مريم معمري تكتب: عَسراءُ ذاكرَة



ما أشنعَ تلكَ اللّحظَة الّتي يتَراءى لنا فيها أنّ زخات السّعادة الّتي أمطَرت عليناَ قبلاً ليسَت إلأَّ توهُّماً وأنَّ العابرينَ الّذينَ حضيوا بحُبّنا ، أبدًا لا يستحقُّونَه ..
تردّدت هذه الكَلماتُ في رأسها وغاصَت في تفاصيلِ نُخاعها الشّوكيّ وقدميهاَ هيَ الأخرَى في الجليدِ مبتورَة 
هي فتاةٌ لم تعرف يوماً هل الحرارةُ في قلبها منبعثةٌ من صَدرها أم أنّ ذلكَ الجليدِ ينصَهرُ ليخرجَها ، لا تَدري ماذا تَفعَل وإلى أينَ تتّجه بحلقها الجافّ وعينين لا تُبصران غيرَ ذلكَ الاِصفرار العَجيب الذّي يعمّ وجهها ..
تائهةٌ في الصّحراء القاتلَة حيثُ لا شعورَ بالزّمن وكأنَّ رأسها عقربُ ثوانٍ في ساعةٍ معطّلة ..
شابَ عليها الدّهرُ وهيَ لا تُدركُ اسمها أو عُنوانها أو حتّى وجهتها ، عادَت الكلمات لتعبثَ بعقلها المُرتبك من جَديد وتتأجّج في صدرها كشضايا نيرانٍ لاهبَة 
ماذا تفعلُ الآن ؟
أصبحت بلا وطنٍ وبلاَ أهل وبلا حتّى هويَّةٍ وكلّ ما تفكّر به هو سقوطها أرضًا وتوقّف نبضِ قلبها عن النّبض حتّى تُخمد النيران وتُزال عنها آثار الشّضايا وينقَشع منها الدّخان مُطلقاً سراح تلكَ الغصَّات ..
كانت الرّمالُ تمسكُ بقَدميها باحكام لأنّها تتحرّكُ وسطَ تلك الحبيبات بصعوبةٍ 
تعودُ تلكَ الكَلمات لتعبثَ بها ، اللّعنَة 
أمسَكت الفتاةُ رأسها بشدّةٍ عسَى أن يستَجيب لشدّها ويَعتقَه الصّداع ..صوتٌ 
صوتُ طلقةٍ ناريَّة من على قمّة الجَبل ، سقَطت الفتاةُ اثرَ صوتها المُدوّي ،إنّها تَهوي كعقلها الّذي سقط من رأسها وهوى إلى غيبوبةٍ عَميقَة .
مرّت بها عدّة أيام وهيَ لا تشعُر سوى بالظّلام فجلّ أعضائها توقّفت عن العَمل ما عدا قلبُها وأذناها ..
ــ صَديقتي أتسمعينَني بوضوح ؟
عقلك الآن هاديءٌ ومستقرّ ، انتظَرتُ ذلكَ طويلاً ، أنتِ الآن تحتلّين فراشاً بمستَشفى الأمراض العَصبيَّة  وأنا الدّكتُور خالد الرّفاعي "الطّبيب النَّفسيّ" 
تجاهلت الفتاةُ صَوته لتُركّزَ في تَفكيرها لأنّها كانت أوّل مرّة تَنتابها حالةُ صفاءٍ كامل كهَذه ، حاولت التّركيز لكنّ الأصوات كانت وكأنها تصدُر من خلايا مُخّها .
صَديقتي ،أودّ اخباركِ أنّكِ جئتِ إلى هنا بعدَ اصابتكِ بصَدمةٍ نفسيَّةٍ غَريبَة من نَوعها جعلت الأطبَّاء يستَقيلونَ جرّاء فشلهم في علاجكِ من غَيبوبَتك ..
يُقالُ أنَّ تلكَ الصّدمة نشأت من انهِيار منزلكُم  أمام عينينكٍ وفقَدتِ أهلكِ ..
عادَ النّزيفُ مرّةً أخرى لينهَمر كشلّالٍ ، تمنّت لَو أنّها استطاعَت تحريكَ ذراعها الأيسَر لتلكُم الطّبيبَ فكّه حتّى تُخرسَه ، لكنّ شللها خذلها وللأسَف ..
استمرَّ الطّبيب في ذلكَ مساء كلِّ يَوم ولم تَكن استجابَة 
اليَومُ الأخير من السَّنة الجاريَة حيثُ مضى على حالة الفتاة 9 أشهُرٍ و28 يوماً 
ــ صَديقتي عليكِ اقناعُ نفسكِ بأنّ ما تمّ قَد تمّ وأنتِ الآن جزءٌ من الحياة 
فكّري بحكمَة  الله ، لمَ أبقاكِ أنتِ حيَّة ؟
مؤكّدٌ لكِ مهمّةٌ في هذه الحياة ، لكِ ما تبقَّى عليكِ فعلُه 
أمعني ورتّبي داخليّتكِ حسبَ عمقكِ 
والآن سأترُككِ يا بَطلة لحَربكِ الضَّاريَّة معَ عقلكِ ، رفعَت الفتاةُ يدها اليُسرَى ولوّحت بها إلى حيثُ دفتره وكأنّها تُبصرُه ..
اضطَربَ الطَّبيبُ لدهشَته وحطّ بدفتَره على يدها ، فهمَ أنّها تُريدُ كتابَةَ شَيءٍ 
ظلّ باصراً حيثُ يدها فشهدَ وقعَ جُملتها : 
عَسراءُ ذاكرةٍ أنا ..
همّ الدّخان به لجملتها هَذه .. توجّه لمَكتبه حيثُ الورقةُ البيضاء ليخطّ بها استقالَته 
(الفتاة شاهدَةُ حربٍ من حُروب هذا العالَم الشّنيع ، المرضُ الذّي تعاني منه هو التخوّف من معايشَة العالم من جَديد ولشدّة ذلكَ أقنعت داخلها بفقدها لما يصلها بالخارج وهذا ما أشلّ بجميعها فتُركَ القلب والأذنين لحكمةٍ من الله عزّوجل لشهد حقيقة ما تخلّف هذه الحُروب من أزمات باطنيَّة بالنّفس البشريَّة ..
المَقصُود بعسراء ذاكرة أنّها لا تتذكّر سوَى الصّدمة ...)

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires: