محمد مشبال يكتب: فكرٌ وليد الآن


لا شيء يحسم الأفكار ولا تقيد أبدًا.. إن أعطيناها المُتنفس وأطلقنا عنانها لتتحرر من القوانين الوضعية والمألوفات والبديهيات السائدة.

الأفكار نفسها يمكن أن تٙقتُل وتُقتٙل؛ أن تخرج إلى الوُجود أو تُرجم وتعدم، أن تحلق عبر المدى أو تقيّد.. وهي نفسها يمكن أن تستعبدنا وتحتكرنا لها وتحاصر عنفوان فكرنا.

صُناع ومدجنوا الأفكار همهم التّزعم ليجعلوا الآخرين قطيعًا مُطيعًا للتبعية العمياء.

رجال الدين؛ قادات الحروب؛ سلاطين ورؤساء؛ أدباء وإعلاميين.. وحتّى الّذين نجدهم في الميدان يندّدون إدعاءًا أنهم للصالح العام يُناضلون.. لكنهم جميعًا يُروجون لإعلاء ديماغوجيتهم، الصفات كثيرة والقائمة لا تنتهي.

الإستيعاب والفهم عائد إلينا.. مدى وعينا وإدراكنا للّذي يجري ويحوم حولنا، فحجم المعلومات التي نتلقاها في زمن الثانية والدقيقة والساعة. يترتب عنه تشتت وضياع، فذلك الكم الهائل يُؤدي إلى فقدان التوازن وكذا تمييز وتبيين ما هو صالح وطالح؛ وما هو حقيقة وما هو فقط يصنع الحقيقة، ليجعلنا نضيع ونفقد في دوامة لا أول لها أو آخر.. فنحتاج جهدًا لنرتب ونحلّل ونفسر ونُغربل لنصل إلى استيعاب وفهم سليم.

يتوجب الابتعاد كليًا على الفهم العام، وما يُريده الملقي الذي غايته تختلف حسب أبعاده ونهجه، فيضخم مموهًا؛ مغريًا فكرته على أنه يخبرنا ما نريد سماعه وفهمه، لكنه يوصل لنا -ما يُريد هو- أن نعلمه لا ما نريد نحن أن نفهمه! 

يتوجب أن نسترسل أبعاد الكلام الذي خلف الكلام لنصل إلى الفكرة التي خلف الفكرة كي لا نسقط في فخ الجماد التّام.

أن يفكّر عنّا الآخر و يزرع بُذور أفكاره فينا، ونحن نسقيها ونغذيها بالجمود والتعصب ونعاملها بقداسة، ونتحدث ضاربين الأمثال بها ونرفض نقاشها أو الخروج عن قالبها -دون استدراك أنه تم تدجيننا-

أن نفكر معناها أن نطلق وندع ذاك المسمى العقل أن ينسج ويرسم بعمق ويحلق متحررًا، وألّا ندع شيء يحتكره أو يأخذه كمثال أعلى له.


الأفكار كانت قبل كل الأشياء؛ قبل الكتاب وجميع تلك الأسماء والألقاب الشهيرة.

لا نحتاج التّقليد والتقييد والامتثال للسّابقين ونقف جامدين معتمدين على الأطلال الغابرة.. بل علينا أن نخلق فكر لا كان وإنّما ولِيد الآن.


   


الإبتساماتإخفاء