في المكان منذهلاً، ارتدّ إلى الخلف بعيداً، يجر أذيال ذاكرته المتفجرة بصور تزحف في كلّ الإتجاهات، حتى وجد نفسه في مواجهة ليل أبي نؤاس وحافة ليالي السمر، أيام كان طالباً في الجامعة، " إنّه صاحبي ابن المدن البعيدة ". حاصره الاضطراب في بؤرة مخيفة، يتشكّل الماضي أمامه بأبهى صوره، اختلس النظر مرة بعد أخرى، ترتدّ نظراته حائرة، لم يتبقّ على قطع عنقه غير ساعات، يزداد حيرة، "كيف لي أن أطعن ثغراً طالما قبلني بعد كلّ فراق؟" لم يبق من نوبتي غير دقائق، ما العمل؟" سرّح عينيه في أفق ارتباك رهيب، ارتجف من حقيقة ما يجري عند منتصف الليل، وما كان منه إلا أن يستدعيه خارج الغرفة بعد سقوط من خوف شاهق: - اسمعني جيداً، لا وقت أمامك اسلك ذلك الطريق الممتدّ بين التلال مسافة ساعة، ثم عرّج يميناً نحو الطريق العام، حينها ستبتعد عن الخطر. أحسّ الضحية بلعبة ما، ربما يريدون قتله أولاً، حتى أطلق الحارس صيحة في وجهة: - ماذا تنتظر يا عماد؟ انطلق. - وهل تعرفني؟! اختنق الحارس بعبرة، مدّ ذراعيه، دفعه بكلّ ما يملك من قوة: - هيا انطلق بسرعة ولا تلتفت خلفك. كان الحارس يرعى ما تبقى من حراسته حتى استبدله آخر، وخلال ثوان من القلق حتى طوّح نفسه تحت الغطاء، أحسّ بالدوار، فرائصه ترتعش من الخوف، انزلق إلى هوة اللاوعي، يخشى انكشاف سرّه، وبعد مرور ساعة وأخرى مليئة بالترقب والوجل أحسّ بالخلاص، فقد تناوب على حراسة الضحايا أكثر من واحد. وقبيل منتصف الليل ساد سكون عميق لم يقطعه سوى صراخ أبي قتادة: - سأقطع رؤوسكم جميعاً، إنّكم خونة، متخاذلون، أين السابع؟ وقف الجميع أمامه يلفّهم الصمت والخوف، يمطرهم بوابل من الشتائم والإهانات. - أمنحكم ساعتين، اقطعوا الطريق، هذه فرصتكم الأخيرة. راح جميع الملثمين يرقبون الطريق، لعلّهم يحضون بصيد فينقذون أنفسهم. ها هم يخوضون في خوف يحدّق بهم، بينما تفرّ قلوبهم خارج الصحراء، تطارد الريح، وحين يتراجع ظلّ الليل خلف التلال تتقافز خطواتهم نحو السراب، عيونهم تلهث، معتمة، تلامس كلّ شيء يمرّ عبر الطريق، وعبر مساحة من اليأس، كانت لعنات أبي قتادة وشتائمه تنزل عليهم كالمطر، تسحقهم بأقدام ثقال، وبعد صمت مريب يتهادى صوت محرك سيارة من بعيد، الجميع يتخذ مواقعه، يرقب الطريق بلهفة مجنون، كان مذاق الانتظار مرّاً، دوي المحرك يقترب، يتناغم مع دقات قلوبهم المتسارعة، وعند لحظة الاقتناص، هبّوا جميعاً ينفضون عن أنفسهم كابوس الخوف، الإعدام، يتشكّلون نصف دائرة أمام السيارة، البنادق مشرعة من كلّ جانب، عينا أبي قتادة تمرحان فوق وجوه أصابها الفزع والدهشة، السائق رجل كبير، تحدث ببراءة: - أخي، أعتقد أنّك مخطئ، هذه أرضنا. تطلّع إلى الوجوه بسخرية، يندلق من عينيه حقد: - أنت انزل، تعال معنا. أشار بيده إلى السائق: - انطلق، نحن نحتاج واحداً فقط، غداً سيعود إلى القرية، لا تخشوا شيئاً. كان شاباً وسيماً في مقتبل عمره، تعلّق بأذيالهم، " أنا ابن شيخ....". جرّه من ياقته، رجلاه تخطان في الأرض مرعوباً، لا يعلم سبب اعتقاله. ما هي إلّا خطوات حتى أرداه قتيلاً برصاصة. اعترض الذي أطلق سراح صاحبه: - ماذا فعلت؟ إنّه ابن جلدتنا! - أيّ جلدة التي تتحدث عنها؟ هل أنت مجنون؟ - لكنّه ابن الشيخ. - كلّهم سواء. - كيف؟ هذا ليس من المدن البعيدة! - أعرف ذلك، لقد أنقذت رقابكم من القطع، لا يهمني شيء سوى أن تكون عندي سبعة رؤوس. زمّ شفتيه ضاقت عيونه بقمم التلال المضطربة وصفير الليل الآتي من خلف الأسوار، وسط ليلة أسفرت عن تشوهات ضجة موهومة، هل كان يحلم؟ وحين امتلأت رئتاه بدخان الهذيان، كانت الصحراء تلتهم ما تبقى من جنون ذاكرته.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق