عبد اللطيف المرابط يكتب: ماسح الأحذية



إلى متى والوجدان في بحور من الحزن غارقٌ؟ ألم يان للزمن أن يوقف عجلته ويريحنا من مطبّاته؟ طيب، وماذا بعد؟ أنا إنسان ضعيف لا حول لي ولا قوة، أكسب قوت يومي بأي طريقة، ولو دهست كرامتي تحت عجلات أنانيتهم، أعاني في صمت، الناس لا يرحمون، لا ضمائر لهم، وكأن أحدا لا يعرفني، لا سلام هنا ولا كلام، أخرج في الصباح الباكر، قبل أن تطلع الشمس، أقضي سحابة يومي في التسكع، والبحث عن عمل بسيط أكسب منه بضعة دراهم تكفيني لأتناول وجبة العشاء عند أحمد بائع الأكلات السريعة، أكتفي بنصف خبزة والحوت الرخيص وكأس شاي، بطني يؤلمني ولا أدري ما السبب، أهو نقص في الأكل أم طبيعة ما أقدم على أكله كل يوم؟ أنا وحيد هنا، لا صديق لي ولا حبيب، والدي لفظ أنفاسه بعد تعرضه لحادثة سير، أمي ماتت بعده بسنتين بعد أن نخر المرض جسدها النحيل، أختي الصغيرة أخبروني أنها تزوجت بسعودي يملك مالا كثيرا.. هربتُ من البلدة منذ سبع سنوات، بعد أن تشاجرت مع الفقيه، ما ذنبي إن كنت أملك ذاكرة سمكية لا تحتفظ بشيء؟ صفعني بقوة، هويت على ركبته بلوحتي، وأطلقت ساقي للريح، لم أبت تلك الليلة في بيتنا، سخط علي والدي لأني عصيت من هو قدوتهم في الدوار، في الغد، جمعت لوازمي وكل ما يخصي، كي أنجو من بطش والدي والفقيه والقبيلة، سافرت إلى هنا، وألقيت بنفسي في متاهات الحياة التي لا تنتهي، هذه المدينة التي لا تعرف سوى الظلم والاستغلال والاستبداد والحرمان، طفولة بريئة أنا، تقتات في المزابل، تتسول في الشوارع، تمسح الأحذية، تجر عربات النقل أحيانا.. كم مرة قررت أن أبحث عن أختي، لكني أحب أن أحتفظ بها في ذاكرتي كما فارقتها آخر مرة، طفلة صغيرة، تخشى الرجال ولا تحدثهم، تحمر وجنتاها خجلا حين يكلمها أحد، تبول في سروالها ليلا حين تبالغ في شرب الشاي قبل النوم، وكم وبختها أمي على فعلتها!! إن المسافة التي تفصلني عن نصفي الثاني ليست مسافة أمتار ولا كيلومترات، بل مسافة سنين وأزمان... أعيش حياة مفعمة بألوان من اليأس والعذاب، أتعرض لمضايقات من قبل صعاليك ولا ذرة من الرحمة تلامس شغاف قلوبهم، جردوني يوما من ملابسي الخارجية، وأرغموني على المشي في الشوارع، أتلحَّف السماء وأفرش الأرض، لولا رأفة شيخ مسن بي لكنت من الهالكين، وذات مساء اعتدى علي شابان يترنحان من فرط السكر بشفرات الحلاقة، لطخوا وجهي بالدماء، بعدما أدموا قلبي منذ أمد ليس بقريب. كل هذا يحدث لي مرارا وتكرارا، حتى صار الأمر الغريب بالنسبة لي هو أن لا يحدث، ما لم يقع لي إلا مرة واحدة، هو أن امرأة مسنة لم تقوَ على حمل قنينة الغاز، فحملتها على جسدي الذي أنهكه الزمان وأنا أتظاهر بالقوة، كان ما حصلت عليه مقابل ذلك، عشرون درهما، وملابس كان يرتديها ابنها الغائب عنها، كنت أتردد على بيتها من حين لآخر، أكون لها مؤنسا في وحدتها، ومعينا لها في أشغالها، وذات يوم آن لها الأوان أن تستجيب لطبيعة الحياة، فكنت عند رأسها، أتأملها وهي تحاول أن تحيا، فيأبى الموت إلا أن يجرها إليه، تمتمت بصوت يشبه الصمت: شكرا لك بني الذي لم ألده، شاءت لك الأقدار أن تأتي إلى هنا، لتشهد ملحمتي مع الموت، الذي ذقت طعمه مرات ومرات قبل اليوم، حين كنت أعاني من صمت الليالي الطوال، سهرتها خائفة جائعة، لم يكن مؤنسي سوى قطتى التي دهستها شاحنة الأزبال ذات صباح مقرف، ابني الوحيد، قرة عيني، وفلذة كبدي، ركب أمواج البحر صوب ديار المهجر قبل أعوام كثيرة، دون أن يخجل من دمعي، الوداع.... إلى الملتقى.... الــ.....ـــــو.....د....ا....ع.. لفظت السيدة العجوز أنفاسها، بكيت بكاء مريرا، وكأنها أمي حقا، تبا لهذه الحياة، تأبى أن تبتسم لي ولو مرة.. فهل تعرفون من أنا؟ أنا المتشرد دائما، وماسح الأحذية أحيانا.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق