زكرياء الزاير يكتب: قراءة في الديوان الزجلي للشاعر المغربي عادل السليماني بعنوان " لعبة الزمن والعالم "



" الشعر يجتذب معه ثروته، حتى لو كانت الخلاصات التي يفضي إليها ينقصها الوضوح: ما يخسره من النّفاذ يربحه في الحيوية " 1
الزمن لعبة الشاعر
الشاعر/ الراوي  يروي أحداث زمنه لكَ أنت ويخاطبك بقوله :" ما غديش تموتْ" فقط سوف تتحول وتتشكل بفعل الزمن (زمن الكتابة )." ما غديش تموتْ" لو ولجت لعبة الزمن التي سوف تنبعث من خلالها شكلا جديدا وقلبا جديدا وصورة جديدة . "ما غديش تموتْ" لو نظرت لما وراء الطبيعة/ العالم بعين الشعر.
غاية القول الشعري 
يوجد دائما غاية من القول الشعري، تسير بالشاعر نحو استنطاق/ استبصار دلالات خفية من داخل كيانه المتوحد مع لغته/عالمه. لغته الخاصة جدا، حيث يحضر الشاعر كفاعل ومنفعِل في الآن؛ منفعِل كونه متلقٍ لهذا الخطاب الجمالي، وفاعلٍ كونه ينتج هذا الخطاب انطلاقا من تمركزه مع  ذاته المنفعلة .  ف" الذات الفردية ليست وحدة متماسكة وواعية كل الوعي بنفسها (...) بل إنها تشهد صراعا حادا بين مجموعة من القوى والمناطق النفسية التي يختص كل واحد منها بفعاليات نفسية متعددة ." 2 ومن ثمة ف" إن عناصر اللغة ، سواء كانت شكلية أم دلالية ، لا تأخذ قيمتها إلا عندما يُنظر إليها في علاقة بعضها مع البعض الآخر في البنية النصية ذاتها ." 3
   وما يهمنا من هذا التفاعل - كونه ينتج نصا / خطابا أدبيا  يمكن قراءته قراءة جمالية_ حضور اللغة كعنصر أساسي يحدد طبيعة العنصر البشري ، ويقيس حدود هواجسه   النفسية، ويساهم في بناء رؤية شكلية للتصور اللغوي ومن ثمة الثقافي ، الذي يوجد بين ثنائية الذات/الآخر ، الثنائية التي تشكل زمن العالم ثم زمن الشاعر .
 من هنا يصير الشاعر باحثا في عمق اللغة ذاتها لكي تتوحد مع ذاتها، وتتجسد مع محكيه كي يروي حكايتها خارج الزمن : " نهار جيتِ نسيت تاريخ اللغة اللي تبنّاتني/ اللغة اللي ب الخوا(ء) بناتني " 12 ،  دلالات يفرغها من محتوياتها العالقة بها بفعل الزمن. محتويات يجمعها ويشكلها ويحتويها، بدأ بالمدهش( الحب) مرورا  بالجميل ( الشعر ) إلى الكوني والإنساني ( الموت) . إنّه العالم/ السؤال الذي يؤرقه ويتعبه:  "طار حقي ف الجنة / سعادات النار/ سعدات الما(ء) " ص5  طريق عريانة/ والقبور كسوتها/ وحدي ف هذا لعزا/ نعزِّي /و/ نتعزَّى" ص8 ... يسير وفي السير تجدد وبحث في أقاصي حدود التجربة، مع الزمن أولا، ومع العالم ثانيا، باعتباره يقول الزمن بمقابل العالم ف" نحن نعيش في عالم غريب ورائع، فعمره وحجمه والعنف الذي يحتويه وجماله، كل ذلك يتطلب خيالا فوق العادة لإدراكه ." 4
الموت فكرة أخرى خارج الزمن 
 يسير عادل السليماني نحو الشعر بفنية وذكاء وفق اختيارات دقيقة جدا، فيصير أشبه بالخميائي الذي يخلط مجموعة من المكونات الغير منسجمة والغير متجانسة، ليصنع منها مزيجا واحدا مركبا ذا شكل معين، أو رائحة وملمس أحيانا... إنّ الشاعر بذلك صانع أشكال وأجسام لغوية من خلال القصيدة، صانع "خواء" تفوح منه رائحة الروح المعطرة برذاذ الشعر والموت كحافزين ومحفِّزين على الأداء الشعري : " نهار جيتِ [...] / تحبِّيتْ/ وبيدك/ دفنتْ الموت" ص 16" مت وحييت/ إيه/ دخلت للجنة وخرجت/ حيت معايا ماكنتيش"ص41/" عارف الموت كتلعب وسط الفرح حابة [...] لازم مرّة مرّة نهدي للموت ثمرة/ باش نعيش اكثر " ص42/"آري غير حرف/ إلى داز من حداك الموت/ فيه ندفنوه" ص 45
مواد تُنتجَ من تركيبته السحرية للعالم، ولعل هذا العالم/ الروح حسب الشاعر بكل بساطة :"خواء" يتشكل فيما قبل المادة كشكل خالص للروح على الحامل الجسد / اللوحة  "اللوحة ل ما تشبه الروح حرام " ص46.
  إنّه راءٍ وراوٍ لأحداث هذا العالم
  يرى ما لا يستطيع غيره رؤيته، ويروي ما رآه بعين قلبه (نسبة للحلاج)، لكن هذه الرؤية/ الرؤيا مختلفة قليلا ونسبيا، لأنها رؤية العارف/ الشاعر الذي يكسِّر العالم ويعيد نسجه خارج المحسوس، وبتعبير تودوروف ف:" الفن يقوم بتأويل العالم، ويمنح الشكل لما لا شكل له، بحيث إنّه ما أن يهذبنا الفن حتى نكتشف مظاهر مجهولة في الأشياء والكائنات المحيطة بنا " 5
. إنه كائن يحسّ ويرى ويسير ويهمس ويهجس ويتفاعل ويروي كينونته :  " كنت دخلت للمطلق نهار وقف قدّامي جبل النور/ لا القمرة.../ لا النجوم.../ حتى حاجة ما كتشبه ليه"ص9 . 
إنّ الشاعر هنا، لا يشبه أحدا لأنّه يدرك جيدا تراتبية الزمن باعتباره راوٍ لأحداثه :" شوفة لالّة كِ ضحكة الصبيان / ما فيهاش الزمان" ص33، إنّها رؤية القصيدة/ "لالة" خالية من الزمن لأنها بكل بساطة عابرة له، ومتجاوزة لأحداثه التي لا تصنع إلا عالم المادة ولا تصنع الشعر، وبتعبير أدونيس "فالشعر لا تاريخ له"، أي لا زمن له.
 ربما عادل السليماني  يدرك شكل الزمن، لأنه يستطيع جمعه وترتيبه وتشكيله وتقصيره ومدّه أحيانا، وذلك عبر  الاستحضار كلعبة زمنية أخرى، حين يستدعي أشكالا لغوية (أسماء) تستدعي بدورها سياقات/ إشارات مختلفة ومتباينة، (إلى فؤاد شردودي..إلى بلقاسم لحو ...إليهم أرفع هذا النص( أطفال القمر ...)) فيصير بذلك قادرا ومتمكنا من العبور بفعل اللغة عبر مناطق متباعدة داخل الذاكرة ( ذاكرة المتلقي العارف)/ الدهشة  " إنشطاين" لهيه كينتف شي زغبات من الوقت اللي شاط ليه ف الراس". ص 11" شفت " شارلي شابلن" هاز عينيه للسما(ْء) / كيقرا قصيدة [...] شفت الطويّر كيضحك ب لكحل ولبيض" ص إنّها حقيقة الشاعر التي يحاول القبض عليها، ومطاردتها عبر دروب المجاز القصي، التي تفضي به إلى المغامرة والبحت والنحت فوق صخرة اللغة عن شيء خفي بها، ربما يكون حصانا مختبئا بداخل هذه الصخرة/ اللغة؟ أو ربما ظل فكرة داخل كهف ؟ " نهار جيتِ ودّن الودّان:/ ما كايناش جهنّم" ص 14" نهار نزلنا لهاد الأرض/ اكتاب على اللغة الحرب/ واكتاب على القلب الشوق للفوق"ص 57" باقي غصيّن من روحي ف الشجرة/ باقي حريّف من قلبي ف الثمرة/ باقي عسل كلامي ف الشهدة ". ص421
علينا أن نصدق الشاعر ونستمع إلى خطو نبضه، "وليت رويحة بلا لون / وليت شجرة صايمة وسط الليمون " ص6
وعلينا أن نقتفي أثر خطوه وركضه وراء الحقيقة/ القصيدة "بقيت هنا واقف / تعلّمت ب اللي الوقت ريشة ف سماكْ" ص 10
ف" الفن/[ الشعر] لا يفضي إلى معرفة العالم فحسب، بل يكشف في الآن ذاته عن وجود هذه الحقيقة ذات الطبيعة المختلفة [...] والحال أن جمال نص أدبي ليس شيئا غير الحقيقة " 6
هوامش :
1_ تزفيطان طودوروف الأدب في خطر ترجمة : عبد الكبير الشرقاوي ط: الأولى 2007 ص 31
2_ د . حميد لحمداني . الفكر النقدي الأدبي المعاصر ، مناهج ونظريات ومواقف ، الطبعة الأولى 2009   ص 83
3_  نفسه ص 142 
4_  مرجع سابق ص 13
5_ مرجع سابق ص 37
6_مرجع سابق  ص 36

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق