أمل عربي تكتب: يؤلمنا الفراق.. وتحكمنا المشاعر!


قدر الله أن لكل روح من الأرواح روحا تشبهها وتماثلها في الطبائع، وخبايا النفس، وسفاسف الأمور، يطوقنا الفرح برؤيتها، ونتألم لفراقها ألما تذوب له حبات القلب. العزاء وسلوى الروح هو تلك الأيام التي قضيناها تبقى لنا
ذكريات تسامرنا في الليالي الباردة، وتعوضنا عن جميع ما خسرنا.

الحياة ليست مرة، أو قاسية، أو حتى قبيحة، الفراق فقط هو ما جعلنا نمقتها ونبغضها ونمني أنفسنا بأننا سنمر عليها مرور العابرين حتى لا نختبر بفراق الأحبة ثانية، الحياة حلوة؛ المر فقط هو الشعور بالفقد فيها!

إن للفراق فنونا من الجنون وأصنافا من العذاب وأقبح فنونه أن المحب يظن بفراقه لمن يحب أنه يقترب من القبر خطوات، يبني لنفسه وهما ليعيشه بأن الحياة لم تعد صالحة للعيش بعد، يعتقد أن حبه كاثوليكي باق ما دامت السماوات والأرض، لم يدر أن الحب فنا من فنون النفس، تريده مرة وتلفظه مرات، تأتي به شهوة عابرة وتذهب به أخرى.

ظننا أنه لا سعادة في الدنيا سوى بالحب والعيش في التجربة حتى لو كنا نتجرعها علقما، وممارسة آلام الفقد وأحزانه، نسينا أن نصيبنا في القلوب محفوظ، وكل نبات يزرع في غير أرضه أو في ساعة غير ساعته إما أن تلفظه الأرض أو ينشب فيها فيغيرها ويفسدها كإشتعال الحريق في جبل من القش، ففررنا من حياتنا البسيطة، لنأخذ صفعة من الألم تذكرنا بقطعة الحلوى، ونزهة قصيرة في حقل مخضر، وحديث سمر تحت ضوء القمر، كانت ذروة سعادتنا، كانت سعادة أيما سعادة تعترينا.

الحب لم يعد هو السعادة التي نتمناها ولم يعد هو ذاك العهد الوثيق الذي تلي علينا في سير السابقين، بثينة وجميل، مغيث وبريرة، أو حتى سوزان وجلبرت،
الحب أصبح رداء يرتديه كل من لديه صنعة فارهة وقبضة من المشاعر المزيفة وخافق ينبض بين جنبيه. الحب لا يتعامل مع الخيال، ولا يرسم المثاليات التي لا تتحقق، بل لكل طرف حقوق وواجبات، تقومها المشاعر وتنظمها.

وإن كان لا بد للسعادة في هذه الحياة، فسعادتها أن يعيش المرء معتقدا أن لا سعادة فيها ليعيش على ظهرها هادئ القلب ساكن النفس لا يكدر صفو عيشه أمل كاذب ولا رجاء خائب.
يصبح الحب لنا ملجأ نلجأ إليه من مكابدات الدنيا وهمومها، وأرزاء العيش وضيقه عندما تجد مرفأ آمنا وقلبا مستقرا للسعادة وموطنا لها ويقدم لك السعادة بكل ما أوتي من حب.

الحب لا يقاس بطول المدة التي نقضيها في معرفتنا لنصيف روحنا إنما بطول الذكريات التي تبقى بعد الرحيل، يحدث أن يكون كغمضة العين وطرفتها فتتلاحم الأرواح وتمتزج كأنها مألوفة منذ زمن، حتى لو لم تر الجسد والهيئة فالمسائل الموضوعية لا ترفع قدرة العلاقة في شيء. فلا يعزينا بعد الفراق إلا الأمل في اللقاء. "وسينقضي بلقائك عهد بؤسي وشقائي!"

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق