أناس الكنوني: الجنون إرثنا


رغم أن أبي لم يكمل المستوى الابتدائي فهو يتقن قراءة الفرنسية والعربية، سهر في بداية دراستي على تعليمي كيفية قراءة وكتابة الحروف العربية والفرنسية، أبي كان يعاني من عقدة المدرس، طالما جلدني كالمدرس بالمدرسة على عدم فهمي قراءة وكتابة بعض الكلمات، زاد بالنسبة إلي الرهاب منهم الاثنين، كم مرة خنقتهم في الهواء بسبب عنفهم. مدرستنا لم تكن أقل من أكواخ هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، مفتوحة على مصراعيها للمجانين والحمقى والمتسكعين ولناشري الشباك للجميلات، الكل في مدينتنا البائسة متاح ..
لكن الآن عرفت قيمة أبي، وعرفت العقدة التي يعاني منها أبي، الظروف السيئة والبائسة التي عاش فيها حالت بين إكماله دراسته، كانت الظروف القاسية وجهل الآباء سببا في انقطاعه عن الدراسة، كلما ناقشته حاليا لمست فيه نبرة الفيلسوف، لو أن أبي استطاع أن يكمل دراسته لصار فيلسوفا، لكن أبي حمل جنون الفلاسفة في صغره حتى قبل أن يقرأ لهيغل وكانط وسارتر وشكسبير وأرسطو وأفلاطون وغيرهم.. أبي فيلسوف بالفطرة، لا يحتاج مرجعيات ليرسخ فكرته، يستطيع أن يرسخها بالشجار والعنف والدماء إن اضطره الأمر ..أبي يقول لي أنه فيلسوف كبير حتى ولو طار حينا واختفى في السماء، وأنا أقول من لم يشبه أباه ظلم شجرة العائلة، حتى أنا فيلسوف، فالجنون هو إرث العائلة.


عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق