محمود العكري يكتب: لعنة آلهة الحب



قالت: ما اليوم؟ أجبت: يوم من الأيام.. - لكن ما اليوم! + لا أدري.. - هو يوم عالمي، ألا زلت لا تدري؟ + للأسف نعم. - إنه عيد الحب أيها المغفل، أليست لك حبيبة؟ ألا تحتفل بالأعياد التي يقيمها العالم فرحا بالإنسانية؟ يبدو أن حبيبتك ستنزعج منك كثيرا!! أحسست وكأنني في جب ثلجي، وجسدي قد بدأ في التجمد من كثرة الصدمة التي سمعهتها أذناي.. " عيد الحب " ما هو يا ترى هذا الحب الذي تتكلم عنه هذه اللعينة! دخلني شك في أني لا أعيش في هذا العالم العبثي، فكيف لي أن أكون وأنا لا أدري ما اليوم وما مناسبته! ثم إن هذه الملعونة لا تدري أني غير مقيد بقواعد وإحتفالات العالم التافهة، كما لا تدري أني أحب شيئا أكبر من أن يختصر في عيد من الأعياد.. الحب! إنه لعنة من لعنات الآلهة، وحبي بالأحرى مغاير للحب في مسماه العادي والبسيط " حب الآخر ".. نعم إني أحب أيضا الآخر، لكنه لا يتمثل في هيئة إنسان، ولا في هيئة عيد، ولا في أي هيئة من هيئاتكم الموقرة.. أن تعيش لا يعني بتاتا أن ترتبط بحب غبي تافه، أن تحيا ليس مفاده أن تحب الآخر البشري، ثم أنك وإن وقعت في ذلك الحب، فأنت في الواقع لا تحب الآخر، بل تحب نفسك متمثلا في ذلك الآخر، وبهذا تكون إله الأنانية والإستغلال بدرجة فارس. أن تحب، في الحقيقة هو أن تحيا.. أن يكون حبك الأبدي إتجاه الحياة، إتجاه الواقع الذي توجد فيه، أما الأعياد والمناسبات فهي مجرد خدعة من الإنسانية لكي يوهموا نفس الإنسانية بأن القيم ليست مفترقة، وأن العالم لا يزال يعيش على نفس الشبه، أي يحب نفس الإنسانية من منطلقه، وبالتالي يحب نفسه إنطلاقا من الآخر الذي يوجد معه في نفس الهيئة اللعينة.. إن الحب أكبر بكثير من أن يختصر في قاعدة إنسانية تحت مسمى " الإنسانية "، الحب إختراق للمألوف، إختراق للعادة. إختراق للتقليد.. وبمعنى أعم تجاوز للذات من حيث هي كذلك، وبهذا تكون قد وقعت حقا في " الحب " وليس حبا بالمعنى العام، فالعام متشابه المحتوى دوما. اليوم نحن بصدد مهمة عظمي مختصرة في إختراق الحدود، ولا يمكن إختراقها إلا بتجاوز المألوف وهدمه، إن الأصل الذي إنبنت عليه الأفكار قد لا يكون صالحا لكل زمان ومكان، قد لا يصلح لنا بمعنى ما، لأن هذا العيد قد يكون فكرة من مغفل إتجله مغفلة أخرى في التأسيس، تأسيسه، لكن العودة للمنبت قد تكشف لنا أن هذه الظاهرة أقيمت لسنة وافترقا الزوجان واحتفلا به مع " آخر " في سنة أخرى. معنى الحب من داخل المنظومة الإنسانية نسبي جدا، فكيف لشيء لا أملكه أسعى جاهدا لأن أهديه لطرف لا يرغب فيه! لهذا يجب وليس بمعنى الأمر أن يكون الحب في منظومتنا البشرية منطلقا للإختلاف وليس أساسا للتشابه، إن الهدم بمعناه الإيجابي يمكننا من تقويم الذات الفارة من ذاتها إتجاه إلقاء القبض عليها في ذات الآخر الذي يمثل في حقيقة الأمر نفس ال " الهو ". بهذا، تكون الدعوى لإقامة التجاوز قيمة عليا يجب السعي لهدمها إنطلاقا من بناء مفاهيم على الإحساس بالدرجة الأولى وليس على منطقته وعقلنته.. فالحب إحساس، لكنه ليس إتجاه الآخر، بل هو إحساس بوجودك مع ذلك الآخر وتفاعلك معه، وهذا الآخر لا يمكن أن يكون غير " الحياة ".. فالحب وحده القادر على منحك هبة الحياة الخالدة. أن تحب، لا يعني أن تعلق ذاتك على الآخر " الإنسان " بل أن تمجد ذاتك إنطلاقا من وجودك داخل منظومة " الحياة ". بهذا: تهدم ---> تسمو ---> تحب ---> لتحيا.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق