موسى الرمو يكتب: ليلة القبض على فنان



كتبت صحيفة تشرين عن معرضي كخبر من ضمن نشاطات دمشق بذاك اليوم ووزعت بطاقات دعوة كثيرة جدا.
استقبلني الموظفون بشكل محترم وساعدوني بإدخال اﻷعمال ووضعها بمكانها المناسب بطريقة عرض جميلة وأبلغوني أن المخرج السوري ( ريمون بطرس ) ينتظرني على أحر من الجمر لتصوير معرضي بفلم وثائقي بأسم ( النحت السوري المعاصر ) ليعرض بمهرجان دمشق السينمائي.. كنت متعبا جدا ومرهقا من السفر.
أربعمائة وخمسون كيلومتر هي المسافة بين الرقة ودمشق قطعتها أنا وسائق السيارة ليلا.. وكان لا بد لي من استراحة قصيرة أريح بها جسدي المتعب من السفر.. لا يمكنني أن أذهب الى فندق فقد تطول إقامتي في دمشق مدة إسبوع أو أكثر والاقامة في دمشق مكلفة جدا.. ربما لا يمكنني أن أبيع عملا فنيا لكي أغطي مصاريف إقامتي في دمشق ويكفيني أجرة السيارة فأنا لن أتكلف أكثر سوف أبحث عن حلول أخرى غير الفندق.
كوني دائما أقيم معارض أصبحت أشعر أن المراكز الثقافية هي مثل بيتي وأتصرف بعفوية معهم وأعرف تفاصيل المراكز وطريقة عملها.. ذهبت الى مدرج المسرح محاولا ايجاد مكان أستلقي فيه لحين موعد اﻹفتتاح وهو الساعة السادسة مساء.. هو وقت طويل ولا يمكنني المقاومة إلا إذا نمت وارتحت، بحثت في الكواليس فلم أجد مكانا مناسبا.. لكنني وجدت خلف منبر كبير كان على خشبة المسرح مكانا مناسبا لكي استلقي خلفه، كانت الاضواء مطفأة و لن يراني أحد.
عادة كنت في مثل هذه الحالات أنام انا و كثير من فناني الرقة عند صديق لنا اسمه ( أحمد كمال ) سكن في دمشق منذ سنين وكنا نعلم أننا نثقل عليه لكننا كنا مجبرين كحالتي هذه.
استيقظت على صوت أشخاص اتضح لي لاحقا أنهم يجتمعون مرة كل أسبوعين وهذا هو يوم اجتماعهم، إنها الجمعية الكونية السورية ومن أيقظني من نومي بكل هدوء ولطف كان الدكتور ( فايز فوق العادة ) لم أكن أعرفه شخصيا فقط اسمع باسمه من برنامجه على الراديو منذ كنت صغيرا، قفزت من مكاني خلف المنبر وتظاهرت أنني لست نائما فقد شعرت بالخجل أمام عددهم الكبير وشعرت وقتها أنني ممثل على خشبة مسرح يؤدي دور مسرحيا أمام جمهور.
استغربوا من نهوضي من خلف المنبر نائما على خشبة المسرح وتهامسوا، ابتسمت لهم ثم غادرت.
تزامن حضور المسؤولين والتلفزيون وانتهاء اجتماع الجمعية الكونية كلهم مع الافتتاح واجتمعوا في صالة المعرض.
بدأ المعرض وبدأ التصوير التلفزيوني والصحفيين معي. أنا لا أنكر أننا بمجال الاعلام و( البهورة ) ( إحنا من أهلها ) شعرت وكأني عريس وأن عرسي هو اليوم.
احتفل الجميع بي وأتتني الابتسامات والتهاني والتبريكات من كل الاتجاهات حتى من قبل الفتيات اعتقدت لوهلة أنني لن أنزل اقل من هذا ثانية وسابقى مع المسؤولين أمام الكاميرات.
لا أحد يعرف بكم استأجرت الباص ولا احد يعرف أنني الأن أفكر أين سأنام ليلتي هذه.
لا يهمني فقد أصبحت مشهورا وها هي الكاميرات والمسؤولين أمامي ولن اشعر بالحاجة بعدها هذه دمشق العاصمة والشهرة تبدأ منها وانا الان في دمشق أمام كاميراتها ولن يتركني مسؤولوها.
بينما كنت أحلم وأوزع الابتسامات جاءت عيني بعين الدكتور ( فايز فوق العادة ) كان إحراجا لي فوق فوق العادة وتعرقت ولم اعد قادرا على اكمال دور المبتسم وجاء هو والبعض من مجموعته باتجاهي وسلموا علي سلاما حارا واعتذروا مني لما حصل في المسرح وانهم لم يعرفوا أنني فنان، كان كل هذا بصوت عالي.
الوزيرة ومحافظ دمشق ومدير الثقافة جميعهم سمعوا كلام الدكتور فايز.
لبدوي مثلي يحرجني كثيرا هكذا موقف.
لمح السيد فايز فوق العادة للمسؤولين بنظراته لهم ( تفووو عليكن يا كلاب استحو عحالكن ) تقريبا كانت بهذه اللهجة أو أكثر بقليل كان هذا مع بعض المفردات رماها على مسامعهم.
أوصى محافظ دمشق عضو مكتب الثقافة السيد ( بسام جيرودية ) بدعمي والاهتمام بي وقد تم تحديد لقاء معه غدا صباحا في مكتبه.
ذهب الجميع وبقيت وحدي في الصالة دون أن تحل مشكلة مبيتي هذه الليلة.
خرجت من المعرض اتمشى في شوراع دمشق وابتسم للمارة أقول لنفسي ربما شاهدوني على ( التفزيون ) هذه الليلة ربما كان البث مباشرا وأنا لا أعلم.
صعبة هي حياة المشاهير كلها توزيع ابتسامات للناس. وصلت حديقة في آخر شارع الحمرا تمشيت بها قليلا حتى وصلت مكانا فيه مقعدا مغطى بالشجر بجانب تمثال كبير لرئيس سوريا الأسبق كان التمثال تنفيذ الفنان الكبير ( مجيد جمول )، استلقيت على الكرسي و أنا أقول لنفسي
الرئيس الامريكي ( بل كلنتون ) شاهدته مرة على التلفاز يرتدي
( بنطلون جينز وجاكيت جلد اسود ) ورئيس وزراء بريطانيا يذهب الى عمله بالدراجة والمغني المشهور بوب مارلي يدخن المارغوانا مع الفقراء بالمناطق النائية، وهذه الأمور هي عادية ماذا يعني لو نمت في الحديقة فهي حالة حضارية.
استيقظت على صرخات عناصر الشرطة كانوا قد و ضعوا ( الكلبشات ) في يدي قبل ان يوقظوني ووجدت نفسي ملقى القبض علي متلبسا طقمي الأنيق بتهمة الإساءة للاداب العامة.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق