رضوان العمري يكتب: دموع الكتاب


- نداء المعرض العظيم
         في هذه الأسطر القليلة سأقربكم من أجواء رحلة من نوع أخر،لا تندرج ضمن أدب الرحلة، ولا أدب المذكرات، بل  ولا حتى ضمن يوميات السفر...إنها شيء تم وقمنا به، دون أن نفعل شيئا....سننتقل إلى دولة الدار البيضاء المغربية، عفوا إلى العاصمة الاقتصادية للملكة الحبيبة ذات المسجد العملاق (مسجد الحسن الثاني)، لنحضر الدورة الثالثة والعشرين لمعرض الكتاب والنشر الدولي. أكيد أننا سنشتري الكتب ونعود غانمين إن شاء الله بكل العلوم والفنون، وذكريات لا تنسى. فصبرا جميلا أتمناه لكم أعزائي القراء الأغنياء، نفاذي الكتب من رفوف المكتبات، في تحمل قراءة هذه الأسطر، والجمل المبعثرة بتبعثر الطالب المغربي الذي يوهم نفسه أنه يحصِّل العلم، مع أنه يعرف جيدا أنه يحتال على عدو ما، غالبا يعتقد مع قرارة نفسه أنه الدولة، أو الغير الذي ليس هو، عدو لا طعم ولا لون ولا رائحة له....
   -  شوق  وترقب موعد "الخروج العظيم"
بعد طول انتظار، شوق وترقب سادنا من العام الماضي "السنة التي نجحنا فيها ولوج الماستر المتخصص الكتابة ومهن الكتاب بكلية الآداب ظهر مهراز فاس"، وبمجرد علمنا بأنه ستكون لنا خرجة تكوينية إلى المعرض الدولي للكتاب والنشر في سنتنا الثانية ، أي هذه العام، عشنا إحساسا رائعا، غمرة الفرح والتشويق كانت بادية على وجوه معظمنا، كيف لا؟ ونحن مقبلين على زيارة تاريخية لمدينة الدار البيضاء (أول زيارة لأغلبيتنا) لنغتني بأجود الكتب وأشوق الروايات، وأعذب الأشعار... ونلتقي كذلك مع مبدعين وكتاب عمالقة، لطالمنا تأثرنا بإبداعاتهم واتخذناهم قدوة في تفكيرنا وكفاحنا أملا في الارتشاف من كأس المعرفة السحري، ولو جرعة صغيرة تضيء جهلنا القاتم..وتفتد درب المعرفة أمام أبناء قبيلتنا..
         كنت أنسج أحلاما وردية حول هذه الزيارة: جلست وحدي ووضعت قائمة بالكتب التي سأقتنيها: مراجع خاصة بموضوع الرسالة، وأخرى لتحضير الدكتوراه، "إن شاء الله"، بعد ذلك وضعت قائمة أخرى خاصة بالروايات والقصص وبعض دواوين الشعر، يقال أنها متوفرة بغزارة وبثمن بخس... كل شيء كان على أحسن ما يرام. أخذت ملابسي للغسيل، واستعرت معطفا وقميصا من أخي، كما تعودنا على فعله من زمان... 
- حلول الخروج العظيم
     وصل الحدث المأمول الذي طال انتظاره، طُلِب منا أن ننقسم إلى مجموعات مكونة من خمسة أو ستة أفراد ففعلنا، واخترنا يوم الخميس 16 من فبراير الجاري موعدا لانطلاقنا. إلا أن هذا الخبر بقدر ما كان مفرحا لنا، والذي لطالما انتظرناه، بقي صداه علينا مختفيا، ولم يبدى أحد منا إعجابه أو فرحته به. ذهب الكل إلى بيته شاردا وعلامة الحسرة بادية عليه، مسحوبة بالفرح وفضول كشف المستقبل. اتفقنا على أن نستقل حافلة بثمن منخفض، لذلك انطلقنا في حدود الثانية صباح الخميس ووصلنا في السادسة صباحا، بينما انطلقت مجموعة قبلنا ووصلت في الخامسة صباحا. ظللنا ننتظر في داخل المحطة حتى الساعة الثامنة، وطوَّفنا في اتجاه المعرض على الأقدام سيرا على الٌأقدام، تناولنا ما قل ودل في وجبة الفطور، واتخذ بعضنا هذا اليوم صوما وتبركا للعلي المنان.
الدخول إلى المعرض العظيم
     اشترينا تذكرة الدخول بخمسة دراهم مستفيدين من عرض التلاميذ والطلبة عوض عشرة دراهم للعامة. وبعض تلقينا تعليمات وشروح من أستاذنا المؤطِر حول طريقة اشتغالنا وكذا منهجنا في الدوران حول المعرض. انطلقنا نسأل القائمين على دور النشر حول الكتب التي يعرضونها، والكتب التي تلقى رواجا أكثر من غيرها، وعن المشاكل التي يواجهونها... إلخ. وكان علينا أيضا أن نلتقي بكتَّاب ومبدعين يوقعون أعمالهم، ونتبادل أطراف الحديث معهم. نسينا كل همومنا وقمنا بمهمتنا بنجاح كبير كعادتنا." إن الناس لا تشتر الكتب"، كان هذا هو العنوان الذي خلصنا إليه من خلال الجولة الأولى. كنا كلما دخلنا دور نشر نفعل كل شيء عدا اقتناء الكتب: نسأل القائم على الدار ونأخذ صورا تذكارية معه، ونطلع على كل الكتب التي يعرضها، يصيبنا الذهول من قيمتها وروعتها،  نشتَمُّ رائحتها، نحملها بين أيدينا ونقلب بين صفحاتها... لكن لا نشتريها..نتركها حزينة، يكاد يرى الدمع يقطر من أعين كلينا(نحن والكتب) تحسرا واستياء من هاته القوة القاهرة التي تفرق بين الأحبة "سلطة المال".. قال لنا أحد الناشرين من غينيا الاستوائية بصوت يكاد يجهش بكاء: "لقد وقعنا في الفخ. جلبنا كتب ضخمة وغالية الثمن جهلا منا حول معروضات السوق وقواعده، لأنها المرة الأولى التي نزور فيها هذا المعرض." تَمتمتُ في نفسي:"نحن أيضا نأتي لأول مرة إلى الدار البيضاء مثلكم تماما، ولم نستطع توفير ما يزيد عن تذكرتي ذهاب وعودة تتخللهما شبه وجبتي فطور وغذاء ناقصتي تحلية."، ولكنني طمأنته بثقة موهمه أنني سأشتري منه شيئا، ثم أخذت صورة معه وطأطأت رأسي غير مبال وخرجت شُجعانَ الجبانِ...قلت في نفسي إن المغرب صَرف الملايير ليجلب هؤلاء الباعة إلى هنا لماذا يا ترى؟؟ كي نشتري نحن الكتب ونتفقه في العلم، أليس كذلك؟ لكن أكان صعبا عليه أن يصرف منحة الطلبة بعد مرور انقضاء خمسة أشهر على الدراسة؟ بربِّكم كيف سنتكوَّن ونتعلم، ونصلح التعليم، كي نتقدم مثل سائر البشر؟ منحة لا تغني ولا تسمن من جوع، لاترى ولا تقارن بشيء، بل قد تجلب علينا التهكم والاستهزاء أحيانا إن سمع الغير بقيمتها. إننا طلبة الماستر يا حسرتاه! إننا المفلسون حقا. لقد تأكدت بالملموس أنه لا يوجد أحقر وأتفه من الطالب الذي يحمل تلك المحفظة السوداء، يبدوا كأنه يحمل عارا وعيبا، تفوح منه رائحة الفقر العفنة...(أتعجب ويا للعجب من أولئك "الأساتذة؟" الذين يتكفلون بالتنظير لإصلاح التعليم، فيمتصُّون الملايير ويبيعون التلميذ والطالب مقابل قبولهم فيلات وسيارات فارهة، ليغضوا الطرف عن المشاكل الحقيقية لتعلمينا، إنهم لصوص في قصر المتعة اقتباسا من عنوان الرواية التي ما زال ألم عدم شرائها ينخس ضميري للمبدع الرائع الدكتور عادل أوتني، وإن كانت هي تحمل عنوان "اللصيلصون في قصر المتعة"، وكي يزيدوا الطين بلة سارعوا إلى إسقاط مناهج ونظريات غربية حديثة ومتطورة جدا على طلبة وتلاميذ يدرسون تحت أسقف تعود للقرن التاسع عشر وطاولات متقادمة، متكدسين  رباع وخماس وسداس، ، فيتحول القسم إلى ما يشبه سوق شعبي مزدحم، فيه من كل فن طرف، يمضون اليوم كله وراء الطبور: من صف إلى صف، ويجب عليهم أن يناضلوا في الساحة...فمتى سيدرسون عباد الله؟ يواجهون مسؤولين لا حول ولا قوة لهم سوى طمس الأذن وتطبيق "القانون؟"، والوشاية والعمالة مع المخزن...) "عفوا، أعتذر عن هذا الخروج غير المحمود عن الخروج العظيم، إنه مني ومن الشيطان".  ارتفعت مرارتي وحسرتي حينما حضرنا مراسيم توقيع الكتب لبعض المبدعين وكان علينا أن نحاورهم دون أن نشتري عملهم، إنها إهانة كبيرة في حق هؤلاء الكُتَّاب الذين تعذبوا في كتاباتهم من أجل هذا: أن يروا جمهورا غير مكترث ولا يبالي؟، إنها جريمة ارتكبتها الحكومة المغربية في حق الطالب والكِتاب والمبدعين.."إن لم يقتني الطلاب والتلاميذ الكتاب فمن سيقتنيه؟!". يتعجب أحد الباعة في المعرض. وكمفاجئة صاعقة ومفرحة، وجدت أن أحد الطلاب  من المجموعة الأخرى قد اشترى ما يقارب عشرة كتب من المعرض! يا رباه! لا تفرحوا إنه من اليمن يستفيد من منحة يمنية وأخرى مغربية على ما أعتقد، وهو شيء سار، على الأقل أحد طلبتنا اشترى شيئا. لقد حضرنا المعرض ويا ليتنا ما فعلنا.
العودة بخفي حني
       عدنا في نفس اليوم إلى فاس بخفي حني خائبين متعبين، فلا نحن في منازلنا بقينا ولا كتاب اشترينا، اضطررت الدخول إلى المنزل منتصف الليل تجنبا لإحراج من الأخ الصغير الذي كان ينتظر هدية مني بفارغ الصبر، فلطالما سألني عن ماذا سأفعل في الدار البيضاء وماذا سأشتري، لعله استبشر قصصا ذات اللون البراق ومواضيع المكر الخداع...قلت بصوت عال صارخا:"سأؤجل شراء هذه الكتب، لعل السنة القادمة تكون فأل خير علي وتتبدل أحوالي وأحقق أحلامي."، أما الآن سأكبُت هذه الرغبة كما سبق وأن فعلت لمعظم أحلامي، عفوا لمعظم حقوقي. سأؤجلها حتى يعود حظي من إفريقيا، بل حتى نحرر الصحراء المغربية، وربما تطول أكثر حتى يخرج الإنجليز من ثغر جبل طارق وتخرج إسبانيا من سبتة ومليلية وتعود إلى جبل طارق، بينما ترجع إلينا مدينتينا المغتصبتين.. بل سأكبت رغباتي وحقوقي حتى يبعث الخليفة الأسطورة عمر بن عبد العزيز عله يراني مكبوتا، وطال في الكبت فيعدل.   
        

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق