أناس الكنوني يكتب: فلسفة البوغاز



في سرية تامة أمشط تعابير وجهه وأغربل حديثه، كانت بعض خفايا النفس تغلب على ظاهرية كلامه، فتخونه اللغة كما تخونه أمواجه المعوجة، فأنحدر إليه رغبة في فهم رموز معانيه المبللة برغبات مدفونة. عند التقائه بالمحيط قابلته، كانت أمواج البحر تغازل قدمي. سرمديتي الضائعة تبحث عني في خفايا الكلمات، شيء مني ضائع في هذه الأماكن، قلادة الكتاب والرواة وشعبية الحياة المنسلخة من فحش البرجوازية المتعفنة، فنطازيا المعنى، لغة العمالقة وتكهنات القراء بأن الرواة حمقى الشعوب المنفية في بلاد ترواده، هكذا اكتسحتنا جيوش العبث بخطى وئدا على حصانها التروادي، ونحن كالفدائيين وهبنا أنفسنا كوجبات خفيفة لمحتويات البحر وصياده باحثين عن منفذ من هذا العذاب..

وقفت مشبوها أمام البحر، متهم بثورة التاريخ المتحركة في شرايين عقلي، أبحث على جنباته عن كنوز العظماء في العظام، عن شيء يكون حبيس الذاكرة، شيء سقط من القراصنة عندما فرت هاربة من جيوش طارق ابن زياد، عروبة سرقة من بلاط الحاكم، وانصهار الأفئدة في عولمة التاريخ والتأخير، ومصانع جيل العبث التي اكتسحت هضبات زراعية، وانسلاخ التربة من لونها الفحمي وتخضرم الطبيعة والإنسان، عبثا أفتش في الرمل عن بقايا الأنا التي لا يستهويها هذا المناخ المنصهر في تيار العبثية، شيء من خاطري هناك يحركني قدما نحو تشكيل لغة الواقع المعاش، سريع الإنفراد بالذات وخاضع لسلطة التفكير الجماعية في كل زمان و مكان، عند محطة الباص وفي تجوال داخل أسوار المدينة العتيقة، عند التهام وجبة سريعة، أثناء حوار جماعي مغبر.. سجين التفكير وهضم للأفكار، وراغب في التحرر وامتلاك سلطة البسط.. متضارب اللغة في واقع متشنج الأفكار ومتعصب لسلطة امتلاك صلاحية أكثر في خوض غمار بحر السيطرة على نفسي. والناس حولي أدوات لأجهزة فقدت قيمتها الإنسانية في كونها إنسان يمتلك أعضاء الانخراط في جماعات بشرية تتنفس الأوكسجين وتتعاطى لمتطلبات الحياة اليومية..

منتعل لهويتي الفقيرة المتجردة من حقوق كثيرة، والممنوعة من امتلاك جواز السفر، أسافر خارج جغرافية المنهوكة من أيام الاستعمار الداخلي في انخراط تام مع المستعمر الخارجي، أطل على الجانب الآخر من الحياة، أرى حضارة تبنى كجدران بيت، ويوقفني خراب منزل على مرأى عيني الجاحظتين، ألبس الخيال كقمصاني ومعطفي وسراويلي وأحاول بما أوتيت من قوة أن أحيله واقعا، لأن الخيال هو الواقعي في الأصل الذي سلبت حقيقته وجرد من حقوقه الطبيعية.. أمشي هوينا حولك يا بحر وأستنشق الأمل من نسيمك الحر الطليق الذي لا يخضع لأي سلطة بشرية مهما كانت ضعيفة أم قوية، ومن فلسفتك يوحى إلي هذا الكلام، حر أنا طليق مثلك يا بحر، سأكون ما أريد..

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق