وفاء القاسمي تكتب: رسالة إلى ابنتي

رسالة لابنة لم تأتي بعد...أما بعد..
لن تعيشي في جلبابي أمك أو جدتك، سأساعدك لتحطيم ذلك القالب وتمزيق تلك الجلباب حتى يصبح إصلاحها مستحيلا، لن تحلمي بالحياة وتحمليها على ظهرك عندما تعجز هي عن حملك لا تحملي نفسك أكثر من طاقة كتفيك... عيشيها أو تعايشي معها بمّرها وحلوها  لا يهم نفس الشيء..أعدك سأعطيك المساحة بل كل المساحة  لكي تخطئي لتعرفي أين يكمن الصواب  لتتمسكي به  حينما تعرفي أن الخطأ طبع بشري وأنه من الأشياء التي جبلنا عليها ولسنا بمعصومين منها  لكن تذكري هناك من  الأخطاء ما يمكن أن ينهي الحياة  بتعبيرها المجازي حينما يكون اللون المباغث لعينيك  على رأس كل ساعة بل على رأس كل دقيقة وثانية  هو اللون الأسود عندما يرافقك خطأك حتى الممات  وإن تغيّر شيء ستتغير درجة السواد لا أكثر بعده ستشعرين بثقب في قلبك كلما حاولت الفرح سيؤلمك  ..ستعلمين عن أي نوع من الأخطاء أتحدث، تلك التي ستجعلني أتحسّر ربما لا أعلم !! على كل نبضة قلب نبضت من أجلك وأنت داخل رحمي  الذي كان وطنك الصغير لا قاتل فيه ولا مقتول  كنت أنت فيه الحاكمة والآمرة والناهية .. وأنا من انصياعي ومن فرط رغبتي في الرفع من مستوى راحتك جعلتك تقتاتين على عظامي وأنا أعلم أنها ستصاب بالهشاشة  قبل سن الخمسين ، لأنه ببساطة  في وطن كوطني لا تلام الفتاة على خطئها ذاك ربع ما تلام عليه أمّها ...في وطن كوطني  لم تتساوى فيه الخطيئتان بعد، فلا يزال فيه ذنب الأنثى لا يغتفر  وذنب الرجل لا يسمى بذنب أصلا ..لا تحرميني من الجلوس بجانبك يوم زفافك والمأذون يخاطب رجل أحلامك وحبيبك المنتظر ويسأله هل تقبل الزواج بهذه الفتاة البكر العاقل الحنون الطيبة المثقفة  التي زين  رأسها تاج علمها و شرف أبويها، وليس الشرف يا ابنتي كما علمونا أهل الشرق في الخطب والمنابر الإعلامية منحصر في قطرة الدم، لا..الشرف أسمى من ذلك، الشرف في الحفاظ على الوعد  وعدم عض اليد التي مدت إليك لتساعدك يوما، لا تديري ظهرك لمن رأى فيك طوق النجاة، لا تكسري قلبا ثم تعودي له بعذر تلميمه لتعيدي كسره من جديد، لا تذرفي الدمع على عابر لا يستحق ذرة إخلاص، لا  تسمحي لروح الطفل أن تموت بداخلك كي لا تصبحي قاسية صلبة لا تدمع عينيها مما خلفته العنصرية بالعالم ولا ترأف بمن شردتهم الحروب، لا تزيني خارجك بالألوان قبل أن  تزيني داخلك بالعلم وتتسلّحي به،  لا تتزوجي إلا حبيبا  رأيت فيه وليفا لروحك كي لا تخونيه ولو حتى في الخيال،  لدى أذكرك فالحب والزواج رزق والرزق  من الله لا يأتي أبدا بمعصية.
  حسن لو تجازنا النوع الأول من الأخطاء سيتبقى لك تلك الواجب تجربتها لأنها ركن من أركان الحياة التي لن ينجو منها أحد  تلك التي ستجعلك تعيدين ترتيب الحياة  من جديد لتكنسي رفوف الذكريات، لتضعي مكانها أحلاما وردية جديدة  الواحدة بجانب الأخرى دون ترك مساحة شاغرة بينهم ...لدى سأغرس داخلك  بذرة  زهرة  " هالفيتي "  التي يتغير لونها بتغير الفصول لكي يكون عمرك كله مزهرا وتتأقلمي مع أي فصل ..لا أنكر أنه ستتناوب عليك الفصول كلها، ستلفحك الحرارة  وتنخر قواك لتجثي على ركبتيك وأنت واقفة،  وتتجمدين في صقيع الوحدة تلتحفين الأرض وتفترشين السماء لوحدك ترغبين في عدّ أصدقائك فإذا بأصابعك لا تنفع لعدهم لأنك لن تحتاجيها، ستتساقط أحلامك اليابسة  الذابلة وتجربين طعم الوقت المرّ الذي يضيع في  انتظارها حتى تيأسي  منها  سيأتي من يسكب حفنة ملح على الجرح المرّة تلو الأخرى، ستأتي عليك أشهر وأيام وبمحض الصدفة  السوداء ستجتمع فيها كل مصائبك و خيباتك  لتجري ذيولها وحدك بدون سند حتى تحسي أن عمودك الفقري بدأت فقراته تنتزع  من مكانه، سوف تلتقين بأناس  سيزرعون الشوك في طريقك ويدفعونك لتسقطي عليه، وستسقطين،  في المرة الأولى ستستعينين بيد ما لتقفي وفي المرة الثانية ستكتفين بالاستناد على الحائط وفي المرة الثالثة والأخيرة ستقفين لوحدك دون مساعدة ..  حياتك لن تقف إلا بأمر القدير لدى ستزهر من جديد بأمره أيضا، لا تضجري حينها فما ابتلاك رب العباد إلا ليقوى عودك ويخضر وينبت على جنباته أشواك لتحميك، كل واحد ممن ستلتقين بهم في هذه الحياة سيعلمك دون القصد خصلة فيه يجيدها  وحده دونا عن غيره  أكيد لن تكون كلها محمودة ولن أمنعك من التطبّع بها...لكن من تلقاء نفسك ستصلين لمرحلة اكتشاف عميق للذات وأنت تقيسين حجم السواد والبياض في قلبك  بأفعالك وآثرها على نفسك ومن حولك ...ستفهمين أن ازدياد مساحة السواد مقابل البياض معناه ازدياد كمية البؤس والشقاء مقابل الفرح والبهجة وأن الكره لا يولد سوى الكره وبذرة اللوز المرّ لا يمكن لها أن تعطينا لوزا حلوا...سوف تمضي بك الأيام لتجدي نفسك تنخلين عن أشياء أدمنتها بعد أن صارت تجري مجرى الدم في العروق  وأخرى أحببتها  وظننت أن الحياة بدونها مجرد إشاعة، ستلغين في كل كسرة  حلما و في الأخير ستتقبلين واقعا...لكن بالله عليك لا تتقبليه بتذمر وتشاؤم فأمك قابلته بوجه متشائم فما كان من ذلك الواقع إلا أن أداق عليها الخناق شيئا فشيئا حتى صارت حلقاته محكمة يصعب الانفلات منها، تقبلي ذلك الواقع مع نية مبيتة بالتغيير، لكن لو كانت فقط الأساليب  الملتوية  هي المتوفرة لا تغيّري.. في الزمن القديم كان يقال في الحب والحرب كل الأساليب مشروعة وفي زمنكم سوف يضاف لها عبارة في الحياة أيضا كل الأساليب مشروعة... لكن تذكري أن ما من خير يمكن أن يصيبك إلا والله أكرمك به، لدى يبقى دائما الخيار الأول لتغيير حال ظننته محال التغير هو الدعاء، لكن الدعاء إذا لم يكن مقرونا بالعمل لا جدوى منه....حياتك ملكك وكل يوم يمر باردا قد أضعت فيه حلما كان يمكن أن يحقّق  وأنت تضعين يدك على خدك..فرحة كان يمكن أن تعيشيها لو غيرت جدران الغرفة بمكان لا يمكن حصر حدود جغرافيته بالعين  ..يمكن تحقيق الكثير في الوقت القصير...هي قاعدة آمنت بها أمك رغم كونها لم تطبقها دائما...سأكون عونا لك حتى تطبقيها أنت..أخيرا أحبك واشتقت لك.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق