محمود العكري يكتب: الفلسفة اللامدرسية



يحكى أن الفلسفة إغريقيةُ الأصل وأنّ أول من تفلسفوا كانوا بالضرورة إغريقيين، لكن هذا القول فيه نظر مطول ذلك أن الماقبل إغريق أيضا كانت لديهم مجتمعات منظمة وأخلاقا رفيعة كالحضارات الصينية والهندية والمصرية.. 
ما يهمنا من مصطلح الفلسفة هنا هو أنها كانت تعني " محبة الحكمة " والفلاسفة كانوا حكماء ومحبين للتفكير وتواقين للسؤال والتساؤل، بداية من أصل الكون وصولا للكيفية التي نستطيع عبرها التعايش معا في عالم مسالم وآمن. 
مع الإغريق بدأت شرارة ثورة التفلسف تأخذ مدى أوسع، وباتَ من حق الجميع ممارسة فعل التفلسف، آخذين في عين الإعتبار بأن الفلسفة جبّ الآمان وموطنُ الفكر، هكذا صرخ أحدهم قائلا ' اعرف نفسك بنفسك ' في حين ردّ آخر ' كيف سأعرف ذلك وأنا أعيش محاكاةَ ذاتي ' ليقول ثالثهم ' بدونِ منطقٍ لا تستقيم الحياة '.
ما ميزَ الإغريق آنذاك أنهم بنوا حضارة عظيمة جداً وفيها تم تأسيس نواميس كونية رغم أنها في بعض الأحيان كانت تحمل طابع الإستبداد إلا أنّ هذا لا يمنع إطلاقا من أنهم استحقوا نيل لقب العباقرة. 
هكذا بدأت الفلسفة في التوسع، آخذةً في عين الإعتبار أن مهمتها الرئيسية هي الخروج من وحلِ المستقنع إلى غابةِ الفكرِ الشاسع الذي لا يحدهُ شيء، لتعيدِ المجدَ للإنسان المستعبد الخانع، وفي نفس الآن لتقول كلمتها صائحةً: ما الذي يمنعنا من التفكير؟ 
لعلّ الذين سيأتون بعد الإغريق هم وحدهم العارفين بخبايا هذا السؤال، ذلك أنّ الفلسفة بعدهم ستأخذ منعطفاً آخر.. 
فبعدَ أن كانت مهتمة بالأنطولوجيا ومسائلها المعقدة وبالإنسان والمجتمع والسياسة، سيدخل الدين ليقول كلمته، ليقول أيضا أنا هنا وحاضر بقوة عن طريق الفلسفة المسيحية والإسلامية، هكذا سيصبح العصر الوسيط عصرَ دينٍ بامتياز، الكلمة الحقة فيه للدين وحده، وسواء الكنيسة بقساوستها أو المسجد بفقهائه من يملكون الحقيقة المطلقة ' الله يقول.. '
قفزةٌ خطيرة تلك التي قام بها الإنسان بعد أن كانت له الكلمة ' الإنسان معيار الحقيقة ' ل ' الله ممثلا برجاله الحقيقة '.
هكذا انتقلت الفلسفة من القضايا الفيزيقية إلى المسائل الميتافيزيقية، وباتت الحقيقة تعشعش في السماء بعدَ أن كانت بنتَ الأرض، صار أيضا الإنسان مكبلّ الفكر ولا يحقُ له التفكير إلا فيما أرادوا له أن يفكرِ فيه، لكنّ هذا لا يمنع القول من أنه كانت هناك استثناءات، أناس خرجوا للإعلان عن وجودهم، سواء في الفن أو السياسة أو العلوم..
وبعدَ الكشوفات الجغرافية، لاحَ السؤال الذي سيؤرق سلطة الكنيسة ويزعزع كيانها: كيف لهذا الله الكليّ القدرة أن لا يعرف بأن هناكَ قارات أخرى لم تكتشف بعدُ؟
صرخةٌ جديدة في مجال العلوم تقول أنّ الشمس مركز الكون والأرضُ هي التي تدور حولها، كيفَ لهذا الله الكليّ المعرفة أن لا يعرفَ بأنّ الأرضَ هي التي تدور؟ 
فبعدَ أن هيمنة الكنيسة وصارت الحقيقة ملكا لها، جاءت هذه الأسئلة الجديدة لتحيي من جديد مجد الفلسفة، ذلك أنها بطبيعتها تواقة للتساؤل، لا الركون للأجوبة المطلقة والكلية. 
ليعلنُ بعدها العصرُ الحديث عن ثورات ما كانت لتكون لولا تلك الأسئلة التي تحمل مشقتها مفكروا العصر الوسيط ' الكشوفات الجغرافية - الكواكب المحيرة - الفن - المطبعة - الثورة الدينية... '.
ستعود الفلسفة من جديد لتعلي من شأن الإنسان، بداية من الكوجيطو والأورغانون الجديد، ليفتحا في وجه البشرية عصراً جديداً عنوانه " التخلص من التبعية وإعطاء السلطة للفرد الإنساني ليقول كلمته عن طريق تفكيره هو لا عن طريق تفكير الآخرين ".
لعلّ أحدكم الآن يقول ويتساءل ' لماذا يسرد علينا هذا الأحمق تاريخَ الفلسفة وعنوانُ النصّ هو الفلسفة اللامدرسية؟ '
سأجيب قائلا أنّ الهدف هو إيضاح كيف كانت الفلسفة دائما جبارة وقوية في مجابهة الأجوبة، وماذا بعدُ؟
لعلنا اليوم، نشاهدُ أزمة إنحطاط كبير على كافة المستويات، وأشدها خطورة المستوى الفكري الذي نعيش فيه، ولذلك بسبب الأجوبة الميتة التي قبلنا بها دون فحص ولا حتى دون وعي منا.. لنعيش حياتنا بطريقة مكتوبة سلفاً وبأسلوب تبعيّ. 
في المدرسة يتم تدريس الفلسفة وكأنها لعنة من الله، الأجوبة ثم الأجوبة، ليس هناك أيّ طريقة أخرى في فتح المجال للتفكير الذي هو مهمة الفلسفة الرئيسية. 
والخطير في الأمر هو أنه حتى الدرس الجامعي اليوم درس بيداغوجي تطبيعي تافهٌ لأقصى الحدود، وما الذي يجبُ عليكَ فعلهُ؟ أن تتلو ماذا قال سقراط وأرسطو وديكارت... لتنال نقاطا تخول لك الإتتقال للمرحلة التالية حيث سيمكنك خلالها التعرف وحفظ نيتشه وفوكو ودولوز وديريدا... 
هكذا تغدو الفلسفة بلا روح، عوض أن تسأل عن السبب والغاية والضرورة التي جعلت هؤلاء الفلاسفة يدلون بآرائهم ولأي غرض، تصير كائنا يريدُ فقط معرفة الإجابة المباشرة ليصرخَ يومَ المحاضرة قائلا " ااااه نيتشه نعم قال كذا وكذا... ".
في حقيقة الأمر الفلسفة ليست غايتها هي الجواب، بل أكاد أقول أن لا غاية لها، إنها مثل الدينامو الذي يتحرك باستمرار باحثا عن شيءٍ ما، ما هو هذا الشيء؟ لا يهم المهم هو إستمراره في البحث عن ذلك الشيء المفقود. 
يقول دولوز " الفلسفة إبداع للمفهوم، والمفهوم لا يعشعش في السناء منتظرا قناصا يقتنصه، بل يجب أن تكون هناك حاجة وضرورة لهذا المفهوم في الواقع لكي نبدعه " 
ما أبعدنا اليوم عن هذا القول، إذ نكتفي فقط بسردِ الآراء، صرنا قراءً من الدرجة الرابعة، حتى فعل القراءة بات قراءة لقراءة القراءة. 
لكني أظن أنّ في هذا الأمر ذكاء ماكر من سادةِ القرار، إذ أن للتفكير كان ولا يزالُ يشكل خطورة على الدولة، فالفرد المفكر هو فرد خلاق وتواق لحب المعرفة دون الإعتقاد والتسليم بإطلاقيتها، بل أن نسبيتها هي الشيء الأهم في الأمر، ذلك أن كل ما هو نسبي مفتوح على احتمالات عديدة، وكلّ تلك الإحتمالات تتركنا نبحث دائما عن شيء مفقود. 
هكذا نغذو ذلك الكائن الدينامو الذي يؤمن بالحركة عوض السكون! 
وفي الختام أريد أن أشير إلى مقولة لباشلار حين سأله أحد الصحفيين قائلا: بماذا تريدني أن أناديك؟ البروفيسور أو السيد أو الفيلسوف؟ كان ردّ باشلار: قل لي باشلار وفقط، أنا الآن أنا وقد تخلصت من كلّ تلم الصفات التافهة التي لقبوني بها دون إرادة مني. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires:

  1. الفلسفة كما قلت ليس رواية تقص على مسامع الناس ، ولكن هي في الحقيقة مسألة الحاضر ونقاش مجرياته ، والبحث في مشكلاته و البحت عن حلول مأقتة تساير العصر ،كيف السبيل إلى إقامة مجتمع قائم بذاته ، له فضاء عمومي يناقش فيه مشكلاته الحساسة ؟

    ردحذف